الإسلام والعصر

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٤‏/٤‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


من المسؤول عن ​تهاون الفتيات بالزي الشرعي؟

بتنا نلحظ أمورًا غريبة بين النساء والفتيات الجامعيات خاصة، على صعيد انتشار التهاون في الالتزام بالحجاب الشرعي الذي فرضه الله على النساء المسلمات، إذ بتن يتتبعن (الموضا)، فأصبح الجلباب في منظره أقرب إلى الفستان، حتى شكل العباءات صار يلفت انتباه الرجال بسبب ضيقها، هذا إضافة إلى وضع مساحيق التجميل على الوجه، ورائحة العطور التي تفوح، فما سبب هذا التهاون الذي أصاب هذا النمط من الفتيات الجامعيات؟، وما الآثار الناتجة عنه وعواقبه؟، هذا ما نتحدث عنه في السياق التالي:

قال الداعية الإسلامي عبد الباري خلة: "تتهاون كثير من الفتيات في لباسهن إذ يخرجن كاسيات عاريات متبرجات متعطرات، وكل ذلك نابع من خللٍ ما في التربية، فتخرج الفتاة كاشفة عن بعض مفاتنها، ظانةً أنها مستورة؛ فيصور لها الشيطان كمال لباسها وتحضّره، وكل ذلك مخالف لهدي الإسلام".

وبين أن اللباس الشرعي واجبٌ على الفتاة، وهو مُجمِّلٌ لها حافظٌ بحفظ الله، قال الله (تعالى): "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

وذكر خلة حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا".

وأضاف: "لقد بين ديننا الإسلامي مواصفات الحجاب الشرعي: أن يكون ساترًا لجميع بدن المرأة إلا الوجه والكفين، وألا يشفَّ ولا يصف، وأن يكون فضفاضًا، وألا يكون لباس شهرة، ولا يكون اللباس لافتًا ومطيبًا، وألا يشبه ملابس الكافرات ولا الرجال".

وأشار خلة إلى أن الحياء مطلوب في كل شيء، وخاصة للمرأة، وهو قمة الإيمان ولا يأتي إلا بخير، فعن عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ".

وبين أن عواقب هذا الانحدار وهذا التهاون لا تقع فقط على الفتيات فحسب، بل تصل عواقب هذا التهاون إلى انحلال المجتمع وتفككه، وانتشار الفساد والرذيلة فيه، وتقبل أبنائه له.

ولفت خلة إلى أنه مما لا شك فيه أن المسئولية تقع على كاهل المجتمع بأكمله، معقبًا: "فالوالدان مسئولان، والمؤسسات المدنية والتعليمية كلها مسئولة، ولابد أن تتضافر الجهود في تخليص المجتمع من الشوائب التي قد تودي به في الهاوية".

وختم حديثه: "على الشباب والفتيات أن يعلموا علم اليقين أن هناك مهمة ملقاة على عاتقهم، وهم عماد هذه الأمة وسر نجاحها، وأمل مستقبلها الزاهر، وعليهم أن يعودوا إلى رشدهم وتعاليم دينهم، ويأخذوا زمام التقدم والرقي بالعلم والأخلاق لا العري والخلاعة".


٩:٣٧ ص
٣٠‏/١١‏/٢٠١٦

أبي مريض نفسي.. كيف يكون بره؟

أبي مريض نفسي.. كيف يكون بره؟

فتياتٌ يمعن أبوهن في ضربهن في أحيان كثيرة بلا سبب، وقد يطردهن من المنزل في ساعة متأخرة من الليل، ودون أن يسمح لهن بارتداء الحجاب، فيحتمين في بيت خالهن الذي يسكن في نفس البناية، وأخيرا قرر أن يبيع البيت، دون أن يوجد بديلا آخر لتسكن فيه الأخوات الستة وأمّهن، وهذا ما دفعهن للوقوف في وجهه، علا صوتهن، وتحدثن بكلمات لا يُقبل أن توجهها ابنة لأبيها، وطلبن من بعض الأقارب التدخل، ولكن دون جدوى.

تقول إحدى هؤلاء البنات: "أبي مريض نفسي، ونتج عن مرضه الكثير من المشاكل، ولكننا نتقبل كل ما يحدث، فالأمر خارج عن إرادته، وهو أبونا وبره واجب"، مضيفة: "لا نعرف كيف نتصرف في بعض الأحيان، ونجد أنفسنا في حيرة بين البر والدفاع عن أنفسنا".

وتتابع: "قد أتحمل الضرب، ولكن ماذا أفعل عندما أجد نفسي خارج البيت دون حجابي؟ وما السبيل لأؤمن مستقبلي أنا وأمي وأخواتي أمام إصراره على بيع البيت والتصرف بثمنه بطريقة غريبة وتركنا بلا مأوى؟ كيف أحقق البر في هذه الحالة؟".

بر الأبوين في حال إصابتهما بمرض نفسي يغيب العقل تماما أو يحيط تصرفاتهما بالغرابة هو ما سألنا عنه أستاذ أصول الفقه الإسلامي بكلية الشريعة والقانون الاستاذ الدكتور ماهر الحولي..

البر يتعاظم

يقول الحولي إن بر الوالدين واجب بغض النظر عن حالتهما الصحية، وعمّا إذا كانا يتمتعان بعقل سليم، أو يعانيان من أي أمراض نفسية.

ويضيف لـ"فلسطين": "في كل الأحوال، يجب على الابن القيام بواجب الوالدين على أكمل وجه، وفي حال مرض أحدهما، أو معاناته من أي خلل عقلي أو جسماني، فإن بره يتعاظم أكثر، والتبعية على الأبناء تزيد".

ويتابع: "الأصل هو البر، وفي حال مرض أحد الأبوين، فالمريض يحتاج إلى خدمة أكبر، مما يعني أن البر يجب أن يزيد، وكذلك فالإنسان من يبر أبويه وهما ساليمان معافيان غير محتاجين له، أما بعد المرض فهما يصبحان بحاجة له، وقد يؤدي المرض للتأفف والإزعاج، لذا فإنه مع زيادة البر، يزيد الأجر".

ويلفت الحولي إلى أنه على الأبناء في هذه الحالة أن يستحضروا قول الله تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا"، بالإضافة إلى العديد من الأحاديث النبوية التي تأمر المسلم ببر والديه وتحذره من العقوق، ومن ذلك ما ورد عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، قال: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله فقال صلى الله عليه وسلم الصلاة في وقتها، قلت ثم أي قال بر الوالدين ، قلت ثم أي ، قال الجهاد في سبيل الله"، وفي حديث نبوي آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ الذُنوبِ يُؤخّرُ اللهُ تعالى ما شاءَ مِنها إلى يومِ القيامةِ إلا عقوق الوالدين".

في حال أذهب المرض عقل الأب أو الأم، فهل البر يتوقف على الجانب الخدماتي أم يشمل جوانب أخرى؟ يجيب الحولي أن بر الوالدين يأتي في إطارين، هما المادي والمعنوي، الشق المادي يشمل الخدمة والرعاية وتوفير كل ما يحتاجه الأبوان، أما المعنوي ففيه الاحترام والتقدير والمحبة والزيارة وإسماعهما الكلمة الطيبة وعدم التأفف والسخط، مبينا: "الشق المعنوي يتطلب الرعاية المعنوية في كل الأحوال، ولا ينقطع عن الوالدين حتى وإن كانا غير مدركين له ولا يشعران به".

ويؤكد على خطورة تقصير الابن في خدمة أبيه المريض أو الإساءة له من منطلق أنه لا يدرك ما يجري حوله، موضحا: "إن الأبوين لا يدركان ما يفعله الابن ولا يلومانه على تقصيره، فالله هو المطلع، وهو _عز وجل_ يرى ما يرتكبه الابن، وبالتالي يجب على الابن أن يزيد في البر والقيام بالواجبات".

وعمّا إذا كان مرض أحد الأبوين يلحق ضرراً بالأبناء، يقول الحولي: "قد يحول المرض بين الأب والكلام الطيب، فتصدر عنه الشتائم، والمريض في هذه الحالة لا يُلام على كلامه، ولا يحاسبه الله تعالى عليه، وعلى الأبناء ألا يتأثروا بالأمر لأنه خارج عن سيطرة الأب، وأن يتجنبوا استفزازه"، مضيفاً: "وإن كان الضرر أكبر من ذلك، فالبر واجب أيضاً، ولا تعارض بين البر والاحتماء من ضرر الأب، والاحتماء هنا بحاجة إلى حكمة وتفكير لعدم التقصير في الواجبات".


بين ثقلها أو تذوقها.. عوامل عدّة تؤثر في شكل استشعار العبادة

عندما كان النبي _صلّى الله عليه وسلّم_ يأمر بلال بن رباح _رضي الله عنه_ بإقامة الصلاة كان يقول له: "أرحنا بها يا بلال"، ذلك لأن الصلاة راحة للنفس، لكن ما يحدث في كثير من الحالات أن لسان حال المسلم وكأنه يردد: "أرحنا منها" لأن الصلاة ثقيلة عليه، يريد وكأنها عبء يؤديه ليتخلص منها، وكذلك الحال مع كثير من العبادات الأخرى، يشعر الفرد بثقلها، ولا يتذوق لذّتها مطلقا، فما سبب ثقل العبادة؟ وكيف يكون تذوقها؟

مجبولةٌ على حب التفلّت

يقول الأستاذ المساعد في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية الدكتور عاطف أبو هربيد: إن "التكليف عادة ثقيلة على النفس، خاصة أن النفس البشرية مجبولة على حب التفلّت وعدم الانضباط، وعلى أن تأتي شهواتها دون تكليف أو ضوابط أو حدود، وقد عرّف العلماء التكليف بأنه هو ما فيه كلفة، أي مشقة".

ويضيف لـ"فلسطين": "أما العبادة فهي حب الله والخضوع والتذلل له، أي أن الفرد يخضع جوارحه لله حبا وطاعة، رغم أن النفس تدعوه لمتاع الحياة الدنيا"، متابعا: "لذا على المؤمن أن يجاهد نفسه، وبمقدار المجاهدة يرتفع أجره وتعلو مكانته عند الله، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)".

وعن الأسباب التي تؤدي إلى تذوق العبادة أو استثقالها، يوضح أبو هربيد أن عددا من العوامل يؤدي إلى ذلك، منها مستوى الإيمان، ودرجة الانشغال بالدنيا، وإدراك مقصد العبادة، والصحبة إذا ما كانت صالحة أو صحبة سوء، وغير ذلك.

ويبيّن: "مستوى الإيمان يلعب دورا في كون العبادة ثقيلة أو خفيفة على النفس، لذا فإن أثقل صلاة على المنافقين الفجر والعشاء بينما المؤمن قد يجد راحته ومتعته في الصلاة، من هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت قرة عيني في الصلاة)، وكان عندما يأمر بلال بن رباح للأذان يقول: "(ارحنا بها يا بلال)، ولنفس السبب كان الصحابة يتمنون أن يكون العام كلّه رمضان لاستشعارهم لذة الطاعة فيه، فكلما ارتفع منسوب الإيمان عند الفرد فهو يقبل بشغف على العبادة، وبينما تفتر همته إذا قل مستواه الإيماني".

بمجاهدة النفس

ويلفت إلى أن التعلق بالعبادة لا يكون إلا بمجاهدة النفس، منوها إلى أن "الشارع الحكيم يعرف ثقل العبادة على النفس البشرية، لكنها ليست خارجة عند قدرات الإنسان ولا طاقته بدليل قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)، فالأحكام في الشريعة جاءت مراعية لطاقة الفرد، وعلى اعتبار أن الأبدان تمل كما القلوب، لذا كان الأمر الرباني: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا)".

ويشير إلى أن الانشغال بأمور الدنيا ومتاعها يؤثر في شكل استشعار العبادة، وكذلك إدراك مقصد العبادة من عدمه، وما إذا تدبر المسلم حقيقة الخلق والغاية التي خُلِق من أجلها الإنسان، إلى جانب استشعار الموت، فإذا تجلت للمؤمن حقيقة الحياة زائلة فسيعود لربه يستشعر أنه مقصر بحق الله تعالى، مما يحثّه على العمل والطاعة، والعكس تماما إن لم يحسب حسابا للموت.

ويوضح: "من المؤثرات التي تعين المسلم على الانتقال من الشعور بثقل العبادة إلى تذوقها أن يكون مُحاطًا برفقة حسنة تذكّره بالله وبالرجوع إليه، والاستعانة بالمواعظ التي يتلمسها من حوله، مثل كبار السن الذين لا يتوانون عن صلاة الجماعة".

