ثقافة

فريق "الوفاء" يشعل مشاعر الجماهير بمهرجان انطلاقة حماس

بحماس كبير، انتفضت الجماهير على أرض الملعب البلدي بمحافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، لتطلق العنان للحناجر بالتكبير والتهليل وإعلاء صوت الأذان، وتجديد البيعة والوفاء لدماء الشهداء، وتأكيد العهد والوعد للأسرى والقدس والمقاومة.

وكانت الجماهير التي قدر عددها بنحو ثمانين ألف نسمة، تحيي ذكرى الانطلاقة الـ29 لحركة حماس في مهرجان مهيب، حمل شعار "مهرجان قدسنا.. عهد ووفاء".

وشهدت أرض المهرجان تفاعلا واسعا، وحماسا كبيرا لدى الصغار والكبار والنساء والرجال، حتى القادة وضيوف الشرف في السطر الأول لوحوا بالرايات الخضراء وأعلام فلسطين، واختلطت أصواتهم مع أصوات الجماهير بالتكبير ونصرة الأقصى والقدس، بالتزامن مع صعود فريق الوفاء الفني للمنصة.

ذلك الحماس، صنعه فريق الوفاء الإنشادي، المكون من أربعة أسرى محررين ضمن صفقة وفاء الأحرار، مبعدين إلى غزة، وهم رمزي إبراهيم العك من بيت لحم وتعود أصوله لقرية المالحة في القدس، ومصعب الهشلمون من الخليل، وحمودة صلاح من نابلس، وعلي عصافرة.

وتميز أعضاء الفريق في إنتاج العديد من الأناشيد التي لقيت صداها لدى الجمهور، خصوصا تلك الداعمة لانتفاضة القدس والمحرضة على المقاومة، والداعمة لصمود الأسرى ونصرة قضيتهم، كـ"أخت المرجلة" و"هنا أعددنا لكم" و"قم وقاوم" و"بسم الله وكبرنا".

وأثار المنشد الأسير المحرر العك، بصوته الجهوري الغليظ، حماس وتشويق الجماهير، لفقرات المهرجان، الذين رددوا عهد الوفاء للقدس والمقاومة خلفه بصوت واحد، ولوحوا براياتهم وأيديهم، ليزينوا أرض المهرجان باللون الأخضر وألوان علم فلسطين.

العك بعدما نزل عن المنصة، تحدثت إليه صحيفة "فلسطين"، وأعرب عن سعادته حينها، بنجاحه في إضفاء الحيوية والنشاط والحماس لدى الجماهير، مشيراً إلى أن فريقه صاحب تجربة عريقة في النشيد الإسلامي الهادف داخل سجون الاحتلال وخارجها.

وقال: "دخلنا سجون الاحتلال مناضلين مقاومين، وتحديناه بالإجهار بكلمة الحق، إلى أن خرجنا من السجون محررين ورؤوسنا عالية في السماء"، موضحا أنهم خرجوا إلى غزة ليلتحقوا بالساحة الفنية، وقد خاضوا قبل ذلك التجربة داخل السجون.

وتابع العك: "أنشدنا والأغلال والقيود في أيدينا، والجنود من حولنا، وقلنا كلمة الحق داخل السجون، فلم لا نعليها بعدما خرجنا في صفقة مشرفة؟"، مضيفا: "نحن أصحاب رسالة نعرف كيفية إيصالها إلى العالم، كما أننا نفرح كثيرا لأي عمل يخرج من بين أيدينا يعجب الجماهير".

وأعرب عن فخره، أنه وفريقه من رموز الشعب الفلسطيني الذي ضحى وقدم آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، قائلا: "نحن مواطنين نشعر بالوجع الفلسطيني، الذي أول ما يمر، يمر بنا، كوننا نعرف معنى الألم ونعرف معنى الإضراب عن الطعام، وما هي الزنازين؟، وماذا يعني أسيرا؟، لذلك أول ما يمر الجرح الفلسطيني يمر في زنزانة الأسير".

