أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٧‏/٣‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​متابعة الشباب لأخبار المشاهير.. حسرةٌ و"آهاتُ" تمنٍّ

في هذا العالم الصغير الذي أصبح كتابًا مفتوحًا للجميع، لمتابعة ومشاهدة كل ما يحلو لهم، خاصة فئة الشباب الذين تأسرهم أخبار الفنانين والمشاهير؛ إذ يتابعون مستجداتهم بكل شغف وهوس، ليصبح حال الشباب وخاصة الفتيات يرثى له، فكلما رأوا صورةً أو سمعوا كلمة لأحد المشاهير أصبحت متداولة على ألسنتهم فتنقلب موازينهم، فأصبحوا مدعاةً للشفقة عليهم وهم يتابعون سفر فلان وملابس علان، وإنجازًا لهذا وذاك، وهم لا يملكون سوى آهات التمني، فيحترقون بداخلهم ويشعرون بحسرة، فما الدافع من متابعة أخبار المشاهير رغم خلوها من الفائدة؟ وما تبعات ذلك؟ هذا ما نتحدث عنه في السياق التالي:

مقارنة تعيسة

تقول كفاح رامي: "إن سبب انتشار هذه الظاهرة هو الحالة المأساوية في قطاع غزة التي أوقفت حال الكثير من الشباب والفتيات، ومنعتهم من الوصول إلى تحقيق أحلامهم، إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي التي يسرت الحصول على كل ما يريده الناس".

وأضافت: "نرى صور المشاهير في الهواتف الذكية لبعض الشباب؛ فيتابعون آخر مستجداتهم أولًا بأول، والذي يزيد الطين بلة أننا نجد فتيات تعقد مقارنة بين حياتهنّ وحياة المشاهير، ليعشن في كآبةٍ وحزن، وحسرة على الحال".

وأشارت رامي إلى أن الكثير منهم يلغي شخصيته الحقيقية ليتطَّبع بقالب الفنان أو المشهور الذي يتابعه، بصرف النظر إذا كان يناسب الواقع الذي يعيشه، والعادات والتقاليد، فأصبح الوصول إلى عالمهم ومعرفة أخبارهم سهلًا وميسرًا.

في عالم يغري الفتيات أكثر من الشباب، بينت خلود عبد الرحمن أن سبب متابعتها لأخبار المشاهير والفنانين؛ هي العناوين المغرية التي يضعونها على صفحاتها، وتروج لها المواقع الإخبارية التابعة لهم.

وأشارت إلى أن نظام الدعاية التجارية والترويجية للمشاهير وصفتها بـ"الفظيعة" من خلال جلسات التصوير، والملبس وطريقة العرض كل ذلك من شأنه أن يجذب فئة الشباب، وبالأخص عندما يكون ذلك المشهور شابًا ووصل إلى تحقيق أحلامه في عمر صغير.

وإلى جانب ذلك هناك تأثر كبير لما ينشر من مقولات لشعراء أو مشاهير وكأنه "بيع كلام" يرفع من معنويات البعض، ويحبط آخرين.

حب الظهور

ومن جهته، يقول الأخصائي النفسي والتربوي إسماعيل أبو ركاب: إن حب الظهور وسيطرة الأنا هي من الدوافع المركزية في شخصية أي إنسان، فالميل إلى الانتماء الفكري والسلوكي مع الآخرين هو ميل طبيعي، ولكن جاء الإسلام لينظم ذلك الميل فيما يخدم الفرد والآخرين, فقد وضع ميزانا دقيقا لذلك التصرف، وهو النية والمقصد لأي عمل.

وأشار إلى أن أبرز ما يميز فترة الشباب حبهم للكمال العاطفي أو السلوكي، موضحًا: "للأسف الشديد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي جعلت من بعض الميول الشخصية للشباب ميولا جماعية منحرفة وغير سوية، ولا نريد أن نجعل من نظرية المؤامرة السبب الرئيس لتلك السلوكيات رغم إيماننا العميق بذلك".

وقال أبو ركاب: "ولكن فيما يتعلق بالخلل الحاصل في بعض جوانب الشخصية للشباب مثل الجانب الفكري والذي ينبع منه الميل لمتابعة المشاهير، نابع من التقليد الأعمى في الشكل والسلوك والأفعال، وقد يكاد لا يختلف اثنان أن هذا الميل أصله وجذوره فطرية.

وقال: "إذا سألنا أنفسنا لماذا الفتيات بشكلٍ أخص لوجدنا أن الفتيات في سن الشباب يمِلن إلى حب الظهور الاجتماعي والتباهي ومتابعة كل شيء من شأنه أن يميزها عن غيرها في المظهر أو الفكر".

وأضاف: "إذا ركزنا النظر أكثر نجد أن الواقع المعقد في مجتمعنا العربي لا يلبي احتياجات هذه الفئة، وخصوصًا مع ظهور طرف آخر ينادي بالتحرر والخروج إلى بيئة العمل، والعدل والمساواة بالرجل؛ فتجد هذه الأفكار صداها في عقول الفتيات، والدليل الواضح لذلك الميل إلى كل ما يمثل قالب التحرر والرقي والشهرة".

وأوضح أبو ركاب أن تأثيره يمتد إلى خلق حالة الانفصام الاجتماعي في الشخصية، والاستغراق لفترة طويلة في أحلام اليقظة، وفي التفكير في اللاواقع، والبعد عن إرضاء الذات من الأمور التي من الممكن أن تدمر مفهوم وفكرة الشخص عن ذاته، فحب الذات والاقتناع بها وبالواقع المحيط بها من علامات الصحة النفسية.

ولفت إلى أن البحث عن الشهرة وإتباع المشاهير والتشبه بهم علامةٌ تشير إلى النقص في الثقة بالذات، وقد يظهر هذا الأمر عند تعرض الشخص لضغوط الحياة حينها يشعر بحتمية البحث عن منفذ للنجاة، "وباعتقادي المنفذ الوحيد هو القلق والاكتئاب والتفكير في إنهاء الحياة لتنتهي بذلك فصول المعاناة".

وبين أبو ركاب أن الشباب المُلاحِق لأخبار المشاهير بشغف، يبدو منفصلًا عن عائلاته، فلا علاقات سوية تشعرهم بالاهتمام، وتملأ حياتهم بالإيجابية وتشعرهم بالتقبل والتوافق، محذرًا من أزمة القدوات والجفاء الواضح بين فئة الشباب وأصحاب القرار، أو الطبقة المثقفة ما يزيد من عبء الضغوطات على الشباب.

ولفت إلى أن المتابعة المستمرة للمشاهير تجعلهم في حسرة دائمة على واقعهم ومستقبلهم، كما تتملكهم لحظات التمني, ومع تكرار الإحباطات التي يتعرض لها الشخص تجعله يحقد على المجتمع والواقع وحتى على ذاته.

وختم أبو ركاب حديثه: "ومن التبعات الخطيرة الانحراف الفكري والسلوكي الذي يقود إلى بعثرة الطاقة الإيجابية للشباب، ويغير في النظام العام للبناء القيمي لأي مجتمع، وتلك الطاقة المهدورة تعد بمثابة القوة الكامنة للتغير, كما تشتت الفكر وتجعله لاهثًا خلف السراب الذي هو من أهم المسببات لتمزيق الصورة المشرقة للشباب، وخصوصًا أننا بحاجة لجميع الجهود لتحرير الأرض والمقدسات".


المناطق الحدودية.. "متنزهاتٌ" كانت "مُحرَّمة"

يواظب الشاب توفيق حميد (24 عاما)، برفقة مجموعة من أصدقائه، نهاية كل أسبوع على زيارة المنطقة الحدودية ببلدة بيت حانون الفاصلة بين المناطق الشمالية لقطاع غزة والأراضي المحتلة، وذلك بغية التمتع لبضع ساعات بأجواء الطبيعة النقية بعيدا عن التلوث والضوضاء المزعجة.

ورغم دراية حميد ورفاقه بمخاطر الجلوس في المنطقة القريبة من أبراج المراقبة التابعة للاحتلال، إلا أنه يصر على الخروج برحلته الأسبوعية مصطحبا معه بعض المشروبات الساخنة، أو بردة ومفرشا أرضيا ومستلزمات الرحلة.

ويتخذ الشبان المتنزهون من دراجاتهم الهوائية وسيلة أساسية تنقلهم إلى غايتهم، بينما يلجأ آخرون لاستخدام عربة الدفع الثلاثي "توك توك" للوصول إلى تلك المنطقة الخالية من البنية التحتية والطرق المعبدة.

وتشكل المنطقة العازلة التي تنتشر على طول الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة، قرابة 35% من الأراضي الزراعية في القطاع، وأخذت تتسع تدريجيا منذ عام 2005، إلى أن بلغت ما يزيد على 500 متر داخل الحدود، بعد عدوان 2008/2009، وبعد عدوان 2012 تقلصت هذه المساحة.

كسر حاجز الخوف

ولم يكُن حميد يتمكن من الوصول إلى الشريط الحدودي والجلوس هناك للتنزه قبل حرب 2012، وفرضت فصائل المقاومة شروطها على الاحتلال بعدم التعرض للمواطنين أو المزارعين العاملين داخل نطاق المنطقة العازلة التي تقلصت مساحتها تدريجيا في السنوات القليلة الماضية.

ويرى الشاب توفيق خلال حديثه لصحيفة "فلسطين" أن خروج الشبان والعائلات الغزية للتنزه في تلك المناطق بمثابة كسر لحاجز الخوف والرعب الذي حاول الاحتلال فرضه بتجريفه الواسع للحقول الزراعية مع اندلاع شرارة انتفاضة الأقصى وتحويل تلك المناطق لصحراء قاحلة محرم على المواطنين الوصول أو الاقتراب منها.

وكانت المناطق الزراعية الحدودية التي تتميز بخصوبة تربتها وتوفر مخزونًا كبيرًا من المياه الجوفية فيها رافدا أساسيا للاقتصاد الفلسطيني وركيزة لتصدير منتجات غزة إلى الخارج ومصدر دخل للمزارعين وعائلاتهم.

جنة الله في أرضه

ولعائلة "خليل طينة" قصة مشابهة وإن تباينت بعض التفاصيل، فالحاج الخمسيني اعتاد منذ سنوات على زيارة المنطقة الحدودية التي تزدهر بالعشب الأخضر وبعض أصناف الأزهار الملونة خلال فصلي الشتاء والربيع، قبل أن تتحول إلى أرض قاحلة مع دخول فصل الخريف.

ويصطحب الحاج طينة بين الحين والآخر بعض أبنائه وأحفاده إلى المنطقة القريبة من موقع أبو مطيبق العسكري شرق مخيم المغازي وسط القطاع لقضاء بضع ساعات من التنزه واللعب هناك في المساحات الخالية، طلبا للراحة والهواء النقي، رغم أنه يمتلك في فناء منزله حديقة صغيرة.

ويقول طينة لـ"فلسطين" إنه يتجنب الذهاب إلى المناطق الحدودية حال حدوث تصعيدات ميدانية من طرف الاحتلال، فالأخير لا يؤمن مكرُه، مضيفا أن "إحياء الشريط الحدودي سواء بالزراعة أو بالتنزه فيه جزء من مقاومة الشعب الفلسطيني وصموده على أرضه".

وأشار إلى أن فصائل المقاومة كافة لها الفضل في جعل المناطق المحرمة سابقا بمثابة متنزهات أو حدائق عامة يقضي فيها الغزّيون ساعات من التمتع بين الحقول الخضراء أو إتاحة الفرصة أمام أطفالهم للعب هناك.

ويتذكر أبو ضياء حال المنطقة الحدودية قبل أن تجرفها قوات الاحتلال مع اندلاع شرارة انتفاضة الأقصى عام 2000، إذ وصفها بـ"جنة الله في أرضه"، حيث كانت تزهر طوال أيام السنة بأشجار اللوز والخوخ والبرتقال، فضلا عن بساتين التين والزيتون التي كانت تتوزع على الشريط الفاصل.

ويتعمد الاحتلال بين الحين والآخر تجريف المحاصيل الزراعية على طول الحدود الشرقية للقطاع، أو إحراقها عبر إطلاق القذائف عليها، فضلًا عن قيام طائرات إسرائيلية صغيرة الحجم برش مبيدات كيميائية تُجفف الزرع ثم تحرقه، الأمر الذي يكبد المزارعين خسائر مالية كبيرة تفوق طاقاتهم.


٢:١٧ م
٢٣‏/١‏/٢٠١٧

​حناجر مجروحة

​حناجر مجروحة

يؤلمني أن الحياة في زاوية ما في هذا العالم تذبل، في حين تستمر في الجانب الآخر منه.

أن تستطيع أن تضع يدك على رأس طفلك وتحتضنه وتعيذه من كل شر، وهناك الكثير من الأمهات الثكالى في هذا العالم اللواتي يوارين التراب على أبنائهن، بسبب الحقد الذي اغتال هذا العالم المجنون.

كلنا نعلم حقيقة هذا الشعور الذي وضعه الله في طبيعة وقلب كل أنثى، فتجدها تستيقظ في كل ليلة فزعة خوفًا على صغيرها من أن يصيبه مكروهٌ ما، أو أن تغفل عنه.

إن كان هو بخير وأمام عينيها يظل قلبها قلقًا عليه؛ فماذا عن كل اللواتي فقدن أبناءهن أو لا يعرفن مصيرهم؟!، بودي أن أحتضن كل أمهات العالم وكل ذوات الفقد لأواسيهن، مع أن ذلك لا يعزي قلوبهن، فيلهث قلبي سائلًا: "اللهم بردًا وسلامًا على أفئدة الأمهات، اللهم لطفك بهن".

وماذا عن الدهشة في عيونهن، وشلالِ الأسئلة الذي ينهمر منها؟!، وماذا عن الصدمةِ الأولى، والفاجعة التي داهمتهن دونما استئذان؟!

ماذا عن الموت الذي أفلت يديهِ في اللحظة الأخيرة، وتركهن يرتجفن في غاباتِ حول العالم مثقلات بالانكسار والتعجب؟!

ماذا عن جمود الدمعِ في مقلهن؟!، ماذا عن صمتهن المُفجع، والعالم البائس؟!

أتساءل: كيف استطاعت الكاميرات وقلوب من يحملونها أن تلتقط صورًا كهذه دون أن تذوب؟!

كيف ينام كُل هؤلاء الذين اتفقوا أن يلعبوا لعبة الموتِ الخبيثة على حساب هذه الوجوه؟!، كيف يهنئون بشربةِ ماء؟!

في كُل يوم يُحاول عقلي المتواضع تحليل معادلة هذه الحياة من حوله، أنا منذ يومي سيئة بعض الشيء في مادة الرياضيات، وطالما حكمتُ عقلي قبلَ قلبي، ولكني أعجز في كل مرة أن أعقد اتفاقية إدراك واحدة معه كي يتصالح مع هذا الواقع، علّه يفهم، وإن قليلًا، وأفشل.

في كل يوم يشتهي قلبي أن يستيقظ مُحملًا بالأكاذيب، أنّ كُل شيء على ما يُرام، وأنّ المشاهد التي تملؤه ما هي إلا حلم مُزعج، عابر،وأنّ الحناجر المجروحة ما هي إلا نداءات من عالمٍ آخر، وأنّ وجوه الأطفال البائسة والمشوهة ما هي إلاا كوابيس مُرهقة، ولون الدم ما هو إلا زنابق تائهة ضلّت طريقها إلى مناماتي ذات سُبات.

يصفعني صوت المذياع في موجة صباحية تضامنية، وموسيقا حزينة تتخللُها بُكائيات تكاد تقلع قلب الواحد منّا عند سماعها، وقد لا ينتبه إليها بعضٌ حين يُمارسون يومهم بعاديّة مُفرطة، كأنّ شيئًا لم يحدث في هذا العالم من حولهم، الأمر الذي يُوجعني أكثر أنّهم يُلحقونَ كل ذلك بأغنيّة غرامية لا يكاد يستطيع الواحد فهمها، وإعلانات ربحية (...) وضجيج يعجز الواحد عن التعبير أمامه.

تنهيدة طويلة، ثُمّ ماذا ننتظر من هذا العالم الرديء جدًّا، في الوقت الذي تنشر فيه محطة محليّة أو إقليميّة خبرًا عاجلًا، وتعرض في الوقت نفسه عروضًا فارغة لا تملأ قلوب الناس إلا ضلالةً وفراغًا أكثر؟!


عائلات الصيادين: "نعيش ساعات الانتظار في رعب"

في الصباح الباكر يخرج الصياد محمود أبو حصيرة (38 عامًا) من داره الواقعة في مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، متوجهًا إلى البحر ليبدأ رحلة جديدة من صيد الأسماك داخل النطاق البحري المسموح به من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

ولا يعرف أبو حصيرة موعد عودته إلى عائلته، وإن حدد بنفسه ساعة الانطلاق، فذلك مرتبط بظروف العمل التي تكون خارج سيطرته غالبًا، كاحتمالية إطلاق الرصاص الحي عليه أو مصادرة قاربه أو تمزيق شباك الصيد، وكل تلك الاحتمالات تجعل القلق رفيق أبو حصيرة طوال رحلته.

حالة الخوف المقرونة بالقلق التي تصيب "أبا نبيل" تنتقل بدورها إلى أفراد عائلته الخمسة، الذين ينتظرون بترقب شديد لحظة عودته إلى المنزل سالمًا من بطش جنود البحرية الإسرائيلية، في ظل ارتفاع وتيرة اعتداءات الاحتلال على الصيادين الغزيين في الآونة الأخيرة.

وتهاجم قوات الاحتلال الصيادين بصورةٍ شبه يومية على طول ساحل قطاع غزة المحاصر إسرائيليًّا منذ قرابة العقد، بفتح نيران الرشاشات تجاه رواد البحر دون سابق إنذار، أو اعتقالهم واحتجاز مراكبهم، فضلًا عن تدمير معدات الصيد.

ويتحدث أبو حصيرة عن لحظات خروجه من المنزل ثم عودته إليه لاحقًا، قائلًا: "أشعر كأني ذاهب إلى عملية فدائية، فزوجتي توصيني بعدم الدخول كثيرًا في البحر، أما أصغر أولادي فيؤكد ضرورة هروبي وخروجي من الماء فور سماع صوت الرصاص، وإن لم أكن المقصود".

"أكثر ما يُفزع العائلة سماعها أصوات إطلاق النار في عرض البحر في أثناء خروجي إلى العمل، أو تداول وسائل الإعلام خبر اعتقال صيادين والتعرض لهم في ساعات الصباح الباكر" يضيف الصياد الثلاثيني الذي ورث أسرار التقاط أرزاق البحر عن والده قبل نحو عقدين من الآن.

أما الابن الأكبر للصياد الثلاثيني "نبيل" فيؤكد بدوره أن عائلته تعيش ساعاتٍ طويلة مليئة بالحذر والخوف خلال غياب والده عن المنزل ووجوده في البحر، قائلًا: "كنا نأمل أن تتحسن أوضاعنا المعيشية والنفسية بعد زيادة الاحتلال نطاق الصيد، لكن حجم الاعتداءات تضاعف دون رادع حقيقي".

وخلال المدة الماضية أعلن الاحتلال مرارًا سماحه للصيادين بالعمل حتى مسافة تسعة أميال بحرية قبل أن يتراجع عن ذلك ويحدد النطاق المسموح به بستة أميال فقط، مع أن اتفاق التهدئة الأخيرة، صيف عام 2014م أكد حرية عمل الصيادين.

صبيحة 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016م لم تكن تشبه باقي أيام عائلة صلاح، فقد حمل لها ذلك الصباح خبر إصابة رب الأسرة (أبي أحمد) برصاصة مباشرة في منطقة الكتف في أثناء ممارسته الصيد قبالة سواحل مدينة غزة.

ساعات رعب

الزوجة أم أحمد تتحدث عن ظروف عمل زوجها ووضع العائلة في خضم تضاعف اعتداءات الاحتلال قائلة: "عرضنا على زوجي في السنوات الماضية ترك البحر والبحث عن مصدر رزق آخر، ولكنه رفض ذلك من أجل توفير لقمة عيش للعائلة، مع حدوث انتهاكات إسرائيلية متعددة بحقه، كان آخرها العام الماضي".

وتبين أن العائلة تعيش ساعات رعب في أثناء غياب الزوج عن المنزل ونزوله إلى البحر؛ فهي تعلم أنه في أي لحظةٍ عرضة للإصابة أو الاعتقال حتى القتل المباشر، مثلما حدث مع الكثير من الصيادين الذين قضوا شهداء في عرض البحر، مضيفةً: "كل رحلةٍ تكلفنا جميعًا الكثير من الجهد والخوف".

وتلفت أم أحمد إلى أن زوجها قد يقضي في بعض الأحيان عشر ساعات في البحر ثم يعود برزق ضئيل، أو بخفي حنين أحيانًا، وذلك بسبب المضايقات الإسرائيلية، وندرة وجود السمك في المنطقة المسموح للصيادين بالعمل فيها، مشيرةً إلى أن الشقيق الأكبر لزوجها هجر البحر أخيرًا نتيجة للأسباب السابقة.

وتقلصت أعداد الصيادين تدريجًا منذ عام 2000م من نحو عشرة آلاف صياد إلى قرابة أربعة آلاف، يعيلون أكثر من 50 ألف نسمة، ويعملون على نحو ألف قارب صيد مختلفة الأحجام والأنواع، وتؤكد تقارير عدة ارتفاع نسبة الفقر في صفوف الصيادين منذ فرض الاحتلال حصاره على القطاع.