مجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٧‏/٣‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


١٢:٠٧ م
٢٢‏/٣‏/٢٠١٧

اللهم أحبها كما أحبتني

اللهم أحبها كما أحبتني

أخي علاء.. أتذكرُ يوم قلتُ لك في إحدى المرات شاكيًا مرارة الغربة، ووحشة العزوبية، وتأخر قطار الزواج حتى بلغتُ المحطات الأخيرة، قلتَ لي يومها: إن الله سيرزقني امرأة طيبة كطيبتي، وقرأتَ: "الطيبون للطيبات".. فكان ذلك؛ امرأة قل نظيرها، عابدة لله صابرة محتسبة، كريمة الأحاسيس والمشاعر، وقفت إلى جواري في أحلك الظروف دون كلل أو ملل، لم تشكُ يومًا أو تبتئس، أحبتني بلا حدود، وأعطتني بلا قيود..".

بهذه الكلمات بادرني د. سميح رفيق الغربة وتوْءَم الروح بعد عشر سنوات من تفرّق السبل بيننا، فقد آثر العودة إلى أرض الوطن ليكمل رسالته في خدمة أهله ووطنه، فمسؤولياته كأخ أكبر جسيمة، وواجباته لا تعد ولا تحصى.

أعادتني هذه الرسالة إلى الزمن الجميل، زمن الصحبة الصالحة، المجردة من الأهواء والمصالح، القائمة على الحب والبذل والإيثار، كانت تجمعنا ظروف كثيرة وواقع متشابه، طلابُ علمٍ في ريعان الشباب، يحملون طموحًا وأملًا، وقلوب ذويهم طارت معهم تظللهم من حرّ الصيف وكرب الخريف وبرد الشتاء.

ينامون متى أرهقهم التعب لا فرق بين بيتي وبيته، يُصلح الطعام من يستيقظ أولًا، ويتبادلون الحديث وهم منهمكون في واجبات البيت: فذاك يغسل، وهذا يكنس، وثالث يتفقد لوازم البيت، ورابع يتلمس أخبار الوطن من راديو "سوني" ياباني الصنع يلتقط الموجات البعيدة بأقل "تشويش" ممكن، وإذا حان موعد الصلاة يصطفون جنبًا إلى جنب كأنهم بنيان مرصوص، يستقوون بها على عثرات الطريق، ونوائب الدهر.

كانوا يمنون أنفسهم بأحلام الغد، وزوجة المستقبل، يقصون على بعضهم البعض جانبًا منها، وإذا ما جاء دور سميح يغبطون "زوجته المستقبلية"، فإلى جانب حنانه وطيبته فهو "رجل بيت" بامتياز يجيد الطهي والكي والترتيب، ومولع بالصغار ورعايتهم، فكانت طفلتي سارة تقبل عليه وتحتضنه دون الآخرين، وكأن الله قد أعده لمهمة لا يعلمها إلا هو.

كَبُر الجميع بسرعة، ولكلٍّ منهم وجهة هو موليها، يضربون في الأرض يبتغون رزقا، فانتشروا في بلدان شتى، تزوجوا وأنجبوا، وغرقوا في مشاغل الحياة إلا من تلك الذكريات العزيزة، باتت تجمعهم كأنهم روح واحدة في أجساد شتى، يتلمسون أخبار بعضهم البعض، وتفيض نفوسهم فرحًا لكل نجاح، وتنفطر قلوبهم مرارة وأسى إذا ما أصاب أحدهم مكروه..

كان ما يميز د. سميح الطيبة الغالبة، والحس المرهف، والمشاعر الجياشة، والوفاء الجميل، لذلك كنت على يقين أن الله لن يضيعه، وأن كل شيء عنده بقدر، وأن الهدية السماوية قد تتأخر لكنها لن تتخلف أبدا، وقد يسبقها تمحيص واختبار لكن العاقبة للصابرين..

أكمل د. سميح رسالته: ".. أنجبت لي خمسة أقمار يشبهنها خَلقا وخُلُقا، لكن الولادة الأخيرة لم تكن كسابقاتها، لقد احتضنتُ طفلتي الخامسة وعدتُ بها وحيدا بعدما فارقت "هبة" الحياة، بكتها جدران المشفى وطرقات الحي وزوايا المنزل، عدتُ ولم تتجاوز أكبر بناتي العشر سنوات لأرعاهن وأربيهن وحيدا..

أخي علاء: لا عزاء لي اليوم إلا أن يجمعني الله بها في الجنة، وأن أقوم على الأمانة التي استودعتني إياها على أكمل وجه، اللهم أحبها كما أحبتني، وأكرمها كما أكرمتني..

