أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٦‏/٤‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​همام عودة.. رياديّ من "تحت الصفر"

أمنيته حاليًا أن يبيع له أحدهم وقته لكي يستطيع إنجاز أعماله، بعد أن قضي أربع سنوات يبحث عن عمل يملأ فيه وقته، استطاع أن يصنع رياديته من تحت الصفر، أسس شركته بـ"الدين" وكان فيها رجل جميع "الصنايع" بعد أن كان "البخت ضايع" بعد أن أيقظ محاربيه "المارد" داخله.

الريادي همام عودة، منذ 2010 حتى 2015 وهو يدور على المؤسسات الأهلية والدولية وحتى المدارس الخاصة باحثًا عن وظيفة يأكل منها "عيشًا"، وفيها شغل عدة وظائف ولكنه ما أن يثبت جدارته فيها ورقة "فصله" تكون القرار الأقرب لأرباب الوظيفة، حتى قال له أحدهم: "أنت لا تناسب فلسفتنا".

أصبحت رجلًا

الريادي عودة (ابن 33) ترتبيه السابع بين عائلة مكونة من تسعة ذكور وأربع إناث من قلقيلية، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة "جامليون سليوشنز" لتكنولوجيا المعلومات والتسويق الإلكتروني، درس علم الحاسوب في الجامعة الأمريكية في جنين وتخرج عام 2010، كان له دور ريادي في خدمة المجتمع المحلي في جنين، أصبح رياديًا في مجال العمل عن بعد، ومؤسس شركة لتنظيف البيوت والشركات.

ظروف طفولته صنعت منه "رجلًا" في عمر الثماني سنوات، يروي تفاصيلها: "والدي كان أحد مبعدي مرج الزهور واعتقله الاحتلال أكثر من مرة، وهذا أثر في حياتي وإخوتي أيضًا لنعتمد على أنفسنا ونكون أصحاب عمل لمساعدة والدتي".

يضيف الريادي همام لـ"فلسطين": "في حينها أرسل والدي لي صورة له في الإبعاد وكتب عليها رسالة "أوصيك أن تساعد إخوتك في المزرعة فأنت أصبحت رجلًا"، بعدها أخذت وعدًا على نفسي بأن أكون رجلًا كما يراني أبي، ساعدت إخوتي في زراعة الأرض وحصد المحاصيل، لدرجة أنني كنت في الصف الخامس وحملت مضخة رش المزروعات التي يجد رجل بالغ مشقة في حملها".

وتابع: "في 2010 عام تخرجي، حملت حقيبتي وتوجهت للبحث عن العمل برام الله باعتبارها مركز العمل في الضفة، وعرفت حينها أنه تواجهني صعوبات لأنني وإخوتي ممنوعون من الحصول على وظيفة في المؤسسات الحكومية؛ بسبب انتماء والدي السياسي الذي تتلمذ على يده عدد من المشايخ".

فصل واعتقال

استطاع الريادي عودة بعد مشقة وفصله من عدة وظائف بسبب انتمائه السياسي، شغل منصب المختبرات والحاسوب في كلية الطيرة برام الله، وعمل مدرسًا في دار المعلمين أيضًا، ولكنه فصل من الوظيفتين أيضًا.

في 2012 حالفه الحظ في شغل وظيفية في "أونروا"، ولكن جرى عدد من التقليصات فيها فلم يجدد عقده، ووجد نفسه في الشارع مرة أخرى، مكث بعدها دون عمل لمدة ثمانية، لم يستسلم للراحة فيها بل حصل على دورات في مجال تخصصه ليقوي مهاراته.

وما لا تعرفه عزيزي القارئ أن "عودة" اعتقل تسع مرات في سجون السلطة في الضفة، ثمانٍ منها وهو طالب في الجامعة؛ لأنه كان يساعد الطلبة آنذاك، ومنع من السفر إلى الأردن للبحث عن عمل بعد أن سدت الطرق أمامه، ولكن أجهزة أمن السلطة منعته من السفر رغم أن والده يحمل جوازًا أردنيًا مؤقتًا".

ويكمل عودة سرد حكايته حول الوظيفة المفقودة التي يؤمن أصحابها بالإبداع والنجاح ويتمسكون بمن يثبت جدارته ولا يحرمونه من الوظيفة لأن تهمته جاهزة "الانتماء السياسي": "وما زلت أبحث عن أي فرصة عمل حتى عُيّنت مدرسًا في 2014 في مدرسة خاصة في حي الطيرة برام الله لمادة "آي تي", كانت لأبناء الوزراء ومدراء الأجهزة الأمنية، إلا أنه تم إنهاء عملي بعد فصل دراسي واحد، ولا أنسى كلمة المدير حينما سلمني ورقة فصلي من المدرسة: "أنت لا تناسب فلسفتنا"".

نقطة الصفر

ويضيف: "ولحظتها عدت إلى نقطة الصفر ولكني بعد عدة أشهر سجلت لإكمال الدراسات العليا في جامعة أبو ديس، إضافة إلى التحاقي بالعديد من الدورات حتى حصلت على الشهادة الدولية في إدارة المشاريع".

ولدى سؤاله عن مشاعره في خضم توقيفه عن جميع الوظائف التي أثبت فيها جدارته، أجاب عودة: "تجرعت المرّ مرّين، في لحظات صرت أحدث نفسي هل من المعقول بقي خير في الكرة الأرضية لكي يعطيني أحد حقي أو أنه انقرض؟ تساءلت لماذا يحدث معي كل هذا؟ وجدت الكثير من الغيرة والحسد من نجاحي وقاموا بتكسير مجاديفي".

ابتسم الحظ وأخيرًا لـ"همام"، فحصل على وظيفة في منظمة الصحة العالمية, ولكن ما لبث أن تركها، حينها قرر قرارًا لا رجعة عنه, حرّم على نفسه العودة إلى الوظائف الخاصة، كان يصارعه هاتف داخلي: أنت تمتلك العلاقات الواسعة والخبرة، لماذا لا تؤسس شركتك ومشروعك لتنطلق للعالم؟".

حرّ

عام 2015 كان عام الحظ لدى "عودة"، حيث قرر أن يكون حرًا يطير في فضاءات العمل بلا قيود، أسس من تحت الصفر بـ"الدَّين" مشروعه الخاص، وكانت شركته الشركة الأولى في التسويق الإلكتروني وتصميم وتطوير المواقع الإلكترونية وأنظمة الحاسوب وتطبيقات جهاز الهاتف المحمول.

أصبح يواصل الليل بالنهار حتى تقف شركته على "أرجلها"، العزيز القدير وفّر له أناسًا يقفون إلى جواره ويأخذون بيده نحو النجاح، ثقة صديقه بقدراته جعلته يسلمه إدارة شركته إلى جانب الشركة التي يديرها، ومكث لمدة عام حتى أخذ قرارًا بالاستقلال واستئجار مكان لشركته، والتي أثبتت نجاحًا طار صداه إلى أمريكا والأردن ودبي.

قال عودة: "طموحي ليس له حدود ولا يعرف المستحيل، حيث خضت تجربة أخرى في تأسيس شركة لتنظيف البيوت والشركات والرعاية المنزلية "نيو كلاس"".

شركة التسويق الإلكتروني عمرها الآن عامان، هذان العام كانا بمثابة حياة جديدة وعالم آخر كان مغطى عن عينيه، قبلها كان يبحث عمّن يأخذ بيده، والآن أصبح يمتلك إنسانيته وحريته، وأصبح صاحب فلسفة: "كل شيء تزرعه ستجده، وإنما في الوظيفة أنت تزرع وغيرك يحصد وآخر يقلعك".

الراحة مفسدة

ويواصل الريادي عودة: "السنتان علمتاني أن الراحة مفسدة، الدنيا ما زال فيها خير، علمتاني مهارات إدارية ومحاسبية، وكيفية الانطلاق نحو العالم والتعرف إلى طريقة تفكيره، والتبحر في عالم "البزنس"، كيف أصنع الاستثمار، كيف أخلق علاقة ناجحة، وكيف تصنع مشروعك واسمك".

ويتابع: "أيام كثيرة لا أعود من عملي إلا بعد أذان الفجر، أجني ما زرعت، أصبحت أدير مشارعي في عدة دول حول العالم في أمريكا، والأردن ودبي، كل التطوير والإبداع في العالم الحقيقي في العمل الحر, ورغم تعبه لا يحدّ طموحك شيء".

من هو الإنسان الريادي بالنسبة لـ"عودة"؟ عرفه: "أن تكون رياديًا يجب أن تكون رياديًا في كل الأعمال، إذا كان بمقدورك أن تصنع الشاي والقهوة لعملائك وزبائنك اصنعها ولا تعتمد على أحد، نفسي، كن أنت رجل كل المهام ما دمت تمتلك الخبرة والمهارة".

رسالته

وجه رسالة للشباب الفلسطيني الذي يعاني من البطالة بمعدلات "مخيفة"، قائلًا: "الإيمان الحقيقي أن الأرزاق مقسمة، استعِن بالله واجعل مخافته بين عينيك، يجب أن تطور نفسك لتكون كفؤًا، طوِّر نفسك ثقافيًا وعلميًا واقتصاديًا، اطرق كل الأبواب ولا تستحيِ، افتح قنوات تواصل وعلاقات مع الناس".