وبحسب أبو هربيد، فإن "الفرد إذا أوغل في العبادة دفعة واحدة فقد يتركها دفعة واحدة لاستشعارها بأنها ثقيلة عليه، أما إن دخلها رويدا رويدا فسيستمتع بها، ويتذوق لذتها".

ويؤكد أن شكل استشعار العبادة يؤثر على باقي العبادات وعلى حياة الفرد في مجملها، فإذا استثقل عبادة ما فقد يتكاسل عن أداء غيرها، وربما يؤثر ذلك على مجرى حياته ومنسوب سعادته، أما إن تذوق لذتها فالنتيجة معاكسة تماما، وكما ورد في السنة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونَزَع واستغفر صُقِل منها، وإن زاد زادت حتى يغلَّف بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: (كلا، بل ران على قلوبهم)".


في "قونيا" التركية موائد الرحمن تفتح أبوابها من كل جانب

قونيا / غزة - يحيى اليعقوبي

تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر، ففي الأسفار خمس فوائد، والهدف الذي سافر من أجله الشاب الغزي بهاء المصري كان إكمال دراسته بمدينة قونيا "التركية"، وهناك يعيش المصري الغربة بتفاصيلها المؤلمة، وتحدياتها الكبيرة، فهو في مدرسة لصنع الرجال، فالمغترب بطبيعته مضطر _مهما كانت ظروفه صعبة_ أن يظهر صورة جميلة عن وضعه حتى لا يقلق عليه أحد من العائلة أو الأصدقاء.

"ماذا أقول؟!، فالمقارنة بين الغربة والعيش في الوطن تبعث في النفس شعورًا مختلطًا بين الشوق والحنين والحزن والسعادة أحيانًا" يصف المصري حقيقة مشاعره في الغربة، ثم يتابع: "البداية كانت صعبة، لاختلاف اللغة والثقافة، ولكني مع الوقت بدأت التأقلم والانسجام مع الحياة والمجتمع هنا، والمشاركة في الأنشطة بجانب دراستي، مع الجاليات العربية هنا، أو مع الأتراك، أو مع المغتربين من مختلف الجنسيات".

وبهاء معين المصري من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة من مواليد عام 1994م، شارك بغزة في تنفيذ بعض المبادرات الشبابية، وعمل محفظًا في سن مبكرة، وواعظًا في وزارة الأوقاف، وإمامًا للتراويح في رمضان، يفصح عن تفاصيل غربته لصحيفة "فلسطين" قائلًا: "للغربة واقع صعب الوصف، فالغربة تعني أن تعيش وحدك في كثير من الأمور اليومية والحياتية، فلا أم تؤنسك في بيتك، وتوقظك لجامعتك بعد تحضيرها الإفطار، ولا أب يقف بجانبك".


الغربة مدرسة

ولا ينسى المصري لحظة وصوله إلى المطار التركي مع أصدقائه، فبعد تصديق الجواز والتذكرة وغير ذلك من الإجراءات بقي وقت قليل لدخول الطائرة والمغادرة، ترك هو وصديقاه صديقًا رابعًا قرب مكان ممر الطائرة الذي سيعبرون منه، وعادوا لتحويل العملة المصرية إلى الدولار، لأنها لم تعد تلزمهم، لم ينتبهوا إلى الوقت وتأخروا عن الطائرة قليلًا من الوقت، يقول: "حينما عدنا بسرعة وجدنا الجندي المصري في الممر غاضبًا، ودخلنا الطائرة وكلٌّ ينظر إلينا بعتاب على تأخر الإقلاع بسببنا".

كيف حالك؟، كان السؤال من مسنين أتراك في مدينة طرابزون التركية في مخيم دولي، وحين وجدوه يتحدث بالتركية سأله أحدهم: "من أين أنت؟"، أجابهم بأنه فلسطيني، يكمل التفاصيل: "مباشرة احتضني أحدهم وبدأ بالبكاء، وتحدث والدموع لا تغادر عينيه عن حزنه العميق لبقاء القدس تحت الاحتلال، وعن تقصيرهم في حقنا"، بدأ ذلك المسن طلب السماح، يتمم: "هدأت من روعه وتحدثت إليه قليلًا، والتقطت صورة تذكارية معه بعد أن ألبسته الكوفية لأتركه سعيدًا داعيًا لنا ولقضيتنا".