ولفت العك إلى أن فريقه رزق بتوفيق المولى، في اختيار الكلمات في الأناشيد واستطاع الاعتماد على نفسه في كتابة الكلمات كفريق، قائلا: "نحن من الجمهور، لذلك من السهل علينا إشعال حماس الجماهير، كوننا أبناء هذه البلد، أبناء الشهداء وإخوة الأسرى والجرحى، وكل ما يحيط بنا له علاقة بالمقاومة والوطن".

تطور الفن الإسلامي.. معرض لمخطوطات في تونس

افتتح وزير الثقافة التونسي محمد زين العابدين، ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته، أمس الإثنين 5-12-2016، معرضاً لمخطوطات إسلامية، تمتلكها جامعة "ليدن" الهولندية.

المعرض، يقام تحت عنوان "فن الكتاب الإسلامي من مجموعة ليدن .. الجمال في المخطوطات الشرقية"، ويستضيفه النادي الثقافي "الطاهر الحداد" بالعاصمة تونس.

ويضم المعرض، الذي يستمر حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول الجاري، وتنظمه السفارة الهولندية بتونس، مخطوطات وزخارف تجسد تطور الفن الإسلامي، بداية من النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، وحتى القرن العشرين.

وقال وزير الثقافة التونسي محمد زين العابدين، خلال كلمة بافتتاح المعرض، إن المخطوطات تبرز قيمة الحضارة الإسلامية وثراثها الثقافي .

وأضاف زبن العابدين أن هذه الدراسات التاريخية لجامعة "ليدن" تكتسي أهمية بالغة لتعريف الغرب بالدين الإسلامي الحنيف، وقيمه السمحة التي تم تشويهها من قبل بعض مجموعات متطرفة ومتشددة، حسب قوله.

وتابع الوزير التونسي، مخاطباً الحضو: "آمل بأن تقدم لكم تونس صورة جيدة عن الإسلام المعتدل وقيمه السمحة".

من جانبه، قال رئيس الوزراء الهولندي مارك روته إن تنظيم المعرض يأتي بعد مرور أكثر من 400 سنة على بدء الدراسات العربية والإسلامية في هولندا، مشيرا إلى أن قسم اللغة العربية في جامعة ليدن يعد أحد أقدم الأقسام في أوروبا.

وتحتفظ جامعة "ليدن" الهولندية بنحو 4 آلاف مخطوطة عربية، إضافة إلى ألفي مخطوطة تركية وفارسية وعثمانية.

وبدأ رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، الإثنين، زيارة رسمية إلى تونس، تنتهي الثلاثاء، ضمن وفد مجموعة دول "البينيلوكس"، الذي ضم أيضاً شارل ميشال، رئيس وزراء بلجيكا، ورئيس وزراء لوكسمبورغ "قسافي بيتال".

ودول "البينيلوكس" هي اتحاد اقتصادي تأسس العام 1944، بين ثلاث ممالك في أوروبا الغربية، وهي بلجيكا، هولندا، لوكسمبورغ، والاسم مشتق من الحروف الأولى لتلك الدول.

"مكاور".. إبداعات مصممين فلسطينيين تحت سقف واحد

بدا الشاب محمد نافذ حماد منهمكاً في شرح تفاصيل إعادة رسمه زخارف النافذة الوسطى في الجهة الشمالية الشرقية لقبة الصخرة الشريفة، وذلك للزائرين لمعرض "مكاور" الخاص بأعمال المصممين الهواة والمتخصصين في قطاع غزة.

واحتاج حماد لقرابة شهرين بواقع 70 ساعة و5800 طبقة (layer) لإنجاز اللوحة البديعية وإعادة رسم زخارف النافذة بدقة عالية بواسطة برامج المعالجة والتصميم المتعددة.

ويعد معرض "مكاور" أول فعالية فنية محلية تعرض عدة إنجازات عملية في فن الاتصالات البصرية "تصميم الجرافيك"، بينما اقتبس اسم المعرض، الذي يعد الأول من نوعه على مستوى غزة، من طائر "الببغاء" الذي يستمد منه ألوان السواتش ببرنامج التصميم الشهير "فوتوشوب".

واحتوى المعرض، الذي أقيم في بهو قاعة المؤتمرات الكبرى في الجامعة الإسلامية، على 14 زاوية، انقسمت إلى عشر زوايا للمصممين المشاركين من غزة والضفة وثلاث زوايا خاصة بإنجازات ممثلي الجامعات الفلسطينية والبقية للشركات والمدارس.

فن الرسم بالحروف

وعرض الشاب مصطفى إسماعيل خلال فعاليات المعرض خمس لوحات أعدها بواسطة فن الرسم بالحروف "تيبوغرافي"، من أصل 15 لوحة مختلفة المضامين والأحجام شارك بها واستخدام برامج الفوتوشوب والانسترتور والانديزاين في عمليات إعدادها بدقة واحترافية عالية.

وذكر إسماعيل لصحيفة "فلسطين" أن مصممي غزة الهواة منهم والمختصين يمتلكون مهارات فذة من شأنها أن تؤهلهم للمشاركة في مسابقات خارجية على المستوى العربي والدولي، إلا أن تداعيات الحصار الإسرائيلي تعد العقبة الأكبر في طريقهم.

ولفت إسماعيل، الذي يحترف مهارات التصميم منذ 12 عاما، إلى أن أزمة الانقطاع اليومي للتيار الكهربائي تُعد المُنغِّص الأول لعمل المصممين الغزيين، مبيناً أنه بإمكان المصمم إعادة رسم أي لوحة أو تطبيق أي فكرة فنية إن امتلك المهارات والقدرات اللازمة.

وخصصت إحدى زوايا المعرض لتقديم إنجازات الشاب محمد الدلو (22 عاما)، الذي تميز رغم إعاقته الجسدية منذ ولادته بإبداعاته الفنية التي تنوعت ما بين رسم الشخصيات الكرتونية والأعمال المتحركة "انيمي" والرسومات المحببة لدى الأطفال ولوحات ذات مضامين متعددة.

وأشرف نادي المصممين- فلسطين " الذي أُسس بمبادرة فردية شبابية عام 2015" على تنظيم وتنسيق فعاليات معرض "مكاور" بالتعاون مع كلية تكنولوجيا المعلومات بالجامعة الإسلامية ورعاية حاضنة الأعمال التكنولوجية "يوكاس".

مشاركة مميزة

بدوره، قال رئيس نادي المصممين، الشاب محمد المدهون إن المعرض يهدف لتحفيز المواهب لدى المصممين الفلسطينيين وتعريف أكبر شريحة ممكنة من الجمهور بهم، إلى جانب السعي لتشكيل شبكة علاقات وتواصل بين المصممين سواء في غزة والضفة والقدس المحتلتين، لتحقيق أقصى فائدة ممكن من فن التصميم.

وأضاف المدهون لـ "فلسطين" أن مراحل الإعداد والتجهيز للمعرض استغرقت قرابة الشهر رغم أنها اصطدمت ببعض الصعوبات لكن تذللت من خلال جهود المصممين المشاركين، موضحا أن أيام المعرض حظيت بتفاعل ومشاركة مميزة من شرائح مجتمعية مختلفة وتحديدا من الطلبة المهتمين بالتصميم والمؤسسات الخاصة.

وأشار المدهون إلى أن المصممين في غزة يواجهون صعوبات بالغة في عملية التواصل الخارجي وتبادل الخبرات، فضلاً عن إعاقة فرص حصولهم على دورات تدريبية خارجية، نظرا لسياسات الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع الساحلي منذ قرابة العقد.

وبين المهندس محمد أن العمل في مجال التصميم من شأنه فتح آفاق عمل حر مع الكثير من الجهات المهتمة مما يساهم في تقليل نسب البطالة المتضخمة في صفوف الشباب والخريجين، مؤكداً في الوقت ذاته أهمية احتضان الأفكار الإبداعية وتوفير سبل لتطوير المهارات الذاتية بما يؤهلها لدخول سوق المنافسة والعمل.

أسعد طه يحكي لـ"فلسطين" عن مغامرات نضاله

حاورته - فاطمة أبو حية

ربما لا تزال نبرة صوته عالقة في أذهان كثير من متابعيه وهو يؤكد على مسامعهم أن "كونوا على الموعد، لنحكي الحكاية من البداية"، أو وهو يخبرهم من جديد: "نقطة ساخنة، الخميس الأخير من كل شهر"، كيف لا تحفظ أذهانهم صوتًا استمروا يستمعون له على مدار سنوات، ويرقبون الحلقات واحدة تلو الأخرى، منتظرين ما سينقله لهم مقدّمها "أسعد طه" من موضوعات جديدة بكلمات تدق أوتار القلوب؟!

ربما كانت هاتان السلسلتان الوثائقيتان "يُحكى أن"، و"نقطة ساخنة" اللتان بثّتهما قناة الجزيرة الفضائية هما الأبرزين من أعمال ضيفنا، الذي حاورناه ونقلنا لكم بعضًا من ملامح تجربته الإعلامية.

هو "نضال" فلا تراجع

لم يدرس أسعد طه الصحافة أكاديميًّا، لكنه ارتكز على رغبته الشديدة بالعمل في هذا المجال الذي كان هوايته منذ الصغر، فهو اعتاد أن يمارس كل أنشطة الصحافة والكتابة والإذاعة في المدرسة منذ كان طالبًا في المرحلة الابتدائية حتى الثانوية ثم في الجامعة، يقول: "اختبرت نفسي في عدة أعمال، ولم أجد أن شيئًا في العمل يروقني مثل هذه المهنة، رأيت أن الله (عز وجل) منحني موهبة وعلي أن أحسن استغلالها".

في طفولته كانت القراءة علامة بارزة تشير إلى الصحفي الذي بداخله، أضف إلى ذلك علامات أخرى يتحدّث عنها: "حبي للحرف، ثم الشغف، ومحاولة الرد على الأسئلة التي تتدفق في مخيلتي، والبحث عن الإجابات، البحث عن الحقيقة".

أما التعلّم واكتساب المهارات فلم يتوقفا، لكنهما بلغا ذروتهما عندما عمل في تغطية حرب البوسنة، يقول: "ظني أن تجربة تغطية حرب البوسنة بين عامي 1992م و1995م كانت تجربة سخية ومميزة، لكن أيضًا انطلاقي إلى العالم الرحب بعدها خلال عملي مع قناة الجزيرة كان أيضًا تجربة سخية جدًّا، ثم إني ما زلت أتعلم، ومن قال: "قد وصلت" فقد سقط".

وفي بداياته الأولى مع العمل الصحفي كثرت محاولات طه لمراسلة العديد من الصحف ليعمل فيها دون تلقي ردود، وخاض تجربة العمل دون مقابلٍ مادي، لكن هذا لم يزده سوى استمتاع بالتجربة، ولم يسحبه إلى الوراء قط.

ويضيف: "لم أفكر قط بالتراجع، وعددتها معركة حياة أو موت، فكنت أؤمن أن النجاح مقترنٌ بقوة الإرادة، لاشك أنه لم يكن القرار سهلًا كما أتحدث عنه الآن، لكن فعلًا كنت مندفعًا جدًّا، وأمامي العديد من العقبات، لا أبالغ إذا قلت: إنني كنت أستلذّ هذا "النضال"، وكنت أثق أن الله (عز وجل) سوف يساعدني بصورة ما، كنت مندفعًا إلى حد أنني عندما بدأت أجد ردود فعل إيجابية عن كتاباتي عن المسلمين في أوربا لم يمنعني ذلك من تغيير وجهة اهتمامي إلى البلقان وآسيا الوسطى، فكان ذلك مغامرة أخرى، لكني كنت أظن أن هذا أوجب، وأن على الإعلام العربي الاهتمام بما يجري لمسلمي هذه المناطق، وهو ما تحقق لاحقًا".

