الإسلام والعصر


​الأخلاق في المجالس تظهر من خلال الالتزام بآدابها

لم يترك الإسلام شاردة ولا واردة تنظم حياة المسلمين إلا دلهم عليها وأرشدهم إليها، وفي المقابل ما ترك خلقًا سيئًا إلا حذرنا منه، فإن الإسلام علمنا خير الآداب، وكسانا بأحسن الأخلاق فكان المسلمون أحسن الناس خلقًا تأسيًا بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم متمثلاً قول الله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم"، ومن جملة هذه الآداب ما يتعلق بآداب المجالس والمقاعد والدواوين وما ينظم العلاقة بين الجالسين والحضور.

يقول العضو الاستشاري لرابطة علماء فلسطين الداعية أحمد زمارة: "النفس البشرية تميل للاجتماع والالتقاء وتنفر من الفرقة والاختلاف وهذا مقصد الدين، ولذلك لا بد من محدداتٍ وضوابط للحفاظ على المحبة والألفة في مجالسنا".

وأوضح أن من أهم المبادئ اختيار أماكن الجلوس وإقامة المجالس، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عليه السلام قال: "إياكم والجلوس بالطرقات؛ قالوا: يا رسول الله لا بد من مَجالسنا نتحدث فيها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه, قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

ومن الآداب أشار زمارة إلى حسن اختيار الجليس الصالح، لأن الله سبحانه قال في محكم آياته: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّ‌سُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ‌ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا".

وبين ضرورة الحديث في المجلس بالكلم الطيب والقول الحسن، "لأن حركاتنا وسكناتنا وأنفاسنا معدودة علينا لقوله تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ"، لهذا وجب علينا أن نجعل من مجالسنا كنوزًا من الحسنات، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم جلسوا مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة"، وفق قوله.

ونوه زمارة إلى من الآداب أن يجلس حيث انتهى بنا المجلس، وعن جابر بن سمرة قال: كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي، وهو أنّ الرجل إذا دخل المجلس؛ يجلس فيه حيث ينتهي بهِ المجلس، ولو عند عتبة الباب، فعليه أن يجلس فيه، ولا يترقّب أنْ يقوم لهُ بعض أهل المجلس مِنْ مجلسه؛ كما يفعل بعض الناس اليوم؛ فإنّ هذا منهيٌّ عنه صراحة في قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يُقِيمُ الرجلُ الرجلَ مِن مَقعدِه، ثمّ يجلسُ فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا".

وأكد أهمية التفسّح في المجالس والتوسع حتى لا يتعرض أحدهم للحرج، لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ"، وعد التفرقة بين اثنين إلا بإذنهما، فلكل إنسان أسراره، ولكل صديق أخباره، منها ما يحب أن يطلع الناس عليها ومنها ما يحب ألا يعرفها غير من يعز عليه، لذلك نهى النبي عن الجلوس بين اثنين إلا بإذنهما وموافقتهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل للرجل أن يفرِّق بين اثنين إلا بإذنهما".

وأضاف زمارة: "وفي المقابل لا يحق لهؤلاء الاثنين أن يوغروا صدر أخيهم إن كانوا ثلاثة جلساء وذلك بأن يأخذ أحدهم أذن أخيه يحدثه ويتمتم إليه، والثالث ينظر إليهما, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس أجل أن يحزنه".

ولفت إلى أهمية الإنصات للمتحدث وعدم مقاطعة الحديث، ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصت لمن يحدثه، وكان يرفض أن يقطع الواحد كلام أخيه, عن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال: بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال: "أين أراه السائل عن الساعة؟"، قال: ها أنا يا رسول الله، قال: "فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة, قال كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

وختم حديثه: "ولا بد لكل مجلس من كفارة، وكفارة المجالس كما علمنا صلى الله عليه وسلم "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك"".


الرضا بما قسم الله يرفع درجة المسلم ويريح باله

الرضا هو نعيم المؤمن من هموم الدنيا ومتاعبها، ففيه رضا بقضاء الله وما قسمه الله له، كنزٌ من كنوز النفس لما له من أثرٍ على راحة البال، بدلًا من العيش في حالة جذبٍ وسخطٍ وكدر وضيق مع النفس، فلا ينعم بما أعطاه الله، فالرضا عبادة قلبية تغيب عن الكثيرين.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ"، فالكثير من يجتهد في حياته الدنيا بحثًا عن الرزق ولكن قدر الله له الفقر المادي، لكن رضاه بما قسم له يجعل له مقامًا كبيرًا عند الله.

يقول د. زياد مقداد الأستاذ المشارك في الفقه وأصوله بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية: "الرضا هو قبول لقدر الله وحكمه في السراء والضراء، لأن ما قسمه الله لك هو خير بغض النظر عما كانت شاكلته، يقول الإمام الحسين بن علي (رضي الله عنهما): "من اتكل على حسن اختيار الله (تعالى)؛ لم يتمن غير ما اختار الله له".

