أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٦‏/٤‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


كنعان الغول.. ناشر الموسيقى في القدس

قبل 17 عامًا كان المقدسي كنعان الغول يخرج من منزله في بلدة سلوان جنوبي المسجد الأقصى المبارك، يومًا بعد الآخر للتدرب على الآلات الموسيقية، ولكنه اليوم يقود بنفسه مشروعًا تدريبيًا يهدف إلى تعليم الموسيقى ونشرها بين الأجيال كثقافة ولغة حوار.

التحق الغول (25 عامًا) بمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى وهو ابن الثمانية أعوام، وهناك اكتسب أسرار الموسيقى وطور من قدراته الذاتية في العزف على العود والإيقاع والكمنجة والناي إلى أن تخرج من المعهد عام 2012 بسجل حافل من الإنجازات.

وعن هويته وشفعه بالموسيقى منذ الصغر، تحدث: "كانت العائلة وتحديدًا والدتي مصدر إلهام وتشجيع لي على تطوير موهبتي في الموسيقى منذ سنوات الطفولة الأولى عبر التسجيل بمعهد إدوارد سعيد، مستفيدًا في الوقت نفسه من أن أعمامي وأخوالي هم من مُمارسي الموسيقى والفن عمومًا مما انعكس عليّ بالإيجاب".

وأضاف الشاب العشريني لصحيفة "فلسطين": "كنت أتدرب في بداية الأمر لنحو ساعة يوميًا ثم ساعتين؛ واليوم أصبح العزف بمثابة عادةٍ يومية لا يمكن التخلي عنها، فهجر العُود لفترة ما قد يؤثر سلبًا في مرونة أصابع اليدين"، معتبرًا الموسيقى بمثابة لغةٍ عالمية تتجاوز كل القيود.

وخلال السنوات التي قضاها المقدسي كنعان داخل المعهد، تمكن من حصد ألقابٍ متعددة ونال لثلاث مرات متتالية جائزة "مارسيل خليفة" على مستوى الأراضي الفلسطينية، إلى أن أنهى دراسة الثانوية العامة (التوجيهي) قبل أن يسجل في جامعة بيرزيت بمدينة رام الله تخصص "تربية اجتماعية".

ولما سألناه عن سبب عدم دراسته للفن، أجاب: "في الحقيقة كان لدي مفهوم قاصر حول الدراسة الأكاديمية للموسيقى أو كما يقال بالعامية "ما بتطعمي خبز"، ولكن بعد إتمام ثلاث سنوات في بيرزيت قررت ترك الجامعة واللجوء إلى التسجيل بأكاديمية القدس للفنون وهذا ما حصل بالفعل".

وتابع: "أمضيتُ السنوات الدراسية الجامعية هكذا دون معنى، حتى شعرت في لحظة عابرة أن على الإنسان أن يختار ما يحب أولًا وأخيرًا دون أن ينظر لأي اعتبارات أخرى، لذا سجلت في الأكاديمية وأنا في قمة العطاء والتفاؤل، إلى أن تخرجت بعد عامين بنجاح مع رصيد هائل من الخبرات".

وفور تخرج الغول بادرَ برفقة ستة من أصدقائه إلى تأسيس وإطلاق مشروع فني حمل عنوان "اعزف في بيتك" بهدف مساعدة الراغبين في تعلم الموسيقى من جميع الفئات العمرية والمجتمعية.

ومنذ إطلاق المشروع، الذي يعد الأول من نوعه على مستوى مدينة القدس المحتلة، تمكن الغول ورفاقه من تعليم الموسيقى لنحو 60 فردا، كان في مطلعهم رجل بمنتصف عقده الخامس، أبدى رغبته بتعلم العزف في ظل عدم قدرته على التسجيل بالمعاهد المتخصصة.

مسيرة الغول في نشر الموسيقى بين أفراد المجتمع لا تسير دون معيقات، فمضايقات الاحتلال غير المبررة تعد العائق الأكبر بجانب ضعف التمويل، وعن ذلك قال: "هناك رقابة مشددة على طبيعة المحتوى المقدم في الفعاليات الفنية، وكذلك يوجد خشية من المشاركة في بعض المهرجانات التي قد تحمل أهدافًا خفية غير وطنية".

