مجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٨‏/٤‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​"أمينة سرّ" مازن فقها تبوح لـ"فلسطين" بأجمل الذكريات

كانت نظراته تُلاحقها, أينما ولّت وجهها, ومشاعر الوّد تُكلل مملكتهم الصغيرة, لم يُبد غريباً عليه ذلك, فهو الذي اعتاد أن يُسقيها من الحُب ما لذّ وطاب ما دام له في هذه الحياة من أنفاس.

قُبيل موعده الأخير بساعات, عانقها بشدة, تلعثمت الحروف في فِمه, لملمَ مشاعره أخيراً :" ناهد, أنتِ حبيبتي وزوجتي وأمينة سري, لا شعور يصِف ما أحمله لك بداخلي", تزين محياها بابتسامة عريضة وعادت لتقول له مجدداً :" وأنت يا مازن الزوج المثالي ودعوة أمي الجميلة لي " .

مرّ اليوم التالي بحُب أكبر مما سبق , وتفاصيل أجمل , دون أن يدور في خُلد أحدهما ما يُثير الاستغراب أو الدهشة, أثناء عودتهم إلى البيت من رحلة عائلية, غالب النعاس محمداً فنام كالملاك في حضن أبيه, الأخير أخذ يسترق بخِفة قُبلات من وجنتيّ طفله, ثم وضعه في فراشه, وذهب لخمس دقائق فقط " يصف سيارته في كراج المنزل" ويعود.

مرّت الخمس دقائق تجر خمسا أخرى , وبينما تنتظر ناهد عودة زوجها, هاتفت أهلها في نابلس, لتُحدثهم عن تفاصيل يومهم الجميل, لم تستطع إكمال المكالمة, إذ فزعَ محمد من نومه باكياً: "بابا بابا, حاولت أمه تهدئته لكن لا فائدة, صراخه يزداد, حاولت الاتصال بوالده دون جدوى, دق جرس البيت.

_ من !

_ خالك عمر .

_ غريب , ما الأمر ؟

_ لا شيء .

انقبض صدرها , حبست أنفاسها واغرورقت عيناها بالدموع علّ بعد اللا شيء, شيء يُطمئنها ويُهدئ من روع محمد , لكن !

_ تم اغتيال مازن من مجهولين .

خارت قواها, وكانت تعابير وجهها في تلك اللحظة تائهة تبحث عن قشة الغريق لتنجو, لكن لا فائدة صوت الاسعافات يعلو وعبارات تتردد من الجيران :"لا نامت أعين الجبناء, الله يرحمك يا مازن", كل ذلك أوقف الحياة وقطع الأمل, بكت كأنها لم تبك من قبل, ثم تذكرت أن حبيبها مازن لا يُحب أن يرى دموعها, فكفكفت دموعها لتذوب في وجعها بصمت.

وما أن أُذيع خبر اغتيال المحرر المبعد إلى غزة مازن فقها (37 عاماً) على يد مجهولين مساء الجمعة الماضية, حتى انتفضت غزّة عن بكرة أبيها, وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بثورة الكلمات الغاضبة, عزّ على الكثيرين فَقد الشهيد كأنه أحد المقربين لهم, سبحان الله!؛ لعلها من علامات القبول , فإن الله إذا أحبّ عبداً جعل له القبول في الأرض .

اللقاء الأول

على أعتاب صفقة وفاء الأحرار عام 2011م كانت القنوات والإذاعات المحلية تعقد لقاءات مباشرة لتجمع المحررين المُبعدين إلى غزة بأهليهم في الضفة الغربية, وفي يومٍ التقت عائلة المحرر المبعد عمر عصيدة في بثٍ مباشر معه ، يُجاوره في اللقاء رفيقه مازن، فرأى ناهد، وبعد انتهاء اللقاء، سأله عنها , لخطبتها.

عُرضت الفكرة على ناهد عصيدة (26 عاماً) , في تلك الليلة أصابها الذهول ! أسير للتو خرج من السجن لا تعرف نفسيته ولا ماذا فعل به السجن ومبعد إلى غزة المحاصرة ! واغتراب عن الأهل ونابلس ؟ وهي التي لم تُفكر اطلاقاً بالارتباط بأسير, أيعقل هذا؟ . ظلّت حتى ساعات متأخرة من الليل تُفكر لماذا لم أقل " لا " وينتهي الأمر كالذي سبقه! ما الذي يُكبح جماح الرفض ؟ ولا يُخِرج نعم , يا الله ما هذه الحيرة ؟, فصلّت صلاة استخارة ونامت.

