الإسلام والعصر

انطلاق "دوريات المجتمع المسلم" لحماية المنشآت الإسلامية في نيويورك

دفع الهجوم الإرهابي على مسجدي نيوزيلندا، بالمجتمع المسلم في الولايات المتحدة الأمريكية التي شهدت اعتداءات مشابهة فيما مضى، إلى البحث عن وسائل لتوفير أمانهم بأنفسهم.

وفي هذا الإطار، تستعد وحدة "دوريات المجتمع المسلم" (MCP-Muslim Community Patrol) المؤسسة حديثاً في منطقة بروكلين بولاية نيويورك الأمريكية، لتقديم خدماتها في حماية الجوامع والمدارس الخاصة بالمسلمين في المنطقة.

وستقوم هذه الوحدة بتسيير دوريات تهدف لتوفير الأمن في المناطق التي لا تنشط فيها شرطة ولاية نيويورك (NYPD) بالشكل المطلوب والكافي.

وقدّم مؤسس "دوريات المجتمع المسلم"، سميع الدين رازي، معلومات حول الوحدة ومهامها وطبيعة نشاطها، وذلك في مؤتمر مركز "ستاتين آيلندا" الإسلامي.

وقال "رازي" إن الهجوم الإرهابي على مسجدي نيوزيلندا، ضاعف من مطالب تشكيل وحدة لتوفير الأمن في مختلف مناطق نيويورك.

وأضاف أن المطالب التي تلقوها في هذا الخصوص، لم تقتصر على نيويورك فقط، بل من خارجها أيضاً، حتى أنهم تلقوا مطالب من ولاية شيكاغو أيضاً.

وتابع قائلاً: "عار علينا إن عشنا مرة أخرى حادثة شبيهة بتلك التي شهدناها في نيوزيلندا. لذا علينا الحيلولة دون وقوع مثل هذه الجرائم بعد الآن، من خلال وحدات أمنية مثل دوريات المجتمع المسلم".

وأوضح أن "MCP" تم تأسيسها بأموال التبرعات، وتقوم على مبدأ التطوع بشكل كامل.

وشدّد على أهمية توفير أفراد كل مجتمع أمنه والدفاع عنه، وتقديم الدعم في سبيل ذلك سواء بالمال أو ببذل الجهد والوقت.

وحضر مؤتمر التعريف بـ"دوريات المجتمع المسلم"، رئيس بلدية منطقة بروكلين الأمريكية، أريس آدمس.

ووصف "آدمس" دوريات " MCP" بأنها ستكون "رمز القوة" لدى المجتمع المسلم.

وتطرّق إلى وجود دوريات أمنية خاصة بالمجتمع اليهودي أيضاً في نيويورك.

حملات تشويه

وأشار إلى خطابات وحملات الإسلاموفوبيا التي تتعرض لها "MCP" على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتابع قائلاً: "تعرضكم للاستهداف من قبل البعض فيما يتعلق بهذه الدوريات، يجب ألا يتسبب في تخليكم عن الكفاح. إذ أن الولايات المتحدة لا تحترم الأفراد الذين لا يدافعون عن مجتمعاتهم وعائلاتهم. لذا عليكم أن تدافعوا وتكافحوا من أجل عائلاتكم ومعتقداتكم".

وأكد "آدمس" على أهمية "دوريات المجتمع المسلم" في إظهار مساهمة المسلمين بتوفير الأمن لأنفسهم، مبيناً أن هذه المبادرة هي الأولى من نوعها في نيويورك.

وشدد على أن عمل المسلمين على توفير الأمن لأنفسهم بأنفسهم، حق طبيعي لهم.

وأردف: "حادثة نيوزيلندا يجب أن تساهم في لفت انتباهنا إلى وجود أصحاب عقول مريضة تستهدف المساجد، والكنائس وغيرها من دور العبادات. لذا علينا أن نوجّه رسائل قوية بأن أماكن العبادة ليست هدفاً سهلاً".

نشاط يتسع

من جهته، قال محمد خان منسّق "دوريات المجتمع المسلم"، إنّ عدد المتطوعين في صفوف "MCP" يبلغ 40 شخصاً في الوقت الحالي، وأنهم يستهدفون رفع هذا العدد إلى 60 شخصاً يسيّرون دوريات كاملة عبر 5 سيارات، بحلول شهر رمضان المقبل.

وأضاف أن "MCP" تسيّر دوريات حالياً أمام المدارس الخاصة بالمسلمين، والجوامع أثناء أداء صلاة الجمعة.

أمّا علاّ موسـى، أحد المتطوعين في صفوف "دوريات المجتمع المسلم"، قال إنهم يمارسون مهامهم دون الدخول ضمن نطاق مهام شرطة ولاية نيويورك (NYPD).