وفي ذات السياق يحكي الغول كيف اقتحمت قوة إسرائيلية في مطلع الشهر الجاري منصة فعالية فنية قبيل بضع دقائق من انطلاقها؛ بحجة أن حشد الجماهير الذي كان يترقب بشغف انطلاق أولى الفقرات بمثابة تجمع إرهابي يهدد الأمن العام في مدينة القدس المحتلة.


مبادرة شبابية تحفظ حقوق المتطوعين

شبابٌ عشقوا الأعمال التطوعية ودفعوا أوقاتهم وجهدهم في سبيل هذه الأعمال وبمختلف المجالات، وجعلوا التطوع شعارًا لحياتهم يُثير فيهم مشاعر السعادة والحب بين البشر، ولكن ما تقوم به بعض المؤسسات تجاه الأشخاص المتطوعين أطفأت روح التطوع في نفوس الشباب، لما يتعرضون له من استنزافٍ لطاقاتهم، واستغلالٍ لجهودهم، خاصة أن المتطوعين هم الذين لا ينتظرون مقابلًا، وأعمالهم تنبع من القلب ومن رغبتهم الملحة في العطاء والتضحية لغيرهم. وعلى هذا الأساس أطلق الفريق الشبابي "بكرا الثقافي" مبادرة شبابية إنسانية "بادر من بدري" للمطالبة بحقوق المتطوعين وضمانها وتعزيز دور الشباب.

يقول منسق المبادرة معتز فرج الله: "هي مبادرةٌ شبابية فكرتُها قائمة على ضمان حقوق الشباب المتطوعين في المؤسسات من الاستغلال والانتهاكات من خلال ميثاق تفاهم تُوقِّع عليه المؤسسات، والشق الآخر هو العمل على الحفاظ على أدنى حقوقهم والتي تتمثل في تكريم هؤلاء المتطوعين الذين ترشحهم المؤسسات والتي كان لهم دور بارز".

وأوضح أنه ستتضمن المبادرة العمل على ترشيح عدد من المتطوعين من مختلف محافظات القطاع لإظهارهم إعلاميًا، وإنتاج فيديو يحاكي إنجازاتهم، وذلك يأتي في إطار تحفيزهم على الاستمرار في العمل والعطاء.

ومن خلال عمل الشاب فرج الله كمنسق ميداني، وقربه من الشباب المتطوعين لاحظ العديد من المشاكل والانتهاكات التي يتعرض لها الشباب في هذا الخصوص، لذلك قرر تنفيذ هذه المبادرة مع فريق شبابي.

وأضاف: "من وجهة نظري ثمة مشاكل عديدة تواجه المتطوعين، ولكن أكبر مشكلة تواجه الشباب المتطوعين، أن الشاب بعد تطوعه لشهرٍ واحد أو سنوات متعددة يأتي في النهاية شخص آخر ويأخذ فرصته في العمل".

وأشار فرج الله إلى أن الفريق بدأ مرحلته الأولى في المبادرة انطلاقًا من مدينة غزة وشمال القطاع من خلال التواصل الفعلي مع المؤسسات لتوقيع ميثاق تفاهم يضمن حق المتطوعين، واستهدف خلالها ما يقارب 50 مؤسسة للتوقيع على ميثاق تفاهم بين المتطوعين والمؤسسات من شأنه أن يضمن حق المتطوعين وتعزيز روح التطوع لدى الشباب.

ومن الأعمال التي تتضمنها المبادرة، لفت إلى أنهم أطلقوا وسمًا "هاشتاق" ليصل لأكبر عدد من الشباب، والتواصل الميداني مع المؤسسات، ومن ثم سيتم عقد اجتماع مع المؤسسات التي ستوقع على الميثاق، لينطلقوا إلى محافظة الوسطى ورفح.

واتخذ أعضاء الفريق مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لنشر هشتاق "#بادر_من_بدري" من أجل التعبير عن مضمون المبادرة، والعمل على إيصالها لمختلف أفراد المجتمع، وبغرض إثارة القضية، وقد لاقى ترحيبًا وتفاعلًا من قبل المستخدمين.

ويعد "بكرا الثقافي" فريقا شبابيا مكونا من 20 شابا وشابة من الخريجين والمتطوعين ونشطاء المجتمع الذين يسعون من خلال فريقهم وأهدافهم ورؤيتهم إلى تفعيل دور الشباب في شتى المجالات، والعمل على تعزيز دور الشباب، وتبني قضاياهم وخدمة المجتمع من خلال مبادرات وبرامج وأنشطة فنية ثقافية مجتمعية.

