أسرة ومجتمع


​النساء في بساتين بيت لاهيا.. كَدٌّ وتضحية وليالي سمر

شمال قطاع غزّة، أنا اليوم في قمةِ سعادتي، أجلس في تلك الساحة الأرضية الواسعة أحتسي قهوة الصباح بنكهةٍ لهوانيّةٍ، ثمّ عصير الليمون الشهيّ بالنّعناع من ثمار الأرض، حيث بيت الحاجين الثمانينيين الفلاحة "أم زاهر طنطيش" وزوجها أستاذ اللغة العربية.

أسهم شمس العاشرة تتسلّل من الأعلى، عبر الفتحات الصغيرة الفاصلة بين جريد النخيل الجاف ووريقات شجرة العنب الطريّة المتسلّقة على السّقف، فترسم على الأرض وعلى أصابعي ودفتري أشكالاً وخطوطاً وظِلالًا، فيما تلمع في كوب الماء النقيّ فتزيده جمالًا.

انتظرنا الحفيدةَ أن تحضر لجدّتها "أم زاهر" غطاء رأسها الأبيض، ليتناسق مع ثوبها الفلاحيّ المُطرّز، ويكسوها بوقار الكبار وهيبتهم، ثم انطلقنا بالسيارة إلى الشمال من بيت لاهيا، فهي مُرشدتي إلى المزارِعة "أم يوسف غانم"، التي عملت سنين طويلة في أراضي عائلة "طنطيش" فكانت كابنتهم ولاقت منهم كل الحُبّ.

مزارع الخير

في طريقِنا إلى تلك الأرض كانت زهور الحنّون تتأنّق وسط البساتين الخضراء، وتتمايل الطويلةُ منها كعروسٍ بفستانٍ أحمر، فيما رائحة الفل والياسمين تعبق في الأرجاء فتنثر في قلبي أملًا ومرحًا، حتى اتّجهت السيارة التي استقللناها إلى الغرب، وما تزال الأراضي الخضراء تحاصِرنا.

نزلنا بهدوء وأنا أراقب المكان الهادئ إلا من أصوات العصافير وسواقي الماء وصياح الدّيك، وكلماتِنا المتناثرة، فيا لعظمة الله تبرز في أبسط تفاصيلِ خلقِه التي اعتدنا على رؤياها وربما لم نلتفت إليها.

مساحات شاسعة مسيّجة بالأسلاك ومليئة بثمار الفراولة الأرضية المغطّاة بالنايلون، وبجوارها تعلو أوراق البصل الأخضر والباذنجان، فيما امرأةٌ ذات وجنتين حمراوين غامقتين، تنحني وتقلع بعض الحشائش المنتشرة حول الثمار.

للدخول لتلك الأرض المُسيّجة كان لابد من اجتياز بابٍ خشبيٍ يوصِلُ إلى غرفةٍ صغيرةٍ يساراً، وإلى الأرض الزراعية يميناً، وإلى الباب تستند امرأةٌ قد جلست تفصل أوراق البصل عن رأسِها وتضع كل نوعٍ في كومةٍ، عرفتُ فيما بعد أنها "أم رامي أبو ديّة" اللاجئة من قرية حمامة، جاءت من منطقة تلّ الزعتر إلى أرضِها المقاربة لتلك المزرعة التي التقيناها فيها، وتلك عادتُها اليوميّة كما تقول لـ"فلسطين".

وتحكي: "آتي كلّ يومٍ بواسطة (التوكتوك) إلى أرضي هناك -تشير بيدها جهة الشرق- فروحي كلها معلّقة في الأرض الخضراء، لكنني هنا الآن أساعد جارتي في تجهيز أكوام البصل للبيع، الله يعينها على شغلها الصّعب".

وبما أنها لاجئة سألتُها كيف وجدتِ "اللهاونة" يا أم رامي طالما أنكِ تتعاملين معهم وتأتين إليهم يوميًا؟ لم تُفكّر في إجابة منمّقة فكان ردّها السريع: "أحسن مِنّا والله"، فابتسمنا قبل أن تُكمِل: "إنهم طيبون زيادة، علاقاتهم يسيّرها الأخذ والعطاء، فتجد العلاقات في العائلة كلها قويّة، وكذلك تجد كلمة الكبير فيهم لها قيمتها، ولتلك الأسباب وأسباب أخرى كثيرة أسعد دومًا بمجاورتهم وصحبتهم".

وبصمتٍ وهدوءٍ وابتسامةٍ رائقة تأتي إلينا ذاتُ الوجنتين الحمراوين تحمل طبقاً مليئاً بثمار الفراولة الحمراء، وتقدّمتها إلينا فكانت دافئة لكنها شهيّة للغاية، حيث قطفتها للتوّ وكنا حينها في عِزّ الظهر أواخر شهر مارس.. "تفضلوا.. قطف جديد".

تأتي امرأةٌ وتطلّ من الباب، كانت تلف وجهها بغطاء رأسِها فلا يظهر منه غير عينيها وشيء من أنفِها، وتخبر أم رامي -التي ما تزال منهمكةً في أمر البصلِ- أن فرن الطين بات جاهزًا للخبز وأنها بانتظارِها، فخمّنْتُ أنها بدويّة وكان ظنّي في محلّه، فتلك عادة نسائهم إذ يلثمن وجوههنّ حين يخرجن من بيوتهنّ كما علمت بعد لقائي بالكثير منهنّ في بعض قصصي الصحفية.

حيّتنا بإشارةٍ عابرةٍ برأسِها ثم انطلقت مع أم رامي التي دعَتني لزيارتِها في أرضِها على بعُد بعض الأمتار من المزرعة التي أتواجد فيها الآن، فوعدتُها بذلك بعد الحديث مع المُزارِعةِ أم يوسف، وكلّي شوق.

نعمل لنعيش

أم يوسف وضعت يدَها على خاصرتها وانخفضت بهدوء وهي تكزّ على أسنانِها لتفترش الأرض الرملية، وتأخذ دور أم رامي، فكان طفلاها عبد الهادي (13 عامًا) وحسن (16 عامًا) اللذان تركا المدرسة لمساعدتها يقتلعان البصل ويحملانه على ظهريهما ويسيران من أقصى المزرعة لأولها ثم يكوّمانه أمام والدتهما.

تحكي لـ"فلسطين": "آلام الظهر لا تفارقني، فالعمل اليدوي من قطف وتعشيب وتوريق وتغطية وتكشيف، كلها أعمال مُرهقة ومتعبة للظهر والساقين، ناهيك عن العمل تحت أشعة الشمس الحارقة للوجه".

تضع كفّها على وجنتِها وتخبرنا أن احمرار وجنتيها لتلك الدرجة كان نتيجة المكوث في الشمس الحارقة طويلًا، وتعلق: "لكن هذا مكتوب علينا، إنْ عمِلنا نأكل ونعيش، وإن لم نعمل لن نجد اللقمة، فالأرض حياتُنا".

أليست الأرض ملكاً لكم؟، "لا بل نستأجرها منذ عشرة أعوام من صاحبها، ومساحتها ستة دونمات، مقابل مبلغ مادي ندفعه له كل عام". توضح.

وتقول: "مذ كنت طفلةً في عمر السابعة وأنا أعمل في الزارعة وتحديداً التوت الأرضي (الفراولة)، حتى فهمت كل أصول زراعتها".

وتضيف:" أكثر المواسم المتعبة في عملنا هو موسم الفراولة والذي يستمر من شهر سبتمبر حتى مايو من العام التالي، ثم يأتي موسم الباذنجان في الثلاثة أشهر التالية، وهكذا..".

الفاطمتان الضحيّتان

وفي بعض الأشهر تحتاج الأرض لعمالٍ يصل عددهم لأربعة أو خمسة، يعملون يداً بيدٍ كأنهم إخوة، وفق وصف أم يوسف التي فقدت ابنتين لها دهساً وهي منهمكةٌ في عملِها في الأرض، كلتاهما كانتا في عمر العامين واسمهما "فاطمة"، لقد كانتا ضحيّة لعملِها وتوفير الرزق لأبنائها.

تروي مستذكرةً: "قبل ما يقارب 17 عامًا خرجت لأشتري مشروبًا غازيًا للعمّال الذين نستأجرهم لمشاركتنا العمل في الأرض، وكنت قد جهّزت اللحم المفروم وأرسلتُه لمحلّ الشوي، فكان الكباب جاهزًا والعمّال متلهّفون لتناول الغداء بعد يومٍ مرهق في العمل".

فإطعام العامل عادة وخلق كان وما يزال قائمًا عندهم ولا يمكن تركه مهما كانت الظروف وفق قولِها، والتي أضافت: "تركت يدها للحظة قبل أن يدهسها باص (فلوكس) وتسقط ويدها الصغيرة ما تزال تقبض على كيس الحلوى".

أما فاطمة الأخرى، فقد كانت برفقةِ أختيها الطفلتين نورا وختام، حيث طلبت منهما والدتهما أم يوسف أن يذهبنَ لبيت جدّهم لشدة ما كانت منشغلة في خلع ثمار اللفت كي تكسب الوقت ويذهب زوجها لبيعه في السّوق في وقتٍ مبكّر، لتتعرّض الأصغر بينهنّ للدّهس بواسطة شاحنة ماء، وتفقد العائلةُ طفلةً جديدة، وفق حديث أم يوسف التي تركت البصل من يديها لشدّة ما انغمست في الحديث عن ذكرى طفلتيها وأثَّر فيها.

وما تزال أم يوسف اليوم تحتفظ بملابس الفاطمتين الضّحيتين حتى اليوم، فتشمّهما كلّما اشتاقت لضحكتيهما وتتركهما بجوار وسادتِها حتى تغفو.

تحكي لـ"فلسطين" بأسف: "لقد كانا موقفين مؤلمين للغاية، لكن زوجي رفض دفنهما قبل إخراج السائق من السجن وإعلان الإعفاء عنه، معتبرًا أن ذلك قضاء وقدر من الله ولا ذنب فيه للسائق".

تنفض أم يوسف الماضي بالعودة لابتسامتها الهادئة ولتقطيع البصل من جديد، وتحكي لي أنها تحلم بذلك اليوم الذي ترتاح فيه وتعيش سيدةً في مملكة بيتِها بعيداً عن الشمس الحامية والعمل الذي لا ينتهي، وأن يكون ذهابُها للأرض لاستنشاق الهواء العليل والتمتع باحتساء كوبٍ من الشاي بين الأراضي الخضراء، فالعمل من أجل توفير لقمة العيش مختلف كثيرًا عن العمل فيها لـ"تغيير الجوّ"، وفق حديثها.

إلى بيت الفرن

تمنيت لها ذلك وشكرتها مودّعةً، ثم سرت برفقة ماجدة (40 عامًا)، ابنة مرشدتي أم زاهر، شارعًا قصيرًا لنزور أرض أم رامي ورفيقتها ذات اللثام أم عطا السواركة البالغة 37 عاماً، لقد كانت رائحة الخبز الناضج على فرن الطين دليلاً للتعرف على أرضها الخضراء.

دخلنا باب المزرعة الصغيرة، فكانت شتلات النعناع والمريمية والريحان والزعتر على طول الطريق ممتدّة يميناً، وحَمائم من حولنا تطير بحريّة واطمئنان، وديكٌ أبيض بعينين حادتين يصيح عالياً، ودجاجاتٌ تنقنق تحت أشجار البرتقال والزيتون يساراً، فيما القطة ذات الشعر الأبيض الكثيف تقترب مستأنسةً بقدومِنا، ثم تحوم بالقرب من الطفلين عطا وصبحية السواركة وهما يغمسان خبز الطين الساخن بطبق زيت الزيتون بعد أن جاءا من بيتهما المجاور وجلسا على مقعدٍ خشبيٍ تحت شجرة الليمون.

"يا أهلاً وسهلاً.." رحبت بنا أم رامي صاحبة الأرض وهي تجلسُ بجوار الفرن المشتعل منشغلةً في إلقاء دوائر العجين المفرودة فيه فينتفخ على الفور، فيما أم عطا تدسّ أعواد الزيتون الناشفة فتُشعل نارَه زيادة.

تُعرّفنا أم عطا بالمكان وتشير خلفاً إلى بيتِها، وتوضح: "لقد بناه لنا أحد ملاك الأرض هنا، أشفق على حالنا حين كنا نسكن في بيتٍ من (الزينكو) وتدلف علينا أمطار الشتاء من كل جهة".

وتقول: "إنني ممنونةٌ له لآخر العمر، ومعروفه لا يمكن نسيانه أو تغافله، فما أصعب أن تكون في بيتٍ غير صالحٍ للحياة الآدمية، وأن يكون لك بيتٌ يعني أنك تعيش كريمًا عزيزًا وأنّ لك قيمةٌ كإنسان، وهذا من حقّ كل البشر".

أما أم رامي فتأتي يومياً لهذا المكان، فهو حياتها وسر سعادتِها، تقول: "الحياة الحقيقية بين تلك الأشجار وفوق تلك الأرض، ويا ليتنا نعود لأراضينا في قرية حمامة فهذه الأرض لا تُذكَر أمام أراضي أجدادنا المسلوبة".

وتضيف: "العيش في العمارات الصامتة الجامدة يقصّر العمر، ويُشعرك بالمرض، أما هنا فإنك تشعر بالحياة تدبّ في جسدك من جديد، لذلك فإنني أرى حياتي وراحتي النفسيّة في هذا المكان".

تدسّ رغيفًا جديدًا في الفرن، وتمسك آخرًا ناضجًا للتوّ، وتلقيه بين يديّ لأتذوّق، فيلسع كفّي شيئًا خفيفًا، وما تزال عيناها معلّقتان بي في انتظارِ تعليقي.

أخبرتها أن "رائحته تسلب اللب فما البال بطعمِه، لا بد أنه شهيّ للغاية" فاطمأنّت وهي بالحقيقة ليست بحاجةٍ لمن يثبت لها روعة مذاقِه، ثم ابتسمَت وأكملت عملها.

أم رامي تقضي العديد من الليالي برفقة زوجها سائق التاكسي وأولادِها في تلك الأرض الخضراء، تغامزهم النجوم ويؤنسهم القمر، يسهرون ليلًا طويلًا بصحبة كؤوس الشاي والقهوة والضحكات المتناثرة، لا مجال هناك للكدر أو الهمّ، فالحياة أقصر من أن يضيعوها بالتكدير على أنفسهم. تعبّر: "الحياة تمرّ بحلوها ومرّها، ويا لحظّ من غنِم الحلو فيها وتجاهل المُر، ومن يتمنّى أن يعيش الحياة الحلوة عاشَها لأن السعادة قرار من داخل الإنسان ولا علاقة لها بالظروف لأن كل ظروفنا وأمورنا بيد الله تعالى".

الأرض تعلّم الحب

لم أمكث كثيراً وإن كنت أتمنى ذلك، بين حلو الحديث والطبيعة، لكن العودة لصحيفتي "فلسطين" باتت ضرورية، استأذنتها في قطف شتلتين من النعناع لتكونا النكهة المميزة لكوب الشاي على مكتبي فغمرتني بلطفِها وبالكثير من الشتلات ذات الرائحة الفوّاحة.

ودعتهم والتقطت لهم الصّور الجميلة، وعدتُ أدراجي برفقة "ماجدة" التي لم تنفكّ من التأمل في الطبيعة السّاحرة، ومن أن تدلّني على مواطن الجمال هنا وهناك كونها من أهل بيت لاهيا، لأتقابل من جديد مع عائلتهم المتواضعة ذات الكلام الطيب والحديث المتأدّب، وأجد في انتظارِنا أخاها ليقلنا ووالدته أم زاهر بسيارتِه.

استقلَلْنا السيّارة عودةً إلى الجهة الجنوبية من جديد، فتخبرني أم زاهر الجالسة في المقعد الأمامي مشيرة إلى الغرب بأن تلك المنطقة اسمها "الشّادوف" أو "الساقية" أما تلك فاسمها "البهرجان" وهذه "التين ونيس".. فقلت لها حينها "إنكم أجمل وأروع ونيس قضيت معه يومين واحتسيت برفقتهم القهوة بطعم الحبّ.


​"التميّز" رأس المال في مشروع "روان الحداد"

أساس نجاح أي مشروع هو "التميز"، لتكون لصاحبه بصمة تدل عليه، حتى وإن كان يحاكي ما هو منتشر.. هذا التميز موجود في مشروع "فرحتي للمناسبات"، الذي أسسته "روان الحداد"، التي قدّمت جديدًا في عالم المشغولات اليدوية، كصواني التقديم الخشبية بأشكال وألوان ورسومات مختلفة عن الشائع، ومنحوتات بأسماء وأشكال مميزة.

بدل الوظيفة

تقول الحداد لـ"فلسطين" عن بداية مشروعها "فرحتي للمناسبات": "درست (تربية تكنولوجية) ولم أحصل على وظيفة في مجالي، منذ سبع سنوات، ففكرت في تأسيس مشروع خاص بي أشغل وقت فراغي فيه، وفي نفس الوقت يدر علينا دخلًا".

وتضيف: "أُعجبت بفكرة (توزيعات المناسبات) المصنوعة من (ورق الفوم)، فصنعت عددًا من توزيعات وهدايا أعياد الميلاد، ومعها اكتشفت موهبة مدفونة داخلي وهي قدرتي على تخيل التصميم وتنفيذه بدقة كبيرة".

وتابعت: "تعرف الجمهور على أعمالي بدأ عن طريق موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، ومنصة تبادل الصور (انستجرام)، وعبرهما كنت أنشر صورًا لبعض مشغولاتي، وأستقبل الطلبات".

لم تكتفِ الحداد بـ"التوزيعات"، بل اتجهت لأعمال أخرى تقدمها لزبائنها، ومنها الصواني الخشبية والمنحوتات، ومما صنعته على سبيل المثال صينية على شكل حبة فراولة، وليمونة، وبطيخة، وقلب، بالإضافة إلى أطباق تقديم خشبية بأشكال مختلفة، كما صنعت "صندوق مفاجآت".

وهذه المشغولات تتخيل فكرتها، وتضع تصميما لها، ثم تطلب من النجار أن ينفذها كما تريد، والأجمل أنها تلونها بألوان زاهية مختلفة وتضيف إليها بعض التفاصيل.

وكذلك فهي تجيد التطريز، الفلاحي والمدني، فتصنع ملابس وأحذية وحقائب يد للسيدات.

تعب بمتعة

ليس بالضرورة أن يعتمد النجاح على ميزانية كبيرة وأدوات ذات تكلفة عالية، بل كثيرا ما يبدأ الناجحون من الصفر، يضعون بصمتهم ويثبتون أرجلهم في السوق، ومن ثم يتوسعون شيئا فشيئا، وهذا ما فعلته "الحداد"، فهي بدأت بمشروعها بمائتي دولار فقط، وسرعان ما استردت رأس المال، وحققت الربح.

وتبين أنها لا تمتلك ورشة، بل ورشتها هي غرفتها، وتمضي أغلب وقتها في صنع هذه المشغولات، بمتعة رغم التعب، حيث تتطلب مجهودًا كبيرا ووقتا طويلا، وتسبب لها آلامًا في جسمها.

وتقول الحداد: "في بعض الأحيان، تمنعني أمي من العمل، لأنها كأي أم تخاف على صحة ابنتها، ولكني لا أتوقف، لأنني لا أعمل لمجرد العمل، بل أصنع الأشياء التي أحبها بمتعة كبيرة".

وتمضي في حديثها: "ومن أسباب رواج أعمالي هو إتقاني لصنع القطع، فبعد الانتهاء من القطعة، إن لم يعجبني شكلها العام لا أسلمها للزبائن، بل أعيد صنعها من البداية، وهذا يزيد الجهد، بالإضافة إلى أن قطعي مناسبة لكل الفئات وأسعارها رخيصة".

وتؤكد أنها ليست مهتمة بالربح الكثير، بقدر اهتمامها بحجم المبيعات.


١٠:٠٠ ص
٢٣‏/٦‏/٢٠١٨

​بيتٌ من قشّ.. انتظارًا للعودة

​بيتٌ من قشّ.. انتظارًا للعودة

جلست أمام البيت القديم الضيق، المشققة جدرانه، ترقب الطيور العائدة في مساء خريفي يفيض حرارة وكآبة، تسأل نفسها: "لماذا تسرع الطيور هكذا في الطيران؟ وكأنها على موعد تحرص على أن لا تجعله يفوتها.. وهي لن تفعل شيئًا سوى أنها ستحط رحالها في أعشاشها.. لا بد أنها تعلم أن هناك وطنًا ودفئًا وحبًا ينتظرها هناك بعد عناء يوم طويل"، أيكون العش الصغير وطن؟ نعم قد يكون.. وقد يضيق الوطن الكبير في ناظريك فلا يغدو وطنًا أيضًا.. ربما يكون ذلك صحيحًا.. ولكن: ماذا تفعل أفراد الطيور التي تعيش وحدها؟ هل يا ترى تُسارع هي الأخرى في العودة؟ لا أظن ذلك! فلمَ العجلة؟ ألتقتل وقتها بالوحدة والملل؟

انحدر تفكيرها إلى غربتها وشعورها بالوحدة، فمنذ استشهاد زوجها، وعودتها إلى بيت أهلها تجر وراءها ذيول الحزن المعتق، ما من شاغل يشغلها سوى بحثها عن إجابات لأسئلة كثيرة تهاجمها كقطيع ذئاب ينهش وجدانها، وتشعر بها كإعصار صاخب يعبث بكل ما يقع أمامه، يشتتها، يشوش أفكارها.. لماذا؟ ماذا؟ من السبب؟ متى سيكون؟ وهل فعلًا قد يكون؟.. كانت تحاول حصر الإجابة، إلا أن إجاباتها كانت حائرة مترددة كما في كل مرة، لتختمها بقول: لا أدري في نهاية المطاف! كان الحزن رفيق ودود لها وجليس دائم يدثرها بردائه.. أما الوحدة فكانت كزوجة الأب غيورة ترقب سكناتها وحركاتها، وتسخر من أمنياتها.

تتذكر أحلامها التي تظنها ضلت الطريق وغدت في ذاكرة النسيان، هي لم تطلب الكثير، فقط أرادت أن يكون لها أرض وبيت تعيش فيه برفقة حبيب قلبها.. إلا أن هذه الأمنية تبخرت وغدت خارج نطاق المقبول والمعقول، فالمحتل لم يترك لها ولكثيرين من أمثالها أملًا في الحياة.. اعتاد أن يسلب البسمة من الوجوه، والسعادة والفرح من القلوب.. هو يكره الإنسانية ويكره الحياة.. يعترف بها لنفسه فقط.. فكيف به يغتال حبها وأحلامها برصاصة غادرة حملت روح حبيب قلبها إلى الفردوس.

وحلمت منذ صغرها أن تعود إلى بيت جدها في القرية التي هُجِّر منها قبل ستين عامًا.. أرادت أن ترى البيت الذي ولد فيه والدها، ترى كرم العنب وعين الماء العذبة ترى القرية الموغلة في القدم.. حتى قبل مجيء كنعان إلى هذه البلاد.. تراها دائمًا في أحلامها مذ كانت جنينًا في بطن أمها.. فالأجنة الفلسطينيون يرثون حب الأرض وأمل الرجوع إليها في جيناتهم التي تتكتل داخل خلايا عقولهم وقلوبهم.

اغتصب المحتلون القرية، سرقوا الأرض واقتلعوا الأشجار وجففوا عين الماء، وادَّعوا ملكية كل الأشياء، فلا أرض نجت من عدوانهم ولا سماء، حتى الأسماء سلبوها وكذلك التاريخ.. تبًا لهم كم هم دجالون كذابون.

ها هي ذا تعود إلى السياج الفاصل بعد غربة طويلة داخل وطن مشتت جعلتها تشيخ قبل أوانها، تمد بصرها علها تستطيع رؤية البيت والأرض.. أو المكان الذي استقر فيه البيت على أقل تقدير.. صدمها المنظر.. بيوت حديثة، غريبة الشكل لم تعتد رؤيتها، تكتظ في المكان، وتكاد تلتهمه حتى آخر ذرة منه، تجعله غريبًا منفيًا.. سيارات فارهة، مسابح وحدائق ونوافير ماء، وكأنها الجنة والله.. يا إلهي: أنا وإخوتي، ووالدي وجدي وجميع أهلي وأقاربي نتكدس في مساحات صغيرة ضيقة في المخيمات، في بيوت تضيق بمن فيها، سقوفها من صفيح يكاد يذيب الأجساد تحت حره صيفًا ويجمدها تحت برده شتاءً وتذوب وتتجمد معه الأحلام، وهم يتمتعون في أرض اغتصبوها لم تكن ملكًا لهم في أي يوم مضى.

- أنتخلى عن حُلم العودة؟ أنستسلم للواقع وننساق معه، وننسى الماضي الذي نمتد عبره وصولًا لهذه اللحظة؟

- ليس مثلنا من يتخلى، لن أبقى جالسة أعاقر الذكريات والهموم.. سأرابط ها هنا كل يوم.. سأكون أول القادمين, سأكتب على صدري " سأعود" وليرى العالم أجمع أننا شعب لا ينسى.. أرضي متشوقة لي كما أنا متشوقة لها.

ملحوظة: شهداء مسيرات العودة.. دماؤكم تعطر أرضنا، وتبث الأمل فينا.. ونحن على دربكم نسير.. وننتظر العودة لأرضنا أو الرحيل إلى الجنة.. وكلاهما خير ننتظره.. ولجرحانا ألف سلام ودعاء.


١٠:٤٩ ص
٢١‏/٦‏/٢٠١٨

الحُبّ حتى الثّمانين

الحُبّ حتى الثّمانين

في تلك الساحة من البيت الواقع في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزّة، جلستُ على فَرشةٍ إسفنجيّة ألقَتها على الأرضِ الحاجةُ فاطمة طنطيش "أم زاهر" ذات البشرة السمراء والشعر البرتقاليّ، فكانت كلّما رفعت شاشتها البيضاء لتعديل غطاء رأسِها سطَعت أشعة الشمس تحته ولمعت في غُرّتها.

"شو هالشعرات الحلوين يا حجتي"؟ سألتها مُداعِبةً لاتخاذ مجرى لطيفاً للحديث، فتزيّن وجهُها بابتسامةٍ هادئةٍ كشفت عن قاطعين علويين مفترقين وبضعة أسنان مخلوعة، وردّت :" عند أقاربنا عرس، والشعر كله أبيض، والحنّة يا بنتي زينتنا من أيام زمان".

"دعينا إذن نتحدّث عن أيام زمان، فتلك الأحاديث تستهويني كثيراً".. ردّت وما تزال ابتسامتها توشحها :"80 سنة شو بدنا نحكي "تنحكي يا بنتي؟" أخفضت رأسها لتلملم بعض حبات شعير وضعتها في حِجرها، ثم ناولتها لابنتها ماجدة (44 عاماً) وطلبت منها أن تنثرها عند الدجاجات، فلبّت بهدوء.

في كل ليلةٍ من ليالي عام 1955 كان السّراج الزجاجي ذي الفتيل المغموس بالكاز يضيء وسط العتمة، فينير غرفة الطين الخاصة بـِابن السنة الأولى من المرحلة الثانوية"رزق طنطيش"، زوجها الذيبات أمر تعليمِه مسئوليةً كبيرةً على عاتقه لابد من القيام بها على أكمل وجه – أم زاهر تروي-.

وتقول: "تزوجت أبا زاهر في عمر السادس عشر، كنت أنظف (لمبة الكاز) حتى تصبح برّاقة، وأجفّفها، ثم أشعلها بعود كبريت وأذهب بها إليه".. بات التعليم آنذاك نادراً ويا لحظ من يغتنمه، فكانت أم زاهر تهيئ له كل أجواء الدراسة ليصبح مُعلِّماً للغة العربية.

وتضيف: "أقدّم له صينية العَشاء وعلى لساني الكلمة المعتادة (تفضل يا ابن عم)، فيترك كتابه ودراسته ويبتسم، ويطلب مني أن أجاوره الجِلسة قليلاً، ليخفف عن حاله عناء الدّراسة المتواصلة ويستأنس بوجودي شيئاً".

تصف المشهد: "قبل أن ألبي طلبَه أسمع كَفَيِّ حماتي يضربان ببعضهما ويصلني صوتها عالياً وهي تُردّد: "راحت عنده بنت رشيد، والله ما راح ينجح السنة!"، فأرتبك وأتركه كما لو أنني مذنبة".

عمل شاق

أم زاهر أمضت حياتها في الحقول والمزارع مُذ لفظتها الدّنيا على هذه الأرض، لم توفّر جهدا في العمل، عاشت مُزارعةً تهتم بالأرض من ألفِها ليائها، فتعلّقت فيها وباتت جزءًا منها رغم التعب والمعاناة والإرهاق الذي لم يكن لينتهي يوماً، لكن كلّ سنوات عمرها الشاقّة وصحتها التي ضعفت شيئاً فشيئاً لم تذهب هباءً -وفق قولها- فتعلق: "أبنائي، وحسن أخلاقهم ورجاحة عقلهم هي رصيدي في الحياة، إنهم يفتخرون بي ويكنّون لي كل الاحترام والامتنان".

أنهى أبو زاهر دراسة المرحلة الثانوية، ثم سافر مصرَ ليكمل دراستَه، ليصله الخبر السارّ بأن زوجته حامل، مرّت الأيام والشهور، وجاءها المخاض فاطمةٌ، تصف وقد بدت من حركةِ يديها ونبرة حديثِها أنها تقارن بين نساء اليوم والأمس:" يوم أنجبت زاهر كنت راكبة على (تندة الشّحن) في الطريق لغزّة من أجل بيع التفاح اللهواني" بعد أن قطفته وجمّعته في السِلال". وتصف التفاح: "يامحلاه" نصفه أخضر ونصف أحمر ورائحته نفاذة".

طفلة ثم زوجة

أما عن حياتها اليومية فكانت متعبة للغاية وفيها العمل لا ينتهي، توضّح:" قبل بلوغ الخامسة عشر كانت مهمتي بسيطة أهمها النّطْر على التلّة وحراسة مزارعنا بصحبة الجارات وبنات العم، ثم في الخامسة عشر، بدأت أقوم بما تقوم به النساء، فأحمل السلال الكبيرةعلى رأسي وبداخلها السلال الصغيرة المملوءة بالثمار الطازجة والمربّطة بإحكامٍ بعيدان نبات الهيش".

وتضيف: "كنا نخرج من بيت لاهيا الثالثة فجراً أو قبل ذلك، لنصل إلى سوق (فراس) في غزة قرابة السادسة صباحاً، نسير على أقدامِنا فنقطع سوافي الرمل ونتخطّى التّلال، والسّلال تضغط فوق رؤوسِنا، وبين وقتٍ وآخر نأخذ قسطاً قليلاً من الراحة، أما إن خرجنا بحدود الرابعة فجراً فإننا لا نتوقّف لنرتاح أبداً، بل نستمر في السير على نفسٍ واحد لئلا نتأخر، ونخسر بيع بضاعتِنا".

وتتبع: "حين نصل إلى السوق منهكين، نُنزل السلال عن رؤوسنا ونرتبها ونجلس القرفصاء غالبية الوقت، تلك الجلسة المُتعِبة، خاصة في فصل الشتاء حيث تكون الأرض مغموسةً بالماء، فلا نستطيع الجلوس على الأرض".

وتوضح أنه في حدود الساعة الثانية عشر تنفذ البضاعةُ وينتهي البيع، فيكافئن أنفسهنّ بشراء قليل من حلوى "النّمورة" من أحد الباعة في غزّة، ثم تعود الفلّاحاتُ أدراجهنّ خفيفاتٍ بسلالهنّ الفارغة، يقطعن نفس السّوافي والتلال، حيث الشمس عمودية تصبّ في الرؤوس وتغلي في الرّمال، التي تحشر حبيباتِها في أحذيتهنّ فتسلعهن وقد أسمتها أم زاهر "السُّمِّيطة"..

أم زاهر كانت تتمنّى أن تحصل على فرصةٍ للتعليم الذي بدأ ينتشر بعد الهجرة عام 1948، لكنها لم تملك أن تحصل عليه، إذ كان ردّ أخاها الأكبر آنذاك بحنوّ ومحبّة:" لن يفيدك التعليم يا فاطمة، وأن تجلبي الحليب يومياً أفضل لك ولنا".

لكن تلك الفرصة حظى بها أبو زاهر فذُلّلت له كل العقبات ليكون مدرس لغةٍ عربية وفلاحاً أيضاً يفتخر به الطلابُ وأهلُه .

بين الحقول والمزارع

استقللتُ سيارةً برفقته وزوجِه وابنتِه ماجدة وانطلقنا عبر الشوارع الترابية إلى أقصى الشَّمال حيث تنتشر المزارع عن اليمين وعن الشمال، وتعمّ السكينةُ والهدوء، فتداعب وجوهَنا النسمات المتدافعة من نافذة السيارة المُسرعة وقد اختلطت برائحة زهور الليمون والفلّ والياسمين مُعلنةً قدوم فصل الجَمال والخُضرة.

جلس أبو زاهر في المقعد الأماميّ بعد أن اطمّانّ على أم زاهر التي يصعب عليها ركوب السيارة بسهولة، وتأكّد من راحةِ جِلستِها، فعملها الشاق طوال حياتِها أنهَك صحّتها وأتعب مفاصِلها لكثرة ما كانت تحمل أحمالاً ثقيلةً في رحلةِ ذهابِها إلى السوق، إلى جانب قطف الثمار الأرضية التي تضطر فيها لخفض جسدها، وكذلك تجميع الأحطاب ونقلها، وغيرها من الأعمال، فأجرت الكثير من العمليات الجراحية من بينها تركيب ركبتين صناعيتين، وفق حديثها.

أسعدني مشهدُ أبي زاهر فقد بدا لي صاحب قلبٍ كبير، فسألتُه حينها بنبرةٍ مازِحة عمّ تعني له زوجتُه، فابتسم ابتسامةً واسعةً والتفتّ إليّ في الكرسي الخلفيّ وردّ باندفاعٍ: "أم زاهر في القلب من جُوّا، هي اللي مْحلية حياتي"، ابتسمتُ بعمقٍ وابتسمت هي الأخرى، وربتت على كتفِه وهي التي تجلس خلفَه مباشرةً، ثم ردّت عليه: "يا راس قلبي، يا عينيّ التنتين أنت"، فامتلأت السيّارةُ بضحكاتِنا.

لقد بدا حبّهُما عفوياً صريحاً لم يُقيّده شارعٌ عامٌ ولا سائق تاكسي غريب ولا صحفيةٌ لأول مرةٍ يتعاملان معها.

وصلنا إلى أرض عائلة "أبو زاهر" فكانت السواقي ترشّ مياهها الحلوة على الأشتال الخضراء والأوراق الطريّة، فيُلامِس وجوهَنا بعض رذاذِها اللطيف فتنعشني تحت أشعة الشمس الحامية، وفيما راح أبو زاهر يستظل على كرسيّه بظل شجرة، تقدّمَتْ إليه أم زاهر وجلست بجانبِه فكانت فرصتي لالتقاط أجمل الصور لهما وهو يقول:" أرضنا كنزنا وروحُنا فهي التي تربط أرواحَنا ببعضها لأن كل رملةٍ وشجرةٍ وقطرة ماء فيها لا تعيش إلا مترابطة، إنها جزء من وجودِنا، وهي التي تعلّمنا الحب والتماسك، ومن يمتلك الأرضَ ثم يفقدها كمن فقد روحَه وحياتَه، لذلك فإنني أشارك في مسيرات العودة الكُبرى وإن كنت كبير السن وكانت أصولي تعود لبلدة بيت الأهل ولستُ من أصحاب القرى المهجّرة عام 1948، أما أم زاهر فقلبها هناك لكن صحتها لا تسمح لها بالمشاركة، فنحن فلسطينيان ونشعر بحجم الأسى والظلم الذي يعيشه اللاجئ بسلب أرضِه".

لم يقبل أبو زاهر بصورةٍ تقليديّة فلفّ ذراعَه على ظهرِها فيما هي أسندَت ذراعها على ركبتِه ليبقى مشهدهما آخر ما التقطته عينايَ وكاميرتي، ثم تنتهي رحلتي وأعود لصحيفتي وأنا أكتب فيهما بعض الكلمات..

"هنا الحُبّ حتى الثّمانين.. يتغلغل في عمق البساتين.. بين ثنايا "شاشةٍ" بيضاء.. ولحية قصيرة.. في حفائف عباءةٍ سمراء وتحت حصيرة.. هنا الحب يتسلل على سطح كتفين شامخين.. على طول عكّازين وتحت قبعةٍ صغيرة.. هنا الحبّ يتدلّل في صبغةٍ حنّاء.. بين خصلات شعرها البرتقالية.. بين خيوط ثوب فلاحيّ مطرز بألوانٍ عنّابية.. هنا الحب غافٍ تحت كفّها .. كطفلةٍ في مهدِها".