​محطات في حياة العالم الفلسطيني فادي البطش

جامعة ملايا تبكي مدرسها الأول ومآذن ماليزيا لن تصدح بصوته

طلبة الشهيد فادي البطش يبكون فراقه في إحدى جامعات كوالالمبور (أ ف ب)
كوالالمبور / غزة - يحيى اليعقوبي

غاب صوته الندي عن المآذن، لكن صداه لن يغيب هناك، يسترجع كل من عرفه بعضا من الذكريات الجميلة التي تمنوا أن تبقى لفترة أطول مع صديقهم الشهيد العالم الفلسطيني الدكتور فادي البطش (35 عاما)، الذي غادرهم دون سابق وداع.

في مكتبه بالجامعة الخاصة بكوالالمبور في ماليزيا كل شيء بات حزينا، حتى نبتة "النعناع" التي هونت عليه مرارة الغربة وجعلته يستنشق رائحة بلاده، ذبلت على رحيله. 200 طالب ممن درسهم لا يتخيلون أن أستاذهم قد رحل.. غابت ابتسامته عن الرحلات الاجتماعية والترفيهية لأصدقائه، وغاب هو عن مساجد ولايات ماليزيا وحلقات القرآن الكريم، وبقيت جوائزه وأبحاثه العلمية واختراعاته حية لا تموت.

من مرارة الحزن يقلب د. عبد الرحيم شهاب (هندسة معمارية) شريط ذكريات جمعه بصديقه منذ تعارفهما عام 2005 في قطاع غزة، حين كان عبد الرحيم عضوا في مجلس إدارة نقابة المهندسين عن محافظة شمال القطاع.

يعود في حديثه لصحيفة "فلسطين"، لتلك المحطة "حينما كان فادي خريجا جديدا حاصلا على بكالوريوس الهندسة الكهربائية من الجامعة الإسلامية، وكان يأتي لمقر النقابة للانخراط بالدورات التدريبية باستمرار".

يقول: "لمست في فادي صفات نادرة بحرصه على التعلم والانخراط في الدورات التدريبية، وجدته إنسانا محبا لمهنته لتطوير نفسه، يتابع كل جديد ويهتم بدورات التخطيط الإستراتيجي".

تأثير من البداية

فقبل سبع سنوات، انطلق فادي بعد معاناة مع معبر رفح الحدودي إلى ماليزيا لدراسة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية، وقتها كان شهاب يذهب في زيارات إلى ماليزيا، ومن ثم يعود لغزة، قبل أن يستقر بعد عامين مع صديقه.

يقول: "تفاجأت بحجم تأثيره في ماليزيا خلال أول عامين له هناك، كونه حافظا للقرآن الكريم، كان يؤم المصلين ويتنقل بين المساجد ليس على المستوى المحلي في كوالالمبور بل بدأ يتنقل لمساجد ولايات أخرى، وبدأ الناس يعرفونه أكثر رغم أن دراسة مرحلة الدكتوراه بالهندسة الكهربائية ليست هينة".

استطاع فادي توطيد علاقاته بالجاليات العربية والإسلامية، مشاركا في جميع أنشطتهم ورحلاتهم بماليزيا، كان يتحفهم بتلاوة القرآن الكريم، يضيف شهاب مثنياً على صديقه: "رغم انشغاله كعالم ولديه إنجازات علمية ومنشغل بدراسته، إلا أنه امتاز بروح الدعابة، والفكاهة، يقابل الناس بوجه بشوش، كان قدوة للشاب المسلم في الأدب والورع".

لم يدرك شهاب أن هناك لحظة فراق قريبة مع فادي الذي أسر قلبه وقلوب الماليزيين، "فأكثر ما كان يلفتنا في رحلاتنا، حينما نكون سعداء بأجواء الرحلة من مرح ومزاح.. الخ؛ هو علاقة فادي بالصلاة، فما إن يأتي موعدها فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، يحافظ على صلاة الفجر رغم أن لديه محاضرات تمتد لساعات المساء ويعود للبيت متعبا".

المدرس الأول

ذهب شهاب لجامعة صديقه الشهيد ليحصل ويجمع مقتنياته، يقول: "ظننت أنني سأحصل على صندوق صغير، لكن فوجئت بأكثر من أربعين ميدالية ودرع تكريم وشهادات على مكتبه.

يتابع: "بمجرد أن شاهدني الأكاديميون الماليزيون التفوا حولي يبكون ويستذكرون أوقاتا جمعتهم بالعالم البطش علها تخفف مرارة الفراق، تذكروا ابتسامته حينما يدخل عليهم كل صباح كشعاع الشمس، يعد لهم أحيانا الشاي ويضع عليه نبتة "النعناع" أو "المريمية"، ليضفي جوا جميلا في هذه الصالة التي تضم 12 مكتبا للأكاديميين".

وأثناء التقاط شهاب صورة لتلك الدروع التي جمعها، طلب أحد الأكاديميين أن يفتح علبة حمراء مغلقة، ليتفاجأ الجميع بأنها جائزة حاز عليها العام الماضي كأفضل مدرس في جامعة كوالالمبور الخاصة، لكنه جعلها مغلقة "لا نعلم لماذا ولكن قد يكون تواضعا لزملائه".

ولا ينسى شهاب حين حضر 200 طالب من الذين درسهم البطش لنيل درجة البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية، قال أحد الطلبة "لا أعرف كيف سيأتي مدرس ليوصل لنا المعلومة لمواد معقدة بالطريقة التي كان يوصلها الدكتور فادي".

وكان البطش قد قرر أن يعود لغزة بعد أن أنهى دراسة الدكتوراه عام 2015، لكنه مدد فترة وجوده بماليزيا حتى تنتهي زوجته من الحصول على الدكتوراه في العلوم الإنسانية.

سيفتقده رمضان

"سنفتقده كثيرا في رمضان، لم يقطع برامجنا على مدار سبعة أعوام"، بهذا الجملة استهل رئيس مؤسسة ماليزية موسى محمد نور حديثه عن فادي.

وفي كلامه عن المهندس الشهيد تختلط مرارةٌ بعذوبة الذكريات "فإذا ما ذكر التواضع ذكر فادي، نتحدث عن منظومة كاملة من الأخلاق والثقافة، كان ملهما ومعلما بكل شيء، في أخلاقه، في صوته الندي ونحن على أبواب شهر رمضان، سنفتقد التلذذ بسماع صوته، ستفتقده أنشطة الجاليات الفلسطينية كان وجوده فيها إضافة نوعية".

وتمم حديثه بالقول: "كنا نفخر بإنجازاته العلمية، فلا يمر شهر إلا وهناك إنجاز، تعودنا على ابتسامته، ترك فادي بصمة في كل مكان، ستكون حلقات التحفيظ من المغرب حتى العشاء فارغة، سيفتقد الماليزيون إنجازاته، اعتدنا أن نلتقي في عيد الفطر.. لقد تَرك جرحا في حياتنا" قالها والحزن يقطر من صوته.