الإسلام والعصر


​آباء يحرمون "الزوجة الثانية" نعمة الأمومة

الأمومة هي غريزة زرعها الله عزّ وجل في قلب كل امرأة، ومن أهم مقاصد الزواج الإنجاب، ووجود الأطفال في البيت نعمة، والحرمان منهم حسرةٌ تؤرق الأزواج، وكما يقول الله تعالى: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، ولكن هناك من الأزواج من يرفض هذه النعمة، أو يمنعها عن زوجته، بحجة أن لديه أطفالًا من زوجته الأولى ولا يريد المزيد، أو أنه قد طلق زوجته وأتى بأخرى لترعى أبناءه وتتفرغ لهم فقط، دون أن يسمح لها بأن تكون أمًّا، فما قول الشرع في ذلك؟

مقاصد الزواج

قال المحاضر في كلية الدعوة للدراسات الإسلامية عبد الباري خلة: إن "الزواج في الإسلام هو إقامة مؤسسة أسرية تكون نواة في المجتمع، وللزواج في الإسلام حكم عظيمة ومقاصد كثيرة".

وأضاف لـ"فلسطين" أن من مقاصد الزواج طاعة الله ورسوله، والزواج إشباع الغريزة ومسايرة الفطرة وإعفاف الزوجة، وهو من هدي المرسلين، وفيه اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والتبتل ليس من الدين، فعن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عن التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وتابع: "من مقاصد الزواج أيضا تكثير عدد المسلمين، ومباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بهم يوم القيامة: فعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ (إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لاَ تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟)، قَالَ (لا)، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ)".

وواصل: "الزواج أيضا يكون لطلب الذرية وتحقيق وسيلة الجهاد، فإذا رُزق المسلم بولد وحّد الله وحمل اسمه وجاهد في سبيل الله، كان ذلك في صحيفة عمله، فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ، (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ)".

وأكد خلة أن "الإنجاب حق للزوجين، فكما يتمنى الزوج ولدا يحمل اسمه ويملأ البيت فرحا وسرورا، كذلك الزوجة تتمنى ولدا تأنس به، ينسجم وفطرتها، لذا يحرم على الزوج أن يمنع زوجته من تحقيق هدف سام لها وهو إنجاب الذرية".

ونبه إلى أنه يحرم على الزوج أن يمنع نفسه من الإنجاب في الحالات الطبيعية، ويجوز له التنظيم، أما التحديد فلا يجوز ومن باب أولى عدم الإنجاب بالكلية.

وتتساءل بعض الزوجات هل تصبر وتستمر في الزواج، أم تطلب الطلاق من أجل غريزة الأمومة؟، أجاب خلة: "أنصح الزوجة في مثل هذه الأحوال أن تصبر وتحتسب أمرها عند الله وتنصحه وتتودد إليه، ولا أنصح بالطلاق، وسلي الله يعطِك ويرقق قلب زوجك ويستجب لك، وما عند الله خير وأبقى، أما إن كرهتِ البقاء معه لهذا السبب فلا حرج عليك أن تطلبي الطلاق، أو الخلع وعلى الزوج أن يستجيب للطلب وأن يفارق بالمعروف وكما قال الله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)".

الاشتراط في العقد

وعن حكم الشرع في اشتراط المرأة في عقد النكاح عدم منع زوجها لها من الإنجاب، قال: "يجوز للزوجة أن تشرط على زوجها عند العقد ألّا يمنعها من الإنجاب، وكما يقول الفقهاء: الأصل في الشروط الجواز سواء في البيع أم في النكاح، وما يشترطه الزوجان في عقد النكاح صحيح يجب الوفاء به، فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ)".

وأضاف: "فإذا اشترطت الزوجة على زوجها شرطا حلالا، لا يتنافى ومقاصد العقد، صحّ العقد والشرط، ووجب الوفاء به، فإذا شرطت الزوجة على زوجها ألّا يمنعها من الإنجاب ووافق عليه، وجب عليه الوفاء به، فإن أخل بالشرط فمن حقها أن تفسخ العقد بأمر القاضي".


