الإسلام والعصر


​للمرأة.. عباداتٌ تجلب الأجر دون وقت أو جهد

بينما يقرأ أفراد الأسرة جميعًا وردهم اليومي من القرآن في رمضان، تكون النساء في غمرة انشغالهن لإعداد طعام الإفطار، هكذا يبدو المشهد في أغلب البيوت، والأمر لا يقتصر على طعام الإفطار فحسب، وإنما انشغالات المرأة في خدمة أهلها متعددة، وتستنزف وقتها، ولا تعطيها مساحة كافية للصلاة وقراءة القرآن، وهنا تتذمر السيدات لعدم قدرتهن على التعبّد كما يردن، ويغفلن عن عبادات كثيرة تجلب لهنّ الأجر دون جهد ولا وقت.

الأعمال بالنيّات

يقول الداعية أحمد زمارة: "معلوم أن المرأة هي قوام البيت، ما إن يبدأ رمضان حتى تبدأ حالة الاستنفار لإعداد وجبات السحور والإفطار، وتتحمل خدمات البيت على عاتقها، وربما أدركها الوقت ولم تتمكن من قراءة وردها من القرآن".

ويضيف لـ"فلسطين": "أمام هذه الحال نتذكر أن من هدي رسول الله في التخفيف من هموم المرأة وأعباء الحياة أنه أرشدها إلى أعمال لا تحتاج إلى تفرغ أو جهد بدني، كما في الصحيحين أن فاطمة (رضي الله عنها) أتت النبي (صلى الله عليه وسلم) تسأله خادمًا، فقال: (ألا أخبرك ما هو خير لك منه، تسبحين الله عند منامك ثلاثًا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبرين الله أربعًا وثلاثين)".

ويشير إلى قوله (صلى الله عليه وسلم): "يا نساء المؤمنات، عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات مستنطقات".

ويتابع زمارة: "من الأمور التي تجلب لك حسنات على الدوام استحضار النية في كل أمر تقومين به، من إعداد طعام أو تجهيز مائدة الإفطار أو إيقاظ أفراد العائلة وقت السحور، أو القيام بخدمتهم، مصداق قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، وقد كان الواحد من السلف يجمع أكثر من ثلاثين نية لعمل واحد، وأنت عندما تعدين الطعام باستطاعتك أن تستحضري النية أن هذا الطعام لتقوية أبدانهم على الطاعة، وإرضاء للزوج، وبرًّا بالأبناء، ولإفطار صائم، ولإسعاد مسلم، ونحو ذلك".

ويشير زمارة إلى أنه من النيات أيضًا تزيين البيت لاستقبال رمضان وتعطيره بنية تعظيم هذه الأيام، وإدخال الفرحة على قلوب المسلمين، وتشجيع الأبناء على حب رمضان.

ويقول: "من الأعمال التي لا تحتاج لجهد بدني الاستماع إلى القرآن في أثناء العمل، مع الانتباه، وهذا لا يحتاج من المرأة إلا الإنصات، وكذلك الاستماع لمحاضرة دينية أو درس فقهي، ومما يمكنها فعله أيضًا التصرف بطريقة جيدة في حال زاد عندها بعض الطعام، فتصنع منه طبقًا وتزيّنه وتهديه إلى جيرانها بنية تفطير صائم، وإكرام الجار، وتفريج كرب مسلم".

ولكِ أجرهم

وينصح زمارة الأمهات: "حاولي أن تستيقظي قبيل السحور بقليل، وأن تحثي الأبناء والزوج على القيام لصلاة ركعتي قيام في الثلث الأخير من الليل، أو أن تطلبي من أحدهم الدعاء وكلٌّ يؤمن، يكون لك بكل واحد منهم أجر مثل أجره، والملائكة تقول لك: (ولك بالمثل)".

ويستحضر زمارة ما قاله ابن القيم (رحمه الله) في كتابه "زاد المعاد": "وكان من هديه (صلى الله عليه وسلم) في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل (عليه السلام) يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص غيره به من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانًا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة".

ويذكر النساء: "من الأعمال التي يسهل القيام بها في أثناء عملك في المطبخ أو انشغالك بخدمة بيتك أن ترددي خلف المؤذن، فعن مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: (مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَقَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِه)".

ويشير إلى فضل صلاة ركعتي الضحى كل يوم، فهي لا تحتاج إلى أكثر من دقائق، وفيها أجر عظيم، فعن أبي ذرٍّ الغفاري (رضي الله عنه) أنَّ النَّبيّ (عليه الصَّلاة والسَّلام) قال: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى".

ويقول زمارة: "الأعمال الصالحة في رمضان لا تقتصر على الذِكر والتلاوة والصلاة، بل هي أعم من ذلك، فالصدقة، وصلة الرحم، وزيارة المرضى، وخدمة الناس احتسابًا للأجر، وإعداد المسابقات النافعة التي تدخل البهجة وتحفظ الوقت وتزيد العلم والإيمان؛ كل ذلك من الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله".


١١:٢٧ ص
٤‏/٦‏/٢٠١٧

فتاوى رمضانية (3)

فتاوى رمضانية (3)

يجيب عنها الدكتور بسام العف أستاذ الفقه وأصوله المساعد في جامعة الأقصى

حكم السباحة للصائم في نهار رمضان

السباحة للصائم في نهار رمضان جائزة؛ لأنها في معنى الاغتسال، والغسل جائز للصائم، سواء أكان غسلًا مسنونًا أم واجبًا أم مباحًا، ولكن الحكم في مسألة السباحة خاصة فيه تفصيل على النحو التالي:

1- إذا كان يغلب على ظن السابح عدم دخول الماء إلى معدته من الفم أو الأنف، وكان يحسن السباحة بحيث يضمن الحفاظ على صيامه، فلا بأس عليه حينئذٍ في السباحة، ويكون حكمها حكم الاغتسال للصائم.

وثمة تساؤل في هذه الحالة، وهو لو علم السابح أو غلب على ظنه عدم دخول الماء، فدخل إلى جوفه عن غير قصد منه، فهل يحكم بإفطاره؟، الجواب: إنه يفطر في قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية، فعليه القضاء مع إمساك بقية اليوم، تمسكًا بالأصل المقرر: "كُلُّ مَا وَصَلَ إِلَى الـجَوْفِ"، وهناك قول لبعض التابعين، ووجه عند الحنابلة، اختاره بعض العلماء المعاصرين، وهو عدم الإفطار، وهذا القول يتماشى ومبدأ التيسير الوارد في معرض آيات الصوم في قوله (تعالى): 'يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ'، ويتماشى أيضًا مع ما هو مقرر لدى الفقهاء: ما لا يستطاع التحرز منه أو ما لا يمكن الاحتراز عنه لا يفسد الصوم أو لا يفطر؛ لأنها لو جعلت مفسدًا لصومه لوقع المكلف في حرج شديد, والحرج الشديد مدفوع شرعًا.

2- إن علم أو غلب على ظنه أنه لا يمكنه التحرز من ذلك فليس له أن يسبح، لأنه يعرض صومه بذلك للفساد.

3- على من أراد السباحة وهو صائم أن يجتهد في التحرز من وصول شيء من الماء إلى جوفه، فإذا كانت أذنه مثقوبة فيجعل فيها ما يمنع وصول الماء إلى الجوف؛ لأن مبنى الصوم على الاحتياط، والله (تعالى) أعلم.

*********************

(2): هناك أمور عارضة لا يتمكن الصائم من أن يتجنبها في نفس الوقت لا يتعمد فعلها كبلع الريق والنظرة التي يترتب عليها إنزال المذي ونحوها، فهل يفطر الصائم بها؟ وما هو الحد الفاصل في المنافي للصوم بين ما يعد مفسدا أو غير مفسد (معفو عنه)؟

الجواب على التفصيل الآتي:

1- أن الضابط الذي يحدد بين الذي يفطر وبين ما لا يفطر مما هو منافٍ للصوم: "ما لا يمكن الاحتراز عنه لا يفسد الصوم" بمعنى أن ما يتعذر أو يتعسر على الصائم توقيه عادة من الأمور الممتنعة عليه بسبب الصوم, إن وقعت لا تفسد صومه؛ لأن ما لا يمكن التحرز منه هو الذي تتعلق به عموم البلوى, فلا تُوجَب عليه تبع؛ لأنها لو جعلت مفسدًا لصومه لوقع المكلف في حرج شديد, والحرج الشديد مدفوع شرعًا بقول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [سورة البقرة: 286] , لأن إلزام إفساد صوم المكلف بما لا يمكن التحرز عنه عادة, تكليف بما لا يطاق, وتكليف ما لا يطاق غاية التثقيل والحرج.

2- بناء على الضابط السابق فالذي لا يفطر الصائم مشروط بشرطين اثنين:

الأول: أن يكون الأمر الذي تعرض له الصائم مما لا يمكن التحرز منه عادة؛ لأن ما لا يمكن التحرز منه هو الذي تتعلق به عموم البلوى, فالحد الفاصل بين ما لا يمكن التحرز منه وما لا يمكن هو العادة.

الثاني: ويشترط في المعفي عنه الذي لا يمكن التحرز منه عادة, أن يعرض للصائم دون أن يتعمد الصائم ملابسته.

وبناء عليه فإن ابتلاع الصائم ريقه ومثله أثر المضمضة والاستنشاق والسواك, وهو ما يسمى بلل الفم، وما يتعلق بين أسنان الصائم عادة من الطعام إذا جرى إلى جوفه (المعدة على الأرجح), وكذلك إذا طار بخار القِدْرِ أو دخان البخور أو غبار الطريق وغربلة المطاحن والمحاجر, والذباب والبعوض ونحوه من الحشرات الطائرة، ومَنْ بفيه أو أنفه أو أذنه جرح لم يقدر على حبس الدم عن جوفه؛ فإذا دخل هذا أو ذاك مما يشق الاحتراز عنه إلى فم الصائم حتى وصل إلى حلقه, دون أن يتعمد استنشاقه, لا ينهدم بذلك صومه؛ لأن هذا مما لا يمكن التحرز عنه عادة, ولم يتعمده فيكون معفيا عنه.

ومما هو جار على معنى الضابط سالف الذكر ما إذا أمذى الصائم أو أمنى بتفكير, أو نظر لا تكرار فيه, لا يفطر؛ لأن هذا مما يعسر التحرز منه إذا انعقد سببه, وما لا يمكن التحرز منه لا يفطر الصائم.

ولكن ما يمكن التحرز منه يبقى على الأصل, وهو حصول الفطر بكل ما يصل إلى جوف الصائم, فالطعام الذي يدخل جوف الصائم وتحقق وثبت وتأكد وصوله إلى المعدة من خارج الفم, ولو كان بقدر ما يتعلق بين الأسنان عادة, وذوق الطعام, وما في معناه مما يمكن التحرز منه عادة يفطر الصائم وخارج عن محل العفو.

وكذلك إذا أجمع الصائم ريقه, أو اقتلع ما بين أسنانه فابتلعه, أو كرر النظر إلى أجنبية بشهوة حتى أنزل, فسد صومه؛ لأن الصائم تعمد ملابسته, فهو خارج عن محل العفو، والله تعالى أعلم.


​هل تقبل توبة العميل قبل الإعدام؟

قد تبدو ملامح الندم على العميل الذي أصبح في قبضة رجال الأمن واضحة، ولكن بعد صدور الحكم القضائي عليه بالإعدام قد يصبح الندم والحسرة مصيره الوحيد الذي يقوده إلى باب التوبة قبل تنفيذ الحكم عليه، ولكن ما رأي الشرع في توبته؟، هل تقبل منه قبل الإعدام؟، هذا ما نتحدث عنه في السياق التالي:

قال د. زياد مقداد الأستاذ المشارك في الفقه وأصوله بالجامعة الإسلامية: "لو عرضنا الآيات القرآنية نجد أن الله فتح أبواب التوبة على مصراعيها للناس جميعًا، ولكل العصاة والمذنبين، مهما بلغ خطؤهم وجريمتهم، وتوبة المسلم بإقلاعه عن المعصية، لقوله (تعالى): {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وقوله أيضًا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}".

وبين أن هناك آيات كثيرة تؤكد استحباب التوبة وأن بابها مفتوح، ولكن ليس ثمة موانع لقبولها إلا في حالتين: الأولى إذا طلعت الشمس من مغربها، لقوله (صلى الله عليه وسلم): "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه"، والحالة الثانية عند الغرغرة، لقوله أيضًا: "إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، أي عند خروج الروح.

وذكر د. مقداد أن ذلك يسوق إلى توبة العميل وعموم المجرمين الذين يحكم عليهم بالإعدام، وقبض عليهم، مضيفًا: "فلو نظرنا إلى طبيعة التوبة فإنها جاءت في وقت حرج، ووقت يشبه إلى حد كبير وقت الغرغرة الذي ذكر النبي أن التوبة فيه غير مقبولة".

وتابع: "ولكن من وجه آخر _وهو الأولى وإن حكم عليه بالإعدام_ ينظر إليه دون القياس بحالة الغرغرة على أنه موت مؤكد، فاحتمال عدم تنفيذ الحكم قائم بعفو عام، أو تغير الأوضاع، أو هروبه، ما يجعل القول بعدم قبول التوبة قولًا ضعيفًا".

ولفت د. مقداد إلى أنه الأرجح بعد حكم الإعدام إن استوفت التوبة شروطها بتوبة صادقة، والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم الرجوع إليه والندم؛ فقبول التوبة مرجو عند الله، وهو أرحم الراحمين، ولكن إذا كانت صورية ومؤقتة بسبب الظرف وحكم الإعدام، وكان في قرارة نفس العميل أنه إن أصبح حرًّا سيعود إلى ما كان عليه؛ فلن تقبل توبته.

وتابع حديثه: "وفي تطبيق العقوبة قصاص من هذا المجرم أو العميل، وفيه قبول للتوبة، وقد لا يعاقب في الآخرة على جريمته، خاصة أن الحقوق منها ما يتعلق بحقوق العباد، وأخرى بحقوق الله، وهي المبنية على المسامحة".

وختم: "ولابد من تأكيد شناعة وفظاعة جريمة العمالة، وهي من أخطر الجرائم التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، فلابد من الحذر من كل المداخل والمواطن التي تؤدي إلى الوقوع في العمالة".


​الفتى الحسني حفظ القرآن في (26) يومًا

حِفظ القرآن الكريم في ستة وعشرين يومًا قد يبدو أمرًا غير منطقي، لكنه لدى الطفل مهند الحسني (15 عامًا) كان في غاية السهولة والمتعة؛ فقد أتم حفظه قبل عامين، خاصة أنه طالما اعتاد أن يكون واحدًا من رواد حلقات حفظ القرآن، خاصة في العطلة الصيفية، وسيلة لاستثمارها الاستثمار الأمثل.

كان يتوسط حَلقةً في مسجد "العودة إلى الله" الواقع وسط معسكر جباليا شمال قطاع غزة، فكانت ملامحه الطفولية تنم عن نباغته في الحفظ، فوقع عليه الاختيار أن ينضمَّ إلى مخيمٍ مُكثَف لحفظ القرآن، وكان من شروطه أن يكون الطالب متميزًا، ولديه مقدرة على حفظ ما لا يقل عن عشر صفحات في اليوم.

وقال الفتى الحسني: "لم أجد أي صعوبة في حفظِ القرآن، كان نظام التحفيظ مُكثفًا، ومع ذلك لم يكن متعبًا أو مملًا، كنتُ أذهب إلى المخيم في المسجد من بعد صلاة الفجر حتى صلاة العصر يوميًّا".

وعند عودته إلى البيت كان يكمل الحفظ والتحضير لليوم التالي، ففي بعض الأيام وصل حفظه إلى 40 صفحة في اليوم بسبب روح المنافسة القائمة مع زملائه في المخيم، فكان تقريبًا طيلة ساعات النهار لا يترك المصحف من بين يديه.

وأشار الحسني إلى أنه بمجرد أن وقع عليه الاختيار أن يكون ضمن المشاركين في المخيم غمرته السعادة لسببين: الأول أن التحاقه به سيتكلل بحفظ القرآن كاملًا (وهي أمنية يتمناها أي إنسان مسلم)، والسبب الثاني أنه من ضمن المتميزين.

وقد لامس الفتى تغير شخصيته، وتوسع مداركه، وأن قدرة عقله على الحفظ والتفكير والفهم أصبحت أكبر، قال: "يفتح الله على حافظ كتابه، والرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "من أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومن أرادهما معًا فعليه بالقرآن"، فيصبح مجال حياة لا نضل به أبدًا، وننال احترام الجميع".

بصوته الندي الطفولي يرتل آيات من القرآن، وفجأة ينقطع صوته، وعندما يدخل عليه والده يجده قد سرقه النوم والمصحف بين يديه من شدة الإرهاق، قال والده: "كنتُ حريصًا وهو في المرحلة الابتدائية أن ألحقه بمراكز حفظ القرآن في الإجازة الصيفية بدلًا أن يقضي وقته فقط في اللعب والشارع، خاصة أن أهل القطاع يفتقدون الأماكن الترفيهية والرياضية للأطفال".

وبين أنه كان يهيئ له الظروف والأجواء في البيت، وأن المخيم بالمسجد كان متكامل الفقرات من طعامٍ ونومٍ وراحة وقراءة للقرآن وتسميع، مشيرًا إلى أن ابنه الوسيم ذا الطبع الهادئ من المتفوقين في المدرسة.