وبين الشاب فرج الله أنهم يسعون من خلال المبادرة إلى الوصول إلى عدة أهداف، أهمها تحقيق ميثاق وضوابط تؤمّن للمتطوعين حقوقهم وكرامتهم، وتكريم المتطوعين بدلًا من ضياع حقوقهم، "فالكادحون في المجتمع هم من يبنونه، كما المتطوعون في المؤسسات فهم أساس النجاح وواجب علينا تقديرهم"، وفق قوله.

ويطمح إلى كسر حالة الصمت التي يمر بها مئات المتطوعين العاملين في مؤسسات مجتمعية وخاصة، والتي لجأ إليها عدد كبير من المتطوعين رغم عدم نيل أي حقوق لهم، فلم يتم صرف رواتب، أو حتى مكافأة مالية، وذلك بدلًا من انتظارهم في طابور البطالة التي تزداد رقعتها عامًا بعد عام، فلا بد من حماية الشباب المتطوعين، واسترجاع روح التطوع التي لم تعد موجودة لدى الشباب نظرًا لهضم حقوقهم من قبل بعض المؤسسات.


​"ست الحبايب" أعمالٌ تراثية بأيدٍ مقدسية

(28) زاوية حرفية وفنية تجمعت تحت سقف فندق "أمباسادور" بحي الشيخ جراح في القدس المحتلة، لعرض منتجات وطنية جمعت بين عراقة الحضارة المتجذرة في الأرض وعبق الماضي والهوية الفلسطينيّة الخالدة.

وضمت الفعالية الفنية التي حملت عنوان "ست الحبايب" زوايا تنوعت مخرجاتها، فكان منها لعرض المطرزات والمشغولات اليدوية، وأخرى متخصصة بأعمال الخرز والحليّ، بجانب ركن للمعجنات، وآخر لمنتجات الطبيعة، إضافة إلى زاوية موسى القواسمي للشعر.

ويرمي المعرض الذي أشرفت على تنظيمه مجموعة من السيدات المقدسيات الرياديات إلى إعطاء فرصة لمالكات المشاريع الخاصة لتسويق أعمالهن وتسويق منتجاتهن داخل أسوار مدينة القدس، وأيضًا تمكين سكان المدينة من شراء هدايا بمناسبة يوم الأم، ما يساهم في زيادة الإقبال على المنتج المحلي.

الكوفية للنساء أيضًا

الشابة المقدسية "هيلين مصلح" لاحظت أن ارتداء الكوفية الفلسطينية يقتصر على فئة الشباب، الأمر الذي دفعها أخيرًا إلى التفكير في تطوير وإضافة لمسات نسائية جمالية على "حطة" الكوفية، وعلى إثر ذلك لاقى مشروعها رواجًا محليًّا.

وتسعى مصلح إلى تطوير المقدرات والأعمال التراثية بما يتناسب مع رغبات وأذواق الأجيال الشبابية من جهة، ويحفظ التراث والهوية الفلسطينيين من جهة أخرى، وذلك في ظل لجوء الاحتلال إلى استخدام أساليب خفية وعلنية لتشويه الهوية الوطنية أو تزويرها.

وحضر في زوايا المعرض الثوب الفلسطيني المدني والفلاحي، واللوحات الفنية، والهدايا الصغيرة التي تستقطب عادة المغتربين، وكذلك برزت في جنبات "ست الحبايب" الخريطة الفلسطينية التي حضرت بأشكال مختلفة، إما على القماش المطرز أو بالرسم على الخشب وجذوع شجرة الزيتون.

وتميزت "آية خليل" بخط كلمات وجمل عربية ورسم نقوش إسلامية وزخرفة بيوت مقدسية على ألواح الزجاج، موهبتها هذه ظهرت خلال دراستها في المرحلة الابتدائية بدعم من عائلتها.

وقبل نحو ثلاث سنوات أطلقت خليل مشروعها "شفاف"، الذي تبلورت فكرته لديها في أثناء متابعتها مجريات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، صيف عام 2014م، إذ سعت للوصول إلى طريقة تساعدها على التفريغ النفسي، فما كان منها إلا تلوين بعض اللوحات الموجودة في منزلها.

بعد ذلك الإنجاز الأولي شعرت بدافعية أكبر إلى رسم المزيد من اللوحات، فعملت على ذلك، ليكون معرض "القدس عيدي" الذي أقامه مركز مسار الثقافي أواخر عام 2014م انطلاقتها الحقيقية للجمهور، ونقطة تحول في عملها من هواية ذاتية إلى مشروع خاص.