وأضاف: "ضع هدفًا واضحًا وناضل من أجله وستصل في النهاية، امتلك التفكير الصحيح، ليس هناك شيء اسمه مستحيل، ضع هدفًا وناضل من أجله, وسوف تصل، لا ترتبط بالوظيفة وجازف، ولا تهتم، فالله كفل لك رزقك".

وكشف الريادي عودة أن منظمة الرياديين في العالم، عرضت عليه أن يكون ممثلهم في فلسطين، وينتظر حاليًا التأكيد الرسمي والنهائي لمنحه هذا المنصب، ويعقب قائلًا: "الأجانب يوفرون لنا الشراع لنمشي فيه، وأبناء جلدتنا يكسرون مجاديفنا".

وعن طموحه المستقبلي، يتحدث عودة: "أتمنى أن يكون في فلسطين مجتمع ذكي، لأني لم أرَ عقلًا ناضجًا وخلاقًا ومبدعًا كالعقل الفلسطيني، عقل فريد من نوعه، فقد يريد من يأخذ بيده ويقوده، أطمح أن نؤسس شركات عالمية صادقة تعمل مع الداخل والخارج حتى نقضي على البطالة، أطمح أن أرى كل فلسطيني لديه مشروعه الخاص، أحلم بأن يكون لدينا جامعات فريدة".


تشارك المناسبات السعيدة لمسةٌ تبدّد الغربة

في لحظة الفرح تبغَتُهم دمعة الفراق على أحبتهم في بلاد الغربة, قضوا سنين عمرهم ويتمنون لو أنهم وثّقوا معهم أجمل لحظات حياتهم من مناسبة زفاف، أو نجاح وتخرج، وغيرها من المناسبات السعيدة.

ومن رقد في بلاد الغربة بعيدًا عن أهله لأي ظرف كانت تفيضُ مشاعره في الأحزان على قسوة الغربة في قطاع غزة لما تعانيه من ظروف قاسية جراء الحصار المفروض عليها منذ عشرة أعوام وإغلاق مستمر للمعابر، فلم يستطيعوا مشاركة أهلهم مناسباتهم لتصفعهم الغربة بأقوى ما لديها، فلم يكن بوسعهم إلا المشاركة الوجدانية وبقدر المستطاع التي من شأنها أن تثبت وجودهم بين أهلهم في المناسبات السعيدة وكأنهم يصرخون بأعلى صوتهم: "نحن معكم قلبًا وقالبًا".. فكيف يمكن للمغتربين أن يشاركوا أهليهم المناسبات السعيدة؟ هذا ما نتحدث عنه في السياق التالي.

تسجيل صوتي

سمية مراد (25 عامًا) تركهم والدها وسافر إلى إحدى دول الخليج قاصدًا العمل لتحسين ظروف عائلته منذ أكثر من سبعة أعوام، فلا يعود إلا كل عدة أعوام نظرًا للظروف السائدة في قطاع غزة.

تقول سمية: "في يوم زفافي التي تعد ليلة العمر لكل الفتيات، تمنيت أن يكون والدي بجانبي هو من يزفني إلى زوجي، ولكنه لم يستطع القدوم إلى القطاع بسبب إغلاق معبر رفح".

ولكن الجميل واللفتة المميزة في فرحها أنه بغَتَها بتسجيل صوتي أثناء حفل زفافها، أرسل لها من خلاله أجمل التهاني وباقات الورد، وتضيف: "لحظات سماعي للتسجيل شعرتُ وكأنه معي ويشاركني فرحتي، فالمشاعر خلال تلك اللحظة تكون مختلطة ما بين فرحٍ وحزن، ولكنها تبقى وسيلة للمشاركة في المناسبات السعيدة مع الأهل والعائلة".

هدية خاصة

وفي يوم وداع أخيه يومَ سفره لإكمال دراسات عليا أعيد نفس المشهد؛ حيث انهمرت الدموع في حفل تخرج محمد سالم (23 عامًا)، فقد رافقتهم مشاعر جياشة تمنوا خلالها تبدد المسافات ويكون بينهم ليشاركهم أجمل لحظة في حياته.

ولكن أخاه المغترب لم يجعل هذه المناسبة تمرّ مرور الكرام دون أن تكون له بصمة ولمسة، فأوصى أحد إخوته بشراء هدية وتقديمها لمحمد باسمه الشخصي، لتبقى ذكرى لا ينساها مع مرور السنين.

أثر نفسي

وفي السياق ذاته، تحدثت الأخصائية النفسية سمر قويدر عن أن المغترب في البلد الأجنبي يعيش أوضاعًا نفسية صعبة في الأيام العادية، وتزداد حدتها في حال وجود مناسبة سعيدة لدى أهله وأقاربه، يتمنى وقتها لو كان بينهم ليشاركهم هذه الفرحة.

