​جدّات صغيرات ومنفصلات

د. زهرة وهيب خدرج
الجمعة ١٢ ٠٧ / ٢٠١٩

أن ينفصل أزواج حديثو عهد بالزواج، فهذا شيء ليس بمستغرب، فقد يكون لنقص الخبرة في الحياة الزوجية، واندفاع الشَّباب وتهوُّرهم، وقلة العشرة والألفة فيما بينهم، علاقة بذلك، ولكن أن ينفصل أزواج أمضوا معًا سنوات طويلة من أعمارهم، وأنجبوا أبناءً، وكوَّنوا أسرًا كبيرة، حتى باتوا أجداداً وجدات. فهذا مما لا يقبله عقل.

عندما رأيتها للمرة الأولى، ظننتها في عشرينياتها، والطفل الذي كانت تحمله بين ذراعيها وتحنو عليه، حسبته صغيرها.. إلى إن كانت المفاجأة التي أربكتني وجعلتني أشعر بأنني أسأت التقدير حين سمعت الصغير يناديها ببراءة: "تاتا". وهنا توالت المفاجآت الواحدة تلو الأخرى.

قالت بصوت هادئ واثق، يطفو عليه حزن دفين وأسى.

تزوجت في الرابعة عشر من عمري، كنت طفلة ما تزال تلهو بألعابها، وبحاجة للكثير من الحب والحنان والاحتواء، ولكني وجدت شيئًا آخر في بيت زوجي. القسوة والجفاف وسرعة الغضب هي الأنماط السائدة في بيتنا، كان زوجي يؤثر نفسه واحتياجاته في كل نواحي الحياة، حتى أبنائه لم يكن يولهم كبير اهتمام، يظن أنهم أحد مسؤوليات الأم التي لا دخل للأب بها.. يكفي الأب جلب الرزق ومعاركة الحياة خارج البيت ليعود منهكاً آخر النهار، وبذا يكون قد أدى ما عليه.

ثمانية وعشرون عامًا قضيتها معه، أُصبِّر نفسي وأضغط عليها لتحتمل البقاء في بيته، وتكمل الحياة برفقته، ليس رغبة ولا حبَّاً؛ ولكن رفقاً بالبنات الأربع والابن الوحيد الذين أنجبتهم واعتنيت بهم وأنشأتهم على الصلاح وفضائل الأخلاق وكانوا هم معنى الحياة وطعمها في نظري.. تحملت الكثير برفقة هذا الزوج وبذلت ما بوسعي لأعوض أبنائي غيابه بالرغم من كونه يعيش بيننا ويقاسمنا السقف والحياة اليومية.

تزوجت ثلاث من بناتي وشرع ابني ينشئ بيته الخاص وأسرته..

وجاء الطلاق بأسرع مما توقعت، ولسبب لا يستوجب الطلاق حقًا. ففي ذلك اليوم نشب خلاف عادي لم يرقَ إلى مستوى كثير من الخلافات السابقة التي كنت أجابهها بصمتي وانحيازي لمصلحة أبنائي وإيثاري البقاء إلى جانبهم..

هددني قائلاً: "سأطلقك".. قلت: "لم يعد يهم.. لقد مللت هذه الحياة".. قال: "هل تقصدين ما تقولين؟؟" قلت: "أجل".

قال: سأطلقك وأتزوج من أخرى.. قلت: "مع السلامة، وفقك الله، لم يعد يهمني شيء".

طردني من بيته قائلاً: "أنت لا تحصين النعمة، ولا تستحقينها.. لن أُبقي عليك أيتها الجاحدة".

وبعد عدة أيام وصلتني ورقة الطلاق. لم يفاجأ أبنائي بما حدث، برغم قناعتهم بأنه جاء متأخراً جداً.

كانت تقف خلف طاولة البيع في معرض للملابس الشرعية، سيدة في نهاية أربعينياتها، تمضي ساعات طويلة واقفةً على قدميها، يبدو التعب جلياً في وجهها المعروق، سمعتها تقول: "لولا الظروف التي لا خلاص لي منها ما خرجت من البيت ولا عملت.. ولكن مُكره أخاك لا بطل".

سألتها: "وما الذي يضطرك لهذا العمل، ألست متزوجة؟؟ ألا يكفيك دخل زوجك؟".

قالت بحزن: بل كنت متزوجة، ولي بنات ثلاث، تزوجن وذهبت كلٌ في سبيلها، ليس لي أبناء ذكور، يبدو أن زوجي قد ملَّ عشرتي، فأخذ يضيق علي الحياة، ويفرض عليَّ قيودًا لم أعهدها.. أصبح الصوت المرتفع وردَّات الفعل العصبية هي طريقة تعامله معي.. وفجأة وبدون مقدمات أخبرني أنه يريد الانفصال عني.. رجوته أن يبقيني في بيتي، وليتزوج إن شاء.. ولكنه أبى إلا الانفصال..

وها أنا ذا أعمل لأعيل نفسي بعد أن انقطعت بي السبل.

همسة أُسرِّها في آذان الأزواج "رفقًا بالقوارير" المرأة تحتاج منك أن تهتم بمشاعرها، واحتياجاتها العاطفية.. فإن أهملتها فقد شرعت تُحدث شرخًا في علاقتك بها وذبلت كما تذبل الوردة وجفت عواطفها، ولن يعود لديها ما تهبك إياه.. وإن شعرتْ بحبك واهتمامك ستفديك بروحها، ستفعل ما بوسعها لإسعادك والبقاء إلى جانبك.