أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٦‏/٩‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


"القواسمي" ينقل الصورة الميدانية كـ"رواية"

طريقته في سرد الأحداث تأخذك إلى هناك حيث يرابط المعتصمون على أبواب المسجد الأقصى، تشعر بأنك تجلس بينهم، ينقل لك "الصورة" بأسلوب محكي شيق، اتخذ من اللهجة العامية مؤخرا سبيلا لنقل مشاهداته والتي تجذب جمهور الشباب الشغوف بمعرفة قدسه وحياة أهلها.

عيسى القواسمي روائي مقدسي طبعت له خمس روايات، ويعمل خياطا "ستاتيا" كما يحب أن يعرف عن نفسه، هو من مواليد البلدة القديمة، انتقل للسكن في وادي الجوز بعد أن هدم الاحتلال الإسرائيلي بيت أبيه.

الصورة المحكية

تحدثت "فلسطين" عبر الهاتف مع القواسمي الذي بين أثر توثيق المشاهدات، في نفوس الناس للتعرف عن قرب عن يوميات المرابطين والحديث عن صمودهم وهممهم العالية.

قال : "ما أنقله من صورة في الميدان هو تكملة لمشروع روايتي التي تحمل اسم عازفة الناي، والتي صدرت عن دار الشروق في عمان، وأتّبع فيها أسلوب الصورة "المحكية"، حيث أقوم بنشرها على صفحتي على "فيس بوك، حيث أحدثت صدى كبيرا، لأن كثيرا من الناس يجهلون الكثير عن معالم القدس وتفاصيلها، حيث أنقل ذلك بغض النظر عن الاتجاه الديني".

وأضاف القواسمي: "ما أرغب في قوله هنا أنني وكإنسان مقدسي ملتزم بقضيته أحاول نقل الصورة في الميدان كما أراها وأوثقها من زاويتي أنا ككاتب وروائي بعيدا عن الأسلوب الصحفي المباشر".

وتابع : "ولأني بالأصل كنت أمارس هذا الشيء قبل بداية الأحداث وجدت نفسي أشرح بالصورة والخبر عن طبيعة القدس القديمة الجغرافية بما فيها نقل القصص التي تجري في الميدان دون تكلف أو مزايدة وذلك ببساطة لأنني متواجد هنا.

اللهجة العامية

وبين القواسمي أن روايته لمشاهداته في الميدان استطاعت جذب رواد فيس بوك سيما من الشباب الذين طلبوا منه أن يكتب باللهجة العامية.

وعزا سبب نجاحه إلى استقطاب المتابعين وتناقل وسائل الإعلام ومواقع التواصل قصصه، لأنه مقدسي المولد وهذا الشيء يعطيه مصداقية لدى المتابع والناقل.

وذكر القواسمي أن أول مشاهد نواة الاعتصام كان على مقربة منها، وما حدث هو طلب الاحتلال من مدير المسجد الأقصى الشيخ عمر الكسواني -يوم السبت الذي أعقب العملية الاستشهادية- وموظفي وزارة الأوقاف دخول المسجد بعد تركيب البوابات الإلكترونية، ولكنه تقدم ومن ثم وقف للحظات ورجع ونظر إلى الشباب المقدسي الذي رفض الدخول عبر البوابات وانضم إليهم، ومن هنا بدأت شرارة الاعتصام وأصبح الكسواني هو رمز الاعتصام.

وأشار القواسمي إلى أنه من خلال المعايشة اليومية للمرابطين، ينقل الوقائع على الأرض عن طريق الصور والتعليق عليها، أين يقام الرباط وأين تؤدى الصلوات وكم مرة تقام حينما يجتمع المتأخرون، وأين يكون الالتحام مع جنود الاحتلال خارج أبواب المدينة.

ولفت إلى أنه يرصد بعين الشاهد، التكافل الاجتماعي الذي يظهره المقدسيون مع المرابطين، من إعداد الطعام وتقديم البوظة والفواكه، وتوزيع زجاجات المياه.

قصة الهولندي

وأكثر ما أحدث صدى لدى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الفلسطينية حتى العبرية، قصة المتضامن الهولندي الذي التقاه القواسمي وتحدث معه عن سبب تواجده مع المرابطين.

تحدث القواسمي عن ميخائيل الهولندي : " كان دارساً لتاريخ الديانات بالشرق الأوسط ، وخلال نقاشنا لاحظت أنه اتبع مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من زمن سيدنا إبراهيم ، وكان على اطلاع واسع وعميق، وتعلمت منه عبرة مهمة جدا حينما ركز على أن الحق الفلسطيني يجب أن نعيده إلى زمن يبوس النواة الأولى لمدينة القدس والتي أوجدها ملكي صادق قبل سيدنا إبراهيم".

ولفت إلى أنه التقى العديد من الأجانب المتضامنين الذين يحرصون يوما على التواجد مع المرابطين، من كولومبيا، واليابان، والهند.

وأجمل ما شاهده القواسمي، التكاتف بين المسلمين والمسيحيين المقدسيين، وقال عن ذلك: "من العيب أن نقول هذا مسيحي وهذا مسلم، بل كلهم مقدسيون، وواجبهم الرباط والدفاع عن مدينتهم".

التسميات الدقيقة

وفي خضم نقله للأحداث، يحرص القواسمي على نقل التسميات الدقيقة لكل معلم لمدينة القدس، ويحرص على تعريف الناس وتذكيرهم بأبواب المسجد الأقصى التي يجري عندها الاعتصام، والأبواب الأخرى المغلقة تماما كباب الغوانمة وباب الملك فيصل وباب حطة.

ويذكر في هذا المقام، مشهد ربة بيت تقيم في باب حطة حينما أرادت أن تخرج من بيتها لتضع كيس القمامة في الحاوية، اضطرت أن تتعرض للتفتيش ثلاث مرات بعد مرورها على ثلاثة حواجز، وهذا المشهد يخلص حياة المقدسي المنتهكة كليا من قبل احتلال لا يرحم.

وأوضح القواسمي أن ما يميز هذا الاعتصام هذه المرة أن لا مرجعية له بل مرجعيته هي الشارع، حيث لا مكان لتواجد التنظيمات في الميدان، وهذا ما بينه موقف الشباب المرابطين حينما جاء بعض الشباب يوزعون الأكل عند باب المجلس من حركة فتح، فقام بعض المعتصمين بإرجاع الأكل وأبلغوهم بعدم رغبتهم بأن يكون للحراك مرجعيات تنظيمية.

ويروي موقف "الختيار" الذي حركه ضميره، حينما مر من ساحة الغزالي عند باب الأسباط، وشاهد منظر البلاط والشجر اقتلع من الأرض، ووضعت بدلا منه ممرات حديدة وكاميرات مراقبة، قال بعفوية: "بطلت أصلي، بديش أصلي وعلي الطلاق ما بدخل من البوابات حتى لو بطلت الصلاة بالمرة".

وحرموا المقدسيين من إقامة حفلات لأبنائهم من طلبة الثانوية العامة، وكانوا يطلبون من يريد أن يبارك للناجحين الإتيان إليهم في ساحة الاعتصام، وهذا مشهد رصده القواسمي لإحدى المرابطات وهي تتحدث عبر الهاتف وتخبرها ألا تأتي إلى بيتها للمباركة بنجاح ابنها، لان ابنها مرابط معها، وتطلب منها ألا تأتي بعلب "الشكولاتة" إنما بصندوق ماء.


​في "الأقصى" .. صحفيّة تعلن إسلامَها وسط قنابل المحتلّ

على وقع أصوات قنابل الصوت والغاز، والرصاص المطاطي الخارج من فوهة البندقية الإسرائيلية صوب المعتصمين المرابطين على بوابات المسجد الأقصى للمطالبة بحقهم اتجاه مقدساتهم، وفي ظل هذه الأجواء الصعبة والمشحونة بألم وقهر على ما أصابهم تولد من بين المحن منح، وكرامات ربانية تسري في شرايين المقدسيين وقلوبهم المكلومة فتثلج صدورهم وتزهر أملًا بنصر قادم..