أرجو أن تدعو لها، وأن تحاول أن ترسم أو تكتب شيئا أهديه لها تخليدا لذكراها في يوم الأم، وشكرا".


​الأخلاق في المجالس تظهر من خلال الالتزام بآدابها

لم يترك الإسلام شاردة ولا واردة تنظم حياة المسلمين إلا دلهم عليها وأرشدهم إليها، وفي المقابل ما ترك خلقًا سيئًا إلا حذرنا منه، فإن الإسلام علمنا خير الآداب، وكسانا بأحسن الأخلاق فكان المسلمون أحسن الناس خلقًا تأسيًا بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم متمثلاً قول الله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم"، ومن جملة هذه الآداب ما يتعلق بآداب المجالس والمقاعد والدواوين وما ينظم العلاقة بين الجالسين والحضور.

يقول العضو الاستشاري لرابطة علماء فلسطين الداعية أحمد زمارة: "النفس البشرية تميل للاجتماع والالتقاء وتنفر من الفرقة والاختلاف وهذا مقصد الدين، ولذلك لا بد من محدداتٍ وضوابط للحفاظ على المحبة والألفة في مجالسنا".

وأوضح أن من أهم المبادئ اختيار أماكن الجلوس وإقامة المجالس، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عليه السلام قال: "إياكم والجلوس بالطرقات؛ قالوا: يا رسول الله لا بد من مَجالسنا نتحدث فيها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه, قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

ومن الآداب أشار زمارة إلى حسن اختيار الجليس الصالح، لأن الله سبحانه قال في محكم آياته: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّ‌سُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ‌ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا".

وبين ضرورة الحديث في المجلس بالكلم الطيب والقول الحسن، "لأن حركاتنا وسكناتنا وأنفاسنا معدودة علينا لقوله تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ"، لهذا وجب علينا أن نجعل من مجالسنا كنوزًا من الحسنات، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم جلسوا مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة"، وفق قوله.

ونوه زمارة إلى من الآداب أن يجلس حيث انتهى بنا المجلس، وعن جابر بن سمرة قال: كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي، وهو أنّ الرجل إذا دخل المجلس؛ يجلس فيه حيث ينتهي بهِ المجلس، ولو عند عتبة الباب، فعليه أن يجلس فيه، ولا يترقّب أنْ يقوم لهُ بعض أهل المجلس مِنْ مجلسه؛ كما يفعل بعض الناس اليوم؛ فإنّ هذا منهيٌّ عنه صراحة في قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يُقِيمُ الرجلُ الرجلَ مِن مَقعدِه، ثمّ يجلسُ فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا".

وأكد أهمية التفسّح في المجالس والتوسع حتى لا يتعرض أحدهم للحرج، لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ"، وعد التفرقة بين اثنين إلا بإذنهما، فلكل إنسان أسراره، ولكل صديق أخباره، منها ما يحب أن يطلع الناس عليها ومنها ما يحب ألا يعرفها غير من يعز عليه، لذلك نهى النبي عن الجلوس بين اثنين إلا بإذنهما وموافقتهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل للرجل أن يفرِّق بين اثنين إلا بإذنهما".

وأضاف زمارة: "وفي المقابل لا يحق لهؤلاء الاثنين أن يوغروا صدر أخيهم إن كانوا ثلاثة جلساء وذلك بأن يأخذ أحدهم أذن أخيه يحدثه ويتمتم إليه، والثالث ينظر إليهما, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس أجل أن يحزنه".

ولفت إلى أهمية الإنصات للمتحدث وعدم مقاطعة الحديث، ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصت لمن يحدثه، وكان يرفض أن يقطع الواحد كلام أخيه, عن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال: بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال: "أين أراه السائل عن الساعة؟"، قال: ها أنا يا رسول الله، قال: "فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة, قال كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

وختم حديثه: "ولا بد لكل مجلس من كفارة، وكفارة المجالس كما علمنا صلى الله عليه وسلم "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك"".


١٠:٤٢ ص
٢١‏/٣‏/٢٠١٧

استشهاد جبل السحاب

استشهاد جبل السحاب


قمته هي الأعلى بلا منازع بين جميع قمم المنطقة، لا يفصلها عن السماء شيء؛ لتصل إليها لا بد وأن تقطع مسافة طويلة بين الصخور والممرات الوعرة، وتصافح أشجار السنديان، والصفصاف، والبُطم، والخروب، والصنوبر، والسدر، وغيرها، وتمهد طريقاً لك بين مستعمرات الخرفيش وشوك الجمل الذي قد يدمي قدميك إن لم تكن حذراً بما يكفي، قبل أن تصل إلى مبتغاك.

