أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٥‏/٦‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​"الزيارات العمرية" تصل إلى الأسر المتعففة عشوائيًا

اقتداء بالطريقة التي كان يتفقد بها سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الرعية على غفلة وفي أوقات الليل؛ أطلقت الإدارة العامة للزكاة مشروع "الزيارات العمرية"، وفيه تتفقد الأسر المتعففة والفقراء والمعوزين والذين تسترهم الجدران فقط، بطريقة عشوائية.

وأكد مدير الإدارة العامة للزكاة في وازرة الأوقاف والشئون الدينية بغزة أسامة اسليم، تشكيل 43 لجنة موزعة جغرافيًّا لتغطي أحياء القطاع جميعًا، ليتسنى الوصول إلى كل مواطن في بيته، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة من حصار وأزمات شديدة جعلت شرائح تتهاوى في مستنقع الفقر.

اقتداء بعمر

وذكر اسليم لـ"فلسطين" أن تنفيذ مشروع الزيارات العمرية جاء نتيجة أن كثيرًا من المواطنين لا يتلقون أي مساعدات من المؤسسات أو الجمعيات، وهو ما جعل لجان الزكاة تفكر بآلية للوصول إلى أصحاب الحاجة، وخلال الزيارات تسجل بيانات الأسر المعوزة والمحتاجة.

ولفت إلى أن المشروع جاء اقتداء بخليفة المسلمين عمر بن الخطاب، الذي كان يسير في شوارع المدينة يتفقد أحوال المسلمين، وأطلق اسم الزيارات العمرية لأنها تنفذ في أوقات غفلة الناس لإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم في هذه المحنة.

وذكر اسليم أن المشروع أطلق مطلع عام 2016م وحقق نجاحًا كبيرًا، لذا استمر العمل فيه ولم يحدد له مدة زمنية، لافتًا إلى التعرف خلال المشروع إلى حالات إنسانية صعبة تمثل نموذج الكبرياء الفلسطيني، وكثير من الأسر التي لم يتوافر لديها قوت يومها وبيوتها خالية من الفراش والأثاث والملابس.

وأشار إلى زيارة قبيل رمضان ما يقرب من 150 أسرة على مستوى القطاع، فوجدت بيوت تحتاج إلى ترميم، وحالات بحاجة ماسة لتغيير مكان السكن الذي لا يليق بآدميتهم، وأسر ليس لديها أثاث، قدمت الإغاثة العاجلة لبعضهم.

طوال السنة

وبين اسليم أنه خلال العام الجاري نفذت اللجان 750 زيارة مركزية، لافتًا إلى أن هناك لجانًا تقوم بزيارات فردية لتفقد أحوال بعض الأسر.

وذكر أن الزيارات تنفذ طوال أشهر السنة، ولكن في رمضان هناك خطة لمحاولة الوصول إلى أكبر عدد من المحتاجين والفقراء.

وبين اسليم أنه نفذ مشروع قبيل رمضان بدل إيجار لـ100 أسرة، دفع عنها إيجار شهر رمضان حتى يتفرغوا للعبادة وينسوا هم الإيجار، إضافة إلى تقديم 4000 طرد غذائي، بالتعاون مع هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، وتنفيذ مشروع سلة الخضار بالتعاون مع مؤسسة "معًا"، الذي يستهدف 250 أسرة في مدينة غزة، وتقدم فيه سلة كل أسبوع على مدار خمسة أسابيع.

ولفت إلى أن من مشاريع الشهر الفضيل مشروع إفطار الصائم الذي ينفذ يوميًّا ويستهدف 500 أسرة، ومشروع تقديم مساعدة نقدية لـ2000 أسرة، ومشروع إخراج الغارمين من السجن.

ووصف اسليم مشروع الزيارات العمرية بالمشروع الرائد، داعيًا كل العاملين في العمل الإغاثي إلى أن يحذوا حذو لجان الزكاة، والقيام بمشاريع على غرار الزيارات العمرية والفئات المنسية.

ووجه كلمة امتنان وشكر إلى المانحين وكل أيادي الخير الذين يقدمون المساعدات للمحتاجين والفقراء، مناشدًا أهل الخير والمقتدرين إخراج مساعداتهم المالية وزكاة أموالهم في هذا الشهر، لأن الأزمة تشتد والحاجة تزيد، متمنيًا أن يتضاعف الخير في هذا الشهر.


