إقرأ المزيد


​جنود الصوت والصورة في مواجهة (إسرائيل)

صورة أرشيفية
رام الله / غزة - أدهم الشريف

يعلم الصحفيون الفلسطينيون مدى أهميتهم في الساحة المحلية التي وفرت لهم أرضية خصبة للعمل الإعلامي، وفي الوقت ذاته تعلم (إسرائيل) مدى قوة الرسالة التي ينشط هؤلاء من أجل إيصالها على صعيد كشف الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها جيشها في الأراضي المحتلة.

ولو أن أحدًا حاول رصد انتهاكات الاحتلال بحق الصحفيين، لاحتاج إلى أيام طويلة لإحصائها محاولاً من خلال ذلك كتم صوت هؤلاء وحجب رسالتهم التي باتت تخشاها (إسرائيل) لتداعياتها الخطيرة عليها محليًا وعربيًا ودوليًا بعدما ارتكبت جرائم ضد الإنسانية نجح الصحفيون الفلسطينيون في توثيقها بالصوت والصورة، وبات الجميع يؤمن أنهم جنود ميدانيون.

وتستعرض "فلسطين" من خلال هذا التقرير تجارب صحفيين من غزة والضفة الغربية المحتلة، كان الميدان مكانًا لهم في الأوقات الساخنة، عاشوا انتهاكات الاحتلال وجرائمه، ونجحوا في توثيقها عن قرب.

ويؤكد مراسل الجزيرة في غزة هشام زقوت، والذي يعدّ نفسه واحدًا من صحفيين كثر شاركوا في تغطية الحروب على غزة (2008/2009، و2012، و2014)، أن تجربته مليئة بالقصص والحكايات حول ما ارتكبته إسرائيل من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين.

وإذ يشير زقوت لصحيفة "فلسطين"، إلى أن الصحفي الفلسطيني لا يتمتع بحقه في الوصول إلى الأماكن الساخنة، وسهولة الحركة، إلا أنه لم يخفِ إيمانه بنجاحه في فضح جرائم الاحتلال وانتهاكاته.

وأضاف: "من حق الصحفي الفلسطيني الحصول على المعلومة، وتوفر المعدات اللازمة، وحرية التحرك من وإلى قطاع غزة".

التزام مهني ووطني

وينطلق زقوت في عمله الصحفي من التزامه المهني بالقوانين والقواعد الصحفية والمهنية التي تنطبق على أي صحفي في العالم انسجامًا مع القواعد التي وضعتها قناة "الجزيرة" والتي تشمل المحافظة على الرأي والرأي الآخر، والمهنية في تغطية الأخبار ونقل الحقائق مجردة دون أي آراء أو تحليلات.

وفي سياق متصل، أكد أن الإعلام سلطة رابعة تنقل ما يجري على أرض الواقع، وتعرض القصص التي لا يمكن للمشاهد العادي أن يراها أو يطلع عليها دون الإعلام، لذلك فهو جزء مهم في تغطية أي حدث.

كذلك، أكد ضرورة إيضاح الأحداث خلال التغطية الصحفية وإبراز كل جوانبها من جميع الزوايا.

وأشار إلى تطور تغطية الإعلام الفلسطيني ما بين عدواني 2008 و2014، ومع ذلك تطور أسلوب التغطية والمصادر أيضًا، وأسلوب التعامل مع الإعلام العبري الذي يبث الكثير من المعلومات غير الحقيقية، ومقابل ذلك بات الإعلام الفلسطيني قادرًا على التعامل بمهنية مع هذه المعلومات.

من جهته، بين مراسل قناة "الميادين" في غزة أحمد غانم، أن تجربته خلال تغطية الحروب كانت صعبة خاصة أنها كانت متلاحقة على القطاع ذي المساحة الضيقة (365 كيلو متر مربع) هامش المناورة أو التحرك فيه خطير جدًا، نظرًا لأن العدوان مكثف".

وأضاف غانم لصحيفة "فلسطين": "خلال عملي لم أكن قادرًا على التحرك في مناطق العدوان، لكن خلال فترات وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال، كنت أتحرك للمناطق التي استهدفت وخاصة المناطق الحدودية، وسط تهديدات خطيرة، دون توفر معايير السلامة المهنية خاصة أن جيش الاحتلال ليس لديه أي أخلاق تحيد استهداف الصحفيين الفلسطينيين ولا يحترم المواثيق الدولية التي تكفل حماية الصحفيين في أوقات النزاعات".

وتابع: "التجربة كانت تزداد صعوبة مع تزايد القصف، وطبيعة المهام التي تطلب منا، حيث كنت أتوجه للمناطق الحدودية للتغطية المباشرة فترة وقف إطلاق النار، وهي فترة ليست آمنة كما يعتقد بعضهم، فالمناطق التي كنا نذهب إليها لا ندري ماذا زرع الاحتلال فيها، ولا نعرف طبيعتها، وماذا ترك الاحتلال في أرضها".