وتقول الشابة آية: "انتقلت من تفريغ الضغط النفسي إلى التسلية، بتجهيز مشغولات فنية على الزجاج للأصدقاء والأقارب هدايا يزينون بها أركان منازلهم، وصولًا إلى تأسيس عمل"، وقد اتخذت غرفة صغيرة في منزلها مشغلًا لها تنجز فيه أعمالها.

وتطمح خليل إلى زيادة رقعة السوق التي تستهدفها في منتجاتها، وتحديدًا تلك التي تربط المغترب أو اللاجئ بأرضه، إذ يطلب العديد من الزبائن رسم ونقش أسماء القرى والمدن الفلسطينية على فناجين القهوة،ليشعروا بارتباطهم بوطنهم في أثناء ارتشاف القهوة بالغربة.

وتواجه في أغلب الأحيان الملتقيات والفعاليات الفنية في مدينة القدس المحتلة تحديات مختلفة، تفرضها سياسات الاحتلال الإسرائيلي العنصرية، وذلك بهدف محاربة الهوية الفلسطينية داخل أسوار المدينة المقدسة.


١٠:٤٢ ص
٢١‏/٣‏/٢٠١٧

استشهاد جبل السحاب

استشهاد جبل السحاب


قمته هي الأعلى بلا منازع بين جميع قمم المنطقة، لا يفصلها عن السماء شيء؛ لتصل إليها لا بد وأن تقطع مسافة طويلة بين الصخور والممرات الوعرة، وتصافح أشجار السنديان، والصفصاف، والبُطم، والخروب، والصنوبر، والسدر، وغيرها، وتمهد طريقاً لك بين مستعمرات الخرفيش وشوك الجمل الذي قد يدمي قدميك إن لم تكن حذراً بما يكفي، قبل أن تصل إلى مبتغاك.

على قمة جبل السحاب تشعر بمعنى الحرية الحقيقي، حين تشاهد ما اعتدت عليه من علٍ قلَّما يتاح للشخص في حياته، وهو ما كان ناصر يحبه، بل ويعشقه فيه، حيث كان يشعر على قمته وكأنه ملك يتربع على العرش.

جبل السحاب، ورثه أهل القرية عن أجدادهم، به يرتبطون، ومن خيراته يأكلون، في صغره سمع ناصر الكثير من القصص والحكايات، التي تدور حوله وتشكل جزءاً مهماً من ثقافة القرية وتراثها، يتوارثونها جيلا إثر جيل كما يتوارثون الجبل وبقية أراضي المنطقة.

كثيراً ما صعد ناصر الجبل مع جده لإحضار عشبة برية ضرورية لعلاج مرض ألمَّ بأحد أهل القرية، أو لإحضار بعض النباتات البرية التي تبرع جدته في طهوها ويحبها جده جداً مثل الخبيزة، واللسينة، والزعمطوط، والفرفحينة.

أما الميرمية وزعتر البلاط فيضفيان على الشاي رائحة عطرية نفَّاذة ومذاقا طيبا لا يوصف.

في الربيع الأخير لجده على هذه الدنيا، وفي أحد صباحات نيسان الدافئة، حيث اختالت الأرض بهاءً وشباباً، انطلق ناصر في رحلة مع جده منذ الصباح الباكر عندما أخذت أشعة الشمس اللامعة تتسلل خجلى في الأفق معلنة بدء نهار جديد.

ومع انتصاف الشمس في كبدِ السماء كان يستنشق هواءً نقياً له رائحةٌ خاصة من فوق قمة جبل السحاب، جلس وجده تحت شجرة البلوط الضخمة مخددة الساق لطولِ ما تعاقب عليها من الأعوام وملحقاتها.

جلسا يتناولان طعامهما.. على الرغم من أن الطعام كان زيتا وزعتر وحبات من الزيتون وإبريق شاي، إلا أنه كان يحمل مذاقاً خاصاً يختلف عما اعتاد عليه.

عبَّأ جيوبه من ثمار الزعرور، وتناول من النبق أيضاً، وجمع كمية كبيرة من قرون الخروب، لتستخلص جدته عصيرها وتصنع منها حلوى (الخبيصة).