المرابطة المقدسية هنادي الحلواني تسرد ما حدث معها، ففي ليلة من ليالي الاعتصام، وأثناء اعتصامهم عند بوابات الأقصى، كانت ألسنتهم تلهج بالدعاء أن يحفظ الأقصى وأهله العظماء، وأن يرفع عنهم البلاء، وآخرون يتلون القرآن بصوت خاشع، وفي ذات الوقت بدأت تحركات جنود الاحتلال للدفع بهم إلى الخارج لمنعهم من الصلاة على بوابات الأقصى، فأقل ما يمكن وصفه لذلك اليوم بأنه "عصيب" على الأقصى ومرابطيه.

كانت تقف بصحبة مجموعة نساء وشرع جنود الاحتلال الإسرائيلي بمطاردتهم بقنابل الصوت والغاز، والرصاص المطاطي، وملاحقة الرجال لتفريق اعتصامهم وقطع حبل تماسكهم وجمعهم، وبالطبع كان المكان لا يخلو من الوسائل الإعلامية المختلفة المحلية والعربية والأجنبية لتغطية الأحداث التي تدور على أعتاب المسجد الأقصى.

وبفعل الرصاص والقنابل بدأت الجموع الهروب، فقد كان الرجال أسرع خطى، والنساء خلفهم يحاولون الهرولة بخطى واثقة، خاصة أن من المعتصمات كبيرات السن، وأخريات يعانين من آلام وأوجاع في أقدامهن، وأثناء ذلك لم تصمت ألسنتهم عن الدعاء وقراءة القرآن، وبكل هدوء وحكمة يتحركن وكأن هالة من السكينة والطمأنينة أحاطت قلوبهم.

وكان يتقاطع مع أصوات الدعاء، وتمتمات القرآن صوت صراخ صحفية أجنبية بدت وكأنها روسية تنقل الأحداث عن طريق خدمة البث المباشر، مع مجموعة أخرى من الصحفيين المتواجدين في منطقة باب الأسباط، وعندما اشتد رمي الاحتلال لوابل من قنابل الصوت، تفرّقت الجماعات، واختلط الحابل بالنابل، والكلّ يركض باحثًا عن مأمنه.

وكلما يعلو صوت صراخها يزيد الجنود الإسرائيليون من ضربهم للقنابل اتجاههم، وأثناء ركوض الحلواني مع الراكضين سمعت صراخًا مرعبًا، زلزل أركانها لتلتفت حولها لتجد تلك الصحفية الأجنبية وكأنه لأول مرة تنقل أحداثا بهذه الصورة، فاقتربت منها لتطمئنها وتهدّئ من روعها فأمسكت يدها وإذ بها ترجف وباردة.

فنظرَتْ إلى الجموع الراكضة بنظرة رعب ولعلها كانت تتساءل "ما الذي يحدث؟"، وقد سمعتْ حناجرهم تتعالى بين قارئ للقرآن وداعٍ لله، أمسكت يديها مرة ثانية لتضغط الأخرى بقوّةٍ وكأنها تطلب الأمان، وكأن قلبها بفطرته عرف أين الأمان بعدما رأت بأم عينيها هدوء وسكينة المعتصمين والمرابطين، فهتفت أمام كاميرات البث المباشر "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله".

سمعتها الحلواني فتوقف الزمن للحظة وسرت قشعريرة وصلت لأطراف جسدها، فشدّت على يدها مطمئنة لها، وكل خلية من خلاياها تهتف: الله أكبر!، فهدأت وكأن السكينة غشت قلبها لتكمل عملها بهدوء لم تسبقه.

وتعتبر بوابات الأقصى ساحة للجهاد، فالأمر لا يخلو من كرامات، فلا تندهش في أرجاء بيت المقدس عندما ترى من يتعاطى مخدرات يأتي للصلاة كل الصلوات على البوابات، إلى جانب توحد الآلاف من مختلف الطوائف السياسية والدينية.


​زينة عمرو.. مُصابة زرعت نفسها في الأقصى

رغم تعرضها للاعتداء من قوات الاحتلال الإسرائيلي وإصابتها بجروح متوسطة في رأسها إلا أن حبّها للمسجد الأقصى لم يمنعها من المشاركة مع المحتشدين للدفاع عن المسجد الأقصى، وفي كل مرة تُبعد فيها عن الأقصى تعود أقوى من السابق وتبدأ من جديد، فعشقها لمدينة القدس جعلها تهب حياتها له كأنه أحد أبنائها.

