الإسلام والعصر


​مراعاة المشاعر.. خلقٌ يجب أن يتحلى به المسلم

من أساسات الدين الإسلامي الحنيف، الأخلاق، ويظهر ذلك جليًا في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي دعا فيها الله ورسوله المسلم إلى الالتزام بالأخلاق الحميدة، وبمقتضى هذه الأخلاق لا بد أن يكون المسلم مراعيًا لمشاعر جميع الناس, فهو يتمتع بدرجة عالية من الإحساس والتأثر وهو صاحب قلبٍ حيّ نابض، وينعكس ذلك كله على سلوكه وتصرفاته، ورغم ذلك نجد من المسلمين من يلحق الأذى بغيره ويجرح مشاعره إليها أو السخرية أو الاستهزاء أو غير ذلك من التصرفات التي نهى الإسلام عنها.. في السطور التالية نسأل عن "مراعاة مشاعر الآخرين" في الإسلام.

النهي عن التجريح

أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون الجامعة الإسلامية الدكتور ماهر السوسي أكد أن مراعاة مشاعر الناس هي من ضمن الأخلاق والآداب العامة التي فرضها الإسلام على المسلمين.

وقال في حديث لـ"فلسطين": إن كل ما فيه تجريح لشعور الإنسان هو منهي عنه في الإسلام، ومن ذلك منع اختلاس النظر أو التلصص واستراق السمع والتجسس للتعرف إلى أسرار الناس.

وأضاف أن الإسلام نهى عن كل ما فيه انتهاك لمشاعر الناس واعتداء عليها والتقليل من قيمة الإنسان كالسخرية منهم والكذب والافتراء، أو الحديث عنهم بما ليس فيهم كالغيبة والنميمة.

وتابع: "في الإسلام الكثير من القصص التي تدعو إلى حسن الأخلاق وحسن المعاملة مع الناس وكان الرسول عليه الصلاة والسلام في كل موقف لديه دعوة سواء صريحة أو مبطنة لحسن المعاملة".

وأوضح السوسي: "مراعاة مشاعر الناس وأحاسيسهم ما يزيد الود ويؤلف بين القلوب، فقد لا ينسى أحدنا موقفاً لشخص ما راعى فيه مشاعره وشاركه فيه أحاسيسه، وليكون بعد ذلك قدوة له ليمارس نفس الفعل مع غيره".

ولفت إلى أن الإسلام نهى عن الغيبة والنميمة لما فيها من افتراء على الناس، وفي القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن السخرية والاستهزاء بالناس، وأكد الرسول صلى الله عليه وسلم أن من يقوم بهذا الفعل فإن فيه جاهلية، لقوله عليه الصلاة والسلام لأحد الصحابة عندما سخر من صحابي آخر كان ضعيفًا وساقاه رقيقتين: "إنك امرؤ فيك جاهلية".

كما حرم الإسلام الاستخفاف بمشاعر الناس وأحاسيسهم، ودعا المسلم لأن يكون واثقًا من نفسه وصاحب شخصية يعتز بها، بحسب السوسي، مذكرًا بالنهي عن التفرقة بين الناس على أساس اللون أو الدين أو حتى الحسب والنسب.

واستشهد بقول الله تعالى في كتابة العزيز: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"، موضحا: "وبهذا كان ميزان التفاضل بين الناس في الإسلام بالتقوى وليس بالغنى أو القوة أو الحسب والنسب إلى آخر ما يتباهى بها الإنسان".


​التوبة عن العقوق تحول دون عقاب الدنيا والآخرة

قد يخطئ الإنسان بحق أبويه في أي مرحلة من مراحل حياته، حتى إذا ما صار أبًا خشي أن يعقّه أبناؤه وأن يكرروا معه أفعاله مع أهله، فهل يمكن لمن يعق أمه وأباه أن يعود عن ذنبه ويقبل الله توبته؟، وهل توبته تحميه من عقوق أبنائه له؟

لن يكرروا خطأه

أستاذ أصول الفقه الإسلامي في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية الاستاذ الدكتور ماهر الحولي أكد أن من أكبر الذنوب التي قد يرتكبها الإنسان المسلم في حياته هو أن يعق أمه وأباه، مبينًا أن الدين الإسلامي أمر بعدم قطع الرحم، وأن قاطعه ملعون.

وقال د. الحولي في حديث لـ"فلسطين": "إن الله قال في كتابه: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم"، وبذلك إن قاطع الرحم من الفاسدين الخاسرين، والذين تُعجَّل لهم العقوبة في الدنيا ويُكتب عليهم العذاب في الآخرة".

وأضاف: "إن الله لا يقبل من قاطع الرحم أي عمل، ويقطع الوصل بينه وبين الله (سبحانه وتعالى)، وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟"، قلنا: "بلى، يا رسول الله"، قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين)".

وتابع: "على من يسيء لأمه وأبيه الإسراع في التوبة قبل وفاتهما، والاستغفار عن ذنبه، والعزم على ألا يرجع إلى هذه المعصية"، مشيرًا إلى أن الإساءة للأبوين إن شملت أكل حقوقهما فعلى هذا الابن أن يرد المظالم إلى أهلها.

وبين د. الحولي أن ما سبق هي شروط التوبة حتى يقبلها الله (عز وجل) من مرتكب الذنب، إضافة إلى أن يعقد العزم على ألا يرجع إلى ذنبه، وأن يرجع كل الحقوق التي منعها عن أهله إليهم، وأن يتراجع عن أي افتراء قام به على الوالدين.

وشدد على أن الاحسان إلى الوالدين من أعظم صور البر التي قد تكون سببًا في الوصول إلى الجنة في الآخرة، وسببًا للفلاح والتيسير والنجاح في كل أمور الدنيا، محذرًا من أن يضيع المسلم على نفسه هذه الفرصة التي لا تتوافر لكثيرين.

وذكر أن المسلم العاق إذا رجع عن ذنبه وتاب إلى الله (تعالى)؛ فإن هذه التوبة والرجعة الصادقة ستكون حصنًا له وحماية في الدنيا، وثوابًا في الآخرة.

"كما تدين تدان" مقولة يخشى الأبناء أن تنطبق عليهم، فيكرر أبناؤهم معهم ما كانوا هم قد فعلوه مع آبائهم، وعن ذلك قال د.الحولي: "إذا تاب المسلم واستغفر الله عن ذنبه، وكانت توبته نصوحًا وكاملة؛ فلا يخش ذلك، خاصة أن أولاده إن لمسوا ندمه على الذنب الذي اقترفه بحق أبويه فسيتعلمون من الخطأ الذي وقع به، ولن يكرروه في حياتهم".


​العبادات القلبية.. أساس صلاح الفرد والمجتمع

تُعدّ العبادات القلبية من أهم العبادات التي يُطالب بها المسلم، وهي تلك العبادات المتعلقة بالقلب والتي تعكس مدى ارتباط المسلم بربه، ومن أبرزها الإخلاص، والتقوى، والتوكل والخوف والرجاء من الله.

وعلى الرغم من أهمية العبادات البدنية إلا أن عبادات القلب قد تكون أحلى وأجمل أثرًا، وهذا ما يجده من كان قلبه موصولًا بالله عز وجل، فكان يسعى لنيل الأجر بالموازاة بين العبادات القلبية والبدنية، دون إهمال أو تغليب لإحداهما على الأخرى.

فضائل متعددة

النائب الأكاديمي لكلية الدعوة الإسلامية، عدنان حسان، قال: إن "العبادات القلبية هي أمور عبادية تتعلق بالقلب، ولها أثر على سلوك الإنسان في حياته، الأمر الذي ينعكس تلقائيًا على المجتمع".

وأضاف لـ"فلسطين": "للقلب فضائل متعددة، منها أنه مكان التنزل للواردات الإلهية حيث إن التكاليف الشرعية لله تعالى هي في القلب، كما أنها مناط التكليف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأفعالكم)".

وتابع: "صلاح القلب يؤدي إلى صلاح الفرد، وهذا يعني صلاح المجتمع".

وأوضح حسان أن صلاح القلب ينقسم إلى نوعين، أولهما الصلاح المادي والجسدي، والثاني هو الصلاح المعنوي، أي صلاح النفس لتقوم بالمهام التي دعا إليها الله تعالى.

وبيّن أن العبادات القلبية متعددة، منها الإخلاص والتوكل، والخوف والرجاء والتوبة، وهذه أبرز العبادات القلبية التي تختلف عن العبادات التي تتعلق بالجسد من الأفعال الظاهرة كالصلاة والزكاة والحج أو العبادات القولية كالذكر والتسبيح.

وأشار إلى أن "للعبادات القلبية واردات على القلب يحرم على الإنسان أن يرتكبها كالكفر، وارتكاب الكبائر وصغائر الذنوب، بالإضافة إلى وجود واردات على القلب في انشغاله عما أمر به الله تعالى وهذه تكون في التعلق بالدنيا الزائد".

وقال: "يعيش المسلم تذبذب درجات الإيمان بين القوة والضعف وفق هذه العبادات، فكلما زادت العبادات القلبية كالإخلاص والتوبة من الذنوب فإن المنسوب الإيماني يرتفع عند الإنسان، وبالتالي يصلح حاله وحال المجتمع".

ولفت حسان إلى وجود عوامل تحيي قلب المسلم، من أهمها ذكر الله تعالى، ففي الذكر إحياءٌ لقلب المسلم، بالإضافة إلى زيارة القبور لاتخاذ الموعظة الحسنة، ورفقة الصالحين والبعد عن أصحاب السوء.

وأوضح: "لكي يبقى القلب معلقًا بالله ويخلص العبادة البدنية والقلبية لربه، على هذا القلب أن يبتعد عما يفسده، ومن هذه المفسدات شغل القلب بغير الله وتعلقه بالغير، وكثرة التخالط مع الناس وإضاعة الوقت، بالإضافة إلى كثرة تناول الطعام والشراب والنوم".


​الأوضاع الاقتصادية صعبة.. فلا تنسَ ذوي القربي

تكافل الأقارب فيما بينهم في هذه الأيام العصيبة ضرورةٌ لا بد منها، إذ زاد الفقر وكثر المحتاجون، ومن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس إلحافاً، السؤال عن أحوال ذوي القربى وتقديم يد العون لهم يحقق أكثر من مقصد في الشريعة، كالمساعدة بالمال، وصلة الرحم..

تفقد الأرحام

عضو رابطة علماء فلسطين الدكتور يونس الأسطل، قال": "يتمحور موضوع التكافل بين الأقارب حول جانبين، أولهما لزوم تفقد الأرحام والأقارب والمعوزين بشيء من الصلة بالمال، مما قل منه أو كثر، نصيباً مفروضا، والجانب الثاني هو أن هذا التكافل الواجب يحقق كثيراً من مقاصد الشريعة ومنها أن يكون عموم المؤمنين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحُمى، فما بالنا حين يكونون ذوي قُربى؟".

وأضاف لـ"فلسطين": "معالجة الأزمة التي أمست حادة عند أكثر الناس تكون بوجوب التكافل بين القرابات والعصبات، بأن يحمل أغنياؤهم فقراءهم، بتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم الذي يحول بينهم وبين الاضطرار إلى المسألة، أو سلوك سبل غير مشروعة في الحصول على القوت".

ولفت إلى أن من أدلة الوجوب على ذلك، قوله تعالى " وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ..".

وبيّن: "دلت هذه الآية على أن في مال الأغنياء حقا وواجبا غير الزكاة، حيث جعلت ذلك من البر، ومن المعلوم أنكم لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، ولا يتوقف نيل البر على فعل الواجب، وقد قدمت الآية ذوي القربى على غيرهم من الأصناف الخمسة الأخرى ذوي العُسرة وقد ذكرت إيتاء المال، وإيتاء الزكاة، فدلّ ذلك على وجوب التكافل مع المذكورين بشيء غير الزكاة".

قل العفو..

وقال الأسطل: "نمرّ بظروف تشبه عام الرمادة، الذي وجب فيه إخراج ما زاد عن الحاجة المعتادة، كما قال سبحانه وتعالى (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، أي الزائد عن الحاجة، بل يستحب أن نكون ممن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع، وهو يعلم، أي لا يكمل إيمانه".

وأضاف أن أفضل تكافل ما كان كصنيع الأشعريين، فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قد امتدح الأشعريين بأنهم كانوا إذا أملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما عندهم في ثوبٍ واحد، واقتسموه بينهم بالسوية، ثم قال "فهم مني، وأنا منهم"، أي أن هذا هو الفضل والخلق العظيم.