مجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ١٨‏/١٢‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​تحت العشرين وتبكي تفويت قطار الزواج.. فما السبب؟

"تقدم العمر بي وفاتني قطار الزواج".. عبارة تكتبها بعض الشابات عبر المجموعات النسائية الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، ليطلبن حلّا لما يرونه مشكلة كبيرة، وفي ثنايا المشكلة تكون المفاجأة أن هذه الشابة التي تبكي تفويتها للقطار لم تتجاوز العشرين من عمرها بعد، فما الذي يجعل فتاة بهذا العمر تفكّر بهذه الطريقة السلبية تجاه نفسها وواقعها؟

بعيون الآخرين

قال الاستشاري التربوي علي القطناني: إن أسباب هذا الشعور تنقسم لعدة أقسام، أولها أسبابٌ شخصية ذاتية، والثانية بيئية أو اجتماعية، والثالثة موضوعية.

وأضاف أن الفتاة في هذه الحالة، غالبا ما تكون تعاني ضعف الثقة بالنفس، ومن الانطباع السلبي عن الذات، وتحاكم نفسها بعيون الأخرين، مشيرا إلى أن استعجالها للزواج يكون أحيانا بسبب ارتفاع مستوى التصور الذهني لشريك المستقبل ومواصفاته الشخصية أو قدراته المادية.

وأوضح: "كذلك تستعجل الفتاة الزواج عندما تغلب العادات والتقاليد، ويُحجر على المرأة أن تختار لنفسها زوجا بمواصفات تتناسب مع رغباتها، ولا يكون بمقدورها أن تحدد الوقت الذي تكون فيه مستعدة للزواج، إضافة إلى الضغط النفسي الذي قد تعانيه في بيت أهلها باعتبارها عالة على البيت ومصدر شؤم لتأخر زواجها.

وبيّن: "وصف المرأة بالعانس إذا لم تتزوج بعمر معين، يشكّل ضاغطاً اجتماعيا عليها".

وللإعلام دور

وقال القطناني: "تشترك الأسباب الموضوعية بقوة في ذات السياق، بعدم اهتمام بناتنا وشبابنا بالاستعداد المسبق للزواج كخطوة من شأنها أن تمهد لحياة سعيدة مع من يختارونه شريكا لهم، هذا الاستعداد الذي يمكنهم من فهم طبيعة الزواج وكيف يمكن لهم أن يديروا علاقتهم مع الطرف الآخر والطرق المثلى للتعامل مع الخلافات بين الزوجين".

وأضاف: "إلى جانب ذلك، تأتي العوامل النفسية والاقتصادية والصحية والتأثير الإعلامي الذي يساهم في صياغة الانطباعات العامة عن العنوسة سبباً كذلك في حدوث هذا التفكير".

وفيما يتعلق بتغيير هذا التفكير، اقترح قطناني زيادة وعي الأبناء، بحيث يهتم الأهل بالتغذية الإيجابية حول العناوين المتعلقة بالزواج ومفاهيمه وآلياته وأهدافه، مع أهمية مساعدة الأبناء في بناء علاقاتهم بأنفسهم على نحو يخدمهم ويحقق أهدافهم.

وبيّن: "ينبغي أن تفهم بناتنا أنهن قادرات على مراجعة والديهم في كل قضاياهن، ومنها المتعلقة بزواجهن، بشكل صريح وواضح، وأن يكون الآباء على قدر من الوعي لتقبل هذه المراجعات والمناقشات".


سعر صرف البتكوين يواصل التحليق عاليا ليتجاوز اليوم 7,000 دولار

تواصل قيمة العملة الرقمية المشفرة الأكثر شهرة وانتشارًا حول العالم، بتكوين، ارتفاعها لتقترب اليوم الخميس من حاجز 7,500 دولار أمريكي للمرة الأولى على الإطلاق، وذلك بحسب موقع “كوينماركتكاب” Coinmarketcap، المتخصص في الصناعة.

وأظهر أرقام الموقع أن قيمة البتكوين بلغت اليوم 7,350 دولارًا أمريكيًا قبل أن تنخفض إلى نحو 7,152 دولارًا أمريكيًا، وهي بذلك ترفع القيمة الإجمالية لجميع العملات الرقمية إلى رقم قياسي جديد يبلغ نحو 191 مليار دولار أمريكي.

وبحسب آخر الأرقام على موقع “كوينماركتكاب”، فإن “سقف السوق” لعملة البتكوين، وهو سعرها مضروبًا في عدد القطع النقدية التي يجري تداولها، بلغ اليوم أيضًا رقمًا قياسيًا جديدًا قُدّر بـأكثر من 119 مليار دولار أمريكي بعد بلغ السقف أمس الأربعاء 110 مليار دولار أمريكي.