بداية الرباط


ارتبطت المرابطة زينة عمرو (53 عامًا) بالأقصى منذ طفولتها، لكنها انضمت كمعلمة في حلقات العلم بالمسجد الأقصى في يونيو/حزيران 2011، وكانت من أوائل المعلمات اللواتي بدأن بتشكيل مصاطب العلم في المسجد.

أبعدت زينة عن الأقصى عشرات المرات وكان آخرها قبل عامين عندما استلمت قرارًا يفيد بمنعها من دخول المسجد الأقصى بحجة التحريض، ولكن الأحداث الأخيرة جعلتها تعود وبقوة للميدان.

تقول زينة عن الأحداث الأخيرة في المسجد الأقصى: "كي يكمل الاحتلال مخططاته التهويدية ويفرض حصارًا على المصلين منع الأذان ومنع دخول المصلين وذلك من الخلال البوابات الإلكترونية التي قام بتركيبها".

وأضافت: "كان خبر تركيب البوابات كالصاعقة علينا فقررنا جميعاً أن نعتصم أمام المسجد ونرفض دخوله عبر هذه البوابات، ومن يومها ونحن نقيم الصلوات الخمس أمام المسجد الأقصى، لم نكن نتوقع أن تأتي كل هذه الحشود للمسجد الأقصى كي تصلي فيه".

قرار الإبعاد

وتابعت قولها: "يصل عدد المصلين في صلاتي المغرب والعشاء إلى ما يزيد على 8 آلاف مصلٍ، هذه الأعداد جعلت الاحتلال يخاف ويتردد في مواجهة المقدسيين، فكانت تسعى دوماً إلى قمع المسيرات والحشود وتفكيك الجماعات التي ترفض هذه السياسة إلى أنا جاءت جمعة الغضب".

كان الاستهداف الأول للمرابطة زينة عمرو يوم 16 أبريل/نيسان 2012 باعتقالها من عند أبواب الأقصى، والتهمة الجاهزة عرقلة سير زيارات غير المسلمين للمسجد، والتحريض، وتعريض حياة المقتحمين للخطر، إلا أنها ترفض التهم الموجهة لها كما ترفض التوقيع على قرار الإبعاد.

لم تتنحَّ المرابطة جانبًا، بل واصلت طريقها في الرباط على الأبواب ما جعلها عرضة لاعتداء وحشي في نفس التاريخ بعد عامين، أدى إلى كسور في الفك والأسنان ورضوض بكل أنحاء الجسم.

في الجمعة الأخيرة وصل للمسجد الأقصى مئات الآلاف من المرابطين لم تكن زينة تتوقع وجود كل هذا العدد، لتقول: "توجهت للمسجد الأقصى حشود من الداخل الفلسطيني ومن جميع الأماكن للصلاة فيه، وهذا ما جعل الاحتلال يحاصر المدينة حصارًا شديدًا ونشر أكثر من 5 آلاف جندي لمنع وصول الوافدين للمدينة أو الاقتراب من المسجد الأقصى، فأقيمت الصلوات في أقرب منطقة استطاع المصلون الوصول إليها".

إذلال المقدسيين

في يوم الجمعة وقفت زينة ومعها العشرات من النساء في تظاهرة سلمية لم يكن الهدف منها إشعال الوضع، ولكن تعنت قوات الاحتلال وإطلاق الرصاص والقنابل الغازية على المصلين، أدى إلى إصابة زينة في رأسها ونقلها للمستشفى.

وتابعت قولها: "بعد عامين من الإبعاد كنت أتمنى الدخول للمسجد الأقصى ولو للحظة، اليوم عدت مع هذه الحشود أدافع عنه وبقوة، ما حدث أحيا قضية القدس في قلوبنا".

وعن دورها في خدمة المصليين والمحتشدين في المسجد الأقصى قالت: "أقل شيء ممكن أن نقوم به هو تواجدنا مع أبنائنا نحرص على أن نقدم في الميدان دفعة معنوية للشباب، نوزع الكلمات التي تشحن الهمم من أجل التواصل والاستمرار".

كثير من هؤلاء المرابطات ينقلن الحدث أولًا بأول على مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال وسائل الإعلام كي تصل رسالة المسجد الأقصى للعالم أجمع.

وأكملت زينة قولها: "كثير من النساء يأتين إلى المسجد الأقصى الآن برفقة أبنائهن لتعلمهم حب الرباط والتمسك بالمسجد الأقصى ليبقى صوته عالياً بعيداً عن منع الأذان وإخافة المصلين".

زينة ترى بأن هذه السياسة التي تم فرضها هدفها فقط إذلال المقدسيين سواء في المسجد الأقصى أو من خلال المؤسسات والمعاملات التي يحتاجها أهل القدس.

وأضافت: "ألا يكفي الذل الذي نراه بشكل يومي ونحن نمنع من زيارة القدس، نحن نتعرض للإذلال في كل الحواجز التي نمر منها عندما نُفتش، كل هذا من أجل تهجيرنا من أرضنا".

مأزق كبير

ومضت في القول: "الاحتلال الآن في مأزق كبير ويحاول البحث عن حلول مع السلطة والأردن والدول العربية، وهو يعتقد بأن بحثه عن مخرج آخر بوضع جسور على الأبواب عبارة عن مجسمات حرارية وكاميرات حساسة تعبر من فوق رؤوس المصلين سيبرر له فعلته".

وأشارت عمرو إلى أن هذه الجسور فيها خاصية تصوير الهيكل العظمي للمصلي كي يتأكد من عدم وجود معدن معه أو سلاح، يريدون فحص نتيجتها لإزالة البوابات الإلكترونية ولكن المقدسيون يرفضون أي نوع من التفتيش سواء بالكاميرات أو بالبوابات.


"أستاذ رسم" لا يقاوم طفلاً يناديه "عمو صورني"

قمحي اللون لا عجب أما العينان فزرقاوان صافيتان، كسماء فلسطين في هذا التموز الحارق، إنه طفل لم يتجاوز السابعة يعدو بحياء وأملٍ ثم يقولها بترددٍ: "عمو صورني"، يكون الفنان فادي حينها قد تجاوزه قليلًا بعد جولة تصوير في أحد ربوع غزة وما يفتأ يخترق الصوت حواسه قبل أن يرى جمال الطفل الذي لا يُقاوم حتى تتحرك أنامله بخفة لالتقاط صورة تبقى الأجمل.

مدرس الرسم فادي ثابت _38 عامًا_ يراه طلابه المُلهم الأول في الأفكار، وخط القلم خطوطه الأولى ليُكوّن لوحة بالغة الإبهار تضفى عليها اللمسات التلوينية الإبداعية جوًا فنيًا غير عادي بالمطلق، كيف لا وهي تخرج من أنامل معلم آمن منذ سنوات عمره الأولى أنه "شخص مختلف"، ولمّا انتقل من الرسم للتصوير جاء ذلك تلبيةً لصوت الإبداع الذي ناداه فاكتست أعماله كافه بثوب الإدهاش لاسيما أنها كان شرنقة فكرة مجنونة غالبًا.

على إيقاع الفن ابتدأ ثابت حديثه لـ "فلسطين" قائلًا: "جميع الخيوط التي تربط عناصر وأسس الفنون البصرية بشكلٍ عام هي عناصر واحدة، كالإيقاع الذي نجده في الحرف المكتوب ونجده في النحت والرسم كذلك"، وهو القائل إن التصوير جعل من عينيه "توأمي عدساتٍ" ينظر بهما للمختلف يتأمل، يبحث، ويراوغ بين دقائق الجزئيات.

يرشف قليلًا من فنجان قهوته ويعود بالذاكرة لفادي الفتى الصغير الذي عُرِف بلقب الفنان من سنواته الأولى: "الآن يوجد العديد من الفتيان في العائلة مغمورون وأكاد لا أعرف أسماءهم بينما عندما في عمرهم كان اسمي لامعًا في العائلة" ولطالما كان رجل المهمات الفنيّة الصعبة كالتخطيط والتلوين والرسم وغيرها.

لم يأتِ الاسم البراق بين لحظةٍ وضُحاها؛ بل كان لفادي ميول قوية تجاه الرسم وهو الذي بدأ يميز الألوان بتفوق عن أقرانه حتى نبغ في معرفة أسمائها تدرجاتها وتكويناتها وتمازجاتها فكانت بداية الرؤية البصرية لديه، حتى أنه لم يتجاوز الخمسة عشر عاما وكان قد رسم جميع الأهل والأصدقاء والجيران وهو الطفل دائم التجول بحيث لا تخلو جيبه من كومة أوراقٍ بيضاء وألوان.

ولم يبدُ الأمر غريبًا عندما توجه الرسام المبدع للتصوير؛ لقوله: "شغفي بالرسم هو ما دفعني للتصوير فالفنان عندما يرى صورة شخص ما مكونة من كتل ألوان وظل ونور وخطوط متداخلة فإن نفس العين التي رأت هذا المشهد للرسم هي التي سترى الكادر وزاوية التصوير فتصورها"، ومن هنا تجلى الارتباط الوثيق بين العناصر والخيوط التي تغزو الحكاية.

النجاح _والحديث لثابت_ يبزغ فجره عندما يُقيم كل منّا ثورة في عقله على الأفكار السلبية الاعتيادية، وهو يحتاج إلى الكثير من النزف وربما حروب طاحنة بينه وبين تلك الأفكار حتى يُقوّمها بأفكار إيجابية وينضم إلى ركب المُبدعين.

والمُلفت في بعض صوره الفنيّة هو التركيز على عُيون الأطفال المُلونة من الزرقاء إلى الخضراء فالعسلية، "ترى ما السبب؟"؛ يضحك من سؤالي ثم يجيب: "السرّ في التقاط الصورة هو كيفية تشكل الحالة الإبداعية فعندما يرى المصور حدثًا ما ويتأثر به بصريًا يحرك المحرض الإبداعي داخله بروحه وقلبه فيلهمه بأنامله لتشكل هذه اللوحة الصورية حتى تنتج عملًا صادقًا".

يردف وهو الذي يُقدس كل صورةٍ طاردها في الشتاء أو الحر أو الريح أو فوق برجٍ عالٍ التقطتها نبضات قلبه قبل أصابعه: "حالة الصدق في نقل المشاعر وتجسيدها عبر الكاميرا هي الحالة التي تسود وتنجح بخلاف حالات التقمص الكاذبة كسرقة الأعمال وغيرها التي تتبدد وتزول".

في لحظةٍ مجنونة بينما يحدق ثابت في فضاء غرفته اجتاحته فكرة غير عاديّة البتة، تمثلت في إنشاء معرض يضم ألف صورة من مدينة غزة، "الرقم هو الأمر الملفت في الفكرة والتساؤل عندما طرحتها كان يدور حول كيفية عرض ألف صورة مرة واحدة خلال معرض فالأمر مُكلف ماديًا ومعنويًا ويحتاج جهدا خلاقا وضخما".

لكن الفنان الذي لم يتخلَ عن أفكاره المُلهمة يومًا ما أصرّ بقوة على نجاح العمل الذي تبنته وزارة الثقافة في غزة بإشراف من وكيل الوزارة د. أنور البرعاوي وتم تنفيذها في منتصف الشهر الحالي في ميناء غزة البحري، يقول: "العمل يروي حكاية 10 سنوات من الحصار فالصور بدأت بالتسلسل ويوميًا من السنة الأولى حتى العاشرة".

وفي رسالة مُعلنة للعالم يُبدي ثابت بصوره خلال معرض "ألف صورة من المدينة المحاصرة" إظهار جمال غزة التواّقة للفرح بالشكل الذي يفهمه العالم ومن خلال عيون أطفالها الملونة، تلك العيون التي نراها تحيا بكل رفاهية في دول العالم أجمع بينما تقتلع زهرة حياتها في غزة، فكانت رسالته إنسانية تمامًا.