أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٣٠‏/٣‏/٢٠١٧

1807 –وصول الحملة الإنجليزية بقيادة فريزر إلى رشيد في مصر.

1856 -عقد معاهدة صلح أنهت حرب القرم بين روسيا من جهة وإنجلترا وفرنسا والدولة العثمانية من جهة أخرى.

1889 -انتهاء بناء برج إيفل في العاصمة الفرنسية باريس.

1948 -العصابات الصهيونية ترتكب مجزرة مدينة سوق الرملة التي أدت إلى استشهاد 25 مواطنًا وإصابة العشرات.

1976 –"يوم الأرض": قوات إسرائيلية تقتحم قرى سخنين وعرابة ودير حنا وتستولي على أراضيهم مما حدا بالشعب الفلسطيني إلى خروجه في الشوارع مستنكرًا وقد استشهد في هذه المواجهات 6 مواطنين وأصيب المئات.

1981 -نجاة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان من محاولة اغتيال.

1991 -إلغاء التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.

2015 –مسلحون يغتالون يحيى حوراني "أبو صهيب" القيادي في حركة حماس والناشط في المجال الصحي بمخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق.

2016- مركز الإحصاء الفلسطيني يصدر تقريراً يؤكد أن الاحتلال يستولي على 85% من مساحة فلسطين التاريخية.

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​"ست الحبايب" أعمالٌ تراثية بأيدٍ مقدسية

(28) زاوية حرفية وفنية تجمعت تحت سقف فندق "أمباسادور" بحي الشيخ جراح في القدس المحتلة، لعرض منتجات وطنية جمعت بين عراقة الحضارة المتجذرة في الأرض وعبق الماضي والهوية الفلسطينيّة الخالدة.

وضمت الفعالية الفنية التي حملت عنوان "ست الحبايب" زوايا تنوعت مخرجاتها، فكان منها لعرض المطرزات والمشغولات اليدوية، وأخرى متخصصة بأعمال الخرز والحليّ، بجانب ركن للمعجنات، وآخر لمنتجات الطبيعة، إضافة إلى زاوية موسى القواسمي للشعر.

ويرمي المعرض الذي أشرفت على تنظيمه مجموعة من السيدات المقدسيات الرياديات إلى إعطاء فرصة لمالكات المشاريع الخاصة لتسويق أعمالهن وتسويق منتجاتهن داخل أسوار مدينة القدس، وأيضًا تمكين سكان المدينة من شراء هدايا بمناسبة يوم الأم، ما يساهم في زيادة الإقبال على المنتج المحلي.

الكوفية للنساء أيضًا

الشابة المقدسية "هيلين مصلح" لاحظت أن ارتداء الكوفية الفلسطينية يقتصر على فئة الشباب، الأمر الذي دفعها أخيرًا إلى التفكير في تطوير وإضافة لمسات نسائية جمالية على "حطة" الكوفية، وعلى إثر ذلك لاقى مشروعها رواجًا محليًّا.

وتسعى مصلح إلى تطوير المقدرات والأعمال التراثية بما يتناسب مع رغبات وأذواق الأجيال الشبابية من جهة، ويحفظ التراث والهوية الفلسطينيين من جهة أخرى، وذلك في ظل لجوء الاحتلال إلى استخدام أساليب خفية وعلنية لتشويه الهوية الوطنية أو تزويرها.

وحضر في زوايا المعرض الثوب الفلسطيني المدني والفلاحي، واللوحات الفنية، والهدايا الصغيرة التي تستقطب عادة المغتربين، وكذلك برزت في جنبات "ست الحبايب" الخريطة الفلسطينية التي حضرت بأشكال مختلفة، إما على القماش المطرز أو بالرسم على الخشب وجذوع شجرة الزيتون.

وتميزت "آية خليل" بخط كلمات وجمل عربية ورسم نقوش إسلامية وزخرفة بيوت مقدسية على ألواح الزجاج، موهبتها هذه ظهرت خلال دراستها في المرحلة الابتدائية بدعم من عائلتها.