ويأتي الارتفاع في قيمة البتكوين، التي شهدت زيادة هائلة بلغت نسبتها نحو 800% خلال الأشهر الـ 12 الماضية، مدفوعًا بأخبار أول أمس الثلاثاء بأن مجموعة CME، وهي أكبر مشغل لتبادل المشتقات في العالم، ستطلق عقود بتكوين آجلة في الربع الرابع من العام الحالي. وهو الإعلان الذي اعتبر خطوة أساسية في مسار العملة الرقمية نحو شرعنة وتعميم التبني المالي.

وتعد البتكوين إحدى العملات الرقمية التي يمكن استخدامها في الاستثمار، أو كأساس للتطبيقات المستقبلية من خلال تقنيتها الأساسية التي تُعرف باسم “سلسلة الكتل” Blockchain. وتعد “سلسلة الكتل” مثل دفتر رقمي للمعاملات المالية.

وكانت البتكوين قد تجاوزت في شهر تشرين الأول/أكتوبر المنصرم حاجز الـ 6,000 دولار أمريكي بعد أن تجاوزت خلال الشهر نفسه حاجز الـ 5,000 دولار أمريكي مقارنة بأقل من ألف دولار مطلع العام الحالي، إذ ارتفعت قيمتها خلال تلك المدة بنسبة قاربت 800%.

يُشار إلى أن سعر عملة بتكوين يبقى متلقبًا، إذ انخفض إلى أقل من 3,000 دولار في منتصف شهر أيلول/سبتمبر الماضي بعدما أعلنت السلطات الصينية عن حملة لضبط التعاملات بالعملة الرقمية.


نيفين زبلح.. بالإرشاد الفني تسعى لدعم المجتمع

اتخذت من التطوع مبدأ حياتيًا، لتفعل ما ترى أنه يعود بالنفع على المجتمع، واختارت لأجل ذلك مجالًا يتماشى مع تخصصها، فعمدت لرسم الجداريات، وكان أول أعمالها التطوعية تزيين المساحات الصامتة، وجعلها ناطقة، من خلال اختيار فكرة ملائمة للمكان، وتنفيذها بألوان مريحة للناظر إليها، وهي على قناعة بأهمية ما تفعل، وأن من شأن جدارياتها أن تعمل على كسر حالة التوتر وخلق مجتمع نظيف سليم من الصراعات الإنسانية نظرًا لصعوبة الأوضاع في المدينة المقدسة، أضف إلى ذلك ما تستفيده هي، شخصيا، من التطوع، إذ تتعلم العمل التعاوني والصبر والمثابرة، وتفرغ طاقاتها بصحبة فئات مختلفة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأمهات الأطفال، وطلاب المدارس.

المقدسية "نيفين زبلح" رسامة ومرشدة فنون، أنهت دبلوم تربية، وتدرس الآن بكالوريوس فنون، ولديها عدة أعمال فنية مع مؤسسات مقدسية، كما أنها تميل لرسم الجداريات ذات الأحجام الكبيرة، وتشارك حاليا في الموسم الثاني لبرنامج "الملكة" لعام 2017م، وتطمح مستقبلًا لدخول موسوعة غنيس في رسم أكبر جدارية في العالم.

و"الملكة" هو برنامج عربي تتنافس فيه نساء من الوطن العربي في مجال المسئولية المجتمعية، ويعمل على تعزيز دور المرأة في المبادرة وتقديم الخدمة للمجتمع، ويستمر التنافس في الموسم الحالي حتى نهاية العام الجاري.

كل المساحات البيضاء

في طفولتها "نشفت ريق" والدتها، وفق وصفها، بسبب حبها للرسم، فلم تكن تترك مساحة بيضاء إلا وتضع عليها لمساتها الطفولية، وخاصة على الجداران، وملابس أختها الصغرى، وكانت تستخدم كل ما يقع تحت يديها من أقلام رصاص وألوان، ومساحيق تجميل والدتها.

قالت زبلح لـ"فلسطين": "بالقرب من بيتنا يوجد عدد من المراكز الفنية، ما شجع أهلي على إلحاقي بها لتنمية موهبتي، فتتلمذتُ على أيدي كبار أساتذة الفن في القدس، واستقيت منهم شغفي بالرسم، والتحقت بنقابة الفنانين في رام الله فأصحبت عضوًا فيها".

وأضافت: "دائمًا كنت أحب أن أشارك في أعمال تطوعية تفيد المجتمع، والتحقت بدورات تعليمية عدة، ومن خلالها سمعت ببرنامج الملكة، وعلى الفور راسلت البرنامج وطلب الاشتراك فيه عن مبادرتي (لون حياتك)".

وكان سبب اختيارها لهذه الحملة هو خبرتها في "الإرشاد الفني" وعشقها للرسم، ففي السنوات الست الماضية تعاملت مع مختلف الفئات العمرية بالمجتمع.

ولفتت إلى أن الإرشاد الفني هو وسيلة لتعديل سلوك الإنسان عن طريق الفنون الجميلة، مبينة: "يقوم العلاج بالفن على الإنسانية والإبداع والتوفيق بين الصراعات العاطفية وتعزيز الوعي الذاتي ونمو الشخصية".

التوعية والدعم

وتستهدف في مبادرتها التي طرحتها في البرنامج كل فرد من أفراد المجتمع الفلسطيني، إذ أوضحت: "بحكم الضغط المفروض على الفلسطينيين بسبب الاحتلال، وانتهاكاته بحق الأطفال، فإن المبادرة تخدم الجميع، المسنين والمراهقين ومرضى السرطان وذوي الاحتياجات الخاصة، وأي إنسان يحتاج لتفريغ نفسي وعاطفي عن طريق دعمه معنويًا، وتطوير فكره للأفضل، من خلال الفن".

وجاءت سبب تسمية المبادرة بـ"لون حياتك" نتيجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في المجتمع، لتلون حياة الفلسطينيين بألوان زاهية وجميلة ترتسم فيها فرحة حقيقية بدلًا من الألوان الكئيبة الرمادية، ولذلك تحاول رسم وطنها بألوان جميلة.

وتسعى من مشاركتها في "الملكة" إلى "توعية المجتمع الفلسطيني للفن الراقي، والدعم العاطفي الذي هو أساس بناء الإنسان، حتى يتمكن من تطور نفسه للأفضل دائمًا"، على حد قولها.

وعن طموحها، قالت زبلح: "أسعى للوصول إلى إنسان مبدع مفكر، يستطيع التحكم في ذاته بشكل أفضل، وذلك من شأنه الرقي بالمجتمع الفلسطيني، وأن رسم الوطن كما يجب أن ترسمه بأجمل الألوان الحقيقة، وأن ترفع اسم فلسطين في الرقي الإنساني".


١٠:٣٦ ص
٣١‏/١٠‏/٢٠١٧

​وحيدتان في البَراح

​وحيدتان في البَراح

"لو أنّ لي كوخًا تحت تلك الغيمة، وبين هاتين الزّيتونتين، أتنفس عليل الهواء صباح مساء، وأركض خلف النسمة، وأقطف من السماء نجمة، أعاكس شعاع القمر في الليلة الظّلماء، وتبلّلني رشّات المطر ذات شتاء، أنظر للأفق البعيد فألمح آمالًا وأحلامًا تتحقّق..".

خيالات ظلّت تلاحقني وأنا أسير تحت أشعة شمسٍ ظُهريّة وأغرس قدميّ في تلك الأرض الزراعية المنكوشة بعد أن فَتَحتْ قلبها الجاف لاستقبال البذور واستعدت للارتواء من أمطار الشتاء القريبة.

في منطقة شبه خالية من الناس شرق مدينة خانيونس سرت برفقة كامل وإنعام أبو طعيمة باتّجاه تلك المرأة وأمّها التسعينية اللتين تعيشان حياة البساطة، بساطة لا يحتملها العقل ربّما! تارةً نمعن في تفاصيل الفّراغِ النّظر، وأخرى نلتقط "سيلفي" الصور، فعظمة الله في تلك المنطقة تجلّت في كل مشهدٍ ومنظر.

الصديق الوفي..

يا إلهي! كلب.. "ومش" مربوط! تقدّم يا كامل فأنت "القبضاي" الآن وهذه فرصتك لتثبت لنا ذلك! راح الكلب يعوي، وتحت قدميّ قلبي يهوي، حتى انتفض الكلبُ من مكانِه وانطلق يركض..

آه يا قلبي.. تنفّستُ الصعداء وحمدت الله، فنحن جميعنا بخير، فقد انطلق عكس اتجاهنا، ضحك كامل وقال: "يبدو أن الكلب خائف منكما، وهرب بعد أن أخبر "فوزية" بأن أحدًا قادم"، التفتُ لإنعام ورفعتُ شيئًا من حاجبي وكتفي تعجّبًا كما فَعَلَت هي تمامًا، فضحكنا لتشابه انفعالِنا ثم أكملنا المسير باتّجاه بيت فوزية أبو مصطفى، التي خرجت لاستقبالِنا قبل أن ندق باب بيتها الصّدئ من صفيح "الزينكو".

