أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٧‏/٣‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


المقدسي عبد السلام يواجه الاحتلال منذ 26 عامًا بـ"الدمى"

يتذكر الخمسيني عبد السلام عبدو جيدًا محاولاته الأولى في صناعة دمى الأطفال وكيف فشل لمراتٍ متتالية في تشكيل جسم متناسق لدمية صغيرة، ولكنه اليوم بعد 26 عامًا أضحى ذلك الخبيرَ المتمرسَ الذي يتعلم على يديه طلبة فلسطينيون وعرب.

وداخل ورشته الصغيرة في بلدة جبل المكبر جنوب مدينة القدس المحتلة، ينشغل عبدو في تجهيز دفعات جديدة من دمى الأطفال والعرائس المتحركة، مستخدمًا في تلك المهمة أدوات ومعدات خام بسيطة من الإسفنج والمناديل والورق المقوى بجانب قطعة خشبية أو خردة.

والدمى المتحركة بمثابة بمجسمات اصطناعية يتحكم في حركاتها شخص، إما بيده أو بواسطة خيوط أو أسلاك أو عِصِيّ, وقد تمثل الدمية شخصًا أو حيوانًا أو نباتًا أو شيئًا من الأشياء.

وترجع البدايات الأولى لإدخال فنون الدمى إلى فلسطين لعام 1985 عندما قدم فنان إيطالي إلى مدينة القدس؛ وحاضر حول صناعة الدمى والعرائس، وبعد ذلك بخمس سنوات شارك عبدو بأول مهرجان لعروض مسرح الدمى ليكون عام 1990 بمثابة انطلاقته الحقيقية.

ويقول المقدسي عبد السلام لصحيفة "فلسطين": "عملتُ بعد إنهاء الثانوية العامة في حرفة النجارة والتمثيل في مسارح القدس، ثم تطور الأمر تدريجيًا؛ نحو تعلم صناعة الدمى والعرائس كهوايةٍ فردية، في ظل محدودية عدد العاملين في هذا المجال المميز".

وتمر عملية صناعة الدمى بمراحل متتالية تبدأ باختيار الفكرة ووضع التصميم الأولي ثم الصناعة من المواد الخام المناسبة وصولًا إلى مرحلة التلوين والتحريك، بينما تتراوح المدة الزمنية المطلوبة لصناعة الدمى ما بين يوم واحد إلى 20 يومًا، وذلك وفق نوعية الدمية.

ولرغبة عبدو في نشر فنون صناعة الدمى المتحركة والعرائس يخصص ساعاتٍ دورية لتعليم بعض الشبان الهواة من مدن فلسطينية مختلفة كالخليل ونابلس وغزة؛ وكذلك لا يتردد في الموافقة على تقديم دورات تدريبية سواء داخل فلسطين أو خارجها في مصر والسودان وتونس وغيرها.

وعدَّ عبدو صناعة ومسرح الدمى وسيلة فريدة تعزز الهوية والانتماء الفلسطيني بالقدس وتربط الأجيال الصاعدة بعراقة التاريخ وفي الوقت ذاته تنقل الصوت الفلسطيني إلى العالم بطريقة مغايرة.

وأشاد المقدسي عبد السلام بقدرات صانعي الدمى الفلسطينيين وقدرتهم على المشاركة في المهرجان والمنافسات الدولية رغم التحديات المتعددة؛ التي تواجه مسيرتهم بداية من ضعف التمويل والدعم المالي، وصولًا إلى مضايقات الاحتلال الإسرائيلي داخل أسوار المدينة المقدسة.

ويعد الإغلاق المتكرر للمسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي" تحت حججٍ واهية من أبرز الوسائل التعسفية التي يستخدمها الاحتلال لمواجهة ذلك الفن الشعبي، الذي يحظى بقبولٍ لافت من مختلف الشرائح العمرية والمجتمعية.

وسنويًا يُقام في مدينة القدس على خشبة مسرح "الحكواتي" مهرجان دولي للدمى، بمشاركة العديد من الفرق الفلسطينية والغربية في فقراتٍ متنوعة من فنون الصغار، ليكون محطة ومساحة رئيسة يلتقط فيها أطفال القدس أنفاسهم بعيدًا عن الظروف الحياتية الصعبة.

وبين عبدو أن الاحتلال أغلق قبل نحو عامين مسرح الحكواتي أثناء المهرجان السنوي لمدة عشرة أيام متتالية، بسبب رعاية وزارة الثقافة الفلسطينية التابعة للمهرجان، موضحًا أن مهرجان الدمى في القدس هو الوحيد الذي يُنظم سنويًا في الوطن العربي.

ومسرح الدمى فني شعبي قديم، تعود أصوله إلى الثقافات الآسيوية؛ وعربيًا ازدهر بعد سقوط بلاد الأندلس؛ إذ كان وسيلة للترويح عن الناس بجانب خيال الظل حيث كان وسيلة جيدة لحكاية قصص ذات دلالاتٍ قيمية إنسانية أو اجتماعية أو سياسية دون الاحتكاك مع الحكام.

ويوجد ثلاثة أنواع رئيسة من الدمى المتحركة هي، الدُمى المتحركة بواسطة اليد أو التي تتحرك عبر الخيوط "الماريونيتات" والثالثة تتحرك عبر العصي.


بهجت زبلح .."مكوجي" نابلس الأقدم

داخل محل صغير في زقاق البلدة القديمة بمدينة نابلس (شمال القدس المحتلة)، قضى الفلسطيني بهجت زبلح أكثر من نصف عمره وهو يمارس مهنة كي الثياب، والتي تعدّ واحدة من المهن القديمة التراثية والأساسية في فلسطين.

"زبلح" البالغ من العمر 77 عاماً، عايش هذه المهنة منذ سن الرابعة عشرة، قاطعاً فيها عقوداً طويلة، عايش خلالها مراحل وقصص كثيرة.

ويقول السبعيني الفلسطيني "كنت أغادر مدرستي وأذهب مسرعاً إلى معلمي الثاني في مهنة الكي؛ ألازمه وأتعلم منه أصولها وأراقبه يتفنّن بعناية في تجهيز الملابس النظيفة والأنيقة لزبائنه، وكان ذلك منذ عام 1954م".

ويضيف "في العام 1970 انطلقت لخوض غمار العمل الحر؛ فافتتحت هذا المحل وبدأت باستقبال الزبائن وطلباتهم فيه، كنت أغسل الملابس وأقوم بكيّها وإخراجها أنيقة جميلة".

حرص "زبلح" على تطوير أدوات عمله بما يضمن استمرار ممارسته للمهنة التي أَحب منذ ما يزيد على ستة عقود، كان جُلّ ما يتطلبه كي الملابس آنذاك طاولة ومكواة تُسخّن على بابور الكاز، استبدلت لاحقاً بمكواة البخار.

"من شدّة تعلقي بهذه المهنة علّمت أسرارها لثلاثة من أبنائي الذين أستعين بهم عند الحاجة لمساعدتي، رغم أنهم يعملون في مجالات أخرى"، يقول زبلح.

وحول إقبال الزبائن على محله، يقول "المكوجي" النابلسي "على الرغم من انتشار أماكن أكثر تطوراً لتنظيف الملابس وكيّها باستخدام تقنيات حديثة، إلا أن الإقبال على محلي الصغير لا يزال ملحوظاً؛ فالناس بوجهة لا زالت تثق بي وبأمثالي من العاملين في هذا المجال، ناهيك عن التكلفة المتدنية التي نتلقاها مقارنة بغيرنا".

أطلق الحاج الفلسطيني تنهيدة أنهى بها حالة من الصمت التي كانت تزور المكان بين الحين والآخر، قائلاً "أرجعتني سنوات طويلة إلى الوراء. الناس قديماً كان حالها مختلف عمّا نشهده اليوم؛ أخلاق وأناقة وتعامل حسن (...)، أبكي دماً كلما استذكرت تلك الأيام"، على حد تعبيره.

وذهب يسترجع ذكريات الماضي متمعناً في مجموعة صور قديمة له ولجيرانه ولزبائنه في المحل، معلّقاً عليها بالقول "نمط الحياة تغيّر، وكذلك قلوب الناس، مع تطور الحياة وتقدمها".