وأوضحت أنه رغم أن المسافر قد سافر بغرض الحصول على أشياء يرغب بها، إلا أن هناك أشياء متعلقة به في بلده ووطنه وبين أهله وأقاربه حيث تجمعه ذكريات طفولية وشبابية يحتفظ بها في كينونته، فيفتقد أشياء كثيرة ومواقف فيتولد له شعور بالغربة والحنين.

وأشارت قويدر إلى أنه في حال وجود مناسبات وأفراح لدى عائلته وأقاربه فتتولد لديه رغبة بالجمع مع الأقارب والأصدقاء، فيبغَتُه شعور الحزن، متمنيًا وجوده معهم ليشاركهم في المناسبات.

وبينت أن المغتربين يحاولون أن تكون لهم لمسة وبصمة في هذه المناسبات، من خلال مشاركته في الحفلات أو المناسبات من خلال بصمته الخاصة في التجهيز، أو بتسجيل صوتي يشعر به الجميع كأنه موجود بينهم، وأنه على تواصل دائم وبالتالي لا يشعرون بثقل لعدم وجوده بينهم في المناسبات التي يتمنون مشاركته معهم، أو من خلال تقديم هدية باسمه.

ونوهت قويدر إلى أنه يمكن لأهله أن يزودوه بصور من قلب الحدث، فمشاركة المغتربين للمناسبات السعيدة له أثرٌ نفسي عظيم في المغترب وأهله فتربطه معهم علاقات روحانية لها دور كبير في توطيد العلاقات الاجتماعية حتى في حالة البعد، كما أنها تخلق جوًا من السعادة والفرح.


والدة الشهيد مازن فقها في حديثٍ لـ"فلسطين "يُبرّد القلب"

أربع رصاصاتٍ انطلقت من مسدسٍ كاتم للصوت، لكن أزيزها دوّى في فلسطين وخارجها، ولم تصب جسد الأسير المحرر "مازن فقها" فقط، وإنما كانت طعنة أصابت الفلسطينيين في مقتل، وأوجعت قلوبهم تمامًا كما لو كان الراحل عزيزًا يعرفونه منذ زمن، وفي اليوم التالي خرجت الآلاف المؤلفة لتشيّع جثمانه، كيف لا يكون هذا الحب وهو ومضمون دعاء مضت الأم سنوات في ترديده؟ وهل يُعقل ألّا يرتفع شأن من كان "يعلو ولا ينخفض" في مهده؟ أليست علامات التميز في الطفولة تشير إلى تألق في الكبر؟

"فلسطين" حاورت السيدة غصون فقها، والدة الشهيد، لتستمتع لبعض اللفتات في حياة مازن الإنسان، بعيدًا عن عمله المقاوم الذي لم يكن يتحدث عنه بشيء أبدًا، ولولا كثرة المعزين المتوافدين لمواساة أمه، لكان حديثها أطول، فالكلام عن مازن "يبرّد القلب" على حد قولها.

من الظهيرة إلى الغروب

بولادة مازن، كان العيد عيدين، فالرابع والعشرون من أغسطس من عام 1979 الذي وُلد فيه، كان يوافق ثاني أيام عيد الفطر، وكأن حياته كانت يوم جمعة مبارك، فهو خرج إلى النور في ظهيرة يوم جمعة، وفي الجمعة أيضًا، ولكن وقت الغروب، كان الرحيل، هكذا ترى أمّه الصابرة.

منذ كان طفلًا، كان التميز واضحًا في شخصيته، يلعب مع أقرانه ويشاركهم صفات مرحلتهم العمرية، لكنه في الوقت ذاته مختلف عنهم، وتقول والدته عن طفولته: "إذا فعل شيئا يسعى لأن يجعل عمله مميزا عن باقي الأطفال، كانت لعبته المفضلة (يهود وعرب) يلعبها مع أبناء الحي، إضافة إلى ألعاب التركيب، ولطالما تحدث في صغره عن رغبته بأن يكون مهندسا متخصصا في الكهرباء، وكان للرياضة مكان مهم في حياته، وأَحبَّ منها صعود الجبال والصخور.

وتضيف أنه تميّز دومًا بحبّه للناس وخاصة لأسرته، وبادله الجميع هذا الحب مع مستوى عالٍ من التقدير، حتى أنه لم يكن يتسبب بأي خلافات مع أقرانه رغم سنّه الصغيرة، وكان إذا سمع ما لم يرُق له أو وجه أحدهم شتيمة له، كان يغلق أذنيه ويسرع إلى أمه كما كانت توصيه أن يفعل.