كلٌّ يحب الحكاية

بعد تجاوز مرحلة البحث عن عمل لم يقبل طه فكرة "الوظيفة"، وعن ذلك يقول: "لم أعمل موظفًا في أي مؤسسة إعلامية، مع ما تؤمنه هذه المؤسسات من دخل ثابت في بداية كل شهر، كانت لي حساباتي في ذلك، الكلمة عندي لها قدسية خاصة، كنت أخاف من الخطأ الذي يمكن أن يضل الناس أو يغيب وعيهم".

ويضيف: "خفت أكثر من القيود الفكرية التي قد يفرضها أي التزام وظيفي مع أي جهة، فنعلم أن كل جهة لها ولاءاتها، فكانت صيغة العمل حرًّا تمنحني أن أقبل ما شئت مادام يتوافق مع مبادئي، وكان لي حق الرفض"، متابعًا: "كنت وما زلت أؤمن بخطوط التماس، أي أتعاون مع أي جهة فيما لا يتعارض مع ما أؤمن به، كان لذلك عاقبته على المستوى المادي، لكنني استفدت كثيرًا على المستوى الفكري تحديدًا، فأرى وأنظر وأفكر فيما حولي وأنا حرٌّ تمامًا في اتخاذ أي موقف والتعبير عنه".

الأعمال الحرة هذه بدأت بالصحافة المكتوبة ثم الإذاعة والتلفاز، وأخذ العمل الوثائقي جزءًا كبيرًا من إنتاجه، واليوم يعود طه إلى الكتابة من جديد عبر "الحكايات".

ويقول: "الإذاعة والتلفاز يتعاملان مع القضايا بسطحية نظرًا إلى طبيعة الأدوات نفسها، ففي التلفاز ليس أمامك _مثلًا_ إلا دقيقتان للتحدث عن خبر اليوم، أما في الصحافة المكتوبة فمساحة أكبر لتكتب وتحلل وتبحث وتستنتج، لكن في المقابل إن للصورة تأثيرًا لا يقاوم".

ويضيف طه: "أنا لم أقرر العودة إلى الكتابة هكذا، بل أسير وراء قلبي، وعندما شعرت بالحنين إلى الكتابة توجهت لها، وربما أعود إلى تكثيف عملي في الوثائقي، الذي أخذ وقتًا طويلًا لأني وجدت قضايا عديدة أحببت أن أوثق لها، وأن تحفظ لها مكانًا في المكتبة العربية".

ويتابع عن سلسلة "يُحكى أن" المتلفزة والمكتوبة: "للحكاية قوة ساحرة في التأثير في الناس على اختلاف انتماءاتهم وأعمارهم وجنسياتهم ومعتقداتهم، كلٌّ يحب أن يسمع للحكاية، فلما لا نقول ما نريد قوله عبر الحكاية؟".

ليس مجرد انبهار

وكما تعددت أعماله كثرت أسفاره، حتى كان لها بالغ الأثر في تشكيل شخصيته، فهي لم تكن رحلات عمل فقط، وليست مجرد انبهار بالطبيعة الخلابة والأماكن الجميلة في بعض البلدان، وإنما هي فرصة للتعلم والتفكر، وهذا ما يرى "طه" أنه يستحق أن يؤلف فيه كتبًا.