على سفح الجبل، تآلفت شقائق النعمان أو الدحنون كما يحلو لجده تسميتها، مشكّلةً تجمعات حمراء بديعة الجمال بين الصخور فبدت كبحر متصل من اللون الأحمر يقف القنْدِيل الأصفر بطوله الفارع على جوانبه كحارس مخلص وأمين.

أما الأقحوان ذو البتلات البيضاء التي تجتمع حول بروز أصفر، فتبدو كراقصة باليه تتمايل مع نسمات الربيع الدافئة، وتفترش الأرض لمساحاتٍ كبيرة يشوبها بعضٌ من أزهار السوسن الأسود وأزهار البسباس التي تشبه الأقحوان ولكن يميزها عنها أزهارها الصفراء الأكبر حجماً.

كان النحل يتنقل من زهرة إلى أخرى مُصدراً طنيناً يمتزج مع موسيقى الطبيعة في جبل السحاب ويضيف لها لحناً خاصاً محبباً للنفس، وكانت فراشات الربيع البيضاء تتراقص بأعداد كبيرة على ارتفاعات منخفضة بنشوة عارمة.

وللطيور في جبل السحاب نصيبٌ وافر من الألق والمتعة، فلا يقتصر الحال على عصافير الدوري والبلابل التي يملأ شدوها الجو، ولا الحجل الذي يقفز من مكان إلى آخر بلونه المميز بسرعة كبيرة، ولا اليمام شجي الصوت، بل يُضاف إليها أنواع كثيرة من الطيور المتباينة في الأشكال والألوان والأحجام والأصوات وطريقة الحركة والطيران، يزيد الربيع من جمالها وخفة حركتها كيف لا وهو موسمها للحب والتزاوج؟.

في كل رحلة برفقة جده كان يتعلم الكثير.. إلا أنه خرج بخلاصةٍ نهائية أدركها وآمن بها، وهي أن الأرض هي الكنز الحقيقي الذي يمتلكه، التفريط فيه يعني خسارة كل شيء.

بعد تلك الرحلة بشهر تقريباً، وفي ذات صباح استيقظت القرية على ضجيج يهزها، كانت جرافات وشاحنات وآلات عديدة ضخمة لم يروا مثلها من قبل، تنطلق لتمهد لها طريقاً وسط الجبل.

سرت القشعريرة في الأجساد، كأن لسعات من الكهرباء غمرتها بشكل خاطف، انتاب الناس خوف دفين لم يدروا كنهه.. وتباً لهذا الخوف الذي اخترق قلوبهم دون خجل، وحشا أنفه في صدورهم دون وجل، وتركهم ضحية لمشاعر سوداء تتقاذف قلوبهم دون رحمة.

أسرع ناصر إلى جده، فإذا به يجلس بقنوط أمام باب البيت تملأ عينيه دموع حزينة لم يشاهدها من قبل، لم يتجرأ على سؤاله فاكتفى بالصمت بعد أن أدرك أن هناك خطباً ما، نظر إلى جدته، فإذا بها تنشج بصمت، تند عنها شهقة بين الحين والآخر.

- ماذا يجري بحق الإله؟؟ أرجوكم، أخبروني.

كانت الشاحنات والجرافات وبقية الآلات تحمل لوحات ترخيص صفراء (يعني أنها اسرائيلية)، ولكن: ماذا تفعل هنا؟؟، فجبل السحاب ملكٌ لأهل القرية، وليس لهؤلاء الغرباء، ماذا يفعلون هنا؟ ما الذي أتى بهم؟ ولماذا يعبثون بالجبل؟ يفتتون صخوره، ويدوسون أزهاره، ويقتلعون أشجاره، ويشرِّدون طيوره وحيواناته.. مَن أذن لهم بذلك؟.

هرع ناصر إلى والده صارخاً: أبي... أبي... إنهم يدمرون جبل السحاب يا أبي!! ها هم يقتلعون الأشجار، صدقني يا أبي.. شاهدتهم بأم عيني يحطمون شجرة الزيتون الرومية، أما جميزة سيدي صالح فقد اقتلعوا جذورها وألقوا بها أسفل الوادي.. أقسم لك يا أبي أنني صادقٌ فيما أقول، أرجوك يا أبي افعل شيئاً. إلا أن والده لم يتحرك من مكانه وغدا كمن فقد القدرة على السمع أيضاً، من دون مقدمات، يسيطر صمت يائس على ملامح وجهه، كشلال جف ماؤه فجاءة فأصبح أثراً بعد عين.