أمّا علاقته بالمسجد فوطيدة منذ أن كان في الصف الرابع الابتدائي، ففي ذلك الوقت التزم بالصلاة تمامًا وبدأ بحفظ القرآن، ولأنه ملتزم بالحفظ، كان يحصل على مكافأة شهرية من المسجد، لكنه كان يخجل من استلامها، لأن "من يقرأ القرآن، لا يأخذ ثمن قراءته"، كما كان يقول لأمّه.

نورٌ ينبعث!

تلك المرحلة العمرية لم تخلُ من علامات قرأها أهل مازن على أنها تشير إلى عِظم شأنه عندما يكبر، منها أنه في سنِيِّه الأولى كان أثناء نومه يرتفع بجسده فوق الوسادة، بخلاف أغلب الأطفال الذين ينزلون برؤوسهم عنها، فكان جدّه يقول بينما يحرّك الوسادة تحت حفيده: "أتوقع أن يكون له شأن كبير، هذا الولد يعلو ولا ينخفض".

وبعد التزامه بالصلاة، سأل مازن والدته عن النور الذي يراه في سجادة الصلاة: "يا ماما بشوف نور بيطلع من سجادة الصلاة، من مكان رجليا عليها!"، كان من الطبيعي أن تفسّر الأم كلام ابنها بأنه تهيّؤ، ولكن تكرار حديثه عن النور الذي يراه في موضع قدميه على سجادة الصلاة، جعلها تأخذ الأمر على محمل الجد.

تعاملت "أم مازن" مع ما أخبرها به ابنها بميزان "لا تقصص رؤياك على أحد"، فقالت له: "هذا نور من الله، سينير دربك، وسيكون لك شأنٌ عظيم عندما تكبر، فاجعل خبر النور سرًّا، احتفظ به لنفسك، ولا تخبر به أيًا من إخوتك أو أصدقائك".

توضح: "عمل مازن بوصيتي، وحفظ السر، ولكني بعد استشهاده، ندمت على أنني طلبت منه ذلك، وتمنيت لو جعلته يخبر أقرانه لعل حديثه يفتح لهم باب هداية ورشاد".

طبّقها حرفيًا

كبر الطفل، وما يزال يلعب لعبته المفضلة، ولكن بطريقة أخرى يتكتم عليها، فأطفال الحارة لم يعودوا أبطالًا في لعبته، وإنما طبّق اسمها حرفيًا "يهود وعرب"، هذه المرة انضم إلى صفوف المقاومين ليقارع العدو حقيقةً لا خيالًا.

وبحسب الأم الفخورة بفلذة كبدها: "عندما وصل المرحلة الثانوية بدا أنه تغيّر، ولكنه لم يكن يتحدث عن شيء مطلقًا، وكنت أسمع الأناشيد الإسلامية تصدح في غرفته، وكان حينها قد التحق بالمقاومة دون أن يخبرنا، فقد كان كتومًا للغاية وصامتًا تمامًا في كل ما يتعلق بعمله في المقاومة".

ماذا عندما عرفت الأسرة الحقيقة التي يخفيها "مازن"؟، تجيب والدته: "لا يمكن أن أطلب من ابني أن يحيد عن هذا الطريق، فقد اختار طريقا صحيحا لا تراجع عن المضي فيه، خاصة أنه قد كبر وأصبح قادرا على اتخاذ القرارات ولا يمكن لي أن أفرض عليه قراراتي أنا".

وتبيّن: "هذا اليقين لا يحول دون وصول الخوف إلينا، خاصة أن بيتنا كان على أطراف طوباس، ومجموعات من جنود الاحتلال تمر قربنا بين الحين والآخر"، لافتة إلى أنها اقترحت عليه أن يؤجل عمله هذا إلى ما بعد الحصول على الشهادة الجامعية، فكان ردّه: "الجامعة ملحوق عليها".

في الجامعة بدأت الملاحقات، وبعدها لم يطل الوقت حتى جاء موعد الاعتقال، ففي عامه الجامعي الأخير اعتقله جهاز الأمن الوقائي، وكانت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية تستدعيه للتحقيق بين الحين والآخر، ثم كانت عملية الانتقام للشهيد صلاح شحادة، وعلى إثرها اعتقله الاحتلال.

في واحدةٍ من ملاحقات السلطة لمازن ورفاقه، طالت مدّة الاحتجاز، فما كان من سكّان القرية إلا أن تكاتفوا ليهدوه الحرية، وعن ذلك تقول والدته: "اعتقلته السلطة بينما كنت في المستشفى على إثر عملية جراحية خضعت لها، كنت ألحظ أن ابنتي تخفي حزنًا كبيرًا، وتبكي بعيدًا عني، فظننت أن هذا من علامات قلقها عليّ، ولكن تبيّن لي لاحقًا أنها تخفي عني اعتقال أخيها"، مضيفة: "لأن مازن محبوب جدًا، ويكنّ له الناس الاحترام والتقدير، وهو يبادلهم الأمر ذاته، لم يقبلوا الوقوف مكتوفي الأيدي على اعتقاله، فاجتمعوا في مكان اعتقاله وأخرجوه".