​الأوضاع الاقتصادية مسوغٌ لتنظيم النسل لا تحديده

تنظيم النسل والمباعدة بين إنجاب الأبناء أمرٌ تفكر به معظم العائلات، وفي ظل الظروف الحالية يزيد هذا التفكير انتشارًا، ويصل إلى درجة تحديد النسل لا تنظيمه فقط، فنجد بعض الأزواج يفضلون الاكتفاء بإنجاب طفلين فقط، مرجعين السبب إلى الأوضاع المالية الصعبة التي نعيش فيها بقطاع غزة، فما قول الإسلام في ذلك؟

التوكل واليقين

قال الداعية الدكتور تيسير إبراهيم نائب عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الاسلامية -غزة: "لابد من التفريق بين تحديد النسل وتنظيمه، وهما مصطلحان يجتهد العلماء دائمًا للتفريق بينهما".

وأضاف لـ"فلسطين": "إن المقصود بالتنظيم هو المباعدة بين الأحمال، وهناك شواهد كثيرة من القرآن الكريم والسنة تدعم هذا الفكر، ومن الأمثلة التي تطرق إليها القرآن الكريم قوله (تعالى): {وفصاله في عامين}، وقوله أيضًا: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}".

وتابع عن تحديد النسل: "إذا كان المراد منه إنجاب عدد معين من الأبناء والتوقف عند هذا الحد؛ فإن أكثر العلماء حرموه ومنعوه، لأنه فيه نوع من عدم التوكل على الله".

وذكر أن تحديد النسل بسبب الحالة المادية فيه دلالة على عدم اليقين بأن الله (سبحانه وتعالى) سيرزق هذا الطفل.

وبيّن أن "تنظيم النسل يكون بالعناية بأسباب الحمل، على وجه لا يضر المرأة ولا يسبب لها متاعب كثيرة, وذلك بأن تتعاطى بعض الأدوية التي تمنع الحمل في وقت ما لمصلحة الحمل, أو لمصلحة المرأة, أو لمصلحتهما معًا".

وقال د. إبراهيم: "في هذا المقام يجب ألّا ننسى أننا نعيش في ظرف خاص، وهو ظرف الاحتلال والمعركة مع المحتل التي تكلفنا الشهداء، ما يستدعي الإكثار من النسل، لتزيد قوتنا في الجانب الديموغرافي من الصراع، وهذا من طرق الحفاظ على الأرض والدفاع عنها".

وأشار إلى وجود خلاف بين العلماء على المدة الأطول التي يجب أن تحددها الأسرة للإنجاب ضمن قرارها تنظيم النسل، موضحًا: "الآية الكريمة تتحدث عن عامين، وبعض العلماء اجتهدوا بأن لا تزيد سن الطفل على ست سنوات حتى يُنجب غيره، وهذا يختلف لأن دورة الإنجاب عند المرأة تختلف حسب سنها".

وقال إبراهيم: "لا يعني هذا أن تكون خطة الفرد في الإنجاب معتمدة على التوكل على الله فقط، ولا يأخذ بالأسباب الاقتصادية، ولكن لابد من التوكل مع الأخذ بالأسباب".


​التكاليف الباهظة أهم دوافع العزوف عن الزواج

شباب وفتيات لم يكملوا نصف دينهم لأسباب مختلفة، إما يرفضون لأنهم يرفضون الإقدام على خطوة الزواج، أو لأن الواقع لا يساعدهم على اتخاذ القرار، عن أسباب العزوف عن الزواج يتحدث رئيس محكمة الاستئناف الشرعية في قطاع غزة الداعية عمر نوفل.

عدة عوامل

قال نوفل لـ"فلسطين": "توجد عدة عوامل للعزوف عن الزواج، العامل الأول هو الوضع الاقتصادي المتعلق بدخل الفرد ومسئولية الإنفاق، وهو يشمل جوانب متعددة، أولها المهر وعدم القدرة على دفعه".

وأضاف: "من مسببات العزوف أيضًا العادات والتقاليد الخاصة بالزواج، التي تتطلب نفقات كثيرة، إلى جانب تقليد طقوس الزواج الحديثة المنتشرة بالعالم، التي يتعرف إليها الشباب من (الإنترنت)".

وتابع: "السبب الثالث هو عدم وجود مصدر للدخل عند العدد الأكبر من الشباب، وعدم وجود المأوى للعيش فيه".

وبين نوفل أن كثيرًا من الشباب لديهم رغبة في إكمال الدراسة الجامعية، وبذلك يتأخر الشاب في الزواج، وبعد تجاوز سن الزواج يصطدم بعدم وجود فرصة عمل، ويضطر إلى تأجيل الزواج حتى يجد فرصة العمل.

