أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٦‏/٤‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


أبو حشيش.. بـــ "شمع العسل" جسَّد أطراف الشهداء المفقودة

حروبٌ همجية مسعورة شنَّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة على مر السنوات الماضية لم يتوانَ لحظة واحدة في أن يُحدث جرحًا وشرخًا كبيرًا في حياة الفلسطينيين من خلال سياسته الحربية في القصف والبيوت المدمرة.

عدد الشهداء والجرحى والأشلاء المتناثرة التي وُضعت في خانة الذكريات المؤلمة لدى محمد أبو حشيش ولم تفارقه، لا سيما بعدما استُشهد أخوه في الحرب الأخيرة على القطاع 2014م، فاضطروا إلى دفنه بعد أن أُنهكت عائلته بالبحث عن ذراعه، ولم يجدوها، فكانت فكرته للانطلاق وتسليط الضوء على معاناة أهالي الشهداء تجاه هذه القضية، فما كان منه إلا استثمار فنه التشكيلي لإنتاج عملٍ يجسد أطراف الشهداء التي فُقدت في الحرب.

تطويرٌ مستمر

محمد أبو حشيش (29 عامًا) أنهى دراسته من كلية الفنون الجميلة في جامعة الأقصى، قطع الطريق على نفسه بدلًا من الانتظار طويلًا في طوابير البطالة، فعمل في المجال الحر بالتصميم والديكور الداخلي، حتى حالفه الحظ في الحصول على وظيفةٍ حكومية كمدرس للتربية الفنية.

يقول: "يجب على الفنان أن يعايش معاناة وقضايا شعبه، لتكون ريشته رسالة ناطقة باسمهم، فبعد استشهاد أخي "هاني" ودفنه دون ذراعه شعرتُ بأنها قضية تُلامس القلوب من ناحيةٍ إنسانية، لا سيما أن الإنسان في فترة حياته على هذه الأرض له كرامة، وبعد موته له كرامة وهي دفنه".

وأضاف أبو حشيش: "مؤلم ما يحدث مع الشهداء فتكون جثثهم أشلاء، فشعرتُ أن كرامتِهم قد سلبت منهم بسبب أن أجزاء من أجسادهم لم تُدفن معهم"، لتكون هذه القضية شغلي الشاغل لأنتج لهم أعمالًا فنية تليقُ بهم، ومادتها شمع العسل.

ولأول مرةٍ يستخدم "شمع العسل" كمادة خامٍ في النحت، لكنه رأى أنها مادة تليق بمقامات الشهداء الذين أفنيت حياتهم على تراب الوطن، فجسد فيها أشكالًا فنية لأطراف الشهداء من الشباب والنساء والأطفال، مشيرًا إلى أن هذه المادة عضوية وهي قريبة من الإنسان، كما أن لونها قريب من لون بشرة الإنسان المائلة إلى الاصفرار، إلى جانب أنها غنية ومعاصرة ومتوفرة في القطاع حيث تُباع على شكل صفائح ورقية.

لم تقتصر في أعماله النحتية على مادة واحدة، ففي كل مرةٍ؛ يحاول أبو حشيش استخدام مادة جديدة ومميزة، ففي إحدى غرف البيت؛ خصصّ واحدة منها كورشة للعمل، حيث يسمح لفكره أن يسرح ويخرج عن إطار المألوف، فاستخدم الألمنيوم في النحت والجبس.

وبين أنه استطاع كفنانٍ مُتواجِد في غزة في ظل الظروف المفروضة عليه أن يتغلب على الظروف في نقص المادة الخام المُستخدمة من خلال صناعتها بنفسه، وما هو متواجدٌ ومتوفر في السوق المحلي.

وكان سبب توجهه إلى الفن التشكيلي وعلى وجه الخصوص النحت، لأنه يجد فيه ضالته في صدقه في التعبير عن المشاعر، ولكنه لا يرتكز على قاعدة فنية واحدة، بل يتعمد المزج بين المدارس ليخرج عن إطار التقليد، ويصل إلى أفكار جديدة وإبداعية.

وأوضح أبو حشيش أنه يعمل باستمرار على تطوير ذاته من خلال اطلاعه الدائم والتواصل مع فنانين ونحاتين لهم باع طويل في الفن، كما أنه يختار تسليط الضوء على المواضيع الاجتماعية والانسانية.

الطريق ليس معبدًا

ولا يوجد طريق ممهد، فهناك عدة عقبات كادت تقف في وجهه وتعوقه عن إكمال مسيرته الفنية لولا إصراره على أن تكون له بصمة خاصة من باب الوفاء للشهداء، فالحصار المفروض لم يترك مجالًا إلا يحدث له أثرًا على كل غزي، فالإغلاق المتواصل للمعبر منعه من تلبية دعوات للمشاركة في معارض خارجية.

وتابع أبو حشيش حديثه: "ولكن لم أقف مكتوف الأيدي إزاء ذلك، فقد تمكنت أعمالي أن يكون لها مكان على أرض المعارض الخارجية، من خلال إرسالها، وبعضها تم شراؤها لما لاقته من استحسان وإعجاب".

ونوه إلى أن الفنانين في غزة لا يحظون بأي دعم مادي، ولا يوجد لديهم أي حاضنة تعمل على التطوير، فالفنان مجبور ليطور من قدراته بنفسه، إلى جانب أن الفن قد لا يحظى على أولويات المواطن الغزي، مما يضطر إلى تسويق أعماله في الخارج، مما يتعين على الفنان أن يكون "جوكر" في عمل منحوتاته، وتنظيم المعارض، والتسويق للأعمال.

ومن المعارض المحلية التي شارك فيها، معرض "بقايا من الذاكرة"، ومعرض "كرامات" عرض فيها أعمالا نحتية مختلفة، ومشروع "إخلاء" الذي جسد فيه أطرافا بشرية مصنوعة من الجبس، و"نخوة فطرية" وهي أطراف مصنوعة من المعدن، وآخر "يوميات حياتنا في غزة" في الأردن.

ويطمح أبو حشيش رغم أنه يرى أن الطريق غير واضح أمامه، إلا أنه يفضل التحرر من أي عمل للتفرغ للفن، لتصبح له بصمته الخاصة بأعماله الفنية، ومعارض خاصة به.


حين أخذ عقلي يثرثر .. أقصد لا أدري

منذ صغري أكره المسلسلات والأفلام، وأبدًا لم أكن مستعدة للجلوس أمام التلفاز قديمًا أو الشاشات الذكية حديثًا كالموبايل وغيره لمشاهدة فيلم أو مسلسل.. فسمة الفضائيات الخداع، وأنا لست مستعدة لأن أكون ضحية خداع؛ ولست مستعدة أيضًا لإهدار وقتي مع فيلم يُملي عليَّ مخرجه كيف أفكر، ويفرض عليَّ أن أُعجب بمن وأكره من.

تدور الأفكار في نفسي كإعصار غاضب يحدث فوضى عارمة أينما يحل ويرتحل، إلا أن عقلي يقيدها ويأبى عليها الخروج، يصر على بقائها كامنة صامتة، فتثور حروفي.

تصرخ داخلي، تشتعل، تحرقني.. ماذا أفعل؟ أأتركها كالمارد تنطلق كما تشاء، تدمر، تصرخ، تُغير؟.. أم أُبقي السلاسل تقيدها وتثقل نشاطها وخطواتها؟.. ألتجئ إلى الفِراش لمدة تطول أحيانًا هربًا من هذ الصراع الذي يؤرقني؛ وأعتكف على فضيلة الصمت.

فقد وصلني عبر تعاقب الأجيال أن الانحناء أمام العواصف هو أفضل وسيلةٍ لتجاوزها، والخروج سالمًا منها، فقد أخبرت جدتي أمي بذلك، وأمي حاولت إقناعي به، رغم تمردي الذي كانت أمي قلقةً بشأنه دومًا، وتتهمني بسببه بأنني أتشبه بالرجال، وبأنني أبعد ما أكون عن الأنثى.

كنت أسخر من كلامها وأسألها: أيجب أن ألغي شخصيتي وفكري، وأكون ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها وحقها لأكون أنثى؟ فتقول: أستغرب جدًا منك، لماذا أنت هكذا؟ أنت لا تشبهينني في صفاتي، من أين لك هذه القوة والجرأة؟ أخاف عليك ألا تتزوجي، فالرجال هنا يبحثون عن المرأة ذات الأنوثة الظاهرة ليرتبطوا بها، وليس عن المرأة القوية كعسكري مثلك!.. كنت أضحك وأسألها: وكيف لي أن أبدو أنثى من وجهة نظرك؟ فتقول: عليك ألا تناقشي، وألا تعترضي.. وافقي على كل شيء حتى وإن لم يوافق رغبتك، فقط أطيعي، ولا تفكري.

وهي المعادلة الذهبية التي يُنصح المواطن العربي باتباعها والسير بمقتضاها في بلادنا، ربما ليحافظ على حياته، أو رزقه، وربما هو صرفٌ من السلامة، لا تُنصح الأنثى فقط بهذه المعادلة، وإنما تُنصح بها المجتمعات التي تفتقد العدالة والمنطق، والتي يكون الجور ديدنها، الجور على الجميع بلا تمييز.. حيث تقسم تلك المجتمعات إلى سادة يأمرون، وعبيد يطيعون ويحنون رؤوسهم. وحياة الغاب التي تعيشها مجتمعاتنا العربية قاطبة تشعرني بالقرف والاشمئزاز، فالظلم والجرأة على المقهورين تولد في نفسي ثورات لا تكاد تهدأ.

قرأت قبل فترة على "Google reads" عبارات مقتبسة لجبران خليل جبران:" لا تعش نصف حياة ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل ولا تقف في نصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم ولا تتعلق بنصف أمل، إذا رضيت فعبر عن رضاك ولا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت فعبر عن رفضك لأن نصف الرفض قبول، النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها وهو ابتسامة أجلتها، النصف هو أن تصل وألا تصل، أن تعمل وألا تعمل، أن تغيب وأن تحضر، النصف هو أنت عندما لا تكون أنت لأنك لم تعرف من أنت، نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، ونصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة، أنت إنســان وُجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة".

أتذكر تلك الكلمات وتشتد ثورتي.. فالمطلوب منا أن نعيش أنصافًا في كل شيء، مطلوب منا المواربة في كل شيء، حتى نكون مواطنين مثاليين.. والمصيبة أن أغلبنا يؤمن بذلك ويقتنع بصحته، ويعتقد أنه من مستلزمات الحياة الحالية.. وتبًا لها من حياة.. أن تكون نصفًا.

آهٍ لأفكاري الكثيرة التي تربكني وتجعلني أنسى وجودي، وتسرق اللحظات والأيام من عمري وأنا أمكث في ذات المحطة السوداء.. قد يعتقد البعض أن هذا ضربٌ من الجنون.. ربما.. لا أجزم؛ رغم أنني أعتقد أن الجنون بعينه هو البقاء عاقلًا في عالم عربي ينكر العقل ويكفر به، عالم يزدحم بالمجانين.


​خداع النفس.. اضطرابٌ للتغطية على "النقص"

أن يكذب شخص لتبرير خطأ ما وقع فيه، أو لتحقيق مصلحة ما، أمر غير مُستغرب، فهو وإن كان خطًا ومحرّمًا، إلا أنه شائع نوعًا ما، لكن ما يثير الاستغراب، أن يكذب الشخص بلا سبب، فيتحدث عن تفاصيل في حياته غير موجودة أصلًا، كأن يؤكد تميزه في عمله، أو يكثر الكلام عن الرفاهية التي يعيش فيها، وعن علاقاته الاجتماعية المميزة.

هذا على الأغلب يفعل ذلك ليغطي على ما يراه نقصًا، وربما يعاني من "خداع النفس".

و"خداع النفس" علميًا هو "توهم الإنسان لحقيقة نفسه وإمكاناته وظروفه على نحو يخالف الواقع، ولكن يتفق مع هواه ورغبته، والفرد بطبيعة الحال لا يكون متعمدًا ذلك، بل إنه يقوم بخداع نفسه دون وعي بذلك، كأن تكون إمكاناته العقلية والعلمية ضعيفة ويري هو عكس ذلك".

مريض وليس كاذبًا

تقول "نورهان الشيخ": "البعض لا يتردد عن الكذب في أي موقف، ولأي سبب كان، ولكن أحيانًا يبدو الأمر أكبر من الكذب، كأن تجد شخصًا يتحدث عن أمنياته، التي لا تمت للواقع بصلة، وكأنها حقيقة واقعة يعيشها ويستمتع بها".

وتضيف: "هؤلاء لا أعرف كيف أتعامل معهم، لثقتي بأنهم يعانون من مشكلة نفسية، وليسوا مجرد أشخاص اعتادت ألسنتهم الكذب، فالكاذب لا مشكلة عندي في فضحه وتوجيه اللوم له لأنه يستحق ذلك، أما من أشعر بوجود مشكلة نفسية عنده فأنا أشفق عليه ولا أجد طريقًا لمساعدته أو التعامل معه".

وتتحدث "علا رجب" عن زميلة دراسة تعرفت إليها في المرحلة الابتدائية، تقول: "في الصف الخامس الابتدائي انتقلت إلى مدرسة جديدة، ومن اليوم الأول لي في المدرسة بدأت الزميلة التي تشاركني المقعد بالحديث عن حياتها المرفهة، وعن الألعاب التي يشتريها لها والدها من الخارج عندما يسافر للعمل، وكانت تتحدث عن ذلك بأدق التفاصيل، كأن تصف الدمية التي تماثلها في الحجم للدلالة على كبرها وجمالها، وعن ملابس هذه الدمية، وسريرها الخاص، وغير ذلك من التفاصيل التي لا تدخل العقل".

وتضيف: "يبدو أن الفتاة استغلت عدم معرفتي المسبقة بها، فنقلت لي الصورة التي ترسمها لحياتها في خيالاتها"، متابعة: "عندما سألت ابنة عمّها، التي هي زميلتنا في الفصل ذاته، عن صدق ما تقوله لي، أكّدت لي أن كلامها عارٍ عن الصحة، وأن والدها لم يسافر من قبل مطلقًا".

وتوضح أنها التقت بهذه الصديقة بعد سنوات طويلة، فإذا بها على حالها ذاته، ولكن مع اختلاف الأكاذيب التي تسردها، فقد طوّرتها لتكون مناسبة لعمرها واحتياجاتها.

منفصل عن الواقع

يقول الأخصائي النفسي زهير ملاخة: إن خداع النفس هو اضطراب في رؤية الإنسان لذاته، بحيث يقنع نفسه بامتلاكه أشياء لا يملكها فعليًا، ويكون منفصلًا عن الواقع، وتكون إمكاناته وقدرته على مواكبة الواقع تختلف عما يشعر به في داخله.

ويضيف لـ"فلسطين" أن الخداع لا يكون في كل تفاصيل الحياة، وإنما يعيشه في الأشياء التي يفقدها الفرد ويتمنى امتلاكها لكن غير قادر على توفيرها وتطبيقها، فهو يتمنى ولكن الواقع يحول بينه وبين ما يريد، وكذلك ما لديه من إمكاناتٍ وتعامل المجتمع معه لا يسمحان له بذلك.

ويتابع عن السبب: "يُصاب الفرد بهذه الحالة بسبب الظروف التي مر بها، لأن الظروف هي التي تؤثر في الإنسان ومسار حياته، فهو مثلًا قد يكون وجد في طفولته تضخيمًا أهّله بشأن نظرته لنفسه وقدراته، فأصبح يعاني من تعظيم الذات".

ويوضح ملاخة: "يمارس الشخص الخداع في محطات معينة من حياته، والسجل الحياتي له وحالته والظروف التي مر بها تحدد هذه المحطات، وهو غالبًا ما يكون قد عاش صراعًا كبيرًا وعانى من اضطرابات نفسية فصلته عن الواقع وتعرض لصدمات اجتماعية ومعاملة قاسية دفعته لعيش الخداع مع الذات".

ويبين أن خداع الذات يضع من يعاني منه في حالة من الصراع مع الذات، فهو يعتمد على مسايرة الجانب التخيلي الذي يعيشه، لكنه عندما يصطدم مع الواقع يجد العكس، فهو في خيالاته يشعر بالنشوة والسعادة والتوافق مع رغباته، وعندما يرجع للواقع يتألم ويعاني من الصراع ويتبين له الضعف الذي يمر به في الواقع، وهذا يسبب له الشعور بالنقص والدونية، إضافة إلى أنه يتعرض لعدم القبول من المحيطين، مما يؤثر في علاقته مع نفسه ومع الناس، وهذا ينعكس على نفسيته بشكل عام.

وعن العلاج، يشير ملاخة إلا أن من يخدع نفسه ويعيش الوهم الكاذب مع الذات، يكون المحيط به أكثر أثرًا في علاجه، لذا على القريبين منه تعديل سلوكه وأفكاره وأن يساعدوه في بلورة نظرته لذاته بشكل حقيقي، ويوجهوه إلى ما يهتم به ويفكر فيه.


​في آذار تحية الأمل لكل فلسطينية

أتى آذار هذا العام كعادته، محملًا بعبق الربيع، متخمًا بهموم الذكريات، مثقلًا بجنين الأمل الذي ينمو داخل كل فلسطينية تنتظر أن ترى أحلامها، تنتظرها وتسعى إليها، فليس من ديدنها المكوث والانتظار، فكيف للمرابطة المجاهدة أن تهدر وقتها في الانتظار؟! في آذار تتفتح الأزهار وتشدو العصافير وتتكاثر المخلوقات، وتزداد المرأة جمالًا كما أمنا الأرض.

من دون مقدمات طويلة: في الساعة الحادية عشر مساءً قبل أن يغادر يوم الثامن من آذار، اليوم الذي تتذكر فيه المجتمعات المرأة وفضلها على المجتمعات وتحتفي بها وبإنجازاتها وبقضاياها؛ أخذت طرقات عنيفة تدق الباب فجأة.

مَن الطارق يا تُرى؟، وماذا يريد بعد منتصف الليل؟، ولماذا لا يتأنى حتى أستطيع أن أرتدي شيئًا يسترني عن أعين الغرباء؟!، لكن الطارق لم يتأنَ؛ فقد بدأ بالصراخ والتهديد والوعيد: "افتحوا الباب وإلا ...".

فتح زوجي الباب، فإذا هم يسارعون إلى الداخل، يطلبون هويات أهل البيت، فعل زوجي ما أرادوا، فإذا هم ينادون اسمي، أجبت بنعم، فاقترب اثنان مني قائلين: "أنتِ رهن الاعتقال"، ارتديتُ جلبابي، ونظرت ناحية زوجي مُودعةً طالبة منه أن يدعو لي، شعرت به يكاد ينفجر غيظًا، ويكاد يقع أرضًا لعجزه عن حمايتي، طمأنته بنظراتي، ووضعوا القيد في يدي، كان باردًا، ضيقًا، شعرت بألم أخذ يزداد رويدًا رويدًا منه.

اقتادوني إلى سياراتهم التي تنتظر في الخارج، أصعدوني إلى إحداها، ووضعوا عصابة على عيني، كنت رابطة الجأش جدًّا، كنت شجاعة إلى درجة لم أتوقعها من نفسي، شعرت بنفسي قوية وعزيزة، كملكة يحيط بها الحرَّاس من جميع الجهات، رفعت رأسي إلى الأعلى بشموخ، لم أسمح للقلق بأن يساورني، أو للضعف بأن يعتريني، ألست أمًّا لشهيد، وأسير ومطارد؟!، أخذت عهدًا على نفسي ألا أمنحهم شعورًا بالراحة التي يتمنون.

سأبقى كشجرة زيتونٍ صامدة يصعب على الأعاصير _مهما بلغ جبروتها_ أن تهزها، أو تخلخل جذورها، أخذتُ أردد همسًا بلحن: "إن عشت فعش حرًّا، أو مت كالأشجار وقوفًا"، أصغوا في البداية لصوتي، ثم صرخوا بي: "اصمتي".

كانوا يعتقدون بأنني سأكون فريسة سهلة لخداعهم وكذبهم ومراوغتهم، اعتقدوا أنهم سيغررون بي لأني امرأة، واعتقدوا أن ابني صابر سيرضخ لضغطهم عليَّ وسيسلم نفسه، ولكن بُعدًا لهم كما بعدت ثمود، فمن ربى الرجال غيري؟!، من أنشأهم ليكونوا مثالًا في الشجاعة والقوة والجرأة غيري أنا؟!، ماذا بإمكاني أن أكون سوى قدوة حسنة أمام أبنائي ومثالًا للصمود التحدي؟!

صمتُّ، وصبرت وتحملت، وكشفت ألاعيبهم، وصمدت أمامها، وأنا مصرة على إجابةٍ واحدة: "إنني لا أعرف أي شيء عن صابر منذ مدة طويلة"، أعياهم الملل مني، وأخذ منهم اليائس كل مأخذ، وأعياني التعب والإرهاق وقلة النوم.

بعد ستة أشهر عانقت الحرية، وكنت مطمئنة إلى أن عزيمة صابر كالصخر لا ولن تلين، فإذا كان اعتقالي لم يفت في عضده؛ فأنا مطمئنة إلى أن ابني لا يثنيه شيء عن الدرب التي اختارها لنفسه.

ما زاد من إيماني بسبيل المقاومة الذي أؤمن به وغرسته في نفوس أبنائي أنني لم أسمع خلال اعتقالي عن تظاهرات خرجت للمطالبة بحقوقي، أو اعتصاماتٍ للتعريف بقضيتي ولفت الانتباه إليها وما أواجهه في الأسر، ألست امرأة انتهكت حريتها، وعوملت بقسوة لا تليق بها؟!، أم أن المرأة الفلسطينية تختلف عن باقي نساء العالم في الحقوق؟!