الإسلام والعصر


​نشر صور المحتاجين في ميزان الشرع

دأب بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة، على نشر صورة لعائلات معوزة مرفقة أرقاما للتواصل معها، على أمل أن يتم مساعدتها من قبل أهل الخير وهو ما قد يحصل بالفعل، وأحيانا يتم تصوير أفراد الأسرة وهم يستلمون المساعدات، ومع ما تحمله هذه المساعدات من تخفيفٍ على الناس، إلا أنها تسبب لهم الحرج ، وتنتهك خصوصيتهم، حتى أن بعض الأسر الفقيرة ترفض الحصول على المساعدة حتى لا تُنشر صور أفرادها على مواقع التواصل وفي الفضائيات.

حول جواز هذا الأسلوب، والطريقة الأمثل لتقديم الصدقة للمحتاجين، يتحدّث لـ"فلسطين" الداعية د. جودت المظلوم، المحاضر في كلية الدعوة، وعضو رابطة علماء فلسطين:

في السر أولى

قال المظلوم: "لا مانع من التصدّق على مثل هذه الحالات التي يتم نشر أسمائها وصورها لتبين مدى حاجتهم للمال، وإن كانت صدقة السر أفضل"، مضيفا: "بعض المؤسسات الداعمة والمتصدقين يشترطون التصوير حتى يتأكدوا من حاجة الأسرة فيقدموا لها المساعدة".

وتابع: "لا مانع من التصوير في حال أن يكون في ذلك حافزا للتصدق، أو يكون فيه زوال شكوك تدخل في نفوس المتبرعين، أو يكون فيه دعوة لفعل الخير والمسارعة إليه ونحو ذلك".

واستدرك: "لكن تصوير الأشخاص ومنازلهم بالطريقة التي نراها محرج لهم، ولذلك إن أمكن عدم نشر الصور، فإن ذلك أولى وأفضل، حتى لا تنقطع تلك المساعدات عن المتعففين الرافضين لنشر صورهم، وهم كثر".

وأكد على أن أصل الصدقة أن تكون في السر، وأن السرية تشمل الطرفين، المتصدق، والمُتصدَّق عليه، لقوله تعالى: "إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَّكُمْ"، كما أن صدقة السر تطفئ غضب الرب، لذلك حثنا رسولنا الكريم على الصدقة في السر.

واستشهد المظلوم بما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله..."، وذكر منهم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".

وفي هذا الصدد يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "من تمام الإخلاص: أن يحرص الإنسان على ألا يراه الناس في عبادته، وأن تكون عبادته مع ربه سراً، إلا إذا كان في إعلان ذلك مصلحة للمسلمين أو للإسلام، فإذا كان السر أصلح وأنفع للقلب وأخشع وأشد إنابة إلى الله أسرّوا، وإذا كان في الإعلان مصلحة للإسلام بظهور شرائعه، وللمسلمين؛ يقتدون بهذا الفاعل، وهذا العامل: أعلنوه".


١٢:٥٠ م
٢٧‏/١‏/٢٠١٨

​الإحسان للأخت.. بوابةٌ للجنة

​الإحسان للأخت.. بوابةٌ للجنة

لم يغفل الدين الإسلامي أي حق من حقوق العباد، رجالًا ونساء، ولكنه خصّ النساء وأكد على حقوقهن في كثير من الآيات والأحاديث التي علا فيها من شأن المرأة، سواء كانت أما أو بنتاً أو زوجة أو أختا..

ورغم الاهتمام الكبير الذي أولاه الإسلام للمرأة، إلا أننا نجد من الرجال المسلمين من ينسون، أو يتناسون حقوق النساء عليهم، ومن ذلك دورهم تجاه أخواتهم.. عن الأخت في الإسلام نتحدث في السطور التالية:

صلةٌ للرحم

أستاذ أصول الفقه الإسلامي في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية، الاستاذ الدكتور ماهر الحولي قال: إن "الإحسان للأخت مذكور في الكثير من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن صلة الأرحام والمعاملة الحسنة للمرأة".

وفي حديثه لـ"فلسطين"، ذكر بعض هذه الأحاديث، فقد ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوله: "مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ"، وقوله في حديث آخر: "مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَ بَنَاتٍ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَ أَخَوَاتٍ حَتَّى يَمُتْنَ، أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى".

وأوضح د.الحولي أن هذه الأحاديث كانت تشجع الصحابة على الاهتمام بأخواتهن والدفاع عنهن وصيانة حقوقهن.

ومن الأمثلة على الإحسان للأخت من حياة الصحابة، ذلك الصحابي الذي زوّج أختا له، فطلقها زوجها، وحتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها ثانية، فرفض الصحابي رغم حسن أخلاق زوجها ورغبة أخته بالعودة له، فخوفه على مصلحتها منعه من السماح لها بالعودة له، حتى نزل قول الله تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ"، فوافق بعدها الصحابي على عودة أخته لزوجها.

وأشار الحولي إلى أن الحديث عن الإحسان إلى الأخت له أوجه متعددة، ويأتي في إطار صلة الأرحام، حيث إن الأخت تندرج تحت صلة الرحم، والآيات القرآنية أكدت في هذا الأمر، كما في قوله عزّ وجلّ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".

ولفت إلى أن الإسلام دعا للدفاع عن الأخت وصيانة حقوقها، ومن هذه الحقوق أن يسمح لها بالزواج، وإذا رجعت إليه مطلقة فيكرمها، ولا يجبرها على الرجوع إلى زوجها إلا برضاها، مع نصحها بالقيام على شؤون زوجها.

وبين د.الحولي أن الاسلام اعتنى بالأخت، وأمر بعدم مقاطعتها، لأن قاطع الرحم ملعون في كتاب الله عز وجل، كما أن قاطع الرحم يُعدّ من الفاسقين والخاسرين وتُعجل له العقوبة في الدنيا، عدا عن عذاب الآخرة.

وقال: "الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة كلها تدعو إلى تقوية العلاقات الاجتماعية والترابط الأسري، وللروابط الأسرية مقام عظيم في الإسلام الذي خصص عناية كبيرة جداً للمرأة في كل الحالات، سواء كانت أختا أو أما أو زوجة أو ابنة".


١٠:٥٣ ص
١٧‏/١‏/٢٠١٨

​متى تكون الصدقة في العلن؟

​متى تكون الصدقة في العلن؟

لا يزال صدى حملة "سامح تُؤجر" يتردد، هذا يعلن التنازل عن ديْنه، وذاك يتصدق بالمال، وغيرهما يقدم خدمات مجانية، إلى جانب العديد من أشكال عمل الخير، وهذا كله يتم علنًا بعيدا عن فكرة التصدّق سرّا..

وفي مقابل الفائدة الكبيرة والخير الذي نال الكثيرين من هذه الحملة بعد انتشار الفكرة على مواقع التواصل الاجتماعي، يرى البعض أن إخفاء الصدقات أولى من الجهر بها، وأن إعفاء الناس من ديونها يُضل أن يتم في السر، وذلك لنيل الثواب الأكبر وللعمل بقول الله تعالى: "إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ"..

وفق الأولويات

أستاذ أصول الفقه الإسلامي في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية، الدكتور ماهر الحولي قال لـ"فلسطين": "حملة سامح تؤجر تمثّل صورة مشرقة تعبر عن أبناء الشعب الفلسطيني وسوف يسجلها التاريخ, وستقرأ عنها الأجيال القادمة لما تدل عليه من إيمان والتزام بعادات وتقاليد الشعب الفلسطيني".

وعن الأجدر بالصدقة، إخفاؤها أو إعلانها، أضاف: "إخفاء العبادات أو الإعلان عنها يكون وفق الأولويات، والأصل إخفاء الصدقات، ولكن يجوز إظهارها إذا قُصد تشجيع الغير، وإذا أَمِن الشخص على نفسه من الرياء لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)".

وتابع: "قال العلماء إن في إظهار الصدقة مصلحة شرعية, إن أمن المتصدق على نفسه من الرياء, فالأفضل إظهارها لمن يرجو أن يكون قدوة لغيره في البذل والعطاء, والإنفاق والفوز بالخير والمسامحة وتحفيز الناس على التصدق".

وأوضح الحولي: "واقع قطاع غزة الحالي يجعلنا بحاجة للأسوة والقدوة للناس، وهذا ما قام به بعض التجار والأطباء والمهندسون, وأصحاب المهن مما يأتي في تحقيق مصلحة شرعية، فتصرفهم فيه تحفيز للآخرين على مساعدة الفقراء والمحتاجين وإغاثتهم وتفريج الكرب عنهم".

وأكد أن "الأصل أن يتسابق الناس في الخيرات وإيجاد الأفكار المقرونة بالعمل في تفريج الكربات وستر العورات وإعانة المحتاج".


​زوجة وصاحبة وامرأة.. إعجازٌ لغوي في القرآن

من أوجه الإعجاز المتعددة في القرآن الكريم الإعجاز اللغوي، ومن أشكال هذا الإعجاز الاختلاف في الألفاظ ومعانيها، والأمثلة على ذلك الحديث عن الزوجة، فهي في القرآن إما "امرأة" أو "صاحبة" أو "زوجة"، واختلاف المعنى بين كل منها يعود إلى طبيعة العلاقة بين الطرفين.

حسب العلاقة

قال أستاذ الفقه وأصوله المشارك في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأقصى الدكتور محمد العمور: "إن من سنن الله في الكون التزاوج بين الرجل والمرأة، وقد يكون زواجًا مفعمًا بالانسجام والمحبة، أو يكون اقترانًا جبريًّا مثل حال فرعون وامرأته".

وأضاف لـ"فلسطين": "إن لفظ امرأة، وزوجة، وصاحبة كلها تدل على العلاقة بين الرجل والمرأة، ولكن كيفية هذه العلاقة هي التي تحدد المسمى".

وتابع: "في حال انعدم التوافق العقدي والانسجام الفكري بين الشريكين كأن يكون أحدهما مؤمنًا والآخر كافرًا يطلق على الأنثى هنا لفظ (امرأة)، ففي القرآن ‏(امرأة نوح)، و(امرأة لوط)، ولم يقُل عنهما الله (عزّ وجل): (زوجة نوح) و(زوجة لوط)، بسبب الخلاف الإيماني بين كل منهما وزوجها، فهما غير مؤمنتين، أما زوجاهما فنبيان مؤمنان، وكذلك الحال مع ‏(امرأة فرعون‏)، لأنها آمنت بالله، أما هو فلم يؤمن".

وواصل: "إذا كانت هناك علاقة جسدية مع توافق وانسجام فكري ومحبة تسمى الأنثى هنا (زوجة)، إذ قال (تعالى) في شأن آدم وزوجه: (ﻭقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة)، وذكر الله (تعالى) في موضع قرآني آخر لفظ الزوجة في شأن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): (يا أيها النبي قل لأزاوجك..)، وذلك ليدلل (عز وجل) على التوافق الفكري والانسجام التام بين النبي (عليه الصلاة والسلام) وزوجاته".

وفي موضع قرآني استخدم الله (عز وجل) لفظ "امرأة" على لسان سيدنا زكريا، مع أن هناك توافقًا فكريًّا وانسجامًا بينه وبين زوجته، إذ قال (تعالى): "وكانت امرأتي عاقرًا"، "والسبب في ذلك أنه من المحتمل أن يكون هناك خلل ما في علاقة سيدنا زكريا مع زوجته بسبب تعثر الإنجاب، فيشكو همه إلى الله (تعالى)، واصفًا من معه بأنها امرأته لا زوجته، ولكن بعد أن رزقه الله ولدًا _وهو سيدنا يحيى_ اختلف التعبير القرآني، فقال الله (تعالى): "فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه"، بحسب ما ذكر العمور.

أما عن لفظ "صاحبة" فقال: "يُستخدم هذا اللفظ عند انقطاع العلاقة الفكرية والجسدية بين الزوجين، لذلك معظم مشاهد يوم القيامة استخدم فيها القرآن لفظ (صاحبة)، كما في قوله (تعالى): (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه)، وذلك لأن العلاقة الجسدية والفكرية انقطعت بين الطرفين بسبب أهوال يوم القيامة، وتأكيدًا لذلك قال (تعالى): (ﺃنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة)".

وأضاف العمور: "قد يتبادر إلى الذهن أن الألفاظ المختلفة تحمل معنى واحدًا، لكن الأمر ليس كذلك، وهذا من أمارات أن معجزات وعجائب هذا الكتاب لا تنتهي".