فالكلب بالفعل ذهب ليُعْلِمها بقدومِنا كما أخبرنا كامل، المهم؛ مدَدتُ يدي لأصافِحها وقد شَمَرت قليلًا عن يدِها، فأنْزَلَت ذراعَها قليلًا كي لا تُلامِس كفّي كفَّها، فهيئتها تبدو أنها منهمكة في تنظيف شيءٍ ما، لكنّ وجسي من أن ترفض محادثتي دفَعَني للتقرّب إليها أكثر والإصرار على مصافحتِها كفًّا بكفّ وبالتالي ملامسة أشياء رطِبة على يدِها بابتسامةٍ عريضة ودون التفكير في ذلك الشيء الذي تنظّفه، ومثلي فعلت إنعام مضطرة.

سألتها عمّ تفعل وما زالت ابتسامتي لا تغادرني، فردّت بكل هدوء وبادلتني إياها: "أنظف تحت النّعجة".. تلاشت ابتسامتي شيئًا فشيئًا وبلعتُ ريقي وتخيّلتُ أشياء تحكّ كفّي، وتمنّيتُ لو أني لم أبالِغ في تقرُّبي! فينالني من روث نعجتها وبولها ما نالني.

الوقت ليس وقتًا للدّلع والبحث عن ورق مبلّل ومُعطّر، ففرصةُ بقائنا في بيتِها والحديث معها قد تضيع في لمح البصر، وأنا التي أحبّ الدخول في تفاصيل البُسطاء والحديث إليهم، في حين أن لا أحد يدخل بيت فوزية وأمِّها غير ذلك "الوفيّ" صاحبها الكلب، وتينك القطتين، إحداهُما كالليل الحالك والأخرى كنور الشمس، "فلتهدئي يا إنعام ولا داعي لتلك النظرة المستفَزّة".. غمزتُها وهي تمسح يدَها وتلحظني بمؤخرة عينٍ غاضة.

مسكن لا يُطاق!

كانت فوزيّة -44 عامًا- تشعر بالحزن الشّديد، فقد سرق أحدُهم إحدى النعجتين في حظيرتِها وهرب، تقول لـ"فلسطين" وقد اشتدّ بها الغضبُ: "أعرف من سرقها إنه واحد من أقرب أقاربي، ذهبتُ للشرطة وشكوتُه قبل قليل".

فوزية التي لم تكن قد تناولت طعام الإفطار بعد بسبب انشغالِها في أمر نعجتيها، تعيش مع والدتِها على أرضيةٍ بلا بلاط وبين جدرانٍ معتمةٍ بلا دهان، بينما أبواب بيتها الخشبية نهش "حلقَها" الزّمانُ.

تتوسط ساحة البيت الصغيرة شجرةُ زيتونٍ قصيرةٍ فتزاحِم هاتين المرأتين المكانَ، جعلت فوزيّة من فروعها حِبالًا ونشرت عليها أكوام الغسيل والبطاطين فأضاعت بهجة خُضرتِها، لكنها ما تزال مثمرةً وتعطي زيتونًا شهيًا.

وبظَهرٍ مُنحنٍ قطفت العجوز "صالحة" والدة فوزيّة كميةً من الزيتون ووضعتها في وعاءٍ أمامها على استعداد لدقّه، وراحت تطلب من ابنتِها أن تصنع إبريق شايٍ جديدًا، غير ذلك الذي تناولته صباحًا مع قطعة خبز "حاف"، بينما فوزيّة تؤجّل الإجابة لكثرة ما ملّت من طلباتِ العجوز.

بلا تفكير ولا أحلام!

تلك المرأة البسيطة فوزيّة تشارك بالعمل في العديد من دونمات الأرض الزراعية من حولها، تمضي حياتَها فيها تزرع القمح والشعير والبازيلاء وغيرها من البذور، حتى تصبح أرضًا يانعةً خضراء ويأتي موعد قطف الثمار، تأخذ من الثمار ما تشاء لها ولوالدتها، ولا تنسى أن تطعم "حمارها" الذي صفّته بعربتِه خارج بيتها فاستفزّ هدوء الطبيعة بنهيقِه.

وفي ليالي الصيف الحارّة وبعد أن تلسعها الشمس وينهكها التعب من العمل في تلك الأرض أو يساورها الملل؛ تفترش رمل بيتِها وتستأنس بوريقات الزيتون المغبّرة بجوارِها ثم تنام تغطّيها العتمة، دون أن يباغتَها في الليل فكرٌ أو قلق أو حلمٌ! تعبّر: "الليل يطوي صفحة يومِي بحلوِه ومُرّه".