ويبين أنه ينبغي أن يكون المسلم على يقين بأن الله (سبحانه وتعالى) قسم الأرزاق بين العباد، وأن لا أحد يستطيع أن يأخذ زيادة عن رزقه حتى لو جرى في الأرض "جري الوحوش"، ولا يمكن أن ينقص رزق أحد، مهما كان جبروته، لأن الرزق يتكفل به الله للإنسان وهو في بطن أمه، فعنْ أبي عبدِ الرَّحمنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (رَضِي اللهُ عَنْهُ) قالَ: حدَّثنا رسولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهو الصَّادِقُ المصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلِكَ، ثمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فيهِ الرُّوحَ، وَيُؤمَرُ بأرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيّ أوْ سَعِيد".

ويذكر د. مقداد قول ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (عليه الصلاة والسلام) يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ".

ويبين أهمية أن يكون الإنسان قنوعًا وراضيًا بما قسمه الله له لما لذلك من حكمة بالغة ما لم يكن هناك تقصير، ولكن هذا لا ينفي أن يسعى الإنسان إلى رزقه، "السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة"، قد قالها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حينما صلى الناس الجمعة وجد جماعة في المسجد يقبعون جالسين في المسجد، الناس انتشروا وهؤلاء باقون، فسألهم: "من أنتم؟"، قالوا: "متوكلون على الله"، قال: "بل أنتم متأكِّلون لا متوكلون، قاعدين تتأكلون"، "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: "اللهم ارزقني"، وقد علم أن "السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة"، إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض، أما سمعتم قول الله (تعالى): "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله"؟".

ويضيف د. مقداد: "وليس الرضا هو الاستسلام للواقع، بل يمكن تغييره بالسعي والأخذ بالأسباب كالتداوي من مرض أو السعي وراء الرزق أو دفع ضررٍ ما، لأن الاستسلام هو الانهزام وعدم بذل الجهد والأخذ بالأسباب لتحقيق الهدف".

ويشير إلى أن عدم الرضا نوع من أنواع السخط، ولذلك على الإنسان أن يسعى من أجل الرزق، لأن الفقر لا يستطيع تحمله الجميع، يقول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): "لو كان الفقر رجلًا لقتلته"، ولكن إذا كان هناك إيمان بالقلب فإنه يصبر، ومن لا يستطيع فإنه من الواجب إزاحته وتضييق دائرته من طريق جهات متعددة.

ويلفت د. مقداد إلى أن رضا الإنسان بحاله، وبما قسم له من رزق يرفع درجته عند الله، ويزيد من إيمانه، ويحقق له الطمأنينة في الدنيا والآخرة، فحياة الإنسان لا ينبغي أن يكون الهدف منها جمع المال، لأن طبيعة الحياة تمر بفترات غنى وفقر، فعليه في الأولى أن يشكر الله، وفي الثانية أن يصبر ويقتنع، ويسعى بالحال إلى نيل ما قسم الله له.


​التزيُّن لشريك الحياة واجبٌ على الرجال أيضًا

يعتقد البعض أن التجمل والتزيّن يقتصر على المرأة فقط أمام زوجها، وهذا كثير ما يدور الحديث عنه شرعا وعرفا، في ظل غفلة عن حق المرأة على زوجها بأن يتزين لها كما تتزين له، وهذا منصوص عليه شرعًا، وخير قدوة هو النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان حينما يدخل على أهله يبدأ بالسواك.

تجمّل الزوج لزوجته وحكم ذلك شرعا، والنصوص الدالة على ذلك، يتحدث عنها الداعية مصطفى أبو توهة لـ"فلسطين":

التزيّن واجب

قال أبو توهة: "الإنسان من حيث خلقته الأولى مجبول ومفطور على أن يسعى نحو الكمال والتمام، الأمر الذي يحمله على أن يبحث عن نصفه الآخر، وصولا إلى الاستواء والنضج الكامل، ومن هنا فإن العلاقة الزوجية بين طرفين تتسم بتماهي أحدهما بالآخر وعدم الاستغناء بأي حال من الأحوال، فالرجل العاقل كما المرأة ينبغي أن يبحث عن الشريك الذي لا يستغنى عنه".

وأضاف أبو توهة لـ"فلسطين": "إذا فنحن أمام آية من آيات الله: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، فهي آيات تستوجب التفكر والتمعن".

وتابع: "لأجل أن تسير مركبة الزواج نحو بر الأمان ينبغي أن تقوم على التشارك والتشاور، ولكي يكون الربان عند حسن التوافق والانسجام، فعليه من الواجبات بقدر ما عليه من الحقوق".

وأوضح أبو توهة أن "من هذه الواجبات أن يتزين الرجل وأن يستعين بما يجمّل به مظهره لتقع عين الشريك على ما يحب ويرضى، وهذ الثقافة كانت عند العرب قبل الإسلام، وكان عدم تزيّن الزوج أمرا مستغربا عندهم".

واستدل على ذلك بما روته كتب التراث أن "ابن عباس، رضي الله عنهما، شوهد في أجمل منظر حين أراد الدخول إلى بيته، الأمر الذي أثار فضول أحد السائلين فقال له ابن عباس (إني أحب أن أتزين لزوجتي، كما أحب أن تتزين لي)".