ويقول: "لو لدي وقت لألفت كتبًا في ذلك، الفضل لله (عز وجل) ثم للسفر في تشكيل شخصيتي وتطوير أفكاري، وثمة مذاق لا يشعر به إلا المسافر، إنك تسير في هذه الأرض الواسعة، تلتقي أقوامًا وأديانًا وأفكارًا وتجارب بشرية، كل ما عليك ألا تفوت مشهدًا إلا وتفكر فيه، وقد هداني الله (عز وجل) إلى مسألة التفكير فيما حولي منذ رحلاتي الأولى، فلم تكن تبهرني فقط الطبيعة الخلابة أو المنشآت الشاهقة، قدر طبائع الناس وأفكارهم وتجاربهم"، منتقيًا من بين الدول التي زارها "سراييفو" ليصفها أنها "حبّه الأول"، وليبين أن رئيسها الراحل "علي عزت بيجوفيتش" هو أكثر الشخصيات التي التقاها تأثيرًا فيه.

أصدقائي الضحايا

وخلال سنوات عمله رصد كمًّا كبيرًا من المعاناة، ونقله إلى جمهوره بكلمات تحمل وجع أصحابها الذين يتحدّث عنهم، فكيف أثّرت فيه الآلام والمعاناة؟، وما العلامة التي تركتها بداخله؟، يجيب: "أوقعت بي الأذى كثيرًا على المستوى الشخصي، الشعور بالعجز أمام ما ترى من مذابح وأذى يلحق بأبرياء لمجرد أنهم يدينون بمعتقد أو بقومية ما، لا أبالغ إن قلت: إن هؤلاء الضحايا الذين رأيتهم وعاصرت مآسيهم أصبحوا أصدقاء لي في مخيلتي، يرافقونني أينما ذهبت".

ولأنها "مهنة المتاعب" تسببت ببعض التهديدات لضيفنا، وعنها يقول: "التهديدات لها صورها المتنوعة، وأسوأ ما في الأمر أنك لا تشعر بالأمان دائمًا، مع أني على يقين بأنني لم أفعل ما يستحق هذا التهديد، لكن بعضٌ يؤذيه أن تكون حرًّا، وإن لم تفعل شيئًا حياله، هو حريص أن تكون مثله عبدًا".

ويتابع: "إذا لم تشعر بجدوى ما تفعل فما الذي سيجبرك على الاستمرار؟، إنه الشعور بأنك أديت ما بوسعك مع ما لاقيته من متاعب".

تموت في المكان نفسه

ومما تتميز به تجربة الإعلامي الكبير أن للمغامرة مساحة واسعة فيها، ولكن بعيدًا عن "الطيش"، وعن ذلك يقول: "أؤمن بالمغامرات المحسوبة، وهي التي تختلف عن الطيش، بل أظن أن الطيش هو ألا تغامر، لن يحقق السكون لك شيئًا، لا تطلب تأمين كل احتياجاتك قبل شروعك في مشروعك، سافر، ونم في الشارع، واشعر بالجوع، وابحث عن عمل، أرض الله واسعة جدًّا، كيف تقبل أن تموت في المكان الذي ولدت فيه؟!".

"ليس المهم أبعد نقطة، المهم أن أظل أعمل حتى النهاية مخلصًا لما أؤمن به"، هذا ما قاله "طه" ردًّا على سؤال عن أبعد نقطة يسعى للوصول إليها بعمله، أما النصيحة التي يحرص دومًا على ترديدها على مسامع أبنائه والخلاصة المهمة التي توصّل إليها فهي: "لا شيء بقيمة مبادئك ومثلك العليا التي يجب أن تعيش وتموت من أجلها، لا تتوقف عن العمل".

"طه" كان قد تحدث في أكثر من موضع عن حبّه لفلسطين ورغبته في زيارتها، ويختم الحوار بالقول: "فلسطين قضية أكثر من كونها مكانًا، وأراها حرة يومًا ما بإذن الله، لا يهم أي مدينة أو قرية يمكن أن أزورها، الأقصى ساكن في القلب، نعم فلسطين قضية أكثر من كونها مكانًا".