١٢:٤٧ م
١٤‏/٦‏/٢٠١٧

​صوم العصفورة (8)

​صوم العصفورة (8)

تيتو اللوح

العمر: 5 سنوات.

من سكان مدينة غزة.

سبب الصيام: يقول: "أصوم ليرضى الله عني".

آدم فرج

العمر: 7 سنوات.

من سكان غزة.

سبب الصيام: يقول: "أصوم لأدخل الجنة".

سارة عاشور

العمر: 5 سنوات.

من سكان غزة.

سبب الصيام: تقول: "عودني أهلي "صوم العصفورة" لأطيع ربي".

أمير الكحلوت

العمر: 7 سنوات.

من سكان مدينة غزة.

سبب الصيام: يقول: "أصوم لأنال رضا الله (تعالى)".

مالك الكحلوت

العمر: 6 سنوات.

من سكان غزة.

سبب الصيام: يقول: "أصوم ليحبّني الله".

لينا العطار

العمر: 9 سنوات.

من سكان مدينة غزة.

سبب الصيام: تقول: "أحب أن أصوم اليوم كاملًا ليرضى الله عني ويعطيني الحسنات".

لينا بلبل

العمر: 9 سنوات.

من سكان مدينة غزة.

سبب الصيام: تقول: "أحب أجواء رمضان، وصوت المشايخ في صلاة التراويح، التي أرافق والدتي في الذهاب إلى أدائها بالمسجد، وأتشجع مع صديقاتي على الصيام بالاتفاق معًا"، ويقترح عليها والداها الإفطار بعض الأيام بسبب طول نهار رمضان، ولكنها ترفض بحجة أنها لم تعد صغيرة كالسنوات السابقة، وتضيف: "أصوم لأنال رضا الله وأدخل الجنة".


​هل رأيتني وأنا أشرب الماء خِفية؟

"كيف أبدو يا أمي؟" سألتكِ ببراءةٍ بعد أن تناولتُ دبوسًا صغيرًا وثَبتُّ شالتك البيضاء ووضعتها في منتصف شعري ثم أسدلتها إلى الخلف، وبعدها صعدتُ فوق كرسي حتى أطول المرآة وأرى وجهي كاملًا، وبِـــخفيةٍ تسلّلت أصابعي إلى "أحمر الشفاه" وعيناكِ الجميلتان تسترقان النظر إليّ، كم خجلتُ حين وضعتِ يدك على شفتيكِ حتى لا أرى ضحكتكِ، وما إن انتهيتُ من عرض الأزياء هذا تقدمتُ نحوكِ خطوتين كعروس في أثناء زفتها وأنا أتخيل الزهور تتناثر فوق رأسي من كل مكان، لا أنسى يا أمي حين حملتِني بين ذراعيكِ وأنت ترددين: "يا رب أشوفها أحلى عروس، بنتي الحلوة مَيسم".

أتعرفين متى تذكرتُ هذا الموقف؟، حين دعتني جامعتكِ التي تخرجت فيها إلى المنصة، وشاء الله ألا يُنادى اسمكِ، وألا ترفرفين بشهادتك بين زميلاتك، وألا نصفَّق لك بحرارة على وقع أغنية: "أنا مش مصدق حلم الليالي خلاص تحقق"، ارتجف قلبي حين قال مقدم الحفل يومها: "الشهيدة أماني أبو جزر فقدت كل أفراد عائلتها في الحرب، ولم يتبقى سوى ابنتها الصغيرة ميسم الزهراء، لتتفضل لتسلم درع التكريم".

أينما حللتِ _يا أمي_ نثرتِ عطركِ الفواح، حتى غدوتِ ملكة المحبة والحنان، كنتِ دائمًا مشغولة البال بهموم الآخرين، ولا يهدأ لكِ جفن حتى ترين كل أحبتك بخيرٍ وسلام.

امرأة ملائكيةُ القلب مثلك كيف اغتالوا زنبقة شبابها؟!، وطفلة مثلي لم تكمل سنواتها الأربع لماذا تكمل حياتها بلا أم؟!

في الحرب الأخيرة عام 2014م كان لرفح نصيبها الوافي من الوجع، وكان لي ثلاثة أرباعه باستشهاد أمي وأخي فراس وأختي ماريا، وأصيب أبي إصابة بالغة، يا وسيم الروح يا أبتِ، كيف حرموكِ المشي معي صباحًا في أرجاء حارتنا لنستمتع بدفء الشمس كما اعتدنا كل صباح؟!

كانت ليلة الثالث من أغسطس، ولا أدري _يا أمي_ كيف كان حدسك صادقًا إلى هذا الحد، وصممتِ ليلتها أن أبيت في بيتِ عمي، هل كان قدري الذي أصرّ علي؟، لم يكن من عادة أبي الموافقة على مبيتي، لكنه بعد توسلاتي وبكائي ووساطاتك استجاب لي، وغادرتم أنتم زيارة العيد، وبقيتُ أتسامر مع أبناء عمي، غير مدركة أنه الوداع الأخير.

ليتني أعرف ماذا فعلتِ ليلتها يا أمي، بعد ساعة ربما مكثت على سجادة الصلاة وأنت تسبحين وترتلين، وفراس وماريا نائمان على مقربة منكِ، وأبي يغالبه النعاس والقلق معًا في ليلة جديدة من الحرب.

حين نزلت الصواريخ الثلاثة من طائرة (إف 16) كنت أنا نائمة وأنتم شهداء، أما أبي حين أدرك طبيعة الاستهداف أخذ صوته يعلو مُكبِّرًا متهجدًا إلى أن غاب عن الوعي أيامًا متواصلة.

لا أُخفيكِ سرًّا يا أمي أن مشهد إصابته كانت فاجعته أشدّ على نفسي عندما زرته في المشفى، شعرت بالخوف والغربة حينها؛ ألم يكفيهم أن ترحلي أنتِ وأخواي؟!، مع من سألعب وأتشاجر بعد اليوم؟!، كيف ظنوا أن قلبي الصغير سيحتمل رؤيته مبتور القدمين يسير على كرسي متحرك؟!، لكن أبي سرعان ما بدأ يدنيني منه يلاعبني والضحكة لا تفارق محياه حتى اقتربت شيئًا فشيئًا.

أيامٌ معدودة وسافر هو إلى مصر لاستكمال مجريات العلاج، وبقيت أنا في كنف بيت جدي، لاسيما خالتي دعاء التي لم تبعد عينيها عني، أنام بين يديها وتسرح شعري بأناملها، توظب ملابسي ونختار معًا ألوانها المتناسقة، وعندما بدأتُ الدراسة ذهبتُ بصحبتها إلى الروضة وكانت توقظني باكرًا وتعد لي وجبة الفطور، وتأتي من حينٍ إلى آخر تطمئن على دراستي من معلمتي، وترسل إلي القبلات وأنا جالسة بين أقراني في الفصل.

حدث الكثير بعد رحيلك يا أمي، أولًا خالتي دعاء رقيقة القلب تخرَّجت في الجامعة التي ضاقت عليها ذرعًا بعد استشهادك، كيف لا وهي التي كانت تستأنس بكِ في البيت والجامعة؟!، فكنتما صديقتين متلازمتين دائمًا تتشاركان في الأعباء المنزلية والأجواء الدراسية، وتعدان وجبتي السحور والفطور معًا في شهر الصيام.

أتعرفين ماذا فعلت خالتي دعاء يا أمي؟، لقد آثرت على نفسها ووافقت على الزواج من أبي، لتصبح لي أمًّا وخالة في الوقت نفسه.

منذ شهور قليلة أنجبت لنا "ماريا"، لقد أصررتُ على أن يعود اسم "أختي ماريا" من جديد، رأيت تعبها في الحمل وألمها عند الولادة، لكنها أخبرتني أن حملكِ بي كان أشد إيلامًا وصعوبة عليكِ، وقضيتِ شهوره على المحاليل، ومع ذلك أحببتني جدًّا لأني كنت بِكر صغارك، ولذا كنت تهمسين لأبي قائلةً: "دير بالك على ميسم ولا تفرط بها"، أتراكِ كنتِ تدركين أني سأبقى دونكم وحدي؟