على قمة جبل السحاب تشعر بمعنى الحرية الحقيقي، حين تشاهد ما اعتدت عليه من علٍ قلَّما يتاح للشخص في حياته، وهو ما كان ناصر يحبه، بل ويعشقه فيه، حيث كان يشعر على قمته وكأنه ملك يتربع على العرش.

جبل السحاب، ورثه أهل القرية عن أجدادهم، به يرتبطون، ومن خيراته يأكلون، في صغره سمع ناصر الكثير من القصص والحكايات، التي تدور حوله وتشكل جزءاً مهماً من ثقافة القرية وتراثها، يتوارثونها جيلا إثر جيل كما يتوارثون الجبل وبقية أراضي المنطقة.

كثيراً ما صعد ناصر الجبل مع جده لإحضار عشبة برية ضرورية لعلاج مرض ألمَّ بأحد أهل القرية، أو لإحضار بعض النباتات البرية التي تبرع جدته في طهوها ويحبها جده جداً مثل الخبيزة، واللسينة، والزعمطوط، والفرفحينة.

أما الميرمية وزعتر البلاط فيضفيان على الشاي رائحة عطرية نفَّاذة ومذاقا طيبا لا يوصف.

في الربيع الأخير لجده على هذه الدنيا، وفي أحد صباحات نيسان الدافئة، حيث اختالت الأرض بهاءً وشباباً، انطلق ناصر في رحلة مع جده منذ الصباح الباكر عندما أخذت أشعة الشمس اللامعة تتسلل خجلى في الأفق معلنة بدء نهار جديد.

ومع انتصاف الشمس في كبدِ السماء كان يستنشق هواءً نقياً له رائحةٌ خاصة من فوق قمة جبل السحاب، جلس وجده تحت شجرة البلوط الضخمة مخددة الساق لطولِ ما تعاقب عليها من الأعوام وملحقاتها.

جلسا يتناولان طعامهما.. على الرغم من أن الطعام كان زيتا وزعتر وحبات من الزيتون وإبريق شاي، إلا أنه كان يحمل مذاقاً خاصاً يختلف عما اعتاد عليه.

عبَّأ جيوبه من ثمار الزعرور، وتناول من النبق أيضاً، وجمع كمية كبيرة من قرون الخروب، لتستخلص جدته عصيرها وتصنع منها حلوى (الخبيصة).

على سفح الجبل، تآلفت شقائق النعمان أو الدحنون كما يحلو لجده تسميتها، مشكّلةً تجمعات حمراء بديعة الجمال بين الصخور فبدت كبحر متصل من اللون الأحمر يقف القنْدِيل الأصفر بطوله الفارع على جوانبه كحارس مخلص وأمين.

أما الأقحوان ذو البتلات البيضاء التي تجتمع حول بروز أصفر، فتبدو كراقصة باليه تتمايل مع نسمات الربيع الدافئة، وتفترش الأرض لمساحاتٍ كبيرة يشوبها بعضٌ من أزهار السوسن الأسود وأزهار البسباس التي تشبه الأقحوان ولكن يميزها عنها أزهارها الصفراء الأكبر حجماً.

كان النحل يتنقل من زهرة إلى أخرى مُصدراً طنيناً يمتزج مع موسيقى الطبيعة في جبل السحاب ويضيف لها لحناً خاصاً محبباً للنفس، وكانت فراشات الربيع البيضاء تتراقص بأعداد كبيرة على ارتفاعات منخفضة بنشوة عارمة.

وللطيور في جبل السحاب نصيبٌ وافر من الألق والمتعة، فلا يقتصر الحال على عصافير الدوري والبلابل التي يملأ شدوها الجو، ولا الحجل الذي يقفز من مكان إلى آخر بلونه المميز بسرعة كبيرة، ولا اليمام شجي الصوت، بل يُضاف إليها أنواع كثيرة من الطيور المتباينة في الأشكال والألوان والأحجام والأصوات وطريقة الحركة والطيران، يزيد الربيع من جمالها وخفة حركتها كيف لا وهو موسمها للحب والتزاوج؟.

في كل رحلة برفقة جده كان يتعلم الكثير.. إلا أنه خرج بخلاصةٍ نهائية أدركها وآمن بها، وهي أن الأرض هي الكنز الحقيقي الذي يمتلكه، التفريط فيه يعني خسارة كل شيء.

