أسرة ومجتمع


"القلوب كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها"

يُعرف الإنسان من خلال شيئين اثنين هما القلب واللسان "الإنسان بأصغريه بقلبه ولسانه"، "لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادهفلم يبقَ إلا صورة اللحم والدم"، واللسان نعمة امتن الله بها على الإنسان.

ويقول الله سبحانه وتعالى "ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين" (سورة البلد: الآية 8-10) كما يقول عز وجل "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان" (سورة الرحمن: الآية 1-4) الأمر الذي يجعلنا نقول بأن جارحة اللسان واسعة المجال ورحبة الميدان، ذلك أنه ترجمان القلوب والأفكار وآلة التواصل بين الناس والذي يخرج صاحبه من مشكلة الوحدة والانعزال حينما يعبر عن مشاعره للآخرين.

ويقول الداعية مصطفى أبو توهة، أنه "ليس هناك من فضيلة تصلح بها الأعمال كالسداد في القول، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا" (سورة الأحزاب: الآية 70-71).

ويضيف أبو توهة، لصحيفة "فلسطين": "بالتالي فإن الكلمة أسيرة اللسان فإذا خرجت من فمك أصبحت أسيرها لتعتقك أو توبقك، وذلك ما أشار إليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم".

ويتابع: الملاحظ في بناء العلاقات بين الناس أن الكلمة الطيبة تقرب البعيد وأن الكلمة الجارحة تبعد القريب فالناس يألفون الهين اللين الطيب، "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك".

قلب قاسٍ

ويردف: "كما قال أحدهم عجبت لمن يشتري العبيد بماله ولا يشتري الأحرار بطيب كلامه"، ورب كلمة نابية خرجت من وراء قلبٍ قاسٍ جرحت مشاعر وفتقت جراحات لأناس هم أقرب الناس إلينا، وقد قال الله تعالى: "ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً" (سورة الإسراء: الآية 23)، وبالتالي فإن الإنسان صاحب اللسان السليط سيعزل نفسه من تلقاء نفسه ليعيش نار الدنيا قبل نار الآخرة التي أشار إليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال لمعاذ: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم".

ويؤكد أنه لخطورة هذا الأمر فقد ضرب السلف أروع الأمثلة في امتلاكهم ناصية الكلام حين أمسك أبو بكر لسانه وهو يقول "هذا أوردني الموارد"، وابن عباس وهو يخاطب لسانه "ويحك قل خيراً تغنم أو اسكت عن سوءٍ تسلم واعلم أنك ستندم".

ويختم الداعية بقوله: "يجب أن يكون كلامنا قليلاً بالنسبة إلى أفعالنا لأن الإنسان محاسب على كل حرفٍ يتفوه به كما قال تعالى "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" (سورة ق: الآية 18)، ثم إن اللسان هو صورة الإنسان والذي هو أشبه ما يكون بالصندوق المغلق فإذا تكلم عُرف ما بداخله، وقد قال يحيى ابن معاذ "القلوب كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه حلو وحامض وعذبٍ وأجاج، وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه".


"أنوار حمدان" هزمت "الفشل الكلوي" ونجحت..!


لم يشكل مرض "أنوار حمدان" بالفشل الكلوي عائقا أمام حصولها على شهادة الثانوية العامة، حيث قدمت اختباراتها ما بين غرفتها في المستشفى وقاعة مدرستها، وكان النجاح حليفها في نهاية المشوار لتحصل على معدل 64.9%.

الطالبة حمدان تقطن في بلدة قلنديا جنوب مدينة رام الله، أصيبت بالفشل الكلوي منذ 14 عاما، أسبوعيا يجرى لها ثلاث عمليات غسيل للكلى في مستشفى المطلع بالقدس المحتلة.

الاختبار بعد العلاج

وحول شجاعتها وإرادتها في تقديم اختبارات "التوجيهي" رغم الآلام المبرحة التي تصيبها بعد كل عملية غسيل للكلى تقول لـ"فلسطين": "أغادر بيتي الساعة الثالثة فجرا أيام السبت والاثنين والاربعاء، لتبدأ عملية غسيل الكلى في المستشفى الساعة الخامسة والنصف حتى التاسعة والنصف صباحا".

وأضافت: "وبعد ساعتين في طريق العودة أخلد إلى النوم لأخذ قسط من الراحة وبعدها أواصل دراستي الساعات الضائعة في رحلة العلاج".

"عملية غسيل الكلى ليست بالسهلة، فهي تصيب الجسم بالهزال والتعب الشديد، ولكن لم أستسلم للألم فواصلت الدراسة وكنت أسهر حتى ساعات متأخرة من الليل لأتمكن من ختم المنهاج" تقول حمدان.

ولخصوصية حالة "حمدان"، أوضحت أن وزارة التربية والتعليم خصصت لها لجنة تراقب عليها في غرفتها في المستشفى أيام الامتحانات التي كانت تصادف السبت والاثنين والأربعاء، حيث كانت تقدم الامتحان بعد انتهائها من عملية غسيل الكلى مباشرة، وقدمت سبعة اختبارات على هذه الشاكلة.

أقوى من المرض

وبينت أنها تمكنت من تقديم ثلاثة اختبارات في قاعة مدرستها في قلنديا ومعهم شعرت بأجواء الثانوية العامة بعيدا عن آلات غسيل الكلى وأجواء المستشفى.

وعن صاحب الفضل الذي ساندها في طريق نجاحها في "التوجيهي"، قالت حمدان : " كانت والدتي سندا لي في رحلة علاجي وتهيئتي ومساعدتي حتى أنهيت اختبارات الثانوية العامة، بالإضافة إلى الأطباء والممرضين في مستشفى المطلع الذين حفزوني على مواصلة دراستي بألا أعتبر المرض عائقا".

وعن أصعب اللحظات التي مرت بها أثناء تقديم الامتحانات، أجابت : " في الساعة الأخيرة من زمن تقديم الاختبارات كنت أصاب بالدوار وضعف في الرؤية ، لأني كنت في الغالب أختبر بعد عملية غسيل الكلى مباشرة وهذا التعب هو من الأعراض الجانبية للعلاج".

ووجود مدرسة الإصرار التابعة لمستشفى المطلع، ساهم في تعويض "حمدان" الدروس التي كانت تفوتها بسبب تغيبها عن المدرسة و تواجدها في المستشفى لغسيل كليتيها، حيث يقوم المعلمون هناك بشرح ما فاتها من المنهاج.

ومع وصول رسالة نجاح "أنوار" بمعدل 64.9% على هاتفها المحمول، ضج البيت بأصوات الزغاريد والتصفيق وتهنئتها على النجاح رغم مشقة المرض ورحلة العلاج.

وعن التخصص الذي ترغب "حمدان" بدراسته في الجامعة، بينت أنها ستدرس تخصصا له علاقة بالتصميم سواء التصميم المعماري أو تصميم الملابس لأنه يتماشى مع ميولها.

وأشارت إلى أنها بارعة في المشغولات اليدوية وتصميم الملابس وحياكتها كوالدتها التي تمتلك ماكينة خياطة في البيت.

ووجهت حمدان رسالة لكل طالب يعاني من مرض ما بألا يستسلم له، ويتحلى بالعزيمة والإرادة لإكمال علمه، فالمرض مهما كان قويا لا بد أن تكون أقوى منه لتهزمه.


نساء وَجَدن في مقاعد "التوجيهي" ملاذًا لتحقيق ذواتهن و"حلم الطفولة"

لطالما حلمت أمل أبو دقة من شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، بالحصول على شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) رغم إمضائها 31 عاماً من عمرها بعيداً عن التعليم، فكانت آخر شهادة علمية حصلت عليها لمستوى التاسع، ولكن بإصرارها وعزيمتها استطاعت أن تصل حلمها.

تقول أبو دقة (48 عاماً) لصحيفة "فلسطين": "لدي 8 أبناء و11 حفيداً، وآخر شهادة حصلت عليها كانت شهادة الثالث الإعدادي، ولكن رغم انقطاعي 31 عاماً عن الدراسة إلا أن حلم النجاح بقي بداخلي، فكنت كلما رأيت أحد أبنائي ناجحاً في الثانوية العامة زاد إصراري على تحقيق حلمي".

وأضافت: "ما شجعني أكثر على إكمال الدراسة أنني كنت متفوقة في المدرسة، وآخر معدل حصلت عليه كان 99% وبعد أن استقرت حياتي وأنهى أبنائي دراستهم الجامعية، كان لا بد من تحقيق الحلم، وقد كانت البداية في إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي بالتسجيل للثانوية العامة".

وأكملت والفرحة تزيّن ملاحمها: "توجهت لوزارة التربية والتعليم وأخبرتها برغبتي في إكمال الدراسة، وقلت سأحاول وإن لم يحالفني الحظ يكفيني شرف المحاولة، وبفضل الله جاءني القبول لذلك، لكن لسوء الحظ كنت قد سجلت في آخر موعد للتسجيل لذا اضطررت للدراسة في المنزل بنفسي".

صعوبات ولكن..

وتابعت أبو دقة التي حصلت على معدل 71% حديثها: "رغم انقطاعي عن الدراسة إلا أنني كنت دائماً أطلع على كتب أبنائي وأساعدهم في الدراسة وهذا ما ساعدني أكثر عند إكمالي الدراسة".

أما عن الصعوبات التي واجهتها أوضحت أن أصعب ما واجهته هو انقطاع التيار الكهربائي بشكل دائم، إضافة إلى ارتفاع دراجات الحرارة والأزمة الاقتصادية التي نعيشها في قطاع غزة.

لحظة إعلان النتائج لم تصدق أبو دقة أنها نجحت في الثانوية العامة، فقد حاول أبناؤها إقناعها أكثر من مرة أنهم حصلوا على النتيجة عن طريق رقم الجلوس ولكنها لم تصدق إلا عندما شاهدت رقم بطاقتها الشخصية، حينها شعرت بأنها تمتلك الدنيا بأكملها لأنها حققت حلم طفولتها، كما قالت.

بكاء الفرح

وأضافت: "بكيت من شدة الفرح، كان هذا أجمل شعور أعيشه بعد انقطاع كل هذه السنين، حققت ذاتي وحلم والدي ووالدتي وأبنائي وأحفادي ورفعت رأسهم عالياً بنجاحي، لن تكون هذه المرحلة الأخيرة بإذن الله، إذا سمحت الظروف الاقتصادية لي بإكمال دراستي سأدرس التمريض، فمنذ صغري يقولون لي الدكتورة أمل لتفوقي، سأمضي في طريق النجاح فلا شيء سيوقفني بعد هذا النجاح".

نهيل حبوش (46 عاماً) هي الأخرى لا تختلف قصتها عن أبو دقة، فقد كان تشجيع أبنائها وزوجها لها لإكمال الثانوية العامة حافزا كبيرا من أجل التسجيل في وزارة التربية والتعليم والدخول في مرحلة جديدة انقطعت عنها 30 عاماً بسبب زواجها وانشغالها بمسئولية أبنائها.

تقول حبوش لـ"فلسطين" عن أمنيتها في الحصول على شهادة الثانوية العامة: "رغم انقطاعي عن الدراسة إلا أنني كنت أشجع أبنائي على الدراسة دائماً، وكنت أتابع معهم وعلى اضطلاع على جميع المواد التي يدرسونها".

وأضافت: "كانت آخر شهادة حصلت عليها شهادة الأول الثانوي (العاشر)، وهذا ما ساعدني أكثر على إكمال دراستي بشكل طبيعي، وما شجعني أكثر ترددي الدائم على المسجد وممارسة التعليم غير المنهجي، فقد حصلت على عدة دورات في تلاوة القرآن الكريم والآن وصلت لتأهيل سند".

دراسات خاصة

أما بخصوص الصعوبات التي واجهتها، قالت: "رغم انقطاعي عن الدراسة فترة طويلة إلا أنني لم أفكر في الحصول على دروس خاصة على الرغم من أن نظام الدراسات الخاصة كان مختلفا تماماً عن التعليم النظامي".

وتابعت: "واجهت صعوبات في شرح المدرسين فهم لا يراعون الفروق الفردية بين المسجلين ولا حتى فترة انقطاعنا عن الدراسة وكان الشرح دائماً على عجالة، فكنت أحاول قدر الإمكان الاعتماد على نفسي فأنتظر نوم أبنائي وأحفادي وأبدأ بشرح الدروس لنفسي حتى أفهمها".

ومن أشد الصعوبات التي واجهتها حبوش أيضاً الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أغلب سكان قطاع غزة من انقطاع التيار الكهربائي بشكل دائم، وعدم مقدرتها على التركيز بسبب الأحداث السياسية والظروف المعيشية الصعبة التي ترهق عقول الغزيين.

ومضت تقول: "في يوم النتيجة أخبرني ابني محمد أنني نجحت، صراحةً كنت أتوقع نتيجة أكبر، لكن الحمد لله كان إحساس النجاح لا يقدر بثمن، يكفي رؤية الفرحة والسعادة في أعين أبنائي وأحفادي، هذا الشيء وحده كان كفيلاً بأن يفرح قلبي ويشعرني بسعادة لا تقدر بثمن، وسأدرس الشريعة بإذن الله لأخدم وطني وديني فيما بعد، هذا كل ما أتمناه".

تحدٍّ كبير

أما علا القنفد، فهي صاحبة القصة الثالثة التي أصرت على إكمال حياتها التعليمية، على الرغم من الصعوبات التي مرت بها، فبعد أن توفي زوجها فقدت الأمل في كل شيء، لكن بإصرارها وعزيمتها تغلبت على كل ذلك.

تقول القنفد لـ"فلسطين": "إصراري على إكمال الثانوية العامة جاء بتشجيع من أهلي وأصدقائي بعد انقطاع 10 سنوات عن الدراسة، وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها في البداية إلا أنني حققت النجاح بفضل الله".

وتعود للوراء قليلاً بقولها: "بعد وفاة زوجي كان كل شيء صعبا بالنسبة لي، وأول شيء فكرت فيه أن أحصل على شهادة الثانوية العامة، فمهما حققت الفتاة من أحلام في حياتها لن تستطيع تحقيق شيء أكبر من العلم، وبالفعل فرحة النجاح لا يضاهيها أي فرح مهما كانت، حتى فرحة الزواج لا تكون بنفس الإحساس".

وأكملت: "كثير من المواد وجدت صعوبة في دراستها، كاللغة الإنجليزية، والتكنولوجيا التي كانت بحاجة لجهاز حاسوب لتطبيق دروسها، ولم يكن لدي جهاز، لكنني بفضل الله تغلبت عليها وتفوقت في الثانوية العامة، وكان ذلك بداية الحياة بالنسبة لي.. الحمد لله فرحة النجاح جميلة ولا توصف، لكن كان ينقصني زوجي رحمه الله ليشاركني فيها".


١٠:٠٥ ص
٩‏/٧‏/٢٠١٨

​مجانين تميُّز!

​مجانين تميُّز!


ابتساماتٌ على الوجوه، وضربات على الكفوف، وقهقهاتٌ تتعالى لتهزّ أوراق أشجار السرو الشامخة، فذلك هو "الهدف" السادس الذي يدخله طلاب مدرسة عرفات الثانوية في مرمى الطاقم التدريسي متمثلًا بمدير المدرسة حسني الدريملي والمدرسين، إلى جانب موظفي الخدمات والمقصف.

جميعهم يلبسون الزيّ الرياضيّ ويقيمون مباراةً تنافسيًة في رياضة كرة القدم الشيّقة، ليرسموا لوحةً قلبها الودّ والتآلف، أرضيتها ملعبٌ رياضيّ متين، وإطارها جدار مدرسةٍ عظيم.

"تذويب الفوارق مع المحافظة على الاحترام أحد أهمّ ما تميزّت به مدرسة عرفات، وذلك واحد من الكثير من الأسباب النفسية التي تجعل المدرسة متميزة وتحصد التفوّق في كل عام" كما يروي مدير المدرسة الدريملي وهو المتخصص في كلية التربية والآداب قسم الجغرافيا والاقتصاد في جمهورية مصر العربية.

معدلات مميزة

ففي هذا العام تُخرّج مدرسة عرفات خمسة من أوائل القطاع، فيما 75% من الطلاب في المدرسة حصلوا على معدلات متقدّمة تزيد على التسعين -وفق الدريملي-، فالأمر ليس غريبًا ولا جديدًا عليها إذ في كل عامٍ يتخرّج منها الأوائل والمميزون، فالطالب المتميز من خلفه معلم متميز ومدير متميز، وتلك هي الدائرة التي لا يمكن أن تتحقّق إلا بهم.

يقول الدريملي لـ"فلسطين"، موضحًا أن هناك أسبابًا أخرى دفعت المدرسة للتميز ومنها أنها لم تكن لتتوقف عن عقد المسابقات الثقافية والعلمية في المختبر والحاسوب، وكذلك المطارحات الشعرية وغيرها.

في حي الشيخ رضوان بغزّة، يتقابل النقيضان، دون أن يؤثر أحدهما على الآخر، سوق الخضار، مقابل المدرسة التي ما إن يُغلَق فيها البابُ حتى تشعر أنك داخل أرقى المدارس وأكثرها تنظيمًا ورقيّا.

ويضيف الدريملي:" وما الرقيّ إلا خلق وعلم وأدب، أولئك أبناء مدرسة عرفات للموهوبين، الذي يتميزون عامًا تلو العام، إنهم فخرٌ لنا".

ويروي الدريملي أن الجوّ الدراسي داخل المدرسة مهيّأ للتفوق والإبداع، إذ الغالبية العظمى من الطلبة هم من المتفوقين وأصحاب المستويات التعليمية العليا، فتجد الطالب الأقل في المستوى التعليمي إما أن يتميز ليلحق برفاقه أو ينسحب بهدوء ويبحث عن مدرسةٍ أخرى، لتُصبغ المدرسة بفئةٍ واحدة، يميزها الأدب والتفوق وحبّ العلم والمنافسة، فالوجود في مكان ما يحكم على الشخص أن يكون من بيئته وطابعه.

ويؤكد مدير المدرسة أن الطاقم التدريسيّ على قدر عالٍ من الكفاءة الثقافية والعلمية والمسئولية وكل ما يخص الأمور التربوية والسيكولوجية، التي لا يمكن أن يسير الطالب فيها وهو يفتقد إحداها، لذلك حرصت المدرسة على خلص التربة الخصبة لبذر بذور النجاح والتميز كما يقول لفلسطين.

من جانب آخر، كانت المدرسة- كما يضيف الدريملي- تفتح بابها على مصراعيه في شهري (4-5) للطلاب كأي شهرٍ من الأشهر الأولى في الدراسة، وهما الشهران اللذان بالعادة يهيئ فيهما الطالب نفسه للامتحانات النهائية ويخصصهما للدراسة بنفسه دون القدوم للمدرسة والرجوع للمدرس.

الدروس الخصوصية

وفي ظل ثقافة الحصول على الدروس الخصوصية التي تفشت في الآونة الأخيرة بين الطلاب في مختلف المراحل الدراسية يوضح الدريملي أن مدرسة عرفات تكفي الطالب وتغنيه عن المدرسين الخصوصيين ضاربًا في ذلك مثلاً حول أحد الطلاب الذي وعد نفسه ومن حوله أنه لن يحصل على أي درسٍ خصوصيّ، فكان قراره "المدير" أن يشجعه وأن يأتي بالطالب ليحصل على درس واحدٍ كلّ أسبوع على مدار ثمانية أسابيع مع ثماني مدرسين وتكون النتيجة التي حصل عليها 98.7% .

وبذلك فإن طلاب مدرسة عرفات وفق ما يقول الدريملي "هم مجانين تميّز، المنافسة بينهم لا تنتهي وهذا أحد أسرار تميز المدرسة الذي تخلقه بأسلوبها المختلف.

هذه المنافسة لم تأتِ إلا بجهودٍ كبيرة وتحفيز وقد ميّزت المنافسةُ أحد الطلاب الذين عانت والدته من مرضٍ أثّر عليه نفسيًا وتركته غير قادر على مواصلة الحديث مع الطلبة وغيرهم، إلا أن المدرسة بإدارةٍ حكيمة وطاقم تدريسي متعاون تمكّن من متابعة هذا الطالب وساهمت في تجاوزه لتلك المرحلة حتى تميز وتحدّى الألم وحصل على معدل 98.9% هذا العام.

الدريملي يوصل رسالته للطلبة والمسئولين بالقول أن أجمل ما يمكن أن يكون في الحياة هو النجاح والتميز ، وأن غزة وإن كانت محاصرة سجينة فإن العلم لا يمكن أن يُحاصَر أو يُسجَن وأن مخرجنا الوحيد في الحياة هو "العلم".

الطالب فادي عابد الحاصل على معدل 93.7% تخرّج من مدرسة عرفات للموهوبين وكلّه امتنانٌ إليها مديرًا ومدرسين وطلبة ، فهو لم يحصل على أي درسٍ خصوصي، ناهيك عن الجو المدرسي المليء بالتحفيز والتشجيع وفق قوله.

ومن قبل فادي -الذي يفكّر في دراسة الطب البشري في الخارج أو طب الأسنان في غزّة-درس إخوتُه الأربعة في نفس مدرسة عرفات للموهوبين وجميعهم يحملون نفس الفكر والامتنان وقد وصلوا لأماكن مرموقة في عملهم كما يروي.

تستحق الفخر

ومن بين هؤلاء الإخوة محمد عابد الذي تخرج منذ سنواتٍويعبر عن مشاعره بتميز مدرسته اليوم فيقول لفلسطين:" أشعر اليوم وكأن فريقي المفضل قد فاز فوزًا جميلًا، فإنني ما زلت أفتخر بمدرستي التي ما تزال تُخرّج المميزين، فهي تستحق بجدارة".

ويضيف:" دراستي في "عرفات للموهوبين" كانت تجربة مميزة وشيء جميل للغاية، فأنا ما زلت أذكر كل تفاصيلها حتى اليوم، فلو أردت الحديث عن عدد الطلاب فقليل لا يزيد على 25 طالبا وهذا يساعد الطلاب على الفهم والمشاركة ويساعد المدرس على الشرح والتواصل اكثر وأكثر".

ويتبع:" لم يكن المدرسون فلاسفة ولا علماء، كانوا طبيعيين لكنهم اختلفوا عن غيرهم من المدرسين في التعامل، فكأنهم أصحاب وأحبّة، لا يعرفون غير لغة الحوار والنقاش، ولا مكان للإهانات في قاموسهم أو التعدّي على أي طالب".

ويكمل:" حين يجتتمع الطلبة المتميزون تشعر بطعم مختلف للتعليم، فهي مكان لتجمع الطلبة الباحثين عن العلم الحقيقي الذين لا يفكرون إلا ببناء مستقبل مشرق ومميز".