وعندما استيقظت أخذت طريقها إلى دكتورها الجامعي في نابلس تستشيره عن البديل الجامعي لو قررت الانتقال إلى غزة وأشار عليها, فعادت إلى أهلها بـ "نعم للزواج من الأسير المحرر مازن فقهاء", وكانت أجمل نعم تقولها على الاطلاق, أما أهلها فظّل الخوف يُساورهم من عدم اللقاء بابنتهم مرة أخرى, وهي ما فتئت تُطمئنهم أنها خمس سنوات على أبعد تقدير وستعود مع مازن إلى نابلس وطوباس , لم تكن تدرِ سرّ تكرارها لهذه الجملة إلا فيما بعد, وتمنّت لو أنها لم تقلها.

بعد أيام من موافقة ناهد تلاقت العائلتان, لأجل قربٍ حلال يجمعهما بسعيد الحظ مازن, ووجدت كل عائلة عند الأخرى ما يُفاخر بالنسب منها , تواصلت الاجراءات القانونية والتقليدية لإتمام السفر إلى غزة حيث العريس ينتظرهم هو الآخر على أحرٍ من الجمر .

وكان اندفاع تلك الفتاة العشرينية التي تنتظر رؤية بطل روايتهما مازن حافزاً قوياً لتطوي مسافات البعد بينهما وتُطوّع ما تيسر من لحظات في هذه الحياة لأجل البقاء معه , فسافرت مع والديها ووالديّ مازن بعد ثلاثة أيامِ فقط من انتهائها من اختباراتها الجامعية .

لكن ثلاثة أيامٍ أخرى أُضيفت على عداد الانتظار, فلسوء حظ الفلسطيني, عدوه فقط من يتحكم بعبوره من وإلى وطنه ! فهل من المنطق أن يفوّت عدوُ كــــــ (اسرائيل) فرصة _أتته بقدميها _ لتعذيب مُدوخيه " الفلسطينيين" ؟ بالتأكيد لا, لذا كان لابد أن تدفع ناهد ومن حَضر معها إلى غزة ضريبة اللقاء ببطلٍ كمازن, فخضعت للتحقيق وسين وجيم المحتل, ثم لتساؤلات الأردنيين ومن ثم المصريين, "والنطرة" ليوم كامل في ميناء نويبع بلا طعام ولا شراب, وكُل ذلك لم يكن يعنيها بشيء, فقط ما يهمها ويحتل تفكيرها هو لقاء مازن .. ذاك الشاب اليافع الذي طُورد منذ سن 18 عاماً .

-أهلا بك, نورتي غزة , ثم أدار عيونه عنها.

أثار هذا الجمود في كلمات مازن الأولى, استغراب ناهد, تصرف كغريب معها لماذا؟ لأنه لم يعقد قرانه بعد عليها , في اليوم التالي وهو العاشر من يناير / 2012 وقعا أخيراً على ورقةٍ شرعية تُوثق حبهما , ووضع الخاتم بإصبعها :" أنتِ الآن خطيبتي وأنا حبيبك الذي سيُرضيك بما يستطيع إلى ذلك سبيلا", مقدراً ما كان يُسميه تضحية ناهد بترك مدينتها والغربة عن أهلها لأجله, سيما وأن ناهد هي الوحيدة من بين زوجات المحررين المبعدين التي مُنع أهلها من زيارتها, فكان يُطوّع كل مسافات البعد وابتلاءهم بالغربة عن أهليهم بالكرم الإلهي لهما .

مازن كان أكثر ما يُحدث به زوجته ويُوطنها عليه هو الرضا بما كتبه الله لهما من اغتراب وابتلاءات, عامهما الأول بغزة كان صعباً على ناهد سواءً من ناحية الظروف الصعبة التي يمر بها أهل القطاع, أو الحنين إلى الأهل والوطن, لكنها مع مازن تجاوزت الكثير من العقبات, فالعتمة التي كانت تخاف منها ناهد, والتي تُبكيها أحياناً, لم تعد تهابها مع مازن, ومحاولته الدائمة لأجل ارضائها وسعادتها جعلتها تخجل من دموعها على فراق أهلها أمامه, فتحرص ألا تبكي لأن حبيبها لا يُحب أن يرى عيون جميلته حزينة.