بعد تلك الرحلة بشهر تقريباً، وفي ذات صباح استيقظت القرية على ضجيج يهزها، كانت جرافات وشاحنات وآلات عديدة ضخمة لم يروا مثلها من قبل، تنطلق لتمهد لها طريقاً وسط الجبل.

سرت القشعريرة في الأجساد، كأن لسعات من الكهرباء غمرتها بشكل خاطف، انتاب الناس خوف دفين لم يدروا كنهه.. وتباً لهذا الخوف الذي اخترق قلوبهم دون خجل، وحشا أنفه في صدورهم دون وجل، وتركهم ضحية لمشاعر سوداء تتقاذف قلوبهم دون رحمة.

أسرع ناصر إلى جده، فإذا به يجلس بقنوط أمام باب البيت تملأ عينيه دموع حزينة لم يشاهدها من قبل، لم يتجرأ على سؤاله فاكتفى بالصمت بعد أن أدرك أن هناك خطباً ما، نظر إلى جدته، فإذا بها تنشج بصمت، تند عنها شهقة بين الحين والآخر.

- ماذا يجري بحق الإله؟؟ أرجوكم، أخبروني.

كانت الشاحنات والجرافات وبقية الآلات تحمل لوحات ترخيص صفراء (يعني أنها اسرائيلية)، ولكن: ماذا تفعل هنا؟؟، فجبل السحاب ملكٌ لأهل القرية، وليس لهؤلاء الغرباء، ماذا يفعلون هنا؟ ما الذي أتى بهم؟ ولماذا يعبثون بالجبل؟ يفتتون صخوره، ويدوسون أزهاره، ويقتلعون أشجاره، ويشرِّدون طيوره وحيواناته.. مَن أذن لهم بذلك؟.

هرع ناصر إلى والده صارخاً: أبي... أبي... إنهم يدمرون جبل السحاب يا أبي!! ها هم يقتلعون الأشجار، صدقني يا أبي.. شاهدتهم بأم عيني يحطمون شجرة الزيتون الرومية، أما جميزة سيدي صالح فقد اقتلعوا جذورها وألقوا بها أسفل الوادي.. أقسم لك يا أبي أنني صادقٌ فيما أقول، أرجوك يا أبي افعل شيئاً. إلا أن والده لم يتحرك من مكانه وغدا كمن فقد القدرة على السمع أيضاً، من دون مقدمات، يسيطر صمت يائس على ملامح وجهه، كشلال جف ماؤه فجاءة فأصبح أثراً بعد عين.

غادر البيت بعصبية ظاهرة باحثاً عن الحاجة كوثر، عله يجد عندها كسرة من الطمأنينة، لا بد وأنها تعلم شيئاً عما يجري.. وجدها تجلس تحت شجرة الصفصاف التي تقف بشموخ في مقدمة القرية، ووجد حالها يحاكي حال الآخرين.. قال لها: بالله عليك يا حاجة كوثر خبريني... ماذا يجري؟؟ من هؤلاء؟ ما لهم ولجبل السحاب؟.

مسحت دموعها بطرف كمِّها قائلة: اسمع يا ناصر، أنت لا زلت صغيراً لا تدرك هذه الأمور ولكني سأوضح لك، لقد صادر اليهود المحتلون جبل السحاب ووادي اللوز منذ عدة سنوات، وقد أرسلوا إخطاراً بذلك للمختار، إلا أننا كذبنا الخبر، وقلنا محض هراء، فهم يعلمون أن الجبل لنا نحن، ملكنا.. ويعلمون أنهم لا حق لهم فيه، فهم لم يرثوه عن آبائهم ولم يشتروه أيضاً، فكيف انتقلت ملكيته لهم إذن؟. ولكن.. كعادتهم، يطلقون الكذبة ثم يصدقونها، ويبدو أنهم قادمون الآن لإحكام قبضتهم على الجبل، لبناء مستوطنةٍ فوقه، كعادتهم في جميع المناطق المرتفعة بعد أن يصادروها.

طارت أسراب الكلام من مخابئها دون توقف فرد بغضب قائلاً: ماذا يعني ذلك؟ هل انتهت القصة؟ هل نستسلم للأمر الواقع؟.

-طبعاً لا..

-إذن لم يجلس جميع الكبار هكذا ويكتفون بالحزن والبكاء؟ لنقم، لنمنعهم؟!.

-ألم ترَ دبابات الجيش في أسفل الجبل التي تحرس من يقومون بتدميره؟ فإذا هاجمناهم فإنهم لن يترددوا بإطلاق النار علينا، ونحن عُزَّل وهم مدججون بالسلاح.