وقبل نحو ثلاث سنوات أطلقت خليل مشروعها "شفاف"، الذي تبلورت فكرته لديها في أثناء متابعتها مجريات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، صيف عام 2014م، إذ سعت للوصول إلى طريقة تساعدها على التفريغ النفسي، فما كان منها إلا تلوين بعض اللوحات الموجودة في منزلها.

بعد ذلك الإنجاز الأولي شعرت بدافعية أكبر إلى رسم المزيد من اللوحات، فعملت على ذلك، ليكون معرض "القدس عيدي" الذي أقامه مركز مسار الثقافي أواخر عام 2014م انطلاقتها الحقيقية للجمهور، ونقطة تحول في عملها من هواية ذاتية إلى مشروع خاص.

وتقول الشابة آية: "انتقلت من تفريغ الضغط النفسي إلى التسلية، بتجهيز مشغولات فنية على الزجاج للأصدقاء والأقارب هدايا يزينون بها أركان منازلهم، وصولًا إلى تأسيس عمل"، وقد اتخذت غرفة صغيرة في منزلها مشغلًا لها تنجز فيه أعمالها.

وتطمح خليل إلى زيادة رقعة السوق التي تستهدفها في منتجاتها، وتحديدًا تلك التي تربط المغترب أو اللاجئ بأرضه، إذ يطلب العديد من الزبائن رسم ونقش أسماء القرى والمدن الفلسطينية على فناجين القهوة،ليشعروا بارتباطهم بوطنهم في أثناء ارتشاف القهوة بالغربة.

وتواجه في أغلب الأحيان الملتقيات والفعاليات الفنية في مدينة القدس المحتلة تحديات مختلفة، تفرضها سياسات الاحتلال الإسرائيلي العنصرية، وذلك بهدف محاربة الهوية الفلسطينية داخل أسوار المدينة المقدسة.


١٠:٤٢ ص
٢١‏/٣‏/٢٠١٧

استشهاد جبل السحاب

استشهاد جبل السحاب


قمته هي الأعلى بلا منازع بين جميع قمم المنطقة، لا يفصلها عن السماء شيء؛ لتصل إليها لا بد وأن تقطع مسافة طويلة بين الصخور والممرات الوعرة، وتصافح أشجار السنديان، والصفصاف، والبُطم، والخروب، والصنوبر، والسدر، وغيرها، وتمهد طريقاً لك بين مستعمرات الخرفيش وشوك الجمل الذي قد يدمي قدميك إن لم تكن حذراً بما يكفي، قبل أن تصل إلى مبتغاك.

على قمة جبل السحاب تشعر بمعنى الحرية الحقيقي، حين تشاهد ما اعتدت عليه من علٍ قلَّما يتاح للشخص في حياته، وهو ما كان ناصر يحبه، بل ويعشقه فيه، حيث كان يشعر على قمته وكأنه ملك يتربع على العرش.

جبل السحاب، ورثه أهل القرية عن أجدادهم، به يرتبطون، ومن خيراته يأكلون، في صغره سمع ناصر الكثير من القصص والحكايات، التي تدور حوله وتشكل جزءاً مهماً من ثقافة القرية وتراثها، يتوارثونها جيلا إثر جيل كما يتوارثون الجبل وبقية أراضي المنطقة.

كثيراً ما صعد ناصر الجبل مع جده لإحضار عشبة برية ضرورية لعلاج مرض ألمَّ بأحد أهل القرية، أو لإحضار بعض النباتات البرية التي تبرع جدته في طهوها ويحبها جده جداً مثل الخبيزة، واللسينة، والزعمطوط، والفرفحينة.

أما الميرمية وزعتر البلاط فيضفيان على الشاي رائحة عطرية نفَّاذة ومذاقا طيبا لا يوصف.

في الربيع الأخير لجده على هذه الدنيا، وفي أحد صباحات نيسان الدافئة، حيث اختالت الأرض بهاءً وشباباً، انطلق ناصر في رحلة مع جده منذ الصباح الباكر عندما أخذت أشعة الشمس اللامعة تتسلل خجلى في الأفق معلنة بدء نهار جديد.

