الإسلام والعصر

​"انفروا خفافًا وثقالاً".. "ترهبون به عدو الله وعدوّكم"

الشريعة الإسلامية بفلسفتها دعت إلى التحشيد للحق، وضرورة التجمع حوله، ودعت إلى إظهاره، ونصرته، والدعوة إليه، والالتفاف حول مبادئه ومعالمه بل مقدساته، وحثت النصوص القرآنية على ذلك؛ في قوله تعالى: "انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ".

يأتي ذلك كله في إطار قوله تعالى: ""وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ"، فحرب الشعب الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي لا تقتصر فقط على مواجهة الرصاص والبندقية والصواريخ.

فهناك حرب من نوع آخر.. الحرب النفسية، والتي يعد من أحد وسائلها تحشيد الجمهور الفلسطيني عاملاً مساعدًا وقويًا جدًا، ويقدم رسائل عديدة تغيظ الأعداء ومن والاهم، واهتمت بها الشريعة الإسلامية أيما اهتمام، "فلسطين" تتحدث عن هذه الرسائل بمحاورة أستاذ الشريعة الإسلامية د. صادق قنديل، والتفاصيل تتبع:

إظهار قوة الحق

يقول د. قنديل: "لو استعرضنا نصوص القرآن والسنة وتاريخ السلف والخلف ندرك تمامًا أن الإسلام اعتمد كل وسيلة تظهر الحق"، مشيرًا إلى أن من هذه الوسائل ما يعرف بالتجمعات الشعبية أو المهرجانات النضالية والجهادية.

ومن هذه الشواهد الكثيرة –كما يذكر- ما قاله الله سبحانه: ""انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا"، وجاء في تفسير هذه الآية الكثير من الكلام؛ مفاده: انفروا خفافًا وثقالًا، أي: أخرجوا شيبًا وشبابًا فقراء وأغنياء أقوياء وضعفاء، متابعًا: "ولا شك أن في الجهاد وفي كل وسيلة تظهر الحق وتعلي من شأنه كالتجمعات في الساحات العامة والميادين".

ويشدد على أن الإسلام مع كل وسيلة تحقق الهدف ولا تلغي أصله في القرآن والسنة، منبهًا إلى أن الوسائل المعبرة عن الحق والجهاد تختلف باختلاف الزمان والمكان.

ويكمل أستاذ الشريعة الإسلامية: "ولغة العصر في زماننا تعد الحشود والتجمعات الشعبية والنضالية أسلوبًا من أساليب المقاومة والقتال"، مبينًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى تجمعات الكفار ويعرض نفسه على القبائل ليوصل دعوته ويقيم عليهم حجته، وما فعل ذلك رسول الله إلا لعلمه أن هذا في الدعوة أبلغ وفي مخاطبة الكفار أقوى.

ويوضح أنه لا شك أن تجمع أهل الحق في مكان عام ليظهروا قوتهم ووحدتهم وتجمعهم لا يقل في التأثير وبث الرعب في قلوب الصهاينة ومن ناصرهم عن وسيلة جهادية أخرى، ذاكرًا ما حدث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في فلسفة الطواف في الحج.

وعن ذلك يقول: "النبي حرص أن يظهر الحجاج من الصحابة أقوياء، فشرّع الترمل أي الإسراع في الخطى، حيث إن المشركين قالوا قبل دخول النبي وأصحابه مكة في العمرة؛ إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وَهَنَتْهُم الْحُمَّى، ولقوا منها شدّة فأمر النبي أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا".

ومن هذا يرسل النبي –كما يؤكد- رسائل قوية بغية أن يفهم الكفار من لغة الجسد أن الصحابة أقوياء الفكرة والعقيدة والجسد، وفي الرواية نفسها أنهم تجمعوا عند الحجر وأشار عليهم النبي بذلك، وهكذا في كل شعائر الحج فإن كان هذا في شعائر الإسلام التعبدية فكيف بشعيرة الإسلام الوقائية والدفاعية الجهاد في سبيله والتحشيد للحق وفكرته.

