مجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٦‏/٦‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​فتحية الريماوي تفترش الأرض بانتظار حرية تامر

لا يمر "مايو" إلا ليجدد الوجع على الحاجة فتحية عبد العزيز الريماوي، ففيه اعتقل ابنها تامر الريماوي (36 عامًا) قبل أربعة عشر عامًا بالضبط، ففي الـيوم الـ(28) منه يكمل كل عام عامًا جديدًا، ليمضي حكمًا بالسجن ثلاثة مؤبدات بمجموع سنوات يصل إلى 297 سنة دفعة واحدة، لهذا لا تتخلى الحاجة فتحية عن المشاركة في كل الاعتصامات التي يخوضها أهالي الأسرى، لعلهم يكونون سندًا لأولادهم.

لذا لم يكن غريبًا عليها أن تفترش الأرض الشهر الماضي ضمن مشاركتها في فعاليات دعم إضراب الحرية والكرامة، وتتناقل صورتها وسائل الإعلام المختلفة، "فلسطين" هاتفت الحاجة الريماوي لتتعرف من قرب إلى معاناتها في ظل تغييب ابنها تامر للعام الرابع عشر على التوالي عن مائدة رمضان.

ثلاثة أبناء دفعة واحدة

تقول الريماوي: "عدة رمضانات مرت عليّ لم أكن أفتقد فيها تامر فقط، بل أيضًا ولديّ فراس وسليم، فقد ذاقا نصيبهما من الأسر في سجون الاحتلال الإسرائيلي"، مشيرة إلى أن فراس سُجن ثلاث سنوات، وسليم تسع سنوات.

كانت تتخيلهم آنذاك معها في المنزل يتحركون ويأكلون ويشربون ويتحدثون، لم تكن قادرة على استيعاب المأساة إطلاقًا، فلم تكن تأكل جيدًا ولا تشرب، فقط كانت تبكي، خاصةّ أنها كانت وحيدة مع ابنتيها دون وجود رجل يسندهن، فالموت غيّب رب الأسرة منذ ما يقارب اثنين وعشرين عامًا.

وتعود بذاكرتها إلى عام 1995م، وهو العام الذي توفي فيه زوجها، فغدا من يومها تامر هو رب الأسرة، تقول: "كنا عندما نجلس حول مائدة الطعام يكون كله رغبة أن يمسك الطعام بيديه ويطعمني ويطعم إخوته، لذا إن طلب مني طبخ أكلة معينة لا أرفض مطلقًا له أي طلب، بسبب حنانه وتعاونه معنا في المنزل".

تسترسل في حديثها: "تامر وفراس وسليم لم يكونوا فقط يجهزون لشهر رمضان من شراء حاجيات وما شابه، كانوا يمدون لي يد العون، فواحد منهم يرفع الطعام بعد انتهاء تناوله، وثانٍ يجلي الآنية والصحون، والأخير ينظف المكان".

وتتابع: "حتى "شطف" المنزل، كل أعمال المنزل كانت من نصيبهم، فأنا ممنوعة من فعل شيء، وشقيقتاهم صغيرتان في السن لا تجيدان أعمال المنزل"، لافتة إلى أن تامر كان هو من يدير المهام ويوزعها على إخوته، كان هو رب الأسرة الذي مازالت تفتقده.

وتشير إلى أنها في السنوات الأربع الأولى لأسره لم يكن يسمح لها بزيارته، حتى فراس أمضى سنواته الثلاث في السجن لم يسمح لها بزيارته مطلقًا، إلى أن منّ الله عليه بالفرج واحتضنته محررًا، وهي تنتظر اليوم الذي يفرج فيه عن تامر؛ فالزيارات لا تكاد تروي ظمأ شوقها لتضمه إلى حضنها، وتطبخ له ما يحب من طعام.