أن أراه ولا أراه!

في نوفمبر 2001 نشرت صحفٌ عبرية اسم مازن كأحد المطلوبين، ومنذ تلك اللحظة بدأت مرحلة المطاردة، والتي استمرت حتى اعتقاله في أغسطس من عام 2002، وكان فيها من الألم ما لا يستوعبه سوى "مُجرِّب".

عن شهور المطاردة العشرة تتحدث فقها: "كانت شهورًا صعبة للغاية، فهل يُعقل أن يتحرك ابني أمام بيتي ولا أتمكن من استراق النظر إليه! هذا ما كان يحدث بالضبط، يمرّ في شارعنا وسط الظلام، فأرفض أن أوجه أنظاري إليه، وكذلك باقي أفراد العائلة، وذلك حتى لا يلحظ وجوده المراقبون المنتشرون في المكان".

وتقول أيضًا: "الأم مستعدة للموت مقابل ألّا تؤذي ابنها، وأنا أعرف أنني إذا نظرت له أو أصدرت صوتًا ابتهاجًا برؤيته فسيرصد المراقبون حركته، وكذلك إذا حاولت أن ألتقي به في أي مكان، لذا كنت أخرج من بيتي وأتحرك في المنطقة ليراني، أو أذهب إلى مكان أعرف أنه سيراني فيه، وكذلك الحال بالنسبة لإخوته، فبهذه الطريقة كان يرانا ويطمئن علينا ويطفئ شيئًا من نار اشتياقه لنا".

هذا ناهيك عن مشاعر الخوف التي لا يمكن وصفها ولا الحديث عنها، على حد قولها.

في الأيام الأولى من أغسطس عام 2002، توالت الأحداث وانتهت فترة المطاردة، إذ شارك "مازن" في عملية للرد على اغتيال القائد العام لكتائب القسام الشيخ صلاح شحادة، وسرعان ما اعتقلته قوات الاحتلال، وبعد أيام قليلة هدمت منزل العائلة.

ومن هنا، أخذت معاناة الأهل شكلًا آخر يختلف عمّا كان عليه الحال في أيام المطاردة، ووفقًا لـ"أم مازن": "غيابه كان صعبًا للغاية، فهو الكبير من بين الأبناء الذكور، وإخوته شديدو التعلق به، أمّا جدّتاه فكان حالهما تنفطر له القلوب، فجدّته لأبيه توفيت في 2006 وهي تنتظر عودته، إذ لا تعلم عنه سوى أنه في تحقيق بسيط ولا علاقة له بالعمل المقاوم، أمّا والدتي فتوفيت قبل الإفراج عنه بشهر، وكانت أمنيتها أن تراه قبل الموت".

كانت العائلة ترى ابنها الأسير في قاعة المحكمة فقط، وتتواصل معه بالإشارات، فالتواصل بالكلمات غير ممكن، وبعد انتهاء جلسة المحكمة ينقل لها المحامي رسائل مازن التي تهدف لطمأنة الأهل.

وبعد عامين من الاعتقال، سمح الاحتلال للعائلة بالزيارة الأولى، وشارك فيها الأبوان والأخ الأصغر، وكانت فرصة للاطمئنان على صحة "مازن"، فالمعلومات التي وصلت إلى مسامع أهله تفيد بأنه مشلول تماما، وأن ظهره مكسور، ويداه ورجلاه لا تتحركان، وأنه فقد كل أسنانه، لذا كان أول ما طلبته منه أمّه أن يثبت لها سلامة جسده، فتحرك خلف الزجاج الفاصل بينهما ليؤكد لها أنه بخير، ولكنها فهمت منه أنه كان بتلك الحال فعلًا ثم تحسّن.

غزة.. الحمد لله

مرّت سنوات الاعتقال بكل ما فيها من أسى، ثم جاء الخبر السعيد، اسم مازن ضمن قائمة الأسرى المُفرج عنهم، وما زاد سعادة والدته واستدعى منها أن تحمد الله مرّة أخرى معرفتها بأن ابنها سيكون في غزة، وبذلك فهو سيعيش بعيدا عن ملاحقات الاحتلال في الضفة، ولن يكون في غربة عن الوطن.

وبعد 20 يوما من الإفراج عنه، جاءت إلى غزة مع بعض أفراد عائلتها، وخطيبة ابنها "ناهد عصيدة"، وكانت كلما سألت عن أحواله يرد بما معناه: "كنت في عالم آخر، وأحياني الله من جديد، فها أنا أتحرك، أمّا ما مضى فأحتسب أجره عند الله"، ولم يكن يمل من السؤال عن بلدته والحيّ الذي نشأ فيه، وعن كل معارفه هناك، فهو يحب الناس كما يحبّونه.

حب الناس لمازن، في حياته، وبعد مماته، له تفسير عند والدته، إذ كانت تدعو الله له دومًا: "ربنا يحبب فيك القريب والغريب، والعدو والصديق"، وما تزال تدعو له بذات الطلب حتى بعد رحيله.

ولكن من قال إن الخطر المُحدق بمازن قد زال؟ بالطبع لم يزُل، لأن المقاوم ما يزال على العهد، ماضٍ في طريق الجهاد، ولذا فإنه منذ الإفراج عنه توالت اقتحامات جنود الاحتلال لبيت عائلته في الضفة، وفي كل مرّة يطلبون منه أهله أن يجبروه على أن "يبقى محترمًا، ويهتم ببيته، وإلا ستصله يدنا في غزة".

ذات مرّة جهّز الجنود البيت للهدم، وأحاطوه بالمتفجرات، وقالوا لوالد الشهيد: "ستفقدون البيت، وستعيشون تحت الشمس"، وقبل عام اقتحموا البيت وطلبوا من والده الاتصال به عبر هاتفه، تحدث معه أحدهم بالعبرية، فاحتدم الحديث وارتفع صوتهما، لكن الحديث كان باللغة العبرية فلم يفهمه الأهل، ولاحقًا عرفوا أن مازن قال لمحدّثه: "لو راجل، تعال لي على غزة"، وكان كلّما أخبره أهله بتهديد جديد، يقول: "الرب واحد، والعمر واحد".

ليس كمثلها علاقة

علاقة الشهيد بإخوته مميزة إلى الحد الذي يجعل أمّه تجزم بأن لا علاقة أخوية قد تماثل حال أبنائها، وفي ثنايا حديثها تستذكر بعض المواقف لتدلل على حسن تعامله معهم، ومن ذلك أن أخاه الذي يصغره كُسرت يده ذات يوم أثناء لعبهما معا، شعر مازن بغصّة وحمّل نفسه مسؤولية ما تعرض له شقيقه، وبعد سنوات، وتحديدا عندما كان أخوه في السابعة عشر، توفاه الله، فانفجر مازن بالبكاء لأنه كان السبب في إيذاء أخيه يوما ما، رغم تأكيدات الأم أن الإصابة لا علاقة لها بمازن.

وعندما كان في الثانوية العامة، كان يحمل كتابه، ويتوجه إلى مكان الأغنام التي تملكها العائلة، ليرعاها ويقوم على شؤونها، بينما هو يدرس، وقد كان يفعل ذلك لكي لا يحمّل العبء لإخوانه الآخرين.

أمّا بلدته، فكانت في قلبه دوما، وكان حريصا على الاطلاع على صورها دوما، لكنه كان يطلب أن تكون الصور خالية من مشاهد الامتداد العمراني الذي طال بعض المناطق التي كانت تتمتع بطبيعة خلابة قبل اعتقالها، مبررا ذلك بأن: "أريد أن أرى طوباس التي هي مخيلتي، فهي أجمل مكان في الدنيا بالنسبة لي".

عدسات كاميرات أفراد العائلة كانت يقظة دومًا لتلتقط لمازن ما يروق له من صور تخصّ طوباس، سواء لمناطق طبيعية، أو فعاليات أو مناسبات، وفي يوم الخميس الأخير قبل استشهاده، أرسل له أخوه صورًا، فجاء الرد: "مصورها بالجنة يا أحمد؟"، تعبيرًا منه عن جمال ما يراه.

وفي يوم الجمعة التالي، طلب مزيدًا من الصور، فخرجت العائلة في نزهة، وعادت الأم بمجموعة من الصور لترسلها له، لكن الوقت لم يسعفها لتنفيذ طلب ابنها، وبعد العودة كان خاله في ضيافة أهله، وبينما العائلتان تتحدثان عن النزهة، وصلهم أن خبرًا مهما في التلفاز، وهنا كانت الصدمة، شاشات الفضائيات مغطاة بأشرطة حمراء تحمل خبرًا عاجلًا: "استشهاد الأسير مازن فقها".

ورغم أن احتمال استشهاد مازن لم يغادر أذهان أسرته يومًا، إلا أن التوقيت وطريقة الاغتيال لم يكونا ضمن أفكارهما أبدًا، ولكن الصبر والرضا كانا حاضرين دومًا.