-صحيح، ولكن هذا ليس عذراً، فلن نسامح أنفسنا ولن يسامحنا أجدادنا الذين ورثنا الجبل عنهم إن استسلمنا وتركنا جبل السحاب لقمة سائغة لهم.

-وماذا سنفعل يا بُني؟ دم الصبا الذي يجري في عروقك هو ما يجعلك تثور هكذا، عندما تكبر ستدرك أنه لم يكن باستطاعتك عمل شيء لإنقاذ الأرض المصادرة.

غادر والأفكار في رأسه كإعصار غاضب، أخذ يدور بين أهل القرية، فوجد وجوهاً جامدة، فارغة إلا من التوتر والحزن.. شعر بالقدر يتربص به وهو يحاول الفرار منه، وبالفراق يتربص بخطواته وهو يبذل جهده للنأي عنه.

تناهى لسمعه استغاثة أحدهم قائلاً: عاجلوا... إحدى الجرافات دعست الحاج محمود...

تجمع أهل القرية حول جده الملقى على الأرض، كانت الدماء تغطي أشلاء جسده الذي داسته الجرافة باستهتار، عندما حاول منعها من اقتلاع شجرة زيتون معمرة؛ أظلمت الدنيا في العيون، وتمكنت الهزيمة من النفوس، وألقى الحزن بعباءته السوداء على الأرواح؛ وأصبحت الحيرة هي سيدة الموقف.

أما ناصر فكان في داخله بركان يغلي من الغضب.. أيطأطئ رأسه ويستسلم لما يجري ويمضي لحياة تافهة فارغة كالعبيد ويكتفي بالحزن والبكاء؟ أم ينطلق رافضاً مطالباً بثأره؟، أيستطيع احتمال نتائج ثورته مهما بلغت صعوبتها وارتفع ثمنها؟، أيمكنه أن يقف في وجه المحتل متحدياً بصدره العاري؟.

صرخ بكل ما أوتي من قوة قائلاً: أنا لها! سآخذ بثأري يا جدي مهما كلفني الأمر.. فدماؤك لن تذهب هدراً.. وحياة جبل السحاب لن تمضي هكذا من دونِ ثمن؛ سأجعلهم يتمنون لو أنهم لم يأتوا إلى هنا يوماً؛ والأيام بيننا أيها الغرباء.


مزارع تركي يعثر على نقش حجري عمره 4 آلاف سنة

اكتشف خبراء أثريون أن لوحة حجرية منقوشة، عثر عليها أحد المزارعين في ولاية ألازيغ وسط تركيا، تعود إلى ما قبل 4 آلاف عام.

وكان مزارع عثر على اللوحة الصخرية خلال حفره من أجل غرس شجرة، في منطقة هاربوت بالولاية، وأخبر مديرية المتاحف التي استخرجت فرقها اللوحة، ونقلتها إلى المتحف حيث تم ترميمها وفحصها لمعرفة الحقبة التاريخية التي تنتمي إليها.

وقال عالم الآثار العامل في متحف الأثنوغرافيا والآثار في ألازيغ، بولنت دمير، للأناضول إن الفحوص أظهرت أن اللوحة تعود إلى ما قبل 4 آلاف عام، ما يعني أن تاريخ مدينة هاربورت الأثرية التي توجد أثارها في المنطقة، أقدم مما كان يعتقد.

وأوضح دمير أن الاعتقاد الحالي يرى أن تاريخ مدينة هاربورت يرجع إلى عهد مملكة أورارتو التي ازدهرت في المنطقة بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد، إلا أن اللوح يظهر أن تاريخ هاربورت أقدم بألف عام مما كان يعتقد.

ويشرح دمير أن اللوحة تظهر لحظات فتح إحدى القلاع، وتظهر من أسفل إلى أعلى الحرب من أجل الاستيلاء على القلعة، وعرض الغنائم وأسرى الحرب العرايا أمام الملك، ويظهر الجزء الأيسر منها مشاهد مروعة من الحرب.

ولفت دمير أن اللوحة تظهر برج حصار خشبي ذو عجلات، مشابه لذلك الذي كان يستخدم في الأناضول ومنطقة بين الرافدين.

وأشار دمير إلى أن المشهد الرئيسي في اللوحة يظهر ما يبدو أنه إله بجناحين مطويين، ومخالب نسر، يقف برجليه الملفوفتين حول بعضهما فوق اثنين من جنود الأعداء العرايا، ويمسك بين يديه جندي آخر، ويوضح دمير أن الموقع المركزي لذلك المشهد في اللوحة، هو من قبيل التأكيد على دوره الإله في النصر.