ويختم الحاج السبعيني، حديثه بالقول "عشت نحو ثمانية عقود، وعايشت الاحتلال منذ بدايته، فكانت النكبة والهجرة، ووصلنا إلى النكسة والرحيل من جديد، مروراً بالانتفاضات والحروب، وبقيت واقفاً في محلي أنتزع لقمة عيشي، فالحياة لا تعرف الضعيف، وعلى كل إنسان أن يمتلك الإرادة كي يعيش بكرامة ويتغلب على معوقات وظروف ربما تنتصر عليه إن انحنى لها قليلاً"، كما قال.

وبرغم كبر سنّه؛ إلا أن أقدم "مكوجي" في مدينة نابلس يُصّر على مواصلة عمله وتلبية طلبات زبائنه بكي ملابسهم في محله البسيط داخل "سوق البصل" بالبلدة القديمة.



الشهيد الأعرج.. مستكشف فلسطيني ومقاوم غامض!

كان الشهيد باسل الأعرج مهتمًا بجغرافيا فلسطين، يعرف بلداتها وقراها بشكل جيد، مثقف ومفكر يحب قراءة الكتب والروايات. فقد تركز جزء من نشاطاته حول قيادة رحلات استكشافية وتعارفية على قرى وبلدات فلسطين.

اهتم بالتاريخ الكفاحي والنضالي للشعب الفلسطيني، وبالثورة الفلسطينية عام 1936، أبحر في تاريخ المقاومة الفلسطينية بجنوب لبنان، سبعينيات القرن الماضي، واطلع على العمل المقاوم بالانتفاضة الأولى والثانية، اهتم بالتجربة الثورية التي أنتجها الشعب الفلسطيني ككل، وحروب العصابات التي أنتجتها البشرية بفيتنام والصين والثورة الجزائرية.

المثقف باسل الأعرج والذي كان يُنظر لثقافته وحبه لفلسطين بشكل علني عبر الملتقيات الثقافية وصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، أبقى جزءًا غامضًا عن طبيعة عمله المقاوم ضد الاحتلال.

في صبيحة يوم أول أمس، استيقظت عائلة الشهيد على وقع خبر أن شابًا مجهول الهوية في مدينة رام الله، استشهد بعد اشتباك مع قوات الاحتلال استمر من الساعة الثانية حتى الرابعة فجرًا.

يقول شقيق الشهيد سعيد الأعرج (34 عامًا) في حديثه لصحيفة "فلسطين": تفاجأنا أن الشهيد هو أخي باسل من خلال إذاعة نبأ استشهاده عبر وسائل الإعلام.

ولكن تفاصيل بطولة الشهيد الأعرج، كتبت سطورها بالدم في مخيم قدورة قرب مدينة رام الله الذي استأجر باسل فيه بيتًا قبل ثلاثة شهور، بعد رحلة من الاعتقال في سجون السلطة استمرت خمسة أشهر، وستة أشهر من مطاردة الاحتلال له.

كان على موعد مع اشتباك استمر لساعتين، انتهت حكاية مثقف ومقاوم بعد محاصرة قوات الاحتلال وإطلاق قواته قذيفة "انيرجا"، وكانت بداية قصة رجل سيبقى أثره الثقافي في كل من استكشف معه تاريخ فلسطين الذي يحاول الاحتلال سرقته.

رحلة مع المطاردة

مطاردة من قبل الاحتلال لباسل بدأت منذ 2007، إلا أن رحلة المطاردة الفارقة بدأت بعد أن جرى اعتقاله في سجون السلطة في 9 إبريل/ نيسان 2016، هو وخمسة من أصدقائه على خلفية الرحلات الاستكشافية ونشاطهم ضد الاحتلال.

في البداية اعتقلتهم مخابرات السلطة في ابريل/ نيسان الماضي، وقام بالتحقيق معهم وحولهم إلى النيابة العامة، التي أوقفتهم 48 ساعة، وبعدها تم إيقافهم 45 يومًا على ثلاث مرات، وبعدها نقلوا إلى سجن أريحا ونقل معهم ملفهم لمحكمة أريحا، ثم نقلوا مرة أخرى لمقر شرطة رام الله، التي بدورها مددت توقيفهم بأمر من النيابة العامة.