خيركم لزوجه

ولفت إلى أنها زينة مقصودة لذاتها إرضاءً للزوجة، وهي ليست عيبا بحق الرجل حينما نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حرّم بعض الطعام على نفسه إرضاء لزوجاته، كما في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، مبينا: "هي زينة زائدة على الزينة العامة، والنظافة التامة التي سنها الإسلام، كغسل الجمعة وغسل الاستبراء وغسل الجنابة والوضوء كلما تيسر".

وذكر أبو توهة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان من عادته أن يستخدم السواك ليشوص به فاه قبل المنام وبعد الاستيقاظ وبعد تناول الطعام ليكون فمه بأطيب ريح، وترجيله شعره بعد أن يُدهن ويفرقه إلى نصفين ليكون عليه الصلاة والسلام خير إنسان بعد أن كان خير زوج.

ومن الأدلة على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لزوجه، وأنا خيركم لزوجي"، وبحسب أبو توهة: "هي خيرية لها تكاليفها وتبعاتها وبرهانها، ولعل من أجلى وأحلى براهينها جمال المظهر وطيب الرائحة في كل وقت وفي كل آن".

كما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سُئلت: بأي شيء يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته، قالت: "كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك".


​بين عدم المجاهرة بالمعصية والنفاق شعرة لذا احذرها

نرى بعضًا يخفي معصيته عن الآخرين من باب عدم المجاهرة بالمعصية، وهتك ستر الله عليه، ولكن عندما يكون في جماعة يعمل على إظهار نفسه أنه أشرف خلق الله ولا يعصي الله، ويتحدث أمامهم ناصحًا بعدم ارتكاب المعاصي، متناسيًا ما يقوم به وأن الله منَّ عليه بالستر، فهل يتعارض عدم المجاهرة بالمعصية وهذا السلوك؟، وكيف يمكن للإنسان عدم المجاهرة بالمعصية دون الدخول في دائرة النفاق؟، هذا ما نتحدث عنه في السياق التالي:

قال الداعية عبد الباري خلة المحاضر في كلية الدعوة للدراسات الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية: "يقول الله (تعالى): {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}، فالطاعة راحةٌ للقلب وانشراحٌ للصدر وطمأنينة للنفس، وإن للأعمال الصالحة أثرًا في زكاة القلبِ، لقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا}".

وبين أن الطاعة قوةٌ في البدن وبركة في الرزق، وأن نبي الله هود (عليه السلام) كان يوصي قومه بالطاعة والاستغفار لينالوا البركة، قال الله (تعالى): "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ"، والطاعة سكينة وراحة ومحبة في قلوب الناس.

وأضاف خلة: "فالمعصية كل مخالفة لأمر الله وهي ضلال ووصْف قبيح لصاحبها وهي خلاف الطاعة، إذ تهلك النفس، وتقسي القلب، وتمنَع بركة الرزق"، مشيرًا إلى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد حذر من ذنوب الخلوة والسر، فعَنْ ثَوْبَانَ (رضي الله عنه) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ قَالَ: "لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) هَبَاءً مَنْثُورًا"، قَالَ ثَوْبَانُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ"، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا".

وقال: "إنه إذا خلا عبد الله بمعصية الله فما هو إلا أحد رجلين: إما رجل يعلم أن الله لا يراه ولا يعلم بحاله، فهذا كافرٌ بالله العظيم لإنكاره علم الله (تعالى) المحيط بكل شيء، وإما أنك تعلم أنه يراك ومع هذا تجترئ على معصيته، فأنت _والله_ جريء، وقد أجمع العارفون بالله على أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات".

وتابع خلة حديثه: "فمن استهان بِنظر الله له، وربما جعله أهون الناظرين فهذا شأن المنافقين، الذين إذا خلوا بِمحارِم الله انتهكوها، أما إذا ارتكب العبد ذنبًا من غير استهتار ولا استحقار بل بسبب غفلةٍ أو نسيان فهذا من العصاة لا من المنافقين، لكن عليه ألا يزكي نفسه ولا يحدث أنني أفضل الناس فلا أرتكب ذنبًا ولا معصية، لأن هذا كذب وكبر، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، وعلى الإنسان أن يعترف بالتقصير وعليه أن يخفي ذنبه ولا يبديه".

وبين أن العاصي الذي يخاف الله هو الذي يخفي المعصية خوفًا من الله أولًا، ثم خوفًا من علم الناس ثانيًا، وحتى لا يكون من المجاهرين والمتجرئين على الله، أما المنافق فلا يخاف من معصية ولا يؤمن بالدين أصلًا، بل هو يخاف أن يظهر كفره وأن يعلنه، فربما كتم معصيته خوفًا من الناس لا الله.

ولفت خلة إلى أن العاصي مهما بعد عن الله فإنه يعود ويرجع ويتوب، أما المنافق فليس من شأنه ذلك بل يعصي ويرتكب الكبائر ولا يفكر في الذنب والمعصية، لأن قلبه لا يؤمن بالله واليوم الآخر.

وختم حديثه: "فالتوبة من المعاصي والذنوب واجبة على المسلم، قال الله (تعالى): "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، وقال أيضًا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا".