​جبهة الرواية تقلق (إسرائيل) بذات خطورة جبهة القتال

د. عدنان أبو عامر
الأربعاء ٠٤ ٠٧ / ٢٠١٨

على غير العادة انشغلت الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية بالحديث في الآونة الأخيرة عن شكل جديد من المواجهة الدائرة مع الفلسطينيين، تتمثل بجبهة لم تكن مدرجة ضمن أجندة الجيش والأجهزة الأمنية في سنوات سابقة بذات الكثافة والدسامة الحاصلة حاليا، وهي جبهة الحرب على الرواية، أو ما تسميها (إسرائيل) المعركة على الوعي.

بدأت تظهر مؤشرات هذه الجبهة بصورة متزايدة منذ اندلاع مسيرات العودة أواخر مارس الماضي، في ظل تراجع القدرة الإسرائيلية على تسويق روايتها المعادية للفلسطينيين، ونجاح هؤلاء في ترويج روايتهم عما يحصل، وتسابق وسائل الإعلام، لاسيما العالمية منها، على نشر هذه الرواية، المصحوبة بالصورة الميدانية لما تشهده حدود غزة من مظاهرات سلمية مدنية.

ربما لا يخفى على أحد حجم الماكنة الإعلامية والدعائية التي تحوزها دولة الاحتلال، وحالة التنسيق والتشبيك القائمة بين مختلف مكونات الأدوات الإعلامية في الوزارات الحكومية ذات العلاقة: مكتب رئيس الحكومة، وزارتي الخارجية والجيش، والسفارات المنتشرة حول العالم، وكلها مجندة في خدمة رواية الجيش والحكومة التي تزعم أنها تواجه مظاهرات مسلحة يشارك فيها مسلحون من فصائل فلسطينية وأجنحة عسكرية، لكن هذه الرواية تبدو كاسدة في سوق الإعلام العالمي، ولم تجد أحدا يشتريها، حتى أصدقاء (إسرائيل) في الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية.

تجلى الإخفاق الإسرائيلي في جبهة الرواية ومعركة الوعي في سلسلة اعترافات أدلى بها عدد من كبار الضباط والساسة والكتاب الإسرائيليين المكلفين بتعميم رواية الجيش والحكومة أمام الرأي العام العالمي، وأجمع معظمهم على تقديم هذا المعطى "(إسرائيل) ربحت معركة منع الفلسطينيين من اجتياز الحدود الزائلة، لكنها خسرت الحرب على الرواية"، وظهرت أمام العالم على أنها أكبر دولة في المنطقة مدججة بأعتى ما أنتجته هيئات الصناعات العسكرية، تواجه المئات من الفتيان والنساء العزل، يرفعون أعلام فلسطين ويهتفون بحناجرهم يطالبون بحق العودة لديارهم المحتلة.

لم تتوانَ المستويات السياسية والإعلامية الإسرائيلية عن إجراء فحص جدي وبحث دقيق لمعرفة أسباب وعوامل هذا الإخفاق في تسويق الرواية أمام نجاح الفلسطينيين، الذين لا يملكون عشر معشار الآلة الدعائية الإسرائيلية، حتى جاء اليوم الدراسي الذي نظمه معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب قبل أيام، واعتذر كاتب السطور عن المشاركة فيه بعد دعوة وجهها إليه المعهد.

توصلت محاضرات ومداخلات المشاركين في اليوم الدراسي الإسرائيلي لقناعات مفادها أن (إسرائيل) لديها مشكلة بنيوية تقف خلف هذا الإخفاق، ليس بسبب نقص في الإمكانيات المادية ولا عجز في القدرات التقنية، على العكس من ذلك، فهي تحوزها، وبصورة فائضة عن الحد، لكن المشكلة كما يقول خبراء التكنولوجيا تكمن في المستخدم، وليس في الآلة التقنية.

مواضيع متعلقة: