أسرة ومجتمع

سَرَحان وجدال على وقع "وحوي يا وحوي"

"أفواجًا" يدخل الناس إلى السوق، وقد يكون الهدف الدارج الحصول على احتياجاتهم المنزلية، لكن في حالات كثيرة لا يقتصر الأمر على ذلك.

مظاهر رمضانية ومواقف عديدة تكون من نصيب الناس، المارة منهم والمشترين، وهو ما يتجلى على أرض الواقع طيلة أيام الشهر الكريم.

أناشيد

قديمًا قيل: "الأرض بتتكلم عربي"، وكأنما تنطق اليوم بأناشيد رمضان الشائعة باللهجة المصرية حيثما أراد بائع جذب الناس إلى بضاعته، أو إشاعة أجواء الشهر في نفوسهم.

التصقت هذه الأناشيد بشهر رمضان التصاق الجنين بأمه، وهي تخترق آذان الجميع دون استئذان، وينطق بها بعضهم حتى دون نية.

"وحوي يا وحوي أيوحا وكمان وحوي" هي إحدى أشهر تلك الأناشيد التي تحيل كثيرين إلى أيام الطفولة، عندما كانوا يسمعونها حتى أكثر من سماعهم أسمائهم.

ويبدو أن الأسواق لم تعد فقط للبيع والشراء، وإنما يقصدها بعض لإمضاء الوقت والتسلية وإمتاع النظر بآخر ما وصل إليه الصُّناع في عالم فوانيس رمضان وزينته، والزُّراع من جودة الفجل والجرجير والبقدونس التي تقترن أيضًا بسفرة الإفطار.

ومن الممكن أن يكون حب كثيرين هذه الأناشيد نابعًا من حبهم جمهورية مصر العربية، ورغبتهم في معايشة أجواء الشهر في أرجائها.

"مرحب شهر الصوم مرحب"، و"افرحوا يا بنات يلا وهيصوا رمضان أهو نوّر فوانيسه"، و"رمضان جانا"، أناشيد أخرى لا تزال تتردد في أذني كل من دخل السوق، مهما اختلفت الدوافع.

نصف المجتمع

لا تكتفي بتجاعيد وجهها التي شكلها تحملها أعباء كثيرة مذ كانت في سن طفولتها، وإنما تكمل مشوارها في مشاركة زوجها في شؤون المنزل، وابتياع حاجات أسرتها.

قد تثقل أكياس المشتريات كاهلها، لكن يبدو أن ذلك يريح ضميرها، هذا هو حال سيدة أتمت شراء مستلزمات منزلها وهمّت بمغادرة السوق.

وتوصف المرأة بأنها "نصف المجتمع"، لكنّ هذه السيدة بقيامها بهذه المهمة التي تلقى عادة على عاتق الرجل تحصل على نسبة إضافية من تمثيلها للمجتمع، كما أخبرها أحد الباعة.

واختارت أخرى مشاركة زوجها جنبًا إلى جنب في تحمل تلك المسؤولية، وقد انهمكا في مشاوراتهما بشأن المشتريات، واشتركا في حملها.

وعندما كان طفل يبدو أنه لم يتجاوز عامين من عمره، يشارك أمه في التسوق، توقف أمام محل للجزارة وطالبها بشراء الدجاج، مشيرًا بكلتا يديه إلى اللحوم الحمراء، وقد تحملت مهمة إضافية، وهي إقناعه بأن هذه ليست دجاجًا، ودون جدوى خاضت معه جدالًا طويلًا.

حينئذ خاطبها الجزار دون تردد: "اعتبريه دجاج واشتري"، محاولًا انتهاز فرصة إلحاح الطفل.

تصفيف

يصفف شاب عشريني المخللات: الباذنجان المحشو بالفلفل والثوم، واللفت، والزيتون، بعناية كأنما يصفف حلاق شعر زبونه.

وأمامها، وهي ذات الألوان الزاهية والأشكال البديعة كزهور الربيع في أخصب بساتين الأرض، يسرح كثيرون بخيالهم، وقد يتصور بعض كيف سترتب أطباقها عند الإفطار على السفرة المنشودة والموعودة مع أذان المغرب.

ولا مفر من مشاهدة المخللات التي تنتشر في المحال جنبًا إلى جنب، إلى درجة أنها لا تفارقهم، كما لا يفارق القمر ليلًا أو الشمس نهارًا الإنسان السائر على الأرض.

وإن فاتت بعضًا رؤيتها فإن لها من "الذكاء" ما يمكنها من بلوغ غايتها، كيف لا ورائحتها الحاذقة ستتسلل إلى أنوفهم، وربما تدفعهم إلى شرائها، وإن كانت ثلاجاتهم ممتلئة بها عن بكرة أبيها؟!

وإذا كان الفانوس أحد مظاهر رمضان، فإن المخللات لا تتنازل عن أن تكون هي الأخرى مظهرًا كإنسان يتدلل على محبه لعلمه عظم مكانته.

"ريَّان" يحن إلى ماء الزير وإفطار على "بحر" البيت

رمضان "قراوة بني حسان" القرية التابعة لمحافظة سلفيت في الضفة الغربية المحتلة يعني للأسير المحرر منصور ريان ماء "زير" يروي الظمأ، ومائدة إفطار ممتدة على "بحر البيت" (ويقصد بذلك السطح)، الصمت سيد الموقف سوى من همهمات الدعاء التي تلهج بها ألسنة الأب والأم والأبناء، قبل أن يقطعها صوت المؤذن معلنًا انتهاء الصيام.

ذكريات تعود إلى ما قبل 28 سنة في قراوة بني حسان، انقضت من عمر الأسير المحرر منصور ريان، الذي أفرج عنه في من سجون الاحتلال الإسرائيلي في صفقة وفاء الأحرار في تشرين الأول (أكتوبر) 2011م، بعد أن أمضي 20 سنة خلف قضبان السجون، وثماني سنوات مبعدًا عن قريته إلى قطاع غزة.

يقول ريان لـ"فلسطين": "الإبعاد هو قرين القتل، لذا يتبعه الاحتلال الإسرائيلي مع الفلسطينيين، ومنذ الإفراج عني لم ألتق أهلي، توفيت والدتي قبل عامين ولم أستطع توديعها وخلف ذلك حسرة في قلبي، أشتاق إلى كل شيء في القرية".

يضيف: "تزوجت بفتاة غزِّية وأنجبت ثلاث بنات وولدًا، لكن عقلي هناك حيث مسقط رأسي، حتى أطفالي متولعون برؤية أعمامهم وعماتهم".

ويشير إلى أن ما يفتقده أيضًا ريف قريته، وكل ركن وزاوية فيها، وشوارع الضفة الغربية، والتنوع البيئي والحيوي فيها حيث الغزلان والطيور والزهور والجبال والوديان التي يفتقر إليها قطاع غزة المحاصر.

رائحة المقلوبة، وطبيخ اللبن، والمسخن، التي كانت تصنعها والدته، أصبحت ذكريات لا يزال ريان يحن إليها، ويلتاع متلهفًا على تلك الأيام.

ويلفت إلى أن العلاقات الودية بين أهل القرية أكثر ما كان يميز قراوة بني حسان، حيث توزيع الإفطار، وتبادل الجيران أطباق الإفطار.

ويبين ريان أن رمضان في الإبعاد نهار يمضي في العمل ولقاء قصير مع أطفاله وزوجته على مائدة الإفطار، ثم أداء صلاة التراويح.

ويذكر أن تدبير شؤون البيت، وتحضير مائدة الإفطار شأن يتركه لزوجته دون تدخل منه، فدوره يقتصر على الاهتمام بالأبناء في الساعات التي يتمكن من اقتناصها من يومه.

​كيف يمكن للمرأة ألا ترهق نفسها في رمضان؟

وفق دراسة حديثة نشرتها صحيفة "ديلي ميل" البريطانية أظهرت أن المرأة تعاني المزاج السيئ بواقع عشرة أيام في العام، وتتفاقم حدة هذا المزاج في شهر رمضان بسبب زيادة الأعباء على المرأة، فتكون مطالبة أن تقضي أغلب ساعات يومها في المطبخ لتلبي شهوات أفراد العائلة، ما يستهلك من قواها، وأضف إلى ذلك هذا العام متابعة دروس أبنائها ومراجعتهم لتقديم الامتحانات النهائية للفصل الدراسي الثاني.

وقالت الاختصاصية الأسرية تحرير أبو شرار: "تزداد الأعباء على المرأة خلال شهر رمضان، وخصوصًا العاملة، فتبدأ مهامها من الإجهاد الفكري المتعلق بحسم حيرتها بشأن طبق الإفطار، وتحضيره، وتلبية كل المتطلبات، إضافة إلى تدريس أبنائها ومراجعة دروسهم، ولا ننسى أنه شهر عبادة وطاعة، ما يستهلك قواها".

وأشارت إلى أن ما يزيد من العبء على المرأة هو التزامها بالعادات الرمضانية من اجتماع الأهل، والولائم الرمضانية، والسهرات التي تمتد إلى وقت السحور، والزيارات.

وأوضحت أبو شرار أن ما يزيد الطين بلة تمسك الرجال ببعض العادات التي تقتضي عدم مساعدة الرجل زوجته، ودخوله المطبخ، فبعد عودته من عمله يذهب إلى أخذ قسط من الراحة، في حين المرأة تكون ضائعة من كثرة الالتزامات التي تقع عليها.

وبينت أنه لذلك المرأة تحتاج إلى مساعدة وتنظيم للمهام، فمثلًا يمكنها أن تستغل المدة الصباحية بتلاوة القرآن وأداء العبادات، لأن شهر رمضان ما يميزه من باقي الشهور أنه شهر عبادات وتقرب إلى الله.

ولفتت أبو شرار إلى أنه يجب على الأم تنظيم جدول دراسي لأبنائها لمراجعة المنهاج قبل قدوم شهر رمضان، أما مدة العصر فهي مرحلة الطبخ والتجهيز لوجبة الإفطار.

وأضافت: "ليس شرطًا عند تجهيز الإفطار تحضير العديد من الأصناف، فيجب عدم الإسراف في تحضير الطعام".

ونبهت أبو شرار إلى أهمية تعاون أفراد العائلة فيما بينهم من أجل مساعدة الزوجة أو الأم في الأعمال المنزلية، فتلك المشاركة تزرع الثقة في نفس الزوجة، وتزيد من أواصر المحبة فيما بينهم، وتخفف من الأعباء عنها.

وختمت حديثها: "ويجب على المرأة تنظيم وقتها، فهو من الأمور المهمة جدًّا التي تساعد على تقليل الضغط النفسي، وإنجاز مهام كثيرة".

​تراث الأواني الفخارية يتجسّد بين أيدي أيمن عطا الله

من الصناعات التقليدية القديمة في قطاع غزة صناعة الفخار التي يتمسك بها أيمن عطا الله كونها مهنة والده من قبله وابنه من بعده، وهو لا يجد حرجاً من العمل بها رغم قلة الإقبال عليها.

وقال: إن "من دخل حب صناعة الأواني الفخارية إلى قلبه وشغفه العمل بها لن ينظر إلى رأي الناس بها سواء أحبوا اقتناءها أم عزفوا عنها".

وأضاف لـ"فلسطين": "كل بيت في غزة لا يزال يوجد فيه زبدية لا يمكن الاستغناء عنها في حال من الأحوال، ولا يزال حنين الإنسان الفلسطيني لما هو مصنوع من الطين موجودا حتى وإن اقتصر الأمر على اقتناء زبدية خاصة بتحضير السلطة".

وتابع "الأواني الفخارية لا تزال لها قيمتها الكبيرة في قلوب الفلسطينيين حيث إنهم يتهادون بها خاصة المسافرين الذين يزورون أقاربهم في دول الخليج، حيث تكون الأواني الفخارية هي الهدية الأولى التي يفكرون بها".

وأشار عطا الله إلى أن الوضع الاقتصادي الصعب في قطاع غزة وعدم تصدير الأواني الفخارية كما كان الحال في سنوات ماضية أثر بشكل كبير على هذه الصناعة وجعل العاملون فيها يعدون على أصابع اليد الواحدة.

ولفت إلى أن تصنيع الأواني الفخارية في المعامل الموجودة في قطاع غزة أصبح يقتصر على الزبادي بأحجامها المختلفة، وقواوير الفخار الكبيرة التي تستخدم في طبخ الأرز في المطابخ الشعبية، بالإضافة إلى الزبادي التي تصنع خصيصًا للمطاعم لتقديم وجبات الجمبري بها.

ولا يزال عطا الله يستذكر كيف كان يفضل الناس الأواني الفخارية بمختلف أشكالها، وشرائها لإهدائها للأم في يومها، وللعروسين في فرحهما وغيرها الكثير من المناسبات، مستدركًا "لكن الحال الآن تغير فأصبح الناس يفضلون التحف المصنوعة من الجبس والتي أيضًا قل الاقبال عليها".

وبين أن الناس تفضل الآن الهدايا القادمة من الصين والمصنعة بشكل احترافي أكثر وبسعر أرخص، مؤكدًا أنه رغم كل هذه الظروف سيبقى يعمل في تصنيع الأواني الفخارية هو وابنه الذي يسير على خطاه حاليًا.