ولك أن تتخيل _ عزيزي القارئ_ مشهد أن يعضّ المرء على شفتيه محلقاً بعيونه إلى السماء كي لا تخونه الدموع فتسقط سهواً على وجنتيه وهو يُستذكر زمناً تحوّل بأربع رصاصات كاتمة للصوت إلى مجرد ذكريات, المهم لا تبكي ! فهذه وصيته الدائمة لها.

وخلال الخمسة أعوامٍ التي قضتها ناهد كزوجة وأم وصديقة لمازن نجح في أن يُقدم لها :" نموذجاً مثالياً عن المسلم الخلوق, فهو لا يُضيع ورده من القرآن, والدعاء وقيام الليل, أكثر إنسان حيي عايشته, وفوق ذلك مازن لم ينس نصيب روحه من الحياة, فهو مرح ضحوك, وحنون", متابعةً وهي تُحاول جاهدة أن تُخفي دموعها :" أكثر ما سأشتاق إليه صلاة جماعة يؤمني بها مازن, تنتهي لحظات حانية يُقربني فيها مازن إليه لنقرأ الأذكار سوياً كما كان يفعل".

كان أماً لها حين أتاها ألم المخاض ! نام إلى جانبها في المستشفى ولم يسمح لأحد أن يكون أقرب إليها منه في وجعها ,أمسك بيدها وتحمّل عنها عبء الأبناء في مرحلة دراستها الجامعية خاصة فترة الاختبارات, كان صديقها حين احتاجت لسندٍ تتوكأ على كتفه, وناصحاً إذا ما احتارت بين أمرين .

ولا تستذكر أن "زعل" ما حدث بينهما تجاوز الساعات ! فمنذ اجتمعنا قطعنا وعداً لبعضينا أن يكون أحدنا مبادرا لإنهاء الخلاف, وهذا ما كان يحدث دائماً وعلى الأغلب يكون سبب الخلاف "الاشتياق" حين يغيب مازن طويلاً عن البيت لانشغالاته المتراكمة على كاهله.

محمد وسما ..!

حين قرر ناهد ومازن أن يُصبحا أبوين .. لم يكن يُدرك أحدهما ماذا يعني أن يحوم قلبه خارج جسده, أنجبا محمد (4 أعوام) ثم سما (عام ونصف) .. كانت روحه فيهما, يسعى لأن يُقدم أفضل ما لديه كأبٍ لهما من مشاعر ومواقف وتربية حَسنة كما تُحدثنا ناهد.

محمد .. كان في بطن أمه, حين يسّر الله لوالده الحج إلى بيت الله الحرام عام 2012م , فعند أول نظرة للكعبة الشريفة تدفقت إلى قلب مازن مشاعر الحب والشوق إلى ولي العهد المنتظر, فكانت دعوته أن يتولى الله ابنه برحمته ويصنعه على عينه ويستخدمه بالطاعة, وهذا أكثر ما يطمئن فؤاد أمه عليه منذ ولادته.

أما سما .. مُدللة أبيها , فكان يحرص ألا يُريها من أوجه الحياة إلا الفرح, ولا يُذيق فؤادها الصغير المملوء بحبه إلا العطف والحنان, تستذكر ناهد آخر موقف لمازن مع سما في رحلتهم الأخيرة " وقعت صغيرته على الأرض فُخدش أنفها جرحاً بسيطاً, لا يستدعي الخوف أو القلق, لكن لهفة مازن نحوها وعناقه الشديد لها يُبدي لمن لم يُعايشه مع أبنائه, أن ابنته جُرحت جرحاً عميقاً ", فهو حنون على أبنائه للحد الذي طلَب من ابنته السماح لأنه لم يتمكن من حمايتها أثناء لعبها.

كالقمر بين الحضور

مازن لظروف أمنية لا يقِف أمام الكاميرات, ولا يُحب الظهور ويسعى لذلك ما استطاع, لكن حدثاً فريداً يعني له الكثير كزوجٍ وفيّ ومخلص لزوجته, ناهد التي تخرجت قبل أسابيع من الجامعة الإسلامية, كانت تنظر بحبٍ وامتنان من منصة التخرج على زوجها الذي يجلس كالقمر بين الحضور _ على حد وصفها_, وما أن نُودي اسمها إلا ووجدت مازن بجانبها يقِف ليلتقط الصورة الأولى والأخيرة لهما في هذه الحياة, تدفقت كل المشاعر الجميلة إلى فؤادها, ولأن النساء يشعرن غالباً أن الدموع أسرع وسيلة للتعبير عن مشاعرهن بكت ناهد وأبكت الحضور.