ويتابع د. قنديل: "وهكذا لو استعرضنا كل النصوص ومشاهد التاريخ ندرك حقيقة الموقف الإسلامي من هذه التجمعات؛ أنها من الواجب علينا القيام بها والحرص على حماية الحق وإظهاره"، "ويمكن لنا أن نستلهم من قول الرسول في مشية أبي دجانة يوم أن مشى مستعرضًا بين صفوف المقاتلين: "والله إنها مشية لا يحبها الله إلا في هذا الموطن"، لأنها مشية عز وإباء رجولة واقتدار بطولة وانتصار فلا أقل من أن تكون هذه التجمعات والحشود هي لإظهار عزة أهل الحق وفلسطين بدينهم ووطنهم وتراب قدسهم مسرى نبيهم"، كما يقول.

رسائل متعددة

ويلفت إلى أن هذه الحشود والتجمعات تشكل على صعيد الجبهة الداخلية درعًا واقيًا للمجتمع من كل رسائل الخوف والقلق التي يرسلها العدو في كل يوم، وعندما يرى الناس في المجتمع أن أهل المقاومة وأنصارهم يلتف حولهم كل الشعب؛ فهذا يعطي قوة للمقاوم أن يثبت على عهده ووعده ومبدأه مع الشعب، وللشعب أن يبقى قويًا متمسكًا بمصدر عزته وفخره، وأن يلاحق كل من يريد النيل منهم.

ويشدد أن الشعب والجبهة الداخلية للمجتمع من البنيان المرصوص الذي لا يكتمل جهاد المجاهد إلا به، كما قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ"، ولا شك أن المجتمع إن ظهر كالبنيان المرصوص خلف المقاومة فهذا يسهل على المجاهد مهمته ويقوي ظهره ويحمي إنجازاته.

وينبه أستاذ الشريعة الإسلامية إلى أن هذه التجمعات تظهر للشعب أن مقاومته بخير وأن ما يبثه المحتل من إشاعات لا أثر ولا تأثير لها على عزيمة الناس مما يزيد من الالتفاف حول الثوابت الفلسطينية وأن الاحتلال إلى زوال بإذن الله.

وأما فيما تشكله مثل هذه التجمعات ضد العدو والاحتلال، فيوضح أنه يرسل برسائل يفهمها العدو بلغة العصر، فيبث الخوف والذعر في نفوس جمهوره، وقيادات جيشه، ثم يصيبهم بالإحباط أن كل المليارات التي تنفق وبكل الوسائل للنيل من شرعية المقاومة وأهلهم وشعبهم من التشويه والتحريض ذهبت أدراج الرياح؛ فها هي حشود المؤيدين للمقاومة تظهر أن كل الشعب معهم وخلفهم فلا سبيل للنيل منهم.

ويؤكد أن هذه التجمعات تثبت للاحتلال أن حاضنات المقاومة الشعبية والوطنية والفكرية والثقافية والسياسية كلها حاضرة وقوية، بالتفاف المفكرين والمثقفين والأكاديميين والعلماء والنخب السياسية والفكرية كلها حاضرة وملهمة لأيقونة النضال للشعب الفلسطيني.

وفيما تثبته هذه الحشود أمام من يقف ضد القضية الفلسطينية ويساند الاحتلال، يعلق د. قنديل بقوله: "إذا بثت هذه الحشود الرعب في قلوب الصهاينة ودرسوا مقدار وقيمة الأعداد وجعلوا لها مراكز دراسات ترصد تنامي قوة المقاومة العملية والشعبية، فهذا لا شك يجعل كل من يساند العدو من العرب يشعر بالخيبة والحسرة ويرجع على نفسه بالخزي والعار ويعيش قلقًا على حياته".

ويشير إلى أن هذا من عقوبة الله العاجلة له في الدنيا؛ مصداقا لقوله: "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ"، والعقوبة بالخزي تلحق الكفار ومن عاونهم ووقف معهم ولو بكلمة واحدة، كالذين أيدوا قرارات المحتل وأمريكا لاتهام مقاومة الشعب الفلسطيني بالإرهاب، فهم كأبي رغال الذي دل أبرهة الأشرم على طريق الكعبة فقبره يرجم إلى يومنا هذا ويذكر في لعنات التاريخ.

وينبه أستاذ الشريعة الإسلامية إلى أنها تضع المجتمع الدولي أمام مسئوليته، وتحرج كل الدول التي تساند المحتل في إجرامه، وترسل هذه الحشود رسالة الإجماع الشعبي على حقوق الشعب الفلسطيني، وأن ضمائر المجتمع الدولي لابد وأن تكون مع عدالة القضية الفلسطينية وليس مع آلة البطش الصهيونية الإجرامية التي تقتل وتعتقل الأطفال والنساء.