وانتهى الاعتقال في سجون السلطة بعد أكثر من خمسة أشهر كانوا خلالها تحت ظروف اعتقال قاسية، وأفرجت عنهم في 8 من سبتمبر/ أيلول الماضي، بعد أن أعلنوا في 28 آب/ أغسطس الماضي الإضراب عن الطعام بسبب المماطلة في قضيتهم.

وقال شقيق باسل: "أبلغني أخي أنه جرى تعذيبه وشبحه وضربه بجميع الأشكال والطرق في سجون السلطة، حتى أنه في أول مرة من شدة الضرب توقف قلبه عن النبض وجرى نقله للمستشفى، ثم نقلوه في ست مرات أخرى إلى المستشفى على خلفية التعذيب أثناء التحقيق معه في سجن بيتونيا".

"لكنه وأثناء تواجده في سجون السلطة، لم يقبل أن يعيش إلا ندًا ويرفض أن يكون ذليلاً، ومات شريفًا يرفع الرأس"، يقول سعيد، ولا يخفي أنه لم تقابل عائلته باسل منذ الإفراج عنه وبدء مطاردته من قبل الاحتلال التي اقتحمت منزلهم 10 مرات.

"اختار باسل أن يموت مشتبكًا صامدًا يرفض الذل والاعتقال".. يتحدث سعيد بنبرة صوت يبدي خلالها فخره بشقيقه: "ظل أخي معتقلاً في سجون السلطة دون أن توجه إليه لائحة اتهام. كان جريئا، يطرح رأيه بكل شجاعة، يناصر الحق، ويسانده عاش منذ طفولته على هذه الطريقة، فكان سهلاً عليه أن يعود إلى المنزل وتعتقله قوات الاحتلال لكنه رفض ذلك وفضل أن يعيش مطاردًا".

المعتقلون الستة

تحدثنا مع والدة هيثم سياج، أحد المعتقلين الستة الذين أثارت قضيتهم الرأي العام، والذي كان من ضمنهم باسل، وهو أحد المقربين إليه، فتقول لنا: "لم أكن أعرف أن هيثم صديق باسل، لكن حينما اختفوا لعشرة أيام قبل اعتقالهم من السلطة، ووجد أحد عمال النظافة وثائق شخصية تعود لهيثم وباسل وجهاز حاسوب "لابتوب" وهواتف نقالة، فسألت عن باسل؛ فوجدت أنه شخصية عامة ومشهورة كناشط سياسي برام الله".

وكان ضابط في مخابرات السلطة سأل والدة هيثم ما الذي جمع ابنها البالغ من العمر (18 عامًا) مع باسل (31 عامًا).. فهناك فارق بالسن؟.. وذلك لحظة اعتقال الأصدقاء الستة.

أم هيثم تدرك أنه لا يوجد غرابة في فارق السن، فابنها الذي أصبح من أكثر المقربين لباسل، اعتقل لدى الاحتلال الإسرائيلي 15 شهرًا قبل اعتقاله لدى السلطة، ومن الطبيعي من وجهة نظرها أن يدخل الأسير السجن شبلا ويخرج أسدًا".

وأضافت "بالعكس، إني فخورة أن ابني مع أشخاص مثقفين وطلبة جامعيين بعد أن حرمته السلطة من تقديم امتحانات الثانوية العامة بفعل اعتقاله بسجونها".

وأشارت إلى أن الشهيد باسل يحب القراءة، وينظم جلسات ثقافية.

"باسل جزء مهم من الحراك الشبابي الذي نشط قبل ثلاث سنوات" .. والكلام هنا للكاتب ساري عرابي، والذي عايش باسل في ملتقيات ثقافية برام الله.

ويرى عرابي في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن انتقال باسل من التنظير الثقافي لخوض تجربة مقاومة فردية يدلل على أنه كان صادقًا، مضيفًا "لم يكن باسل إنسانا سريا، بل كان يكتب على صفحته على موقع فيس بوك، ويشارك بالمظاهرات والمسيرات بعضها معارضة للسلطة، مشيرا إلى أن باسل أصيب بعد ضربه على رأسه من قبل أجهزة السلطة في إحدى المظاهرات.

أما الجانب المخفي بشخصية باسل أنه حاول أن يمارس عملاً مقاومًا بشكل مباشر، ويكمل "أن باسل انتمى للشعب الفلسطيني، وأن قرار الاختفاء وممارسة العمل المقاوم نقطة تحول على مستوى باسل نفسه".