وأضاف أنهم يعملون بالتعاون مع شرطة نيويورك ويساندونهم في مهامهم.

وشدد على عدم تقديمهم الخدمات للمجتمع المسلم فقط، بل لأتباع سائر المعتقدات والأعراق والمجتمعات الأخرى دون تفريق بينهم، في خطوة الهدف منها بناء جسور المحبة والاحترام والثقة بين سائر المجتمعات.

المصدر/ وكالة الأناضول التركية

​النوافل.. الوصفة السحرية لصلاح الأبناء وحفظهم

المشروع الناجح في الحياة هم الأبناء، ولكن نجاح هذا المشروع يتمثل في ما أخبر به الصحابي عبد الله بن مسعود عندما كان يصلي في الليل وابنه الصغير نائم فينظر إليه قائلًا: "من أجلك يا بني"، ويتلو وهو يبكي قوله تعالى: "وكان أبوهما صالحًا"، وأيضًا عن سعيد بن المسيب أنه كلما أراد أن يصلي قيام الليل نظر إلى ابنه فقال: "إني أزيد في صلاتي ليصلحك الله وليحفظك الله ثم يبكي وهو يتلو الآية السابقة، فالله سبحانه وتعالى جعل لنا في أبنائنا وذرياتنا قرة أعين، وأمرنا أن نحافظ عليهم ولا نهدر حقوقهم، ولهذا جعلهم أمانة في أعناقنا، فهل النوافل الطريق نحو صلاح الأبناء؟

العضو الاستشاري في رابطة علماء فلسطين أحمد زمارة قال: "لأن أبناءنا هم رياحين الحياة وفلذات الأكباد فقد أوصى الله تعالى الأبوين بهم خيرا، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحسن رعايتهم وتأديبهم ورحمتهم فقال صلى الله عليه وسلم مبينًا من هو خير الناس: "خيركم خيركم لأهله"، وأعظم ألوان الخير لأفراد الأسرة حسن الرعاية والتأديب".

وذكر قول الأحنف بن قيس يعظ معاوية في فضل الولد: "يا أمير المؤمنين هم ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة وبهم نصول على كل جليلة فإن طلبوا فأعطهم وإن غضبوا فأرضهم يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم".

وأوضح أن عليه الصلاة والسلام ربط صلة الأبناء بالله تعالى في سن الطفولة المبكرة – عند سن السابعة־ لأن ذلك أدعى أن يشب الأولاد على محبة الله والحرص على الصلاة، وإدراك أسرارها وفضائلها الكثيرة، ومن أدعية المؤمن: "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً".

وأضاف زمارة: "فقد طالبنا الرسول بأداء النوافل والمستحبات في المنزل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً"، لأنه إذا كان الوالد قدوة صالحة لأبنائه، وعلاقته بالله قوية، فإن الله يحفظ له أبناءه وأحفاده، كقصة سورة الكهف, حفظ الله الكنز للوالدين بصلاح جدهما السابع".

وسرد قَوله تَعَالى: "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا"، وقد فسرها البعض بأن "فِيهِ إِرْشَادا لِلآبَاءِ الذِينَ يَخْشَونَ تَرْكَ ذُرِّيةٍ ضِعَافٍ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ في سَائِرِ شُؤُوْنِهِم حَتَّى تُحْفَظَ أَبْنَاؤُهُم وَتُغَاثَ بِالعِنَايَةِ مِنْهُ تَعَالى، وَفِيه تَهْدِيدٌ بِضَيَاعِ أَوْلَادِهِمْ إِنْ فَقَدُوا تَقْوَى اللهِ تَعَالى، وإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَقَوَى الأُصُولِ تَحْفَظُ الفُرُوعَ".

ولفت إلى أن صلاح الأب لا يتوقف أثره على الابن القريب، بل يتعدى إلى ذرية الأبناء وإن نزلوا، وذلك منة من الله تعالى عليه وعليهم، وكرمًا وفضلًا، وقَالَ ابنُ كَثِيرٍ -رحمه الله-: "(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ يُحفَظُ فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَتَشْمَلُ بَرَكَةُ عِبَادَتِهِ لَهم فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، بِشَفَاعَتِهِ فِيْهِم، وَرَفْعِ دَرَجَتِهِم إِلَى أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الجَنَّة، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِم، كَمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ وَوَرَدَتِ السَّنَّةُ بِهِ، وَقَدْ ذُكِرَ أنَّه الأَبُ السَّابِعُ، وقِيلَ: العَاشِرُ. وَأَيًّا كَانَ، فَفِي الآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ صَلَاحَ الآبَاءِ يُفِيدُ العِنَايَةَ بِالأَبْنَاءِ".