غادر البيت بعصبية ظاهرة باحثاً عن الحاجة كوثر، عله يجد عندها كسرة من الطمأنينة، لا بد وأنها تعلم شيئاً عما يجري.. وجدها تجلس تحت شجرة الصفصاف التي تقف بشموخ في مقدمة القرية، ووجد حالها يحاكي حال الآخرين.. قال لها: بالله عليك يا حاجة كوثر خبريني... ماذا يجري؟؟ من هؤلاء؟ ما لهم ولجبل السحاب؟.

مسحت دموعها بطرف كمِّها قائلة: اسمع يا ناصر، أنت لا زلت صغيراً لا تدرك هذه الأمور ولكني سأوضح لك، لقد صادر اليهود المحتلون جبل السحاب ووادي اللوز منذ عدة سنوات، وقد أرسلوا إخطاراً بذلك للمختار، إلا أننا كذبنا الخبر، وقلنا محض هراء، فهم يعلمون أن الجبل لنا نحن، ملكنا.. ويعلمون أنهم لا حق لهم فيه، فهم لم يرثوه عن آبائهم ولم يشتروه أيضاً، فكيف انتقلت ملكيته لهم إذن؟. ولكن.. كعادتهم، يطلقون الكذبة ثم يصدقونها، ويبدو أنهم قادمون الآن لإحكام قبضتهم على الجبل، لبناء مستوطنةٍ فوقه، كعادتهم في جميع المناطق المرتفعة بعد أن يصادروها.

طارت أسراب الكلام من مخابئها دون توقف فرد بغضب قائلاً: ماذا يعني ذلك؟ هل انتهت القصة؟ هل نستسلم للأمر الواقع؟.

-طبعاً لا..

-إذن لم يجلس جميع الكبار هكذا ويكتفون بالحزن والبكاء؟ لنقم، لنمنعهم؟!.

-ألم ترَ دبابات الجيش في أسفل الجبل التي تحرس من يقومون بتدميره؟ فإذا هاجمناهم فإنهم لن يترددوا بإطلاق النار علينا، ونحن عُزَّل وهم مدججون بالسلاح.

-صحيح، ولكن هذا ليس عذراً، فلن نسامح أنفسنا ولن يسامحنا أجدادنا الذين ورثنا الجبل عنهم إن استسلمنا وتركنا جبل السحاب لقمة سائغة لهم.

-وماذا سنفعل يا بُني؟ دم الصبا الذي يجري في عروقك هو ما يجعلك تثور هكذا، عندما تكبر ستدرك أنه لم يكن باستطاعتك عمل شيء لإنقاذ الأرض المصادرة.

غادر والأفكار في رأسه كإعصار غاضب، أخذ يدور بين أهل القرية، فوجد وجوهاً جامدة، فارغة إلا من التوتر والحزن.. شعر بالقدر يتربص به وهو يحاول الفرار منه، وبالفراق يتربص بخطواته وهو يبذل جهده للنأي عنه.

تناهى لسمعه استغاثة أحدهم قائلاً: عاجلوا... إحدى الجرافات دعست الحاج محمود...

تجمع أهل القرية حول جده الملقى على الأرض، كانت الدماء تغطي أشلاء جسده الذي داسته الجرافة باستهتار، عندما حاول منعها من اقتلاع شجرة زيتون معمرة؛ أظلمت الدنيا في العيون، وتمكنت الهزيمة من النفوس، وألقى الحزن بعباءته السوداء على الأرواح؛ وأصبحت الحيرة هي سيدة الموقف.

أما ناصر فكان في داخله بركان يغلي من الغضب.. أيطأطئ رأسه ويستسلم لما يجري ويمضي لحياة تافهة فارغة كالعبيد ويكتفي بالحزن والبكاء؟ أم ينطلق رافضاً مطالباً بثأره؟، أيستطيع احتمال نتائج ثورته مهما بلغت صعوبتها وارتفع ثمنها؟، أيمكنه أن يقف في وجه المحتل متحدياً بصدره العاري؟.

صرخ بكل ما أوتي من قوة قائلاً: أنا لها! سآخذ بثأري يا جدي مهما كلفني الأمر.. فدماؤك لن تذهب هدراً.. وحياة جبل السحاب لن تمضي هكذا من دونِ ثمن؛ سأجعلهم يتمنون لو أنهم لم يأتوا إلى هنا يوماً؛ والأيام بيننا أيها الغرباء.