المشاركة نصرة للحق

ويبيّن أن استثمار هذه التجمعات والحشود والمهرجانات الشعبية يكون بمتابعتها بعد الانفضاض، ولا يقتصر الأمر على الاستعراض، بل يجب عمل دراسات مركزة ومعمقة لكل الفئات التي شاركت في هذا الحشود؛ لإبراز أنها جامعة للكل الفلسطيني ثم لكل شرائح المجتمع وإبراز ذلك بالأرقام والنسب والإحصائيات لنجسد هذه الحشود إلى رسائل يفهمها العدو بلغة العصر القائمة على هذا.

ويؤكد أن الحشود اليوم هي لغة التأييد في واقعنا، حتى في الانقلابات إن كانت مدعومة بتأييد شعبي فلها القبول الدولي، وهكذا العدو فإنه يصاب بانتكاسة نفسية وعقدة انفصام عندما يصل إلى حقيقة مرة له ومشرفة لنا أن كل إنفاقه الطائل من الأموال على كل برامج التضليل وأنشطة التزييف وحملات التحريض والتشويه للحق الفلسطيني وممارساته في القدس وغيرها ذهبت أدراج الرياح ولم تفت من عضد الناس بالتمسك بمقاومتهم.

وأما عن الحكم الشرعي للمشاركة في مثل هذه التجمعات، فيلفت د. قنديل إلى أن هذه الحشود ما اجتمعت إلا على الحق الفلسطيني، وهو حق مقدس في الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك العلماء بأن أرض فلسطين وقف إسلامي، وطالما أنها اجتمعت على الحق الفلسطيني وهو من صلب العقيدة فلا شك أنه يجب على كل مسلم فلسطيني أن يشارك في نصرة حقه الذي سلبه المحتل الغاصب وادعى ظلمًا وزورًا أنه صاحب الأرض، وهذه الحشود من النفير العام الذي بها تحشيد الهمم والجماهير حول المقاومة والمطالبة بحقهم الذين كفلتهم الشرائع السماوية والقرارات الدولية.

أخيرًا مثل هذه التجمعات تكلف مقدارًا من المال، يرى المواطنون أن هذا المال لو صرف في مصارف أخرى لكان أفضل، يعلق على ذلك بقوله: "ليس مقبولاً فهم المسألة بهذه الطريقة، أولًا يجب على كل المسؤولين بذل قصارى جهدهم لتوفير الأموال التي تلزم كل فرد من أفراد الشعب الفلسطيني".

ويتابع أستاذ الشريعة الإسلامية: "ولا شك أن تأمين الأرزاق وحل المشاكل المجتمعية يزيد من قوة الجبهة الداخلية"، مستدركًا بقوله: "ولكن ليس من الإنصاف تعطيل كل الوسائل التي تغيظ الأعداء، ومنها هذه الحشود، فكما أن حماية المجتمع من الفقر مطلوبة للتخفيف من حدته وآثاره أيضًا مقاومة المحتل الذي يفرض الحصار ويجوع الناس مطلوبة".

​الاستخفاف بالسنن ينقص من قيمة أعمال العبد

قد يتهاون كثير من الناس بأداء سنن النبي (صلى الله عليه وسلم)، في الصلوات، أو الأفعال التي حثنا على القيام بها؛ فهم لا يدركون أن هذه الأفعال -وإن كانت بسيطة- تُكمل النقص في الفروض التي قد نغفل عن القيام الصحيح بها، أو قد نسهو في الصلوات فتنقص الحسنات، لكن هذه السنن تعوض ما فاتنا، لو أداها المسلم جيدًا.

وقت الفريضة

الشيخ الداعية عدنان حسان قال: "إن الإسلام شرع للأمة خمس صلوات، وهن ركن من أركان هذا الدين بدلالة حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا".

وأكد حسان أن هذه الصلوات الخمس واجبة، ثم سن النبي (صلى الله عليه وسلم) صلوات تتبع لها سميت النافلة؛ فلها زمن تختص به، فهي إما أن تكون قبل صلاة الفرض ويدخل وقتها بدخول وقت الفريضة، وإما بعدها ويدخل وقتها بالانتهاء من أداء صلاة الفرض، وينتهي وقت كل منهما بخروج وقت الفريضة.