وختم زمارة حديثه: "وقد عقل الصالحون لذلك المعنى فزادوا في أعمالهم الصالحة رجاء أن يحفظ الله ذرياتهم، كالسعيد بن المسيب حيث روي عن بعضهم أنه قال لابنه "إِنِّي لَأَزِيدُ فِي صَلَاتِي مِنْ أَجْلِكَ يَا بُنَي"، وقالَ محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ -رحمه الله-: "إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ الَّتِي حَوْلَهُ، فَمَا يَزَالُونَ فِي حِفْظٍ مِنَ اللَّهِ وَسِتْرٍ".

​التسلّط على نوايا الآخرين سوء للظن

بعض الناس ينصّبون أنفسهم حكامًا على نوايا الناس، ويقول ابن القيم: "والله إن العبد ليصعب عليه معرفة نيّته في عمله، فكيف يتسلط على نيات الخلق"، فمن الأخطاء العظيمة التي يقع فيها البعض الحكم على نيات الآخرين.

الداعية الدكتور عبد الباري خلة قال: "إنّ ممّا يُبتلى به النّاس سوء الظنِّ ببعضهم، قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا"، وسوء الظنِّ مَظنّة جانب الشرّ وتغليبه على جانب الخير".

وأشار إلى أن الخوض في الخيال المُسيء والخطأ في حالة مُواجهة فعلٍ يُمكن أن يكون له تفسيران، صحيح وخطأ؛ كمن رأى رجلاً مع امرأةٍ فخاض في خياله دون تبيُّن، وحلّل أنّ المرأة أجنبيّة وليست من محارمه.

وأضاف د. خلة: "فلا يجوز للمسلم أن يظن بإخوانه إلا خيرًا، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ مَا أَعْظَمَكِ، وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكِ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ: "مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةَ عِنْدَ اللهِ مِنْكِ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنْكِ وَاحِدَةً وَحَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثًا: دَمَهُ، وَمَالَهُ، وَأَنَ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ".

وذكر قول الغزالي: (فلا يُستباح ظنُّ السُّوء إلا بما يُستباح به المال، وهو نفس مشاهدته أو بيِّنةٍ عادلةٍ فإذا لم يكن كذلك، وخطر لك وسواس سوء الظَّن، فينبغي أن تدفعه عن نفسك، وتقرِّر عليها أنَّ حاله عندك مستور كما كان، وأنَّ ما رأيته منه يحتمل الخير والشَّر. فإنْ قلت: فبماذا يُعرف عقد الظَّن والشُّكوك تختلج، والنَّفس تحدِّث؟ فتقول: أمارة عقد سوء الظَّن أن يتغيَّر القلب معه عما كان، فينفِر عنه نُفُورًا ما، ويستثقله، ويفتر عن مراعاته، وتفقُّده وإكرامه، والاغتمام بسببه، فهذه أمارات عقد الظَّن وتحقيقه).

وأوضح د. خلة أن سوء الظّن بالمسلمين من الكبائر؛ لأنه حكم بمجرّد التهيّؤات والخيالات، ويحمِلُ مُسيء الظنّ على احتقار الناس، والوقوع فيهم، وتبلغ تأثيراتها بأنها تعزلُ الفرد عن مُجتمعه، وتجعله خائفاً منهم.

ومن الآثار أيضًا، بين أنه سبب للوقوع في الشّرك والبدعة والضّلال. قال ابن القيم: (الشّرك والتّعطيل مبنيّان على سوء الظّن بالله تعالى)، سبب في استحقاق لعنة الله وغضبه: قال ابن القيم: (توعَّد الله سبحانه الظّانين به ظنَّ السّوء بما لم يتوعّد به غيرهم).

ولفت د. خلة إلى أن التسلط على نوايا الآخرين سبب للمُشكلات العائليّة قال الغزالي: (مهما رأيت إنسانًا يُسيء الظنّ بالنّاس طالبًا للعيوب فاعلم أنّه خبيث الباطن، وأنَّ ذلك خبثه يترشح منه، وإنّما رأى غيره من حيث هو، فإنّ المُؤمن يطلب المعاذير، والمُنافق يطلب العيوب، والمُؤمن سليم الصدر في حقّ جميع الخلق)، ولا تنفعه عبادته ما دام يظنّ السّوء بغيره.