هل تذكرين كيف كنتُ فاتنة الجمال وأنا في الرابعة من عمري، أرتدي ملابس الصلاة في رمضان ونذهب معًا لصلاة التراويح؟، اليوم أذهب مع "ماما دعاء" وأسمعها تدعو إليكِ ونحن ساجدتان فأكرر دعاءها، أحاول تقليدهم في الصيام، لكني سرعان ما أعطش نهارًا، فأشرب خِفية دون علمهم، هل رأيتني يا ترى؟، أَوَتظنين _يا أمي_ أنهم يعرفون؟

أعرف جيدًا أن مكانك الآن في جنة تجري من تحتها الأنهار، وأخي وأختي عصفوران جميلان يغردان حولك، تلك الجنة أرسمها وألونها بدفتري، فقد أصبحت أُجيد الرسم والغناء أيضًا، كفانوسي الجميل الذي أحضره أبي لنشغله بعد الإفطار أنا وماما دعاء، فيغني: "افرحوا يا بنات يلا وهِيصوا ... رمضان أهو نوَّر فوانيسه"، وأقول سرًّا: "رمضان كريم، يا أحلى أم".


١١:٥٢ ص
١٢‏/٦‏/٢٠١٧

وما شممتُ رائحتكِ يوماً

وما شممتُ رائحتكِ يوماً

في هذه المدينة امرأة مكثتُ في رحمِها تسعة أشهر؛ إلى أن انقطع الحبل السري الذي كان يربطني بها, ثم رمتني في غسق الليل على الرصيف بلا اسمٍ ولا هوية؛ ثم ذهبت بلا وداع؛ لا أعرف هل كانت مذنبة أم أنه حدث قسراً؛ وأياً كانت ظروف ما حدث فهي امرأةٌ ربما ضمتني إلى صدرها لمرة وربما لم تفعل؛ لا شممتُ رائحتها ولا رأيت ملامحها؛ وبالتالي لا أستطيع أن أخاطبها بـــ"أمي".

أنا الآن في الحادية عشرة من عمري؛ لكن أعرف أنه سيأتي يومٌ تبدو فيه الحياة كــليلة عزاءٍ طويلة بعد أن يخبروني بالحقيقة؛ وحينها ستكون هذه الكلمات هي ما سأكتب لأبوح لنفسي عن هذا الحدث الجلل؛ ترى هل أخطر ببالك مثلاً أين أعيش الآن؛ هل صارت المولودة التي ألقيتِها طفلةً جميلة؛ تراها تتفوق على بنات صفها أم أنها جائعةً أم ضائعة أم تنام بدموعٍ تذرفها بكل حواسها وهي تحاول تخيلكِ.

في هذه المدينة امرأةٌ لا أعرف كيف هو شكل رمضانها؛ ولا فيما إذا كانت دمعتها تساقطت يوماً وهي تطهو الحساء الذي أحبه دون أن تدري أني أحبه؛ ربما تدعو دعاء المقهورين لي؛ أو أنها تستغفر بندمٍ في وقت السحرَ؛ وسأجرؤ قليلاً لأتوقع أن نسيانها لأمري مُرجّح .

إذا ما رأيتِ قدراً هذه الصفحة من الجريدة ربما يخبرك قلبك أن فيها شىء يخصك؛ إياك أن تظني أني أريد عتابك أو وخز ضميركِ؛ ولكني أريد إخباركِ بشىء واحد فحسب؛ لقد وضعني الله في طريق "أمي" التي احتضنت روحي طيلة تلك السنين؛ ولحسن الحظ أني أيضاً بدخولي حياتها تغير كل شىء لديها؛ وأتساءل أهي دعوةٍ منكِ لي أصابت السماء!.

رزقني الله بوالدين لم يُقدر لهما نعِمة الأبناء, لم أكن ثمرة حبهما الحقيقة لكنّي كُنت هدية الله لهما بعد عشرين عاماً من وحشة الانتظار, وكانا لي أجمل ما يُمكن أن يُهدى لطفلةٍ مثلي .

قبل مجيئي إليها أتعرفين ماذا كان حال تلك المرأة التي أصبحت فيما بعد أجمل الأمهات؛ كانت من فِرط شوقها لطفل, تُربَّي في بيتها قطةً مع صغارها, تحنو عليهم كما لو أنهم أولادها, توفر لهم الأجواء المناسبة ليكونوا بخير, وخصصت لهم غرفة في بيتها وفي كل يومٍ تُطعمهم بيدها .