جبرًا للخلل

أما فيما يتعلق بسبب مشروعية هذه السنن فبين أن هذه الصلوات سنت جبرًا للخلل الحاصل في كمال الفرض، كنقصان الخشوع أو التدبر في الصلاة، لافتًا إلى أن هذه السنن نوعان، الأول سنة مؤكدة، وهي: ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.

وذكر الشيخ الداعية أن النوع الثاني هو السنن المستحبة، وهي: ركعتان بعد الظهر، وأربع ركعات بعد العصر، وركعتان قبل المغرب، وركعتان قبل العشاء، وتختم بصلاة الوتر ثلاث ركعات.

وأفاد أن عدد صلوات السنة المؤكدة اثنتا عشر ركعة، والدليل عن عبد الله ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: "حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ".

عرضة للتقصير

وأضاف حسان: "لذلك نقول إهمال صلاة النافلة قد يعرض الإنسان للتقصير في الصلوات، خاصة إن لم يؤدها على أكمل وجه، وتأكيدًا لذلك قالت عائشة (رضي الله عنها): (لم يكن النبي (صلى عليه وسلم) على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر)"، واستشهد أيضًا بحديث: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".

وتابع قوله: "هذان الحديثان يؤكدان فضل سنن الفجر والظهر والمغرب والعشاء، فعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: (كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين)".

وبين حسان أن هناك من الناس من يتهاون في صلاة السنة، فيصلي الفريضة فقط، وما درى أنه إذا ما حدث عنده نقص أو خلل في صلاة الفريضة، كأن يكون غير واعٍ ما يقول أو يسمع، فيشرد ذهنه؛ تأتي صلاة السنة تجبر هذا النقص.

السنة الراتبة

وقال: "يوم القيامة يسأل العبد عن صلاته، فإذا كان فيها خلل ينظر في صلاته من السنن، لذلك هذه من المميزات"، مبينًا أن هناك فوائد أخرى؛ فهي تسمى عند أهل الفقه السنة الراتبة، وقال رسولنا الكريم: "ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة".

وذكر حسان أن السلف السابق من الصحابة والتابعين كانوا يحرصون على أداء هذه السنن الرواتب، بدليل حديث أم حبيبة (رضي الله عنها) قالت: "ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)".

وفيما يتعلق بقضاء صلاة السنة أضاف: "يجب التفريق في القضاء بين السنن المؤكدة والمستحبة؛ فالأخيرة ليس لها قضاء، إذا فات وقتها، ولكن القضاء يكون لما قبل الفجر وما قبل الظهر، كاثنتي قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، واثنتي بعد الظهر، واثنتي بعد المغرب، واثنتي بعد العشاء، هذه عند العلماء لها قضاء، فمن فاتته سنة الفجر صلاها بعد الفجر، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) ما ترك ركعتي الفجر".

٩:٤٠ ص
٣٠‏/١١‏/٢٠١٨

​كيف تحصل "البركة في المعيشة"؟

​كيف تحصل "البركة في المعيشة"؟

يشكو عدد من الناس من نزع البركة في حياته، فتجد أحدهم يكد ويتعب من أول النهار إلى آخره، وفي النهاية يتبخر ماله فلا يستطيع أن ينفق على نفسه أو يسدد ديونه، بل تزيد الأعباء عليه، وآخر غني يكسب المال الوفير وحينما ينظر فيما أنفق يجد أنه أنفق على أمور ليس بها منفعة عليه لأن البركة نزعت من ماله.

البركة في اللغة الزيادة والنماء، واصطلاحًا كثرة الخير ودوامه، والبركة في المعيشة لها سبل وطرق تجلبها، وأسباب تنزعها.

تقوى الله

رئيس رابطة علماء فلسطين في رفح عدنان حسان قال: "في هذه الأيام التي نعيشها نجد الكل يشكو سواء فقيرًا أم غنيًا من نزع البركة في معيشته وأمواله وأولاده، وهذا في العموم يستوجب الوقوف، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}.

وأضاف حسان لـ"فلسطين": "كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، لذلك فإن البركة من الله".

ومن أدلة البركة أيضًا، ذكر أن النبي في صحيح الامام البخاري: "حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى، قَالَ بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ».

وبين رئيس رابطة علماء فلسطين في رفح أن ما يزيد البركة في الأمور سواء في المعيشة ,والأولاد والعمل والزوجة، الالتزام بأوامر الله ونواهيه، قال تعالى: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، وفي آية أخرى، قال عز وجل: "وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا".