تذكّرت حالتي حين يتملّكني النّعاس والإرهاق وفي خلدي يدور بعضٌ من "فكرٍ"، وكيف يُجنّ جنوني حين لا يسعفني النوم ولا حتى الغفوة، فأبقى تارةً أُناظر سقف الغرفة، وأخرى أراقب أشباح العتمة، فراحة بالهما التي يفتقدها الكثيرون من أصحاب الفِكر أو القلمِ أو أصحاب البيوت الجميلة والمناصب الرفيعة لا تعوض بثمن.

فوزيّة امرأة أمّيّة لم يُكتَب لها الزّواج، تعيش بالأساس على "كوبون" الشؤون الاجتماعية وتقتات منه، إنها لا تخالط الناس أبدًا وتأوي مع والدتها في بيتٍ أسكنهما فيه رجل من أهل الخير طوال سنيّ عمرهما الماضية حتى اليوم، هاتان المرأتان تعيشان حياة سعيدةً وذهنًا خاليًا من الهموم بالرغم من كل البؤس الذي رأته عينيّ ورسمته الكاميرا!

بحثت عن صاحب الأرض وفاعل الخير هذا، فكانوا أبناء المرحوم محمد سلمان أبو حمد، تحدّثت إلى أحد أبنائه السيد سامي أبو حمد، فقال لـ"فلسطين": "هاتان المرأتان تعيشان حياة لا يقبلها عقل، إنه بيت غير صالح للعيش، لكنهما سعيدتان وغير مكترثتين لشيء، ما يدعوني للعجب ويشعرني بالاستفزاز"، وكان أبو حمد قد عرض على أخ فوزية أن يبني لهما في بيتِه غرفةً على حسابِه الشخصي مقابل خروجهما من البيت في تلك الأرض لكنهما ترفضان رفضًا قاطعًا وتضربان بعرض الحائط كل الحديث حول إخراجهما!

يضحك أبو حمد مستنكرًا: "إنهما مرابطتان هناك، يقولان إن البيت الذي وُلدتا فيه تموتان فيه ولن ينتقلا لغيره!"، لكن رزانة عقل أبي حمد تمنعه من إجبارهما على الخروج رغم عدم تقبّله لتلك الحياة التي يراها غير آدمية، وتشوّه الجمال الطبيعي في أرضِه، بل ويتركهما تسرحان وتمرحان فيها كيف ووقتما شاءتا!

سعيدتان بكل حال

"هل أنتِ سعيدة في حياتِك يا فوزية؟".. تبتسم مستغربةً سؤالي: "الحمد لله مبسوطة"، طيب.. "هل ينقصك شيء؟ هل تحلمين بتحقيق شيء؟".. "لا أبدًا عندي كلّ شيء" ترد بعفوية وأنا التي لم أرَ من الطعام غير بضع حبّات بندورة بجانب مخدّتها وبعض أواني الألومنيوم القديمة والمطروقة، و"سخّانة" ماءٍ مطلية بسخام الدخان، ومطبخ مكركب شبه خالٍ من الطعام، جذبت رائحتُه "المكمورة" أنوف القِطط لتسرح فيه وتمرح.

"هل يضايقك أحد؟.."، أصلًا أنا لا أخالط الناس، لكن "الطّنيّات" وتقصد الأطفال الصغار يزعجونني كل صباح، فيأتون ويقذفون الحجارة على البيت، فيخرج الكلب نابحًا ويخيفهم"، فيهربون خلف أشجار الصبّار هذه".. تُشير بذراعِها لتلك الأشواك المتجذّرة حول البيت، وكانت فوزيّة قبل أيامٍ قليلة من زيارتنا لها قد قطفت ثمار الصبّار وانطلقت بها على عربة "الكارو" لبيعها وتحصيل رزقِها اليسير.

لم أرد إطالة الحديث معها أكثر فعلاماتُ الملل باتت تأخذ من ملامِحها شيئًا، شكرتُها، وودّعتُها وغبطتها على راحة بالِها التي باحت بها كلماتها البدويّة القليلة المُبعثرة، وأشفقت عليهما لبقائهما على ذلك الحال بعيدتين عن الناس مدفونتين بين صفيح الزينكو ودخان الحطب، ثم عدت ورفيقيّ طريقي من جديد نغرس أقدامنا في الأرض التوّاقة لأمطار الشتاء.. وها نحن..