"دخلتُ شبلًا وسأخرج أسدًا" هذا ما وعدَ به الفتى محمد طه "أمَّه"

السبت 30 كانون الثاني (يناير) 2016م كان يومًا مشتعلًا بالأحداث بمدينة القدس، الفتى محمد طه (14 عامًا) يسكن مخيم شعفاط بالمدينة المقدسة، كان قد ذهب إلى الصلاة في المسجد الأقصى، لكنه لم يعلم أن هناك أحداثًا ملتهبة، وفي طريق خروجه من القدس من باب العمود بعد أن انتهى من أداء صلاته، وعلى وقع أصوات صراخ وأناس تركض وإطلاق نار؛ ركض هو وصديقه.

وانتهى الحدث هكذا، لكن الأمر لدى الاحتلال لم ينتهِ؛ فالمنطقة تعج بالكاميرات من كل مكان، التي التقطت صورة لمحمد وهو يركض ويحمل بيديه "نظارة" _حسبما قالت والدته حنان طه (43 عامًا) لنا_ يدعي الاحتلال أنها "سكين".

وبناءً على المعطيات السابقة نشر الاحتلال صورة لمحمد على مواقع التواصل الاجتماعي، محاولًا جمع معلومات عن صاحب الصورة، بالادعاء أنه مُنفذ عملية طعن أدت إلى إصابة مستوطن، حتى انهالت التعليقات العربية التي نشرت اسمه بأنه الفتى محمد طه (14 عامًا).

والدته التي لا تدري ما يجري سوى أنها أرسلت فتاها الأصغر من بين أولادها الخمسة لأداء الصلاة في المسجد الأقصى، وتحضر نفسها لأخذ "آخر العنقود" معها لأداء مناسك العمرة في الديار الحجازية؛ تلقت اتصالًا هاتفيًّا من رقمٍ مجهول.

ما إن بدأ المتصل (ضابط مخابرات بجيش الاحتلال) بالتحدث حتى صدمها: "ابنك نفذ عملية طعن"، لم تعرف من أين تبدأ بالرد معه ليتبع ما قاله: "هو مطلوب، يجب تسليمه؛ فقد أظهرته الكاميرات"، مازالت تستمع إلى ما يقول ليختم الاتصال الأول بتهديده: "إن لم تسلَّموه إلينا فسنقتله، إن وجدناه".

هنا تسابقت الكلمات وعلَت نبرة صوتها على ذلك الضابط: "انتظر، نحن لا نعرف مكانه، إذا أمسكتم به طمئنونا عليه"، ومر اليوم دون أي معلومات عن محمد.

في ظهيرة اليوم الثاني (الأحد) آخر أيام كانون الثاني جاء محمد إلى منزله، مباشرةً بدأ يقبل قدمي والدته، يتبادلان البكاء، تزامن ذلك واتصالات مكثفة من جيش الاحتلال على والدته، تسأله:

- إنت يمَّا عملت إشي؟

- لا.

- ما الذي كان بيدك في أثناء ركضك بالقدس؟

لم يتوان عن الإجابة: "كانت نظارتي وليست سكينًا".

وبعدها استمر الاثنان بالبكاء، أمام تهديد جيش الاحتلال الذي يتوعد بإعدام محمد، فاتخذت قرارها بتسليمه إلى الحاجز العسكري، "تزعلوش علي" قالها لإخوته الأربعة (بنتين وشابين) قبل مغادرته مع والدته إلى الحاجز العسكري.

وخلال الطريق إلى الحاجز الذي يستغرق وصول محمد ووالدته إليه قرابة ربع ساعة، توصيه: "دير بالك على حالك (...) إن شاء الله بطولش"، ابنها الفتى الذي لا يعلم حقيقة ما سيحل به أخذ يُقبل يديها.

توقفت السيارة عند الحاجز الإسرائيلي، ولما نزل محمد ووالدته منها وأرادت أن تعانق نجلها الصغير؛ سحبته يدا جنديين إسرائيليين إلى داخل المركبة العسكرية، ومنعا لحظة فراقٍ حميمة بين الأم وابنها.