​الطفل ليث جرادات من "خرم الإبرة" انطلقَ إلى المجتمع

صمتت عن صراخها من ألم الولادة للحظة، فأرادت أن تسمع صوت بكاء صغيرها وصرخته التي ستدوي في أذنها معلنًا قدومه للحياة، فقد خرج من أحشائها من كانت تترقبه لحظةً بلحظة ليقدم إلى الحياة، ويُملأ عليها وعلى زوجها البيت، فهو طفلها الأول، ولكن لم يصرخ، ولم يبكِ، ضربته الطبيبة المشرفة على ولادتها ولم يبدِ أي ردة فعل على ذلك، أصُمَّت أذانها أم ماذا حصل لمولودها؟، أخذته الطبيبة وبدأت بفحصه وعمل الاجراءات اللازمة ليتبين فيما بعد أنه تعرض لخطأ طبي أثناء الولادة أعاقه عن الحركة والقدرة على الكلام.

ليث جرادات (15 عامًا) بسبب نقص الأوكسجين لمدة 60 ثانية، حَرم والدته من سماعها لصرخة الحياة، وقال الأطباء لوالديه: "احمدوا الله على ما هو فيه، فقد كنا نتوقع أن يحدث له أكثر من ذلك"، ويقصدون أنه كان سيفقد الحياة.

بعد ثلاثة عشر يومًا دوى صوته في الحضَّانة، ليتسلل بصيص أمل لوالدته لترتسم البسمة على شفتيها، وتبرق نظرات عينيها بالفرح والأمل، رغم أنه سيعيش في مكابدة مع الحياة، ومواجهة معها، وسيحرم مما يعشقه الأطفال من لعب ومرح.

تقول والدته أم ليث: "كان تحدياً صعباً بالنسبة لي في تربيته ومعاملته، فسعيتُ بكل جهودي أن أعامله كأي طفل طبيعي، لأسهل عملية دمجه مع الآخرين، فلم أقبل أن أعامله معاملةً خاصة لما سيكون لها من أثر على نفسيته وشخصيته".

فلم تتوانَ هي ووالده عن إلحاقه برياض الأطفال، ومن ثم نقله إلى المدرسة، ولكنه ما أن بدأ يزداد عمره ويكبر أصبح يتفهم وضعه الصحي، وبدأت تواجه مشكلة مواجهته للآخرين وطريقة تعاملهم معه، ونظرتهم السلبية له، ولكنه لم يكن يسكت عن أخذ حقه منهم، فيقع في مشاكل بصورة دائمة مع زملائه، وتكمل حديثها: "في الصف الثامن لم يعد يتقبل المدرسة بسبب طريقة تعاملهم معه، وأصر على تركه للمدرسة".

ولكن والديه رفضوا فكرة عدم إكمال تعليمه، فهو سلاح الشخص الذي يمكن أن يُشهره في وجه الآخرين، فألحقوه بمدرسةٍ خاصة لذوي الإعاقة، وبعد عدة أيام لم يبتلع فكرة تواجده فيها، فتركها ليلتحق بمدرسةٍ مهنية تابعة لمركز تأهيل الشبيبة في مدينة الخليل ويتعلم مهنة الخياطة.

ووراء ماكينة الخياطة يجلس الطفل جرادات الذي يعاني من إعاقة في النطق والحركة على الكرسي، ويبدأ بتجهيز الماكينة وبيده المرتجفة لَضم إبرة الماكينة بالخيط، ليستعد لبدء تدريب يومي، وينصت بشكلٍ جيد لتعليمات مدربه.

وفي بداية التحاقه بالمركز كان يعاني الطفل جرادات من صعوبة الاندماج مع الآخرين خاصة بعدما قرر ترك المدرسة؛ فالتحاقه بهذا المركز الذي يعمل على تهيئة الطالب نفسيًا واجتماعيًا ومهنيًا، كان له الأثر الايجابي في تحسن شخصيته من نواحٍ مختلفة.

وقد لاحظ والداه تحسنا ملحوظا في تصرفاته وسلوكه، كما أنه لا يحب أن يرتبط بالبيت، بل يقضي جل وقته بعد عودته من المركز في المشاركة مع الأولاد من أهل الحي في المرح واللعب وفق استطاعته.

وفي أقل من عام استطاع أن يتقن هذه المهنة وتعلم قواعدها ومبادئها، فحسَّنت من واقعه ومستقبله، وقد أصبحت بيده مهنة بدلًا من أن يكون عالة على المجتمع، وانخراطه فيه، ويأمل الطفل جرادات أن يتوفر علاجا يخفف من إعاقته الحركية، ومركزا يتلّقى فيه علاج النطق.