وأكمل: "كنا نسير جنبًا إلى جنب مع القذائف التي أطلقتها مدفعية جيش الاحتلال ولم تنفجر، وبقيت على الأرض في مناطق متفرقة من غزة، وكان هذا يشكل خطرا كبيرا علينا لأنها لم تنفجر".

وتابع: "كانت فترة وقف إطلاق النار ونحن في مناطق النزاعات، وهذا كان يشكل لنا هاجسا كيف سنخرج من المنطقة خلال وقت قليل وكانت الأمور تسير معنا آنذاك بخطورة بالغة؟".

استهداف ممنهج

وتابع: "الاستهداف الممنهج لعشرات الصحفيين كان يمثل هاجسًا أمامنا، لذلك كانت التجربة مريرة، وحين كنت أرى استهداف الاحتلال للصحفيين كانت تحدثني نفسي بالبقاء في المناطق الآمنة، لكن في النهاية هناك تكليف لنا ننفذه انطلاقًا من واجبنا المهني والأخلاقي والوطني تجاه ما يتعرض له المواطنون من انتهاكات".

وعدّ أن استهداف الصحفيين كان عقبة كبيرة لا بد من مواجهتها، لكن للأسف الأجسام الصحفية عاجزة عن حماية الصحفي، وجيش الاحتلال لا عهد له ولا ميثاق.

ومرَّ غانم بتجربة لن ينساها أبدًا، إذ تحول من ناقل للخبر إلى الخبر ذاته، حينما استشهد شقيقه محمد في قصف إسرائيلي بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، خلال العدوان على غزة صيف 2014، فيما يقول: إن "طبيعة الحرب وما تعرض له قطاع غزة من كمية نيران غير معقولة، كان يشعرني بالقلق، وشكل استشهاد أخي صدمة لي".

أما الصحفي أمين أبو وردة، من مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، يعمل جاهدًا على تغطية ما يرتكبه جيش الاحتلال ومستوطنوه في نابلس، إحدى المناطق الأكثر سخونة بالضفة المحتلة.

وقال أبو وردة لصحيفة "فلسطين" إن الاحتلال يرتكب انتهاكات بأشكال مختلفة، وكصحفي أتابعها بشكل دقيق وحثيث عبر إذاعات محلية أقوم بمراسلتها في ساعات الصباح، ومواقع إلكترونية وهذه المتابعة تأخذ أشكالا عدة من ضمنها المتابعة النصية لكل الأحداث وتفاصيلها من إجراء مقابلات وإعداد تقارير وأخبار تتعلق بانتهاكات الاحتلال.

كما يعمل أبو وردة على تصوير هذه الانتهاكات والتقاط مقاطع الفيديو، إذا أمكن، من اقتحامات واعتقالات وعمليات تخريب منازل المواطنين، وتجريف أراضٍ، وبثها على وسائل الإعلام سواء التي يديرها أو التي يعمل مراسلاً لها في الضفة الغربية.

وأضاف: "نحن ندمج بين الجانب المهني والجانب الوطني في ظل الاحتلال وممارساته، وهذا يجعلنا نحمل هم المواطن والوطن في نقل هذه الانتهاكات".

وتابع: "أعمل على الوصول إلى أماكن الحدث استجابة لمطالب المواطنين بتوثيق انتهاكات واعتداءات الاحتلال".

وأشار إلى أن الصحفي الفلسطيني الذي يقوم بهذه الأدوار يدفع ثمنها، فهناك صحفيون استشهدوا وأصيبوا، وآخرون اعتقلوا أو منعوا من السفر للخارج، وغيرهم منع من دخول مدينة القدس.

وأضاف أنه "في المقابل نؤدي رسالتنا المهنية في رصد وتغطية ما يجري من أحداث، ونقلها باحترافية ومهنية بالغة دون أي تضخيم، لكنني دفعت ثمن ذلك باعتقالين إداريين في سجون الاحتلال، خلال 2012، و2015".

من جانبه، يؤكد الحقوقي صلاح عبد العاطي، أن مهنة الصحافة في فلسطين هي "مهنة نضالية لما لها من دور كبير في توثيق جرائم وانتهاكات الاحتلال وتقديم أفضل أدلة إثبات على ارتكاب الجريمة".

وقال عبد العاطي لصحيفة "فلسطين": إن جميع لجان تقصي الحقائق الدولية والمنظمات الدولية الحقوقية والناشطة في القضايا الإنسانية تستند بشكل أو بآخر إلى ما يوثقه الإعلام في فترة النزاعات وخاصة ما يتعلق بالفيديو الذي لا يظهر فيه أي لبس بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وأضاف: "يكتسب هذا الفيديو أهمية مضاعفة في حال منعت لجان تقصي الحقائق من دخول الأراضي الفلسطينية بقرار من (إسرائيل) للاطلاع على حقيقة ما يجري".

وعدَّ أن ما يوثقه الإعلام مجرد أدوات تستخدم في هذا المجال، وجرى استخدامها والاستفادة منها ونقلها لمكتب المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية.

مواضيع متعلقة: