أسرة ومجتمع


​33 عامًا بخاري يحيك كسوة الكعبة

33 عامًا مرت ولا زال الحاج حسن البخاري يجلس ذات الجِلسة، وهو يحيك آيات القرآن الكريم بخيوط الفضة المطلية بالذهب على كسوة الكعبة، التي تتزين بها جدران الكعبة في التاسع من ذي الحجة من كل عام، موعد نفير الحجاج إلى جبل عرفات.

"فلسطين" وصلت إلى الحاج حسن بخاري عن طريق أحد حجاج قطاع غزة الوافدين إلى الديار الحجازية هذا العام، وتعرفت منه في عجالة سريعة على ما يقوم به من مهام في حياكة أستار الكعبة.

بخاري الذي يدل صوته على حب كبير لمهنته، يقول: "أنا أحب عملي هنا جدًا، وأشعر براحة كبيرة خلال جلستي في العمل، فمنذ 33 عامًا وأنا أعمل في حياكة الآيات القرآنية ضمن كسوة الكعبة"، مشيرًا إلى أنه عرف أسرار العمل وتعمّق فيه كثيرًا واخترع العديد من غرز الخياطة ليضفي تجديدًا على حياكة الكسوة.

وكسوة الكعبة التي تستغرق حياكتها ما يقارب تسعة أشهر حتى يتم إنجازها –وفق قوله– تنقسم مهام العمل فيها إلى عدة أقسام ومراحل، فهناك قسم النسيج اليدوي الذي يحصل على خيوط الحرير، ويقوم بنسجها للحصول على قطعة قماشية.

ويلفت إلى أن القماش نوعان، النوع الأول محفور عليه الآيات القرآنية والتسبيحات، والنوع الثاني قماش سادة يتم إرساله بعد الحياكة إلى قسم الطباعة لطباعة الآيات القرآنية، منوهًا إلى أن المرحلة الثانية بعد طباعة الآيات هي نقل القطعة القماشية إلى قسم الحزام -والذي يعمل فيه بخاري- وفيه يتم حشو الحرف بالقطن الأصفر بارتفاعات معينة عن سطح القماش، ثم مرحلة حياكة القطن الأصفر بأسلاك الفضة المطلية بالذهب.

ويقول: "يحيك كل منا قطعة قماش بالآلية المتفق عليها، وبعد ذلك يتم نقل القطع القماشية إلى قسم تجميع الآيات ليتم حياكة القطع القماشية سويًا وتجميعها على شكل حزام الكعبة، ووصلها ببقية كسوة الكعبة".


​"قنبلة غاز" فصلت محمد عن الحياة

توسلات هاني عماد (48 عامًا) لم تقف حتى اللحظة، وهو يناشد كل من يستطيع أن يقدم يد العون لعلاج ابنه محمد (15 عامًا) خارج قطاع غزة، خاصةً أن أطباء القطاع يؤكدون أن علاجه ليس في غزة بل خارجها.

فالطفل محمد مصاب بنوبات تشنج متكررة إثر استنشاقه كميات كبيرة من الغاز الذي يطلقه جنود الاحتلال الإسرائيلي تجاه المشاركين في مسيرات العودة الكبرى في منطقة السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.

غيبوبة طويلة

يقول الوالد لـ"فلسطين": "استنشق ابني يوم الجمعة 10 أغسطس كميات كبيرة من قنابل غاز الاحتلال الإسرائيلي شرق مخيم البريج، ما تسبب بإصابته بتشنجات كبيرة، وهو يضرب جسمه في السرير كل 5 دقائق، ويدخل في غيبوبة طويلة لما يقارب نصف ساعة، ومصاب بتورم في عينيه، ولديه شد أعصاب، ويعض على لسانه".

ويضيف: "الأطباء يقولون إن علاجه في الخارج، والمضاد لجرعات الغاز متوفر في الداخل المحتل"، مشيرًا إلى أن وزارة الصحة في غزة حاولت المطالبة بهذا المضاد عن طريق الصليب الأحمر ولكن الاحتلال يرفض.

ويتابع الأب حديثه بألم عن ابنه: "حتى هذه اللحظة يدخل محمد في غيبوبة وتشنجات مستمرة، هل يوجد في هذا العالم أصعب من أن تجد ابنك أمامك ملقى على سرير ويعاني من تشنجات غريبة ولا تستطيع فعل شيء له، ولا حتى الحصول على جواز سفر من أجل علاجه بالخارج".

مسيرة العودة

ويشير إلى أن ابنه محمد كان قد أصيب قبل ذلك مرتين في مسيرة العودة، الأولى بقنبلة غاز في جسمه وتعرض على إثرها لجرح كبير، وفي المرة الثانية أصيب بطلق ناري في يده اليمنى وعلى الرغم من ذلك كان يعود في كل مرة للمشاركة في مسيرة العودة.

ويضيف الأب وهو جريح سابق في الانتفاضة الأولى وأسير محرر: "كنت أتمنى لو بترت يده أو قدمه، فهذا أفضل بكثير من عيشه في حالة صعبة جداً كهذه؛ فأنا لا أستطيع السيطرة عليه من شدة التشنجات".

على المسكنات

ويتابع قوله وهو يشعر بحزن شديد على ما ألمّ بابنه: "الأطباء في غزة قرروا أن يعيش محمد على المسكنات فقط، وقد يعاني مستقبلا من آثار التشنجات الحالية، واليوم أصيب بورم جديد في عينيه بشكل مفاجئ".

ويمضي بالقول: "نحن في غزة نخسر أطفالنا بسبب الغازات المسيلة للدموع (...) أخبرني الأطباء أن محمد يحتاج فترة طويلة من أجل خروج الغاز من جسده".

تحت الصفر

ويقول:" إذا قلت بأن وضعي صفر فإنني أكذب، بل الصفر له قيمة أكبر من وضعي المادي، أنا أعيش تحت الصفر، رغم أنني خريج جامعة الأزهر من كلية تربية إسلامية، ومن تخرجوا معي الآن لديهم مناصبهم ولكن بسبب ظروف الأسر حُكم عليّ أن أعيش هذا الوضع".

"عماد" يطالب كل الشرفاء وأصحاب القلوب الرحيمة بأن يتحركوا بشكل عاجل من أجل إنقاذ ابنه من موت محقق بسبب التشنجات التي يعاني منها، قائلاً:" لو كنت أمتلك الأموال الكافية لعلاج ابني في الخارج لسافرت ولكنني لا أملك حتى ثمن جوازات السفر، بالأمس بعت الزيت من منزلي كي أستطيع الذهاب للمستشفى".

بأسى يختم حديثه:" كل ما أريده فقط أن يعالج ابني بطريقة صحيحة، وأن يعود كما كان".


الأسير رداد.. جنرال الصبر ومناطح السجان

رغم حكم الاحتلال الإسرائيلي بالسجن 20 عامًا، وقضائه ما يقارب 13 عامًا في الأسر، واشتداد المرض عليه، حتى أنه أطلق عليه بأنه أخطر حالة مرضية في سجون العالم، إلا أنه في كلّ زيارة يتحدث مع أخيه الأصغر منه بأمنيته بأن يخرج من السجن ليعيش مع والدته أيامًا قبل أن يأخذ الله أمانته خاصة مع تدهور حالته الصحية.

الأسير معتصم رداد (36 عامًا) من قرية صيدا شمال طولكرم، يعاني مرضًا مزمنًا يفتك بخلايا جسده مسببًا له أنينًا وأوجاعًا تكفيه لأن تشعره بالعزلة والوحدة وهو بين أهله، فكيف وهو يعاني المرض في سجون الاحتلال في ظل عدم تلقي العلاج المناسب، والقيود التي تكبل جسده وثقله بجانب المرض الذي أنهكه.

شقيقه عمر، قال: "يعدّ معتصم جنرالًا في الصبر والتحمل، فبالرغم مما يعانيه من أوجاع وآلام بسبب إصابته بمرض سرطان الأمعاء، إلا أنه يغرس فينا الصبر في كل زيارة لنا، بدلًا من أن نقوم نحن بهذا الدور في مواساته على السجن والمرض".

اعتقل رداد في يناير/ كانون الثاني من عام 2006 هو ومجموعة من أصدقائه، وحكم عليه بالسجن الفعلي عشرون عامًا بتهمة الانتماء والعضوية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ومقاومة الاحتلال الصهيوني بعد مطاردة استمرت ما يقارب عامًا، إلى أن حاصره جيش الاحتلال في منزل في مدينة جنين، وبعد اشتباك مسلح مع الجنود واستشهاد صديقيه اللذين كانا برفقته، تمكن الاحتلال من إلقاء القبض عليه، وقد كان يعاني جروحًا وشظايا في أنحاء متفرقة من جسده، وما زالت تترك آثارها عليه حتى هذا اليوم.

وكان في فترة المطاردة كل بضعة أشهر يسترق زيارة أهله خلسة ولا تتعدى ساعة، إلا أن الجالس معه يشعر وكأنه لا يحمل همومًا، ويعيش بأريحية بعيدًا عن أوجاع الاحتلال وجبروته، فكان يضحك أهله ويمازحهم، ويطمئن على أخبارهم ثم يرحل.

وأضاف عمر: "عندما تم اعتقال معتصم ونقله إلى جهة مجهولة، لم يتلقَّ العلاج المناسب، كما أن عائلتي لم تعلم باعتقاله إلا بعد خمسة أيام من ذلك، رغم أننا خلال فترة مطاردته عانينا من ممارسات الاحتلال من الاقتحامات المستمرة للبيت، والتفتيش، والعبث بمحتوياته، إلى جانب الاستدعاء من أجل التحقيق".

معتصم تعرض لتحقيق قاسٍ وخلاله تم ضربه وتعذيبه بشدة رغم أنه كان يعاني من شظايا وجروح، ولم يتلقَّ العلاج، بل على العكس كان يسكب على جروحه الماء البارد من أجل الضغط عليه وإجباره على الاعتراف، ومن شدة التعذيب كان معرضًا لكسر في أطرافه، أو أظفاره وأسنانه.

وفي زيارته الأخيرة في سجن الرملة قبل أسبوعين، أوضح عمر أن وضعه الصحي في حالة تدهور كبير، ونسبة قوة دمه لا تتعدى 7، مع استمرار حالة نزيف الدم، إلى جانب تهتك في الأمعاء، ونقص حاد في المناعة، وظهور ثآليل في أنحاء متفرقة من جسده، وضعف في القلب والنظر، وتهتك في عصب قدمه اليسرى الذي أدى إلى عدم قدرته على المشي، وتآكل في فقرات العمود الفقري، وكسور في القفص الصدري بسبب هشاشة العظام، ورغم كل هذا إلا أنه لم يتلقَّ العلاج المناسب.

ولم يكتفِ الاحتلال بأوجاعه وألمه بل زاد من معاناته بحرمانه في فترة من الفترات من زيارة أهله، وخاصة التشديد في إصدار تصريح والدته للزيارة إلا كل عدة أشهر لبضع دقائق لا تتمكن فيها من أن تروي ظمأ شوقها، وتمعن النظر فيه والاطمئنان عليه.

اعتقل معتصم وهو في ريعان شبابه، محبوب بين الجميع، كان راسمًا للبسمة على وجه أهله ومحبيه، ومع ذلك عنيد من أجل استرداد حقوقه، ويمتلك حنجرة ذهبية ذات صوت حانٍ في قراءة القرآن، والنشيد.

وقبل اعتقاله الأول التحق بجامعة فلسطين التقنية خضوري من أجل دراسة الميكانيكا، وبعدما تم الإفراج عنه التحق بالمجال الرياضي، فقد كان رياضيًا بامتياز حصل على المركز الأول في سباق الضاحية.

ومعتصم الذي يعاني من الكثير من الأوجاع والآلام إلا أنه صاحب معنويات عالية، فحياته في الأسر عبارة عن مرض وأوجاع وعلاج، ورغم ذلك إلا أنه لا يقبل الظلم والأسى ويناطح السجان من أجل استرداد حقوقه، ففي إحدى الزيارات قام الاحتلال بتشغيل آلات للتشويش فرفض إكمال الزيارة حتى إيقاف الصوت.

وكلُّ ما يتمناه الأسير ردّاد حاليًّا هو أن يعانق الحرية ويعيش ما يتبقى من عمره بجانب والدته.


بائع حلوى يتجرع مُرَّ المرض في سجون الاحتلال

كانت فرحة الأب أبو سامر أبو ديّاك غامرة، فقد تمكّن –أخيرًا- ابنُه الأصغر "سامي" من استلام عملٍ يكسب منه قوت يومِه ويشغل به فراغَه، ويؤسس به مستقبلًا جميلًا في عمر الثامنة عشرة حيث مدينة الناصرة الباهرة، ففي أحد المحلَّات التجارية هناك يبيع الحلوى ويمضي وقتًا طويلًا في ذلك العمل، يغفو ويستيقظ في تلك المدينة ولا يعود لبيتِه في بلدة سيلة الظهر جنوب محافظة جِنين إلا بعد فترة اشتياق كبيرة لأهلِه.

تلك الفرحة قُتِلت عام 2002 بمجرّد أن اعتقل جيش الاحتلال الإسرائيليّ سامي، بينما حوّلها المرض الذي لا يفارقُه إلى أسىً وحزنٍ يلازم والدَيه والعائلة بأكملِها وفق ما يروي أبو سامر لـ"فلسطين".

وكان سامي من مواليد الكويت، بعد عودتِه منها قد التحق في جهاز السلطة، لكنه تركَه بعد فترةٍ تقارب العام، أما تهمته التي حوكِم عليها من قبل جيش الاحتلال بـثلاثة مؤبدات فكانت الاشتراك مع آخرين في تصفية عدد من الجواسيس، بينما الثلاثون عامًا الإضافية فكانت بسبب تذمّره من الحُكم وسبّه للقاضي.

يعلق والدُه أبو سامر ساخرًا:" وهل يهمّ الأسير ثلاثين عامًا إن كان قد حُكِم عليه بمؤبداتٍ ثلاث؟!".

ويوضح:" كان سامي شابًا يافعًا في ريعان شبابِه وصحّته، لم يكن يعاني من أي مرضٍ يُذكَر قبل أن يُصاب برصاص جيش الاحتلال ويتم اعتقاله ويعاني هناك من ويلات المرض الذي لم يقع لولا الاهمال الطبي الذي عايشه في السجون".

ويتساءل مستبعِدًا: "وهل من يدخل سجن العدو الإسرائيليّ يخرج سليمًا؟! هذا إن خَرج، فالاحتلال أجرم مما يمكن أن يتخيّله العقل والإنسانية".

ويقول بأسف: "لقد وصل الإهمال الطبي بالأسرى في سجون الاحتلال أن يتم إجراء عملية خاطئة والخطأ فيها مقصود ومتعمّد، إذ تم استئصال 80 سم من الأمعاء الغليظة لابني سامي، وذلك باعتراف مدير السجن، وقد قام ابني بتقديم شكوى وتم الاعتراف بذلك من قبل مستشفى "سوروكا" التي عُولِج فيها".

ويضيف: "بعد ذلك تم نقله إلى مستشفى الرملة وقد أصيب هناك بالتلوث ثم التسمم نتيجة عدم نظافة السجن، ما أدى إلى تدهور خطير في حالته الصحية، وقد نُقِل إلى مستشفى "أساف هروفيه"، ومن ثم أعاده الاحتلال إلى مستشفى الرملة".

ويتبع:" حتى في تنقلاته من المشفى للسجن وهو في أوج مرضِه، كان يتم نقله عبر الوسيلة الأكثر ظلمًا وأذىً للأسير وهي "البوسطة" الحديدية، فقد انتقل ما يقارب 4 مرات دون مراعاة لمعاناته ومرضه الشديد".

وقد كان منذ البداية يأخذ الأدوية والمسكنات بدون فحص طبيّ، حيث كان يتم إرجاع آلامه لأسباب تافهة من قبل الاحتلال، فلا يتم الكشف عن السبب".

ويذكر والد الأسير المريض سامي أنه أُعلِن قبل عامين استشهاده لشدة ما كان مريضًالكن قدر الله شاء أن يعيش أيًا كانت صحّته.

أبو سامر اليوم ما يزال لا ينسى مشهد ابنِه في إحدى زياراته له في سجن الرملة، ولا ينسى مشهد والدتِه حين رأت سامر قد تغيّرت ملامحُه وهِيئتُه وبات كما لو أنه شخص آخر لشدة ما عانى من المرض نتيجة هذا الإهمال الطبي فنزل وزنه ليصل أقلّ من النصف.. يُعبّر.

ويقول لـ"فلسطين":" كان من المقرر عقد جلسةٍ للنظر في أمر الإفراج المبكر عن سامي في شهر أكتوبر العام الماضي، وتم تأجيل الجلسة للشهر الذي يليه، ثم لم تُعقَد تلك حتى اليوم، ولم يتم الحديث عن أمر الافراج عنه أبدًا فيما بعد، بالرغم من أنه لم يعد يشكل أيّ خطرٍ على الاحتلال".

ويذكر أن سامي ليس الابن الوحيد لأبي سامر في سجون الاحتلال إنما ابنه البكر سامر هو الآخر قابع في تلك السجون، وقد حُكم عليه بالسجن المؤبد و25 عامًا أخريات.