مرت ثلاثة أشهر، وكانت والدة محمد تُمنع من زيارته، وفي أول لقاءٍ بينهما بعد مرور 90 يومًا أكمل لها تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم عندما سلمته إلى الحاجز العسكري، بأن الجنديين استمرا بضربه طوال الطريق، كل واحد يتناوب على ضربه من جانب.

تنساب دموع هذا الطفل الذي اشتاق إلى والدته في سرد تفاصيل ما جرى له: "ضربوني ضرب كتير، مش راح أقولك عليه لأنك مش حتتحملي".

بعد ذلك استمر الاحتلال في تأجيل جلسات المحاكمة لمحمد، حتى أصدر حكمه النهائي في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016م بسجنه مدة 11 عامًا.

صوت قلبها يكتوي أكثر وهي تقول: "في أول زيارتين إلى محمد كانت الأمور صعبة، كنت أذهب مقهورة إلى السجن، لكن الآن اعتدت الأمر".

وبعد عامٍ على سجن نجلها تشعر أن كلامه تغير وبدا أكثر نضجًا؛ فقد تعلّم الصبر والحكمة من احتكاكه بالأسرى داخل سجون الاحتلال.

في إحدى الزيارات أخبرت نجلها ما قاله لها المحامي: "هناك استئناف للمحكمة بعد كل عام، بأن يقف المتهم أمام القاضي الإسرائيلي، ويعتذر مقرًّا بأنه أخطأ بحق الاحتلال".

- بدي أقضي 11 سنة ومش معتذر لهم، ما سويتش شي غلط.

رده ذلك على والدته كانًا ممزوجًا بالإصرار.

بعث رسالة إلى أهله، بوساطة سجين انتهت محكوميته، عنوانها: "من محمد إلى أجمل الغوالي"، يريد الاطمئنان فيها على أحوالهم، يسأل عن أحوال إخوته وعماته وخالاته وجدته، يعدد أسماءهم جميعًا وأسماء أبناء حارته يطلب إيصال سلامه إليهم (...)، يوصي والدته: "يما ما تحزني علي؛ أنا دخلت شبل وراح أطلع أسد وأنور الحارة ... الحكم حكم ربنا وما تحزنوا على حكم (11 سنة)؛ غمضوا عيون فتحوا عيون بكون مروح، قربت".

السطور السابقة لم تستطع والدته قراءتها من شدة البكاء، بل أسمعتها إياها ابنتها، وفي اليوم التالي لهذه الرسالة زارت نجلها، بناء على مواعيد تحددها مصلحة السجون لعائلات الأسرى، وبدأت الحديث عبر الهاتف مع ابنها الذي لا تسطيع ملامسته أو رؤيته، مع أنها لا تبعد عنه كثيرًا، نتيجة إجراءات الاحتلال بجعل الزيارات مقتصرة فقط على الحديث عبر الهاتف من خلف النوافذ الزجاجية.

"اشتقت أقعد معك وتعصبي مني" يحدث محمد والدته بعد أن أكله الشوق في عامه الأول من الأسر.

ثم تكمل لنا الحديث عن صفاته بأنه نشيطٌ ومرح، وكان قد سجل في مدرسة خاصة لتعلم صيانة التبريد والتكييف، وكان الأصغر بين إخوته، يساعدها في كل شيء، يحب الجولات السياحية إلى ربوع فلسطين.

تعود بذاكرتها إلى الوراء وتستذكر مغامرات ابنها، أنه في أحد الأيام سمعت صوت قرع باب منزلهم، وبمجرد أن فتحت الباب وجدت محمدًا ممددًا على الأرض، تنادي عليه ولا يستيقظ، فظنَّت أن شيئًا قد حدث له، وفجأةً نهض يضحك بعد أن كاد يوقع قلب والدته من الخوف، يقول لها دائمًا: "أنت حبيبتي في هذه الدنيا"، ويدخر من مصروفه اليومي كي يُحضر لها الهدايا في المناسبات السعيدة.

المشهد المتكرر دائمًا أن الأسير الفتى كان يفجر بركان قلبه ليعبر عن غضبه لما يحدث بالقدس، "بس أكبر" يكررها كثيرًا، بحرقة الأم على نجلها توصيه: "أنت صغير يما، أوعك بضيعوك وبنضيع من بعدك".