قلب الأم المحترق

يغيب صوتها القادم عبر أسلاك الهاتف، للحظة ظننت أن هناك مشكلة في الاتصال نفسه، لكني استوضحت الأمر عندما عاد صوتها مختنقًا بالبكاء، فهي تستذكر معاناة ابنها الذي كان يطعمها بيديه، والآن (في أثناء إجراء اللقاء قبل تعليق إضراب الحرية والكرامة بأيام) هو مضرب عن الطعام منذ أكثر من ثلاثين يومًا.

تقول من بين دموعها: "الأم إن لم تجد سوى لقمة واحدة تأخذها لطفلها وتطعمه إياها، فكيف بي وابني أسير لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومضرب عن الطعام للمطالبة بحقوقه أسيرًا؟!، كيف يمكن لي أن أستعد لرمضان؟!، كيف لي أن أنظر إلى الطعام وهو لا يتناوله؟!".

وتبين أنه بسبب مشاركته في إضراب سابق فقد ما يقارب سبعة عشر كيلو جرام من وزنه، منددة بأن هذا الإضراب طال أمده دون أن يظهر في الأفق أي اهتمام من أي أحد: السلطة الفلسطينية أو منظمات حقوق الإنسان أو مصلحة السجون نفسها.

بعد أن أخذت نفسًا عميقًا ربما لتستجمع قواها مجددًا تقول: "قلب الأم يحترق أكثر من أي قلب آخر، لا تشعر بشعوره زوجة أو أخت أو عمة أو خالة"، داعية: "يا رب ما يدوق حد وجعي، ولا يحرم ربنا حد من حد".

وتزيد في وصف وجعها وهي تضيف: "تمر عليّ ليالٍ لا أنام فيها، أحدق في السقف متخيلة أنه شاشة عرض سينمائي، أستعرض حياتهم وتفاصيل كل ما كان يصدر منهم من أفعال كأني أشاهد شريط (فيديو)"، وكثيرًا ما يحترق قلبها وهي تشاهد الشباب في أي مكان يعيشون حياتهم كما يريدون، وابنها محروم من الحرية.


التكية الإبراهيمية.. لا جائع في الخليل

تصطف طوابير المواطنين الفلسطينيين من مختلف الأعمار على مقربة من أدراج المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل جنوب الضّفة الغربية، بانتظار حصولهم على حصص من الطعام والخبز الذي تقدّمه التكية التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية بالمدينة، والتي تعدّ جزءًا من الأبنية الملحقة بالمسجد الإبراهيمي.

وفي الوقت ذاته، تطفح القدور الكبيرة والعملاقة بكميات كبيرة من الطعام الذي يجري إعداده على أيدي طباخين يعملون في هذا المكان منذ عشرات الأعوام.

يقول الطباخ عمار الخطيب أحد أقدم طباخي التكية لـ"فلسطين": إنّ التكية تقدّم آلاف الوجبات المطهوة من اللحوم والدواجن يوميًا خلال شهر رمضان المبارك، إضافة إلى الخبز، لكل من يطرق بابها.

ويشير إلى أنّ عمل التكية لا يقوم على أيّة قوائم أو أسماء محدّدة، لأنّ العرف في هذا المكان يقضي بإعطاء الطّعام لمن يرغب من النّاس، بغضّ النظر عن حاجته أو رغبته في الحصول على الطعام لأجل ما يراها كثيرون بالبركة التي تحلّ عليهم وعلى عائلاتهم.

وحول تاريخ التكية، يقول الخطيب إنّها كرامة لنبي الله إبراهيم عليه السلام، الذي كان يكرم ضيوفه القادمين إلى مدينة الخليل، ويرفض تناول الطعام إلّا بعد أن يتناولوا هم الطعام، مشيرًا إلى أنّ القائد صلاح الدين الأيوبي أسسها في هذا المكان، ومنذ ذلك التوقيت تعمل حتّى هذه اللحظة، ويتمسّك أهل الخليل بإحيائها، انطلاقًا من القناعة التي تقول إنّ الخليل المدينة التي لا يموت فيها جائع.