طوباس

كل ذكرياته الجميلة تكومت هناك .. حيث جنته في الأرض, طوباس تعن على باله كثيراً , يبكيها اشتياقاً لا سبيل يُوصله إليها, سوى سلواه بالذكريات, فالإبعاد نار اكتوى بها كغيره من المبعدين عن وطنهم وذويهم, كان لديه أمل بالعودة ويصرّ أن يُشارك ناهد هذا الأمل, وفي آخر مكالمةٍ حدّث فيها والدته ليلة الخميس طلب منها تصوير بلدته الجميلة وما حول بيتهم والأماكن التي يُحبها فيها, ومع أنه أحب غزة حباً جماً وأهلها أحبوه أكثر؛ لكن يبقى بيته في طوباس حبه الأول؛ ربما والدته التقطت صوراً له , أما المؤكد أنه لم يرها, فما بين طلبه وموعد رحيله ساعات فقط .

وبينما كان مازن على موعدٍ يوم السبت 26/3/2017 لتقديم امتحان في برنامج الماجستير بجامعة أبو ديس فرع غزة , فاز بامتحانٍ آخر وهو الشهادة التي لطالما تمناها, ففي جنازة الشهيد اكتظت شوارع غزة بالمشيعين, كما لو أنها طوباس أتوه من كل حدبٍ وصوب يهتفون للبطل الذي دوّخ اليهود منذ ريعانة شبابه, فطُورد وسُجن وأُبعد ثم اغتيل غدراً بأربع رصاصاتٍ كاتمة للصوت, هل يعرف قاتله أن أكثر ما يكرهه مازن هي صِفة الغدر والخيانة؟ فأوجعه بها!

كم كان هذا "المازن" حكيماً, قليل الكلام, سديد الرأي, كتوماً فأسرار عمله بمثابة أمانة في عُنقه, إذ لم تكن تعرف ناهد تفاصيل عمله وانشغاله المتكرر عنها, سوى أنه قائد عسكري في تنظيم يقود رأس الحربة ضد الكيان الاسرائيلي, ورغم خوفها الدائم عليه, كانت تُرافقه بالدعوات وتستودعه الله في كل وقتٍ وحين, حتى أتاها نبأ الشهادة لتعرف فيما بعد من هو زوجها الصامت.


​الطفل ليث جرادات من "خرم الإبرة" انطلقَ إلى المجتمع

صمتت عن صراخها من ألم الولادة للحظة، فأرادت أن تسمع صوت بكاء صغيرها وصرخته التي ستدوي في أذنها معلنًا قدومه للحياة، فقد خرج من أحشائها من كانت تترقبه لحظةً بلحظة ليقدم إلى الحياة، ويُملأ عليها وعلى زوجها البيت، فهو طفلها الأول، ولكن لم يصرخ، ولم يبكِ، ضربته الطبيبة المشرفة على ولادتها ولم يبدِ أي ردة فعل على ذلك، أصُمَّت أذانها أم ماذا حصل لمولودها؟، أخذته الطبيبة وبدأت بفحصه وعمل الاجراءات اللازمة ليتبين فيما بعد أنه تعرض لخطأ طبي أثناء الولادة أعاقه عن الحركة والقدرة على الكلام.

ليث جرادات (15 عامًا) بسبب نقص الأوكسجين لمدة 60 ثانية، حَرم والدته من سماعها لصرخة الحياة، وقال الأطباء لوالديه: "احمدوا الله على ما هو فيه، فقد كنا نتوقع أن يحدث له أكثر من ذلك"، ويقصدون أنه كان سيفقد الحياة.

بعد ثلاثة عشر يومًا دوى صوته في الحضَّانة، ليتسلل بصيص أمل لوالدته لترتسم البسمة على شفتيها، وتبرق نظرات عينيها بالفرح والأمل، رغم أنه سيعيش في مكابدة مع الحياة، ومواجهة معها، وسيحرم مما يعشقه الأطفال من لعب ومرح.