القرآن والصدق

وأوضح أن السبيل الثاني لجلب الخير والبركة، قراءة وتدبر آيات القران الكريم، وفق قوله تعالى: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"، البركة في المعيشة ليست محصورة في المال والطعام والشراب بل في علم نافع، أو بصيرة نافذة، أو في الأولاد والزوجة والعمل، وأن يدفع الله عنه المصائب بفضل هذا الالتزام.

ومن الأمور التي تجلب البركة، بين حسان أن الصدق في المعاملات في البيع والشراء له دور، عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقًا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)؛ متفق عليه، إن البركة تُمحق بالكذب والغش والأيمان الكاذبة.

ونبه إلى أن الربا والرشوة والسرقة تمحق البركة، وأكل المال الحرام وإن كان كثيرًا يذهب البركة، إذا اجتمع الحلال مع الحرام ذهب الحلال بالحرام، قال عز وجل: "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ".

ودعا حسان كل مسلم لتزداد بركة ماله أن يبتعد عن المال الحرام، ويزيد من الصدقات قال صلى الله عليه وسلم "ما نقص مال من صدقة".

ولفت إلى أن من الأمور المستجلبة للبركة اجتماع العائلة على مائدة واحدة، متبعة نهج النبي صلى الله عليه وسلم, والتسمية قبل الأكل، وكلما اجتمعوا على طعام زادت البركة في الجماعة، حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه).

السلام

ونبه حسان إلى أن إلقاء الطعام في القمامة ينزع البركة من أموال الناس، فعن رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذىً وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة).

وبين أن من سبل جلب البركة السلام على الأهل عند دخول البيت، وروى الترمذي (2698) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ.

وأشار حسان إلى أمر قد يكون غائبًا عن الناس، تجد كثيرا منهم لا يقوم للعمل مبكرًا، أن يصلي العبد الفجر جماعة في المسجد، ثم يتوجه إلى تجارته وعمله، قال صلى الله عليه وسلم (اللهم بارك لأمتي في بكورها).

وبين أن وجود الزيتون في البيت يجلب البركة، قال تعالى: "يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ"، من أيام البركة تنزل الغيث، لأن المطر زيادة في الزرع والإنسان والحيوان، قوله تعالى: "ونزلنا من السماء ماء مباركا".

ولفت حسان إلى أن سكنى بلاد الشام (سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن) واليمن تجلب البركة، عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، فقالوا: وفي نجدنا يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، فقال الناس: وفي نجدنا يا رسول الله؟".

وأوضح أن إحلال البركة بالعبد حينما يكون صالحًا في ذاته، وأن يرتقي في مرتبة أعلى بأن يكون مصلحًا للآخرين معلمًا الناس الخير داعيا إلى الله.

ونبه حسان إلى أن التوجه الى الله بالدعاء والبعد عن الظلم والعدل بين الأبناء، وبين الانسان وغيره، من أسباب جلب البركة والسعة.

​متى يجوز الخروج على ولي الأمر في الإسلام؟

إن للإسلام نظامه السياسي الذي تُحكم فيه الأمة وتنظم حياتها، وعلى رأس النظام السياسي في الإسلام ولي الأمر الذي يسمى الخليفة أو رئيس الدولة أو الإمام أو الأمير، ويصل إلى منصب ولي الأمر أو إمام المسلمين بشروط ذكرها العلماء.

وتتلخص هذه الشروط في أن يكون: مسلمًا، ورعًا، ثقةً، عدلًا، بالغًا، عاقلًا، والأهم من كل ذلك أن يبايعه أهل الحل والعقد، الممثلون للأمة أو الشعب، ويعرفون في زماننا هذا بأعضاء البرلمان أو مجلس الشورى.

توافر الشروط

الأستاذ المشارك في الفقه وأصوله زياد مقداد قال: "إذا توافرت الشروط في الإمام واختير للولاية فإن ولايته تكون مشروعة، وعندها تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات"، مشيرًا إلى أنه على رأس هذه الحقوق الطاعة فيما يصدر عنه من أوامر أو قرارات أو أحكام وفق قوله (تعالى): "يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، ولقوله (صلى الله عليه وسلم): "اسمعوا وأطيعوا، ولو أمر عليكم عبد حبشي"، وفي رواية أخرى: "على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية".