حين جاءت باحثة الشؤون الاجتماعية بناءً على طلبِ منها بكفالة أحد مجهولي النسب وتربيتهم, حرك مشهد القطط أمام المدفئة وكُلّ له طبقه الخاص مشاعر الباحثة, وتساءلت: "كيف لامرأةٍ حنونة مع الحيوانات ألا تمنح فرصةً للأمومة؟"؛ لتوافق يومها فوراً على أن يكون لهذه العائلة طفل يكفلانه ليعيش في ظّل هذا الدفء الوارف, فكنت أنا هدية الله لهما؛ وأنهيت حرمانها؛ وحوّلت بقدومي إلى حياتها هي وزوجها من روتينٍ قاتل إلى جنةٍ كما تقول لي أمي.

فمنذ عشرة سنوات ونيّف ودّع بيتنا الدافئ السكون، واعتياد الهدوء، وأصبح ينبض بحسّ الأطفال، وفوضى لعِبهم، جدرانه تزينت بصوري بمراحلي العمرية المختلفة، كي تستقبلهم ملامحي الضاحكة في كل ركن.

لم تعد الأيام تمرّ مرور الكِرام؛ والمناسبات باتت فيها ألوان الفرح مُبهجة، بعد أن قتمت ألوانها لسنواتٍ طويلة، و لا اعتراض على حكمة إلهية من أن يُحرم إنسانان "حنانهما يمشي على الأرض" من نعِمة الأبناء، وفي المقابل لا يُقدرها من مُنحها.

تجربة معقدة أن أكون ابنة رحمك، وابنة أمي وشتان بينهما، لأقل أني سأحفظ لكِ حق الإطمئنان علي؛ عشتُ أجواء المناسبات والأعياد هنا وتقافزتُ فرحاً مع "أبناء عمي"؛ الذين يتضح للغرباء دوماً أن ثمة فرقٍ بيننا في لون البشرة.

أبي وأمي ينتظران شهر رمضان أكثر مني، ليخلقا لي أجواء الفرح في البيت لنسبق الجميع ونزينه بالأضواء البراقة، يجلس أبي لساعات وهو يصنع لي فانوس رمضان لأكون مميزة بين صديقاتي، وهو على استعداد أن يقضى يوماً آخر لصناعة فانوس بشكلٍ مختلف إذا لم يعجبني الأول ،"انتي بس اطلبي يا بنتي" يقولها لي وعيونه تمتلئ بالحب بينما أنا أزداد دلالاً.

وتحفني أمي بدعواتها لا سيما في أوقات الإجابة؛ و تستعيذ بالله من حياة لا نكملها معاً؛ لولاها لكان العيد حسرة أتجرعها كل عام.

أما أنا أخاف عليهما من المرض كما يخافان عليّ من النسيم، وكم أشعر بقمة حبي لهما حين أقوم من السجدة وأقول: "ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرا "؛ أقبّل يديهما أمام الناس وفي السوق وبلا مناسبة، و دائماً ما ينهياني عن فعل ذلك، لكني أرى أن كل طرق الامتنان لا تُساوي شيئاً أمام ما يفعلناه لأجلي .

لعلك أصبحتِ الآن تدركين السبب الذي يجعلني لا أنطق بكلمة أمي إلا لتلك التي حملتني في قلبها، ولا تزال تثبت لي بكل ما أوتيتِ من رحمة أن الأمومة شعور عميق لا تتقنه كل النساء؛ وكأن الله اصطفى فؤادها ليأخذ النصيب الأكبر من هذا الشعور الرقيق، الذي يعطي ولا ينتظر ردّ الجميل .

لولاها لما تعلمت فضائل الأخلاق، وكَرم التعامل، واحترام الغير؛ ولكنت الآن منبوذةً المجتمع، إما يرمقني بشفقة أو يعاملني كــ"مذنبة".

سأكبر وأعرف الحقيقة المرّة وأتجاوزها لأقف مجدداً؛ وأقول: (الجنة تحت أقدام أمي) التي علمتني واحتضنتني؛ ومع ذلك دعوني أتمنى لتلك المرأة التي تعيش في هذه المدينة وافر الصحة والعافية. هذه الأم إن صادفتها هذه الكلمات ستقول: "يا ليتني كنت نسياً منسياً".