وفيما يتعلّق بآلية العمل في هذا المكان، يقول الخطيب: إنّ الطباخين وطاقم العمل في التكية يؤدّون في كلّ يوم صلاة الفجر داخل المسجد الإبراهيمي، ومن ثمّ ينزلون إلى التكية، ويبدؤون العمل وتحضير الطعام.

ويبين أنّ التكية تقدّم طيلة أيام شهر رمضان المبارك وجبات إمّا من اللحوم أو الدواجن لمرتاديها، الذين يجري صبّ الطعام لهم في أوانٍ يحضرونها لهم ولعائلاتهم، مبينًا أنّ التكية تشهد خلال الشهر الفضيل إقبالًا زائدًا من جانب المواطنين للحصول على الطعام، وبالمقابل تشهد ازدحامًا من جانب المتبرعين من أهل الخير لرفدها بالأموال والتبرعات العينية.

ويشير إلى أنّ كثيرين من أصحاب رؤوس الأموال يتبرعون للتكية بيوم إطعام يكلّف عشرات آلاف الشواكل.

وتقول إحدى المواطنات (طلبت عدم نشر اسمها) من مرتادي التكية لـ"فلسطين": "ظروفنا صعبة، نأتي هنا لنحصل على ما تيسّر لنا من الطعام، ولولا هذه التكية لكنّا في حال أسوأ"، وتشير إلى أنّها تحصل وأفراد عائلتها على ما يحتاجونه من طعام وخبز خلال شهر رمضان المبارك.

مسنّ آخر يتوقف في الطابور وهو يحمل وعاء متوسّطًا، يقول لـ"فلسطين" بعدما اشترط عدم ذكر اسمه: إنّ هذه التكية تستهدف إعانة النّاس في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة، مشيرًا إلى أنّ أحوال المواطنين الاقتصادية صعبة، ويلقون في هذا المكان لقمة عيشهم وأطفالهم.


١١:٥٢ ص
١٢‏/٦‏/٢٠١٧

وما شممتُ رائحتكِ يوماً

وما شممتُ رائحتكِ يوماً

في هذه المدينة امرأة مكثتُ في رحمِها تسعة أشهر؛ إلى أن انقطع الحبل السري الذي كان يربطني بها, ثم رمتني في غسق الليل على الرصيف بلا اسمٍ ولا هوية؛ ثم ذهبت بلا وداع؛ لا أعرف هل كانت مذنبة أم أنه حدث قسراً؛ وأياً كانت ظروف ما حدث فهي امرأةٌ ربما ضمتني إلى صدرها لمرة وربما لم تفعل؛ لا شممتُ رائحتها ولا رأيت ملامحها؛ وبالتالي لا أستطيع أن أخاطبها بـــ"أمي".

أنا الآن في الحادية عشرة من عمري؛ لكن أعرف أنه سيأتي يومٌ تبدو فيه الحياة كــليلة عزاءٍ طويلة بعد أن يخبروني بالحقيقة؛ وحينها ستكون هذه الكلمات هي ما سأكتب لأبوح لنفسي عن هذا الحدث الجلل؛ ترى هل أخطر ببالك مثلاً أين أعيش الآن؛ هل صارت المولودة التي ألقيتِها طفلةً جميلة؛ تراها تتفوق على بنات صفها أم أنها جائعةً أم ضائعة أم تنام بدموعٍ تذرفها بكل حواسها وهي تحاول تخيلكِ.

في هذه المدينة امرأةٌ لا أعرف كيف هو شكل رمضانها؛ ولا فيما إذا كانت دمعتها تساقطت يوماً وهي تطهو الحساء الذي أحبه دون أن تدري أني أحبه؛ ربما تدعو دعاء المقهورين لي؛ أو أنها تستغفر بندمٍ في وقت السحرَ؛ وسأجرؤ قليلاً لأتوقع أن نسيانها لأمري مُرجّح .