وأضاف مقداد: "هذه النصوص وغيرها تدل على أنه للحاكم أو ولي الأمر حق الطاعة بأمر الله ورسوله، ولكن هذه الطاعة مشروطة وليست مطلقة، وأهم قيد من هذه القيود ألا يأمر بمعصية، وألا يتضمن أمره للناس مخالفة شرعية أو مخالفة لنص من نصوص القرآن أو السنة".

لا طاعة مطلقة لمخلوق

وتابع قوله: "هذا مرده إلى قوله (صلى الله عليه وسلم): "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وشرط الطاعة الموافقة لشرع الله أو شريعة الله وأحكامه، وعدم مخالفتها، ومن الشروط أيضًا التي ينبغي أن تكون متوافرة أن يشاور أهل العقل والعقد قبل اتخاذ القرارات فيما ليس فيه نص"، موضحًا أنه إذا كانت المسألة اقتصادية يشاور أهل الاقتصاد، وإذا كانت متعلقة بالمعاملات الاجتماعية يستشير المختصين، وهكذا، وإلا فلا تلزم الطاعة، إذا كان يصدر قرارات بغير تشاور أو رجوع لأهل الخبرة، حسبما أكد.

وذكر مقداد أن من الشروط أن يراعي المصلحة، لأن القاعدة الشرعية تقول: "رأي ولي الأمر منوط بالمصلحة"، قائلًا: "يفهم من هذا أنه إذا لم تراع فيه المصلحة فلا طاعة له في هذا الرأي، وعليه نفهم أن طاعة ولي الأمر ليست مطلقة بل مقيدة بهذه الشروط".

وعن سؤال: "هل يجوز الخروج على ولي الأمر؟" أجاب: "إذا ما وُلِّيَ وَلي الأمر بالطريقة الصحيحة، وتوافرت فيه الشروط؛ فإن الخروج عليه محرم، وجريمة من الجرائم الكبرى، لما يترتب على ذلك من اضطراب وفوضى في حياة الأمة المسلمة، ولما سيتبع ذلك أحيانًا من إهراق الدماء، وربما يعود بأضرار مادية ومالية على الأمة".

إضعاف هيبة الأمة

وأكمل مقداد: "ولما يصحب ذلك من إضعاف لهيبة الأمة أمام أعدائها، فإذا وجد الأعداء أنه في كل حين يسقط الشعب ملكًا أو رئيسًا؛ فهو يدل على ضعف الحكومة، ما يغري الأعداء بشن حرب عليهم".

واستدرك: "لكن إذا لم تتوافر الشروط في ولي الأمر، كأن يصدر أوامر مخالفة للنصوص الشرعية، وما اشتملت عليه من أحكام، أو أن يحارب علماء المسلمين، ويمنع نشر دعوة الإسلام ويعطل شعائر الإسلام هنا وهناك، ويعطل راية الجهاد؛ فإنه في هذه الحالة يجب على المسلمين أن يخلعوه أو يعزلوه".

وأكد أن ذلك يحدث من طريق أهل الحل والعقد ومجلس الشورى، إذ يطالبونه بالاعتزال، أو يصدرون قرارًا بخلعه في هذه الحالة؛ لأنه لا ينفذ الأحكام الشرعية، والأصل أن ولي الأمر أمين على تنفيذ أحكام الشريعة.

كلمة الحق

ونبه مقداد إلى أنه في حال لم يطع فلا بقاء له على العرش والحكم بل يعزل أو يخلع، لافتًا إلى أنه إذا لم يستجب الحاكم ففي هذه الحالة لابد من النظر في الخروج عليه والنتائج المترتبة على ذلك، فإن ترجح للأمة أن الخروج عليه قد يطيح به دون أن يترتب على ذلك أضرار عظيمة وإهراق دم كثير ومفاسد عظيمة؛ فلا بأس من الخروج عليه من أجل إعلاء كلمة الحق وتثبيت أحكام الشريعة.

وقال: "أما إذا ترجح للأمة أن الخروج على الولي سيتسبب عنه إهراق دماء كثيرة وتدمير وتخريب في مقدرات الشعب والأمة، وأنه يصعب إزاحته كما نرى في كثير من الدول في عصرنا؛ فلا يجوز الخروج في هذه الحالة، دفعًا للفتنة ودرءًا للمفسدة التي تعود على الأمة".