تقول والدته أم ليث: "كان تحدياً صعباً بالنسبة لي في تربيته ومعاملته، فسعيتُ بكل جهودي أن أعامله كأي طفل طبيعي، لأسهل عملية دمجه مع الآخرين، فلم أقبل أن أعامله معاملةً خاصة لما سيكون لها من أثر على نفسيته وشخصيته".

فلم تتوانَ هي ووالده عن إلحاقه برياض الأطفال، ومن ثم نقله إلى المدرسة، ولكنه ما أن بدأ يزداد عمره ويكبر أصبح يتفهم وضعه الصحي، وبدأت تواجه مشكلة مواجهته للآخرين وطريقة تعاملهم معه، ونظرتهم السلبية له، ولكنه لم يكن يسكت عن أخذ حقه منهم، فيقع في مشاكل بصورة دائمة مع زملائه، وتكمل حديثها: "في الصف الثامن لم يعد يتقبل المدرسة بسبب طريقة تعاملهم معه، وأصر على تركه للمدرسة".

ولكن والديه رفضوا فكرة عدم إكمال تعليمه، فهو سلاح الشخص الذي يمكن أن يُشهره في وجه الآخرين، فألحقوه بمدرسةٍ خاصة لذوي الإعاقة، وبعد عدة أيام لم يبتلع فكرة تواجده فيها، فتركها ليلتحق بمدرسةٍ مهنية تابعة لمركز تأهيل الشبيبة في مدينة الخليل ويتعلم مهنة الخياطة.

ووراء ماكينة الخياطة يجلس الطفل جرادات الذي يعاني من إعاقة في النطق والحركة على الكرسي، ويبدأ بتجهيز الماكينة وبيده المرتجفة لَضم إبرة الماكينة بالخيط، ليستعد لبدء تدريب يومي، وينصت بشكلٍ جيد لتعليمات مدربه.

وفي بداية التحاقه بالمركز كان يعاني الطفل جرادات من صعوبة الاندماج مع الآخرين خاصة بعدما قرر ترك المدرسة؛ فالتحاقه بهذا المركز الذي يعمل على تهيئة الطالب نفسيًا واجتماعيًا ومهنيًا، كان له الأثر الايجابي في تحسن شخصيته من نواحٍ مختلفة.

وقد لاحظ والداه تحسنا ملحوظا في تصرفاته وسلوكه، كما أنه لا يحب أن يرتبط بالبيت، بل يقضي جل وقته بعد عودته من المركز في المشاركة مع الأولاد من أهل الحي في المرح واللعب وفق استطاعته.

وفي أقل من عام استطاع أن يتقن هذه المهنة وتعلم قواعدها ومبادئها، فحسَّنت من واقعه ومستقبله، وقد أصبحت بيده مهنة بدلًا من أن يكون عالة على المجتمع، وانخراطه فيه، ويأمل الطفل جرادات أن يتوفر علاجا يخفف من إعاقته الحركية، ومركزا يتلّقى فيه علاج النطق.


العمل الصالح في الحياة يعوِّض "المحدودية" بعد الموت

يحدث أن تتأثر جموع الناس بوفاة شخصٍ لم يكونوا يعرفون عنه شيئاً في حياته، يحزنون على فراقه، ويعددَّون مناقبه، ويتناقلون سيرته الطيبة التي لم يكونوا يمتلكون عنها معلومة واحدة من قبل، يدعوا الكل له بالرحمة بينما يطرحون السؤال: "لماذا رفع الله ذكره إلى هذا الحد بعد وفاته؟".. تماماً كما في حالة الشهيد "مازن فقها" الذي بكته العيون، وتألّمت لأجله القلوب، وخرجت الآلاف لتشييعه، وحاله حال الكثيرين غيره ممن قضوا بأشكال أخرى من الموت، عن ارتفاع ذكر الميّت وعلاقة الأمر بأعماله في الدنيا يتحدث لـ"فلسطين" الداعية مصطفى أبو توهة.

فطرةٌ إنسانية

يقول أبو توهة: "من المعروف أن الإنسان يتسم بصفة المحدودية في أعماله طولاً وعرضاً، وفي حياته ميلادًا ووفاة، وبالتالي فإنه يحاول قدر إمكانه أن يعوّض هذه المحدودية، سواء المعنوية أو المادية أحيانا بالدعاء، وهذا ما أفاده قول الله تعالى على لسان إبراهيم: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)، وفي نفس الاتجاه، يؤكد نبينا، صلى الله عليه وسلّم، هذه الغريزة والفطرة الإنسانية، حين قال: (من أراد أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه)".

ويضيف: "وهي غريزةٌ، ولا شك، مغروزة في كيان الإنسان لا يمكن له أن ينفك منها، لكن الناس أشكال وألوان، ولله في خلقه شؤون، فمنهم من أصبح رمزاً وعلماً للفساد والإفساد، كفرعون، وقارون، وهامان، فإنهم أصبحوا أئمة يهدون إلى النار، وهناك صنف من البشر تحصّلوا على شرف الإمامة إلى كل خير، كالنبي عليه الصلاة والسلام الذي رفع الله ذكره في العالمين، وذلك من خلال هدايته الخلق إلى كل خير".

ويتابع: "ومن نفس المدرسة تخرّج علماء وأدباء وشهداء، ولا شك أنها مدرسة مفتوحة يمكن أن ينتسب إليها كلّ مخلص في دعواه وتمنياته، وإن تكن المطالب لا تُنال بالتمنيات ولكن لا بد من ثمن مستحق من أفعال مجيدة وأعمال مأثورة، ومواقف تجعل من أصحاب القيم قممًا".

وبحسب أبو توهة، فإن: "الناس كلهم سيموتون حتماً، لكن أصحاب الأفعال العظيمة تموت أجسامهم ولا يموت ذكرهم".

ويشير إلى أن ميادين وفضاءات تمجيد الإنسان بعد موته فسيحة ووسيعة، كخدمة الدين وخدمة الوطن، فإن خدمة الدين لا تتم إلا من خلال صلاح الإنسان في ذاته، ولغيره، وقد سئل النبي: "أي العبادة أفضل، قال: سرورٌ تدخله إلى مسلم"، إضافةً إلى ربط الناس بخالقهم، وعودتهم عوداً حميداً إلى ساح الدين، لتكون العبودية الصادقة، مضموماً إلى ذلك التجرّد والإخلاص.

ويوضح: "أما ميدان الوطن، فهو وإن كان شكلاً من أشكال خدمة الدين، فإنه يمثل أبرز عناوينه، فلا سلامة للأديان إلا بسلامة الأوطان، ولا سلامة للأوطان إلا بسلامة الإنسان، وفي اعتقادي الجازم أننا ونحن في هذه الجبهة المتقدمة من وطننا الإسلامي الكبير، فإن الذود والدفاع عن حرمة الأوطان من أقدس المقدسات، جهادا في سبيل الله، واستشهاداً من أجل حريته وكرامته، ومن وراء ذلك كل فعل وعمل يحافظ على مكونات ومقومات هذا الوطن، فحب الأوطان من الإيمان".


​كيف أجعل طفلي يتقبل "النقد" دون بكاء؟

تشتكي بعض الأمهات من بكاء طفلها حينما تُوجه له ملاحظة ما، أو عندما ترفض له طلبًا، فيبكي حينما يواجه أمرًا ولا يستطيع فيه الدفاع عن نفسه، أو مجرد أن يتلقى نظرةً حادة من والدته، وهنا تقع الأم في حيرة من أمرها بشأن التعامل مع بكاء طفلها.

كيف تستطيع الأم أن تقنع طفلها بأن يعبر عن مشاعره دون بكاء، متى تعاقبه على بكائه، ومتى يمكنها تجاهله، وكيف تقوَّم هي سلوكها الذي دفع طفلها لأن يتخذَ من البكاء وسيلةً كي يحصل على ما يطلب، أو أن يستبق البكاء حتى يثني والدته عن عقابه؟

كثيرة البكاء

علا أبو سيدو أم لأربعة أطفال، تعتبر أن التربية جهادٌ تمارسه الأم مع أطفالها حتى تستطيع أن تربيهم تربية صالحة ليكونوا نافعين لها ولوالدهم، فكل طفلٍ لديها له شخصيةٌ تختلف عن الآخر، والأسلوب الواحد في التربية لن يأتي بنتيجة معهم جميعًا؛ حسب رأيها.

تقول أبو سيدو لـ"فلسطين": "طفلتي حلا صاحبة الترتيب الرابع بين إخوتها لم تجدِ وسائل التربية المختلفة معها نفعًا؛ فما بين الترهيب والترغيب أصبحت لا أعرف ما العمل معها، رغم أنها طفلة ودودة للغاية منذ صغرها وحتى الآن بعد أن أتمت عامها السابع ما زالت طفلة رقيقة وجميلة وحنون ومطيعة إلى حد كبير لكنها كثيرة البكاء".

وأضافت: "تبكي أحيانًا لأتفه الأسباب من مجرد كلمةٍ يقوّمها بها والدها، أو نظرة من والدتها، أو ربما تصرف طفولي طبيعي من شقيقها الأكبر، وتصبح لديها القدرة على أن تستمر في البكاء لفترةٍ طويلة ومتواصلة، فماذا عسايَ أن أفعل معها لجعلها تتوقف عن البكاء؟".

أما هاجر اسليم، فابنها يحيى يبلغ من العمر تسع سنوات، يتحلى بالذكاء والهدوء، كما أنه مطيعٌ للغاية، ولكن لديه مشكلة واحدة وهي البكاء، فهو حساس لأي ملاحظة يتلقاها.

تقول اسليم لـ"فلسطين" متسائلة: "كيف أتصرف مع ابني الذي يجهش بالبكاء لأي ملاحظة يتلقاها أو أي رفض يواجهه حتى لو كان لصالحه، وأنا دائمًا إلى جانبه لأشجعه على أن يقول "لا" من دون بكاء ويتقبل النقد من دون بكاء أيضًا، لقد ضقتُ ذرعًا؛ وما عدت أعرف أي طريقةٍ تربوية أتبعها؟".

التنشئة الخاطئة

في ذات السياق بينت الاختصاصية النفسية إكرام السعايدة أن لجوء الطفل إلى البكاء يعود إلى أساليب تنشئة أسرية خاطئة، فمثلا الدلال الزائد الذي يترتب عليه تلبية جميع طلباته، يجعله اتكاليًا ولا يتحمل المسئولية في أبسط الامور التي يتعرض لها في حياته.

وأوضحت السعايدة لـ"فلسطين" أن أسلوب الحرمان والرفض من الأهل يجعل الطفل يعاني من نقص في إشباع للحاجات قد تكون حاجات مادية أو معنوية.

ولفتت إلى أن بعض شخصيات الأطفال لديهم فرط الحساسية الزائدة، أي سلوك أو تصرف أو نظرة تؤثر فيه، فيتجه نحو الانسحابية والتقوقع حول الذات والانطواء والبكاء.

ونبهت السعايدة إلى أن الثلاث سنوات الأولى في عمر الطفل مرحلة حاسمة في حياة الطفل، فلا بد من صقل شخصيته وفق أسسٍ تربوية لخلق شخصية سوية قادرة على مواجهة الحياة والصعاب في المستقبل.

ولفتت إلى أن أسلوب التنشئة القائمة على التمييز في المعاملة بين الذكور والإناث، وتفضيل الذكور على الإناث، يخلق شخصيات لديها حساسية زائدة.

التعزيز بالحضن

ونصحت الاختصاصية النفسية الأم بإشباع الحاجات الأساسية اليومية للطفل مع الأخذ بعين الاعتبار ميزانية الأسرة، وإشباع الحاجات العاطفية عبر الحنو عليه، واستخدام الأساليب التربوية الناجعة وتعليمهم الصحيح والخاطئ، والعدل بين أفراد الأسرة الواحدة، وإشراك الطفل في عملية اتخاذ القرارات.

"بعض الأمهات رد فعلها اتجاه بكاء طفلها، الصراخ والتعنيف والضرب، فهل هذا أسلوب مجدٍ؟"، أجابت السعايدة: "العنف والقسوة الزائدان والصراخ يزيد الطين بلة، كما أنه مجرد أن يبادر بالبكاء لتوفير حاجة معينة وتطيعه الأم فهذا خطأ، بل عليها أن تبرر موقفها وتفسر الموقف المتخذ من قبلها".

وتابعت: "عليها تعريفه بالأمور المرغوبة وغير المرغوبة وما يترتب عليها من ثواب وعقاب، وعدم الرضوخ للطفل، وتعزيزه معنويًا أو ماديًا لو تراجع عن الأمور الخاطئة، مع تفضيلي لأسلوب التعزيز المعنوي بحضنه وتقبيله, فالدراسات النفسية تشير إلى أن الطفل يحتاج أن يحضنه والداه مرات خلال اليوم".