إذا ما رأيتِ قدراً هذه الصفحة من الجريدة ربما يخبرك قلبك أن فيها شىء يخصك؛ إياك أن تظني أني أريد عتابك أو وخز ضميركِ؛ ولكني أريد إخباركِ بشىء واحد فحسب؛ لقد وضعني الله في طريق "أمي" التي احتضنت روحي طيلة تلك السنين؛ ولحسن الحظ أني أيضاً بدخولي حياتها تغير كل شىء لديها؛ وأتساءل أهي دعوةٍ منكِ لي أصابت السماء!.

رزقني الله بوالدين لم يُقدر لهما نعِمة الأبناء, لم أكن ثمرة حبهما الحقيقة لكنّي كُنت هدية الله لهما بعد عشرين عاماً من وحشة الانتظار, وكانا لي أجمل ما يُمكن أن يُهدى لطفلةٍ مثلي .

قبل مجيئي إليها أتعرفين ماذا كان حال تلك المرأة التي أصبحت فيما بعد أجمل الأمهات؛ كانت من فِرط شوقها لطفل, تُربَّي في بيتها قطةً مع صغارها, تحنو عليهم كما لو أنهم أولادها, توفر لهم الأجواء المناسبة ليكونوا بخير, وخصصت لهم غرفة في بيتها وفي كل يومٍ تُطعمهم بيدها .

حين جاءت باحثة الشؤون الاجتماعية بناءً على طلبِ منها بكفالة أحد مجهولي النسب وتربيتهم, حرك مشهد القطط أمام المدفئة وكُلّ له طبقه الخاص مشاعر الباحثة, وتساءلت: "كيف لامرأةٍ حنونة مع الحيوانات ألا تمنح فرصةً للأمومة؟"؛ لتوافق يومها فوراً على أن يكون لهذه العائلة طفل يكفلانه ليعيش في ظّل هذا الدفء الوارف, فكنت أنا هدية الله لهما؛ وأنهيت حرمانها؛ وحوّلت بقدومي إلى حياتها هي وزوجها من روتينٍ قاتل إلى جنةٍ كما تقول لي أمي.

فمنذ عشرة سنوات ونيّف ودّع بيتنا الدافئ السكون، واعتياد الهدوء، وأصبح ينبض بحسّ الأطفال، وفوضى لعِبهم، جدرانه تزينت بصوري بمراحلي العمرية المختلفة، كي تستقبلهم ملامحي الضاحكة في كل ركن.

لم تعد الأيام تمرّ مرور الكِرام؛ والمناسبات باتت فيها ألوان الفرح مُبهجة، بعد أن قتمت ألوانها لسنواتٍ طويلة، و لا اعتراض على حكمة إلهية من أن يُحرم إنسانان "حنانهما يمشي على الأرض" من نعِمة الأبناء، وفي المقابل لا يُقدرها من مُنحها.

تجربة معقدة أن أكون ابنة رحمك، وابنة أمي وشتان بينهما، لأقل أني سأحفظ لكِ حق الإطمئنان علي؛ عشتُ أجواء المناسبات والأعياد هنا وتقافزتُ فرحاً مع "أبناء عمي"؛ الذين يتضح للغرباء دوماً أن ثمة فرقٍ بيننا في لون البشرة.

أبي وأمي ينتظران شهر رمضان أكثر مني، ليخلقا لي أجواء الفرح في البيت لنسبق الجميع ونزينه بالأضواء البراقة، يجلس أبي لساعات وهو يصنع لي فانوس رمضان لأكون مميزة بين صديقاتي، وهو على استعداد أن يقضى يوماً آخر لصناعة فانوس بشكلٍ مختلف إذا لم يعجبني الأول ،"انتي بس اطلبي يا بنتي" يقولها لي وعيونه تمتلئ بالحب بينما أنا أزداد دلالاً.

وتحفني أمي بدعواتها لا سيما في أوقات الإجابة؛ و تستعيذ بالله من حياة لا نكملها معاً؛ لولاها لكان العيد حسرة أتجرعها كل عام.