وأنهى حديثه بقصة جندب بن عبد الله رضي الله عنه: "أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث سرية فرجعوا وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بالانتصار، ففرح وسر وتهلل وجهه، ثم أخبروه بأن رجلاً من المشركين كان يضرب المسلمين ذات اليمين وذات الشمال، ولا يبرز له أحد من المسلمين إلا قتله، فلما تمكن منه أحد المسلمين ورفع عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقتله هذا المسلم، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وتغيظ عليه، وكان هو من أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد حبه وابن حبه، وقال له: يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً -خوفًا من السيف-، قال: هلا شققت عن قلبه؛ حتى تعلم أقالها كذلك أم لا؟ فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة؟ حتى قال رضي الله عنه: تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ".

​النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة

تُعرف النَّميمَة بأنها نقل الكلام بين الناس؛ لقصد الإفساد، وإيقاع العداوةِ والبغضاءِ بينهم، وقد جاء في الحديث:" إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ"، فما هي عقوبة النمام؟، وهل لو كانت صحيحة تسمى نميمة؟، هذا وغيره نجيب عنه في السياق التالي:

الداعية الدكتور محمد العامودي تخصص الحديث الشريف وعلومه قال: "من أجل ما تفسده النميمة رتب الشرع عقوبة مغلظة لهذا الذنب، وتتمثل في الحرمان من دخول الجنة: فقد جاء في الحديث الذي يرويه مسلم من حديث هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: الْقَوْمُ هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ".

وذكر قول الخطابي أن النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم حديثهم، والقتات: الذى يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم حديثهم، والقساس: الذى يقس الأخبار، أي يسأل عنها ثم ينثرها على أصحابه.

وأشار د. العامودي إلى أن من العقوبة أيضًا، العذاب في القبر، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، كما أنهما من شر العباد، فقد جاء في الحديث الذي يرويه أحمد من حديث أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا، ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى"، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ".

وأوضح أن النمام يندرج تحت صاحب كبيرة، فسورتان بدأتا بالويل، المطففون وتحدثت عمن يأكل حقوق العباد، والأخرى الهمزة وتناولت من يأكل أعراض العباد، قال السُّدِّيِّ قَوْلُهُ: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ نزلت فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ كان كثير الوقيعة بين الناس، وسئل ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قَالَ: هُوَ الْمَشَّاءُ لِلنَّمِيمَةِ وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَمْعِ الْمُغْرِي بَيْنَ الْإِخْوَانِ، والويْلٌ عذاب شديد وهلاك ودمار، لكل من يعيب الناس ويغتابهم ويطعن في أعراضهم، أو يلمزهم سراً بعينه أو حاجبه.

وبين د. العامودي أنه إذا عرف شخص بالنمام فيتم التعامل معه وفق ما ذكر الإمام الغزالي بأن السلامة في ستة أمور، تندرج في أنه لا يُصَدِّقَهُ لِأَنَّ النَّمَّامَ فَاسِقٌ، وأَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَنْصَحَهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ، وأَنْ يُبْغِضَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ بَغِيضٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَجِبُ بُغْضُ مَنْ أَبْغَضَهُ الله تعالى، وأن لا يظن بأخيه الغائب السوء، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ"، وأن لا يَحْمِلَهُ مَا حُكِيَ لَهُ عَلَى التَّجَسُّسِ وَالْبَحْثِ عن ذلك (ولا تجسسوا ولا تحسسوا)، وأن لا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّامُ عَنْهُ فَلَا يَحْكِي نَمِيمَتَهُ عَنْهُ فَيَقُولُ فُلَانٌ حَكَى كَذَا فَيَصِيرُ بِهِ نَمَّامًا وَيَكُونُ آتِيًا مَا نُهِيَ عَنْهُ

ولفت إلى أنه لو جاء رجل يتحدث بأمرٍ كاذب فهو فاسق، وإن كان حديثه صادقًا فهو نمام، وذكر أنه قد جاء أن رجلاً ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز رضي الله عنه رجلاً بشيء، فقال عمر: إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذبًا فأنتَ من أهل هذه الآية: "إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا"، وإن كنتَ صادقاً، فأنتَ من أهل هذه الآية: "هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ"، وإن شئتَ عفونا عنك، قال: العفو يا أميرَ المؤمنين لا أعودُ إليه أبدًا.

وختم د. العامودي حديثه: "وقد رفع إنسانٌ رُقعةً إلى الصاحب بن عبّاد يحثُّه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالًا كثيرًا، فكتبَ على ظهرها: النميمةُ قبيحةٌ وإن كانت صحيحةً، والميّتُ رحمه الله، واليتيمُ جبرَه الله، والمالُ ثَمَّرَهُ الله، والساعي لعنه الله، وقد جاء رجل إلى وهب فقال: إن فلانًا شتمك، فقال وهب: أما وجد الشيطان بريدا غيرك؟".