وذكر أن الظروف الاجتماعية التي نعيش فيها تدفع الشباب أحيانًا إلى العزوف عن الزواج، كالأسر الممتدة التي أدت إلى كثير من المشاكل، فيجد الشاب أفراد عائلته أصحاب تجارب فاشلة فيخشى تكرارها.

وقال نوفل عن واقع الفتيات: "بعضهن يفضلن التعليم الجامعي على الزواج، أما الذكور فأغلبهم يرغب في الارتباط بعروس تصغره بعدة سنوات"، مضيفًا: "إن بعض الأهالي يمنع زواج البنت حفاظًا على الأملاك".

وتابع: "أحيانًا إذا كانت الفتاة موظفة ووضع والدها المادي صعب؛ فإنها تتأخر عن الزواج لتساعده براتبها، وقد يكون الأبوان مريضين فترفض الزواج لتخدمهما".

وعن حديث بعض عن التعدد كحل لمشاكل العنوسة قال: "الزواج نفسه تعتريه الأحكام الخمسة ما بين وجوب وندب وجواز وتحريم وكراهية، وأحيانًا يكون التعدد حرامًا، كأن يتزوج الرجل امرأة ثانية، وهو يعلم أنه سيظلم الأولى أو الثانية".

ونصح نوفل بتجاوز العادات والتقاليد التي تجعل الزواج مكلفًا، كحفلات الخطبة والسهرات، مع الرضا بالمهور القليلة التي تتناسب مع الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيش فيه الشباب.


​الرسول في معاملته للخصوم رحيمٌ مستضعفًا ومُمَكّنًا

فرّق الرسول (صلى الله عليه وسلم) في معاملته لخصومه بين الحربيين والمسالمين، واستمر تسامحه (عليه الصلاة والسلام) في تعامله بعد التمكين له في الأرض، فلم تختلف معاملته وقت أن كان مستضعفًا عن معاملته بعد أن انتشر الإسلام، ومكّنه الله (عز وجل) في العهد المدني.

"فلسطين" تتحدث إلى عضو رابطة علماء فلسطين د. يونس الأسطل، لتستذكر معه بعضًا من أمثلة تعامل الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع خصومه المخالفين له في الدين، والتفاصيل في السياق التالي:

الأخذ بالظاهر وترك السرائر

ويبدأ د. الأسطل حديثه إلى فلسطين بالإشارة إلى قوله (تعالى) عن الرسول: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، وقوله (تعالى): "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، وقوله (تعالى): "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ".

ويبين أن السر في هذه الآيات أن الله كرّم بني آدم بوصفهم بشرًا، ولو لم يكونوا مؤمنين، ما داموا لم يعلنوا العداوة لدينه ولأوليائه في الأرض، مستدلًّا بقوله (تعالى): "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"، مشيرًا إلى أن هذه الآية جاءت بعد قوله: "عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

ويستطرد في ذكر الأمثلة التاريخية التي أظهرت تسامح الرسول (عليه الصلاة والسلام)، ومنها قصة عبد الله بن أبي بن سلول الذي تظاهر بالإسلام، ولكنه حاك كثيرًا من الدسائس بين المسلمين، وكان من أسوئها قذفه للسيدة عائشة (رضي الله عنها) بالفاحشة، فاستأذن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في قتله، فرفض النبي.

ويكمل: "وبعد وفاته عقب معركة تبوك أعطى (عليه الصلاة والسلام) بردته لابنه ليكفنه بها، ثم صلى عليه، قبل أن ينزل قوله (تعالى): {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا}"، مبينًا أن هذا موقفه (صلى الله عليه وسلم) من سائر المنافقين، فقد قال له ربه: "فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا"، أي لا تعاقبهم.

وينبه الأسطل إلى أن الدرس المستفاد من تعامل الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع المنافقين أنه علينا أن نأخذ بالظاهر ونترك لله السرائر، فنحن لم نكلف بأن نشق صدور الناس لنرى أمنافقون هم أم مؤمنون، خاصة أن كثيرًا من الناس لا يعرف المنافقين ويظنهم مؤمنين، فإذا قُتلوا دون سبب ظاهر نَفَرَ الناس من الدين.