أما أنا أخاف عليهما من المرض كما يخافان عليّ من النسيم، وكم أشعر بقمة حبي لهما حين أقوم من السجدة وأقول: "ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرا "؛ أقبّل يديهما أمام الناس وفي السوق وبلا مناسبة، و دائماً ما ينهياني عن فعل ذلك، لكني أرى أن كل طرق الامتنان لا تُساوي شيئاً أمام ما يفعلناه لأجلي .

لعلك أصبحتِ الآن تدركين السبب الذي يجعلني لا أنطق بكلمة أمي إلا لتلك التي حملتني في قلبها، ولا تزال تثبت لي بكل ما أوتيتِ من رحمة أن الأمومة شعور عميق لا تتقنه كل النساء؛ وكأن الله اصطفى فؤادها ليأخذ النصيب الأكبر من هذا الشعور الرقيق، الذي يعطي ولا ينتظر ردّ الجميل .

لولاها لما تعلمت فضائل الأخلاق، وكَرم التعامل، واحترام الغير؛ ولكنت الآن منبوذةً المجتمع، إما يرمقني بشفقة أو يعاملني كــ"مذنبة".

سأكبر وأعرف الحقيقة المرّة وأتجاوزها لأقف مجدداً؛ وأقول: (الجنة تحت أقدام أمي) التي علمتني واحتضنتني؛ ومع ذلك دعوني أتمنى لتلك المرأة التي تعيش في هذه المدينة وافر الصحة والعافية. هذه الأم إن صادفتها هذه الكلمات ستقول: "يا ليتني كنت نسياً منسياً".


​الحنين إلى "لمّة" رمضان يذيب قيود سجن إياد

"كيف كان رمضانك قبل الأسر؟، هل تذكر تفاصيله ما قبل ما يقارب الخمسة عشر عامًا؟".. بتنهيدة كبيرة تحملها أسلاك الهاتف هذه المرة من داخل أحد سجون الاحتلال الإسرائيلي، يقول الأسير إياد ياسر مسالمة: "ايييه في فرق كبير لما يكون رمضان بين أهلي، وبين رمضان وأنا هلا جوا الأسر".

"فلسطين" هذه المرة في زاوية "نشتاقهم" لم توقف حدودها في التواصل مع أهالي الأسرى، بل عمدت للوصول إلى داخل السجون لتسمع من الأسير ذاته ما يعانيه في غيابه عن عائلته، وتكمل بعدها طرف الحكاية مع والده، لحظات من الوجع في اللقاءين المنفردين مع الأب وابنه، يحتويها تقرير اليوم.

رمضان قبل وبعد الأسر

الأسير إياد ياسر محمود مسالمة، من سكان بيت عوا ومواليد 27-4-1975، اعتقل في الـ 29-8-2002 بسبب انتمائه لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس في عام 1994، وحكم عليه بأربعة مؤبدات، قضى منها حتى الآن أربعة عشر عامًا ونيّفا.

يتابع الأسير إياد : "رمضان قبل الأسر كان له طعم خاص ونكهة ممزوجة بحلاوة العبادة ولمة الأهل وصلة الرحم"، مشيرًا إلى أنه في رمضان كان يعيش كل يومه –قبل الأسر– في العبادة ما بين صلاة الفجر إلى التراويح في المسجد.

ويستذكر لحظات اجتماعه مع أفراد عائلته على مائدة الإفطار والسحور، ولا يزال قلبه يدعو الله مخلصًا في كل رمضان أن يكون هذا رمضانه الأخير داخل السجن، وأن يجتمع مع والديه مجددًا على المائدة.

"إذًا ماذا عن رمضانك داخل الأسر؟".. بلهجة لا تحمل إلا التحدي لقهر السجان، يقول: "رمضان داخل الأسر مختلف جدًا، فنحن نعيشه في ظل معاناة السجن وتضييق السجان"، مستدركًا بقوله: "لكننا مع كل هذه المعاناة نصنع بيننا كأسرى أجواء الأخوة والمحبة".