"الجسم في غربةٍ والرّوح في الوطن" يختصر بذلك حبه وتعلقه بمدينته، ويزيد قائلًا: "ما يصعب الأمور أكثر هو ضرورة المحافظة على شخصيتك، والتغلب على الشوق والحنين إلى الوطن؛ فأحيانًا يفقدك الشوق الكلام والشخصية، فترى أن روحك في وطنك وجسدك هنا".

"والحياة في الغربة عمومًا تحمل المغترب همًّا آخر، وهو تمثيل الوطن وشبابه بأفضل صورة، أهمها الجانب الأخلاقي الذي يحتاج إلى حرص وتوازن، لأن المغترب في الغربة لا يمثل نفسه وحسب بل يمثل كل فلسطيني" يضيف المصري.


رمضان في قونيا

كيف تقضي الجاليات العربية في مدينة قونيا رمضان؟، تفيد الإجابة أن المدينة تضم عددًا كبيرًا من النازحين من سوريا، إضافة إلى الجاليات الصغيرة من الدول الأخرى، وعدد كبير من طلاب تلك الدول، ويقول: "في هذا العام ارتفع عدد الفلسطينيين الموجودين في قونيا من طلاب وبعض عائلاتهم، وعاملين وعائلاتهم، إضافة إلى العائلات الفلسطينية النازحة من سوريا".

وبحلول شهر رمضان المبارك تزداد الروابط تماسكًا ومتانة بين تلك الجاليات والأتراك، وبين الجاليات فيما بينها، يستدرك المصري بالقول: "ترى عائلات سورية تدعو أتراكًا للإفطار في بيوتهم، وكذلك العكس، وترى موائد الرحمن في كل جانب من المدينة تفتح أبوابها للجميع، فبرامج موائد الرحمن في تركيا مشهورة جدًّا، ففي كل جانب موجودة".

وتسعى الجاليات العربية والمسلمة _حسب إفادة المصري_ من طريق ممثليها من نقابات واتحادات وجمعيات وتجمعات وغيرها، بالتعاون مع الجمعيات الخيرية والمنظمات الحكومية كالبلديات؛ إلى تنظيم موائد الإفطار، وزيارة العائلات المحتاجة، وتنفيذ برامج مختلفة في هذا الشهر الكريم. "تندمج الجاليات هنا بصورة أوسع في هذا المجتمع الرائع" يتحدث الشاب الغزي عن هذا الترابط الذي يجذبه، ثم يتابع: "يتشاركون في حلقات الذكر، وصلاة التراويح، وزيارة المرضى منهم في المستشفيات، وغير ذلك من البرامج المميزة".

أما المواقف الجميلة في رمضان فيراها المغترب الفلسطيني تتمثل في حرص الأتراك على دعوته ودعوة أصدقائه للإفطار في بيوتهم، ومحاولة إيصال حبهم الكبير إليهم بذلك، يقول: "أذكر أننا في بعض الأعوام هنا لم نفطر في شهر رمضان بالبيت سوى عدة أيام فقط، وهذا العام تلقينا دعوة من الأتراك للإفطار عندهم قبل أسبوع من حلول رمضان".

استعداداته في هذا العام تختلف، لأن أصدقاءه لديهم امتحانات حتى 18 رمضان تقريبًا، يواصل: "نحاول الاهتمام بالسحور جيدًا وتجهيزه على وفق برنامج معين حتى نستطيع مواصلة الدراسة في أثناء النهار، وتلبية دعوات الإفطار قدر الإمكان، إضافة إلى الخروج لأداء صلاة التراويح، ثم الذهاب إلى المقاهي الشعبية لشرب الشاي".

ومدينة قونيا التي يسكنها المصري هي الأكبر مساحة، وتصنف أنها من أكثر المدن تدينًا في تركيا، وهي عاصمة الثقافة الإسلامية لهذا العام، وكانت عاصمة الدولة السلجوقية التي كانت مهدًا للخلافة العثمانية المجيدة.

ويتميز أبناء المدينة باعتزازهم بتاريخهم، واهتمامهم بقضايا الأمة جمعاء عامة، وقضية فلسطين خاصة، فيعدونها القضية المركزية للأمة، ويحاولون دعمها بكل الأساليب المادية والمعنوية.