اذهبوا فأنتم الطلقاء

ويسرد موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) من كفار قريش يوم فتح مكة، إذ جمع الملأ منهم عند الصفا، وقال: "ما تظنون أني فاعل بكم؟"، أي بعد أكثر من عشرين سنة من الاضطهاد والإخراج من مكة، ومقاتلته في بدر، وأحد والخندق، ومنعه من دخول مكة محرمًا يوم الحديبية، وغير ذلك من وجوه الإجرام، فكان جوابهم: "خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

ويشير إلى موقفه (عليه الصلاة والسلام) أنه كان قد أهدر دماء أربع عشرة نفسًا، وأمر أن يقتلوا، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، لكنه بعد ذلك عفا عمن يأتي معتذرًا، سواء أسلم أم لم يسلم، وكان ممن جاء مسلمًا عكرمة بن أبي جهل، ونهى الصحابة (رضي الله عنهم) أن يؤذوه بسب أبيه، محافظة على نفسيته.

ويلفت إلى أنه ممن أقام بمكة آمنًا آنذاك ولم يسلم صفوان بن أمية الذي قُتل أبوه يوم بدر، وخطط لقتل رسول الله (صلى الله عليم وسلم) انتقامًا لأبيه أمية، إذ لقي يومًا عمير بن وهب، وكان ابنه أسيرًا في المدينة، فعرض عليه صفوان أن يذهب متظاهرًا بفك أسيره، وأن يغتنم الفرصة لقتل النبي، متعهدًا له أن يسد ديونه جميعًا، وأن يكفل زوجته وأولاده في نفقتهم.

ويتابع الأسطل: "قام عمير بهذه المهمة بعد ثلاثة أيام، كان قد غمس فيها نصل خنجره في السم، ولما وصل إلى المدينة قال (عليه السلام): "ما جاء بك يا عمير؟"، فأجاب: "جئت لأفتك ولدي من الأسر"، قال الرسول: "اصدقني القول"، قال عمير: "ليس إلا ذلك"، فأخبره بما كان بينه وبين صفوان بن أمية، فإذا عُمير ينطق الشهادتين، لأنه لم يعلم بخبرهما أحد، ولهذا إن النبي (عليه الصلاة والسلام) قد أعطى صفوان بعد معركة حنين غنمًا بين جبلين تأليفًا لقلبه، الأمر الذي جعله يدخل في الدين.

وفي هذا السياق يذكر ما بدر من سعد بن عبادة يوم فتح مكة حين قال: "اليوم يوم الملحمة، اليوم أذل الله قريشًا"، فنزع النبي الراية منه، وقال: "اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشًا"، وألّف قلب أبي سفيان حين أعلن أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، بعد قوله: "من أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".

تأليف قلوب زعماء قريش

ويسوق الأسطل مثال ما حدث مع قائد معركة حنين مالك بن عوف إذ هرب بعد الهزيمة، فقال النبي: "أخبروا مالكًا إن أتاني مسلمًا رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل"، مبينًا أن النبي (عليه الصلاة والسلام) تألّف قلوب زعماء قريش بغنائم حُنين حين أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل، حتى وجد الأنصار في أنفسهم شيئًا، بل قال بعض الناس يومها: "إن هذ قسمة ما أريد بها وجه الله"، وخاطبه بعضهم قائلًا: "اعدل يا محمد؛ فإنك لم تعدل"، فقال (عليه الصلاة والسلام): "ويلك، فمن يعدل إن لم أعدل؟!، رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".

وكان قد اقترض (عليه الصلاة والسلام) بعيرًا من أعرابي، فجاء يتقاضاه قبل حلول الأجل، وقال: "يا محمد، أدِّ إليّ ديني، فإنكم _يا بني عبد المطلب_ قوم مطل"، فهمّ به عمر، فنهاه عن ذلك، وقال: "أنا وهو _أي أنا والأعرابي_ كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر: أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب يا عمر فاقْضِه حقّه وزِدْه عشرين صاعًا مكان ما رُعْتَهُ".

ويشير إلى أنه حتى في العهد المكي الذي كان فيه مستضعفًا لم تكن أخلاقه تختلف عنها بعد التمكين، ذاكرًا لحظة رجوعه من الطائف بعد أن أساءوا القول معه وأطلقوا صبيانهم وعبيدهم يقذفونه بالحجارة، وأقام الليل يشكو إلى ربه ضعف قوته وقلة حيلته وهوانه على الناس، فبعث الله له ملك الجبال مع جبريل، وقال: "إن شئت أطبق عليهم الأخشبين (جبلين عظمين)"، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا".

ومثل هذا يذكر الأسطل ما دعا به لقريش بعد معركة أحد، فلمّا أصيب رسول الله، قالوا: "لو دعوت عليهم"، فقال: "إني لم أبعث لعانًا، ولكن بعثت داعيًا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".