ويوضح أنهم في السجن يقومون بتهيئة أنفسهم لاستقبال الضيف الكريم –يقصد شهر رمضان الفضيل– ويحضرون برنامج عبادة عاما وبرنامج عبادة خاصا، منوهًا إلى أن برنامج العبادة العام هو برنامج العبادة المشتركة مع الجميع كصلاة التراويح والذكر والدعاء والوعظ، وأما البرنامج الخاص بكل مجاهد -لقب يطلقه عوضًا عن وصفه بالأسير كتحدي للاحتلال الإسرائيلي– فيضع برنامجًا بما يفتح الله به عليه.

هذا رمضان الروحاني في الأسر.. فكيف هو الطعام في رمضان داخل الأسر؟ يشير إلى أنه على صعيد وجبات الفطور والسحور، هي وجبات جماعية لكل غرفة على حدة، مبينًا أن لكل غرفة مجاهدين يجيدون الطهي، متابعًا: "المجاهدون أصحاب النفس في تحضير الطعام يصنعونه من لا شيء، يسهرون ليلهم في العبادة، وفي النهار يقومون على خدمة إخوانهم في تحضير الطعام".

اجتمعوا في السجن!

خاتمًا حديثه لنا: "هذا رمضان الرابع عشر لي داخل الأسر، تنقلت خلاله في سجون الاحتلال ابتداءً من زنازين عسقلان وسجن هداريم وعوفر ونفحة وأهليكدار ورامون، لكني أثق بأن الله عز وجل سيخرجنا قريبًا بعزيمة وإرادة المقاومة الباسلة".

بعد انتهاء اللقاء مع الأسير إياد، تواصلنا مع والده الحج ياسر، والأب لخمسة شباب كلهم تعرضوا للاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي في أوقات متفرقة، ومرّ عليه عام من الأعوام قبل عقد من الزمان أن اجتمع الخمسة في قبضة الاحتلال متفرقين على سجونه.

ابن السابعة والستين يقول: "منذ ما يزيد على العشرين عامًا لم اجتمع مع أولادي على مائدة واحدة، فقبل أسر إياد، أُسر شقيقه الأكبر نضال، وفي أوقات أخرى أُسر محمود ويسري ومحمد".

ضحك ضحكة مصحوبة برنة وجع، وهو يكمل الحكاية: "ذات مرة اجتمعت مع أولادي الخمسة في السجن، كان نضال وإياد ومحمود أسرى، وزرتهم أنا ومحمد ويسري"، مشيرًا إلى أن ابنه نضال مازحه أثناء الزيارة التي اختلطت فيها المشاعر الحزينة بالسعيدة، حين قال له: "هيّ أولادك كلهم حواليك يا حج".

طلبت منه العودة بالزمن إلى ما قبل اعتقال إياد، فقال: "كنا نتسوق أنا وهو ووالدته لرمضان، كان بمثابة الابن الأكبر لي، يساعد في كل شيء، وأهم ما يبحث عنه إحضار كل متطلبات المقلوبة –أكلته المفضلة–، والقطائف المحشوة بالجبنة".

ويشير إلى أنه يهتم بكل أفراد العائلة، فقبل أسره تزوجت آخر أخت له، فأهداها سوارًا ذهبيًا، وفي رمضان يصرّ على إحضار "اللوج" الرمضاني، -نوع من زينة الأضواء– لإضافة أجواء رمضانية عائلية في المنزل.

ويلفت إلى أن ابنه الأسير إياد كان لا ينسى الفقراء والمساكين والعائلات المستورة من ريع عمله في محل للتلفزيونات قبل أسره، أتعرفين –يقول لي– حتى وهو في الأسر الآن يطالبنا بأن نقتطع من مخصصاته لإعطائهم المال.