ومع انتصاف الشمس في كبدِ السماء كان يستنشق هواءً نقياً له رائحةٌ خاصة من فوق قمة جبل السحاب، جلس وجده تحت شجرة البلوط الضخمة مخددة الساق لطولِ ما تعاقب عليها من الأعوام وملحقاتها.

جلسا يتناولان طعامهما.. على الرغم من أن الطعام كان زيتا وزعتر وحبات من الزيتون وإبريق شاي، إلا أنه كان يحمل مذاقاً خاصاً يختلف عما اعتاد عليه.

عبَّأ جيوبه من ثمار الزعرور، وتناول من النبق أيضاً، وجمع كمية كبيرة من قرون الخروب، لتستخلص جدته عصيرها وتصنع منها حلوى (الخبيصة).

على سفح الجبل، تآلفت شقائق النعمان أو الدحنون كما يحلو لجده تسميتها، مشكّلةً تجمعات حمراء بديعة الجمال بين الصخور فبدت كبحر متصل من اللون الأحمر يقف القنْدِيل الأصفر بطوله الفارع على جوانبه كحارس مخلص وأمين.

أما الأقحوان ذو البتلات البيضاء التي تجتمع حول بروز أصفر، فتبدو كراقصة باليه تتمايل مع نسمات الربيع الدافئة، وتفترش الأرض لمساحاتٍ كبيرة يشوبها بعضٌ من أزهار السوسن الأسود وأزهار البسباس التي تشبه الأقحوان ولكن يميزها عنها أزهارها الصفراء الأكبر حجماً.

كان النحل يتنقل من زهرة إلى أخرى مُصدراً طنيناً يمتزج مع موسيقى الطبيعة في جبل السحاب ويضيف لها لحناً خاصاً محبباً للنفس، وكانت فراشات الربيع البيضاء تتراقص بأعداد كبيرة على ارتفاعات منخفضة بنشوة عارمة.

وللطيور في جبل السحاب نصيبٌ وافر من الألق والمتعة، فلا يقتصر الحال على عصافير الدوري والبلابل التي يملأ شدوها الجو، ولا الحجل الذي يقفز من مكان إلى آخر بلونه المميز بسرعة كبيرة، ولا اليمام شجي الصوت، بل يُضاف إليها أنواع كثيرة من الطيور المتباينة في الأشكال والألوان والأحجام والأصوات وطريقة الحركة والطيران، يزيد الربيع من جمالها وخفة حركتها كيف لا وهو موسمها للحب والتزاوج؟.

في كل رحلة برفقة جده كان يتعلم الكثير.. إلا أنه خرج بخلاصةٍ نهائية أدركها وآمن بها، وهي أن الأرض هي الكنز الحقيقي الذي يمتلكه، التفريط فيه يعني خسارة كل شيء.

بعد تلك الرحلة بشهر تقريباً، وفي ذات صباح استيقظت القرية على ضجيج يهزها، كانت جرافات وشاحنات وآلات عديدة ضخمة لم يروا مثلها من قبل، تنطلق لتمهد لها طريقاً وسط الجبل.

سرت القشعريرة في الأجساد، كأن لسعات من الكهرباء غمرتها بشكل خاطف، انتاب الناس خوف دفين لم يدروا كنهه.. وتباً لهذا الخوف الذي اخترق قلوبهم دون خجل، وحشا أنفه في صدورهم دون وجل، وتركهم ضحية لمشاعر سوداء تتقاذف قلوبهم دون رحمة.

أسرع ناصر إلى جده، فإذا به يجلس بقنوط أمام باب البيت تملأ عينيه دموع حزينة لم يشاهدها من قبل، لم يتجرأ على سؤاله فاكتفى بالصمت بعد أن أدرك أن هناك خطباً ما، نظر إلى جدته، فإذا بها تنشج بصمت، تند عنها شهقة بين الحين والآخر.

- ماذا يجري بحق الإله؟؟ أرجوكم، أخبروني.

كانت الشاحنات والجرافات وبقية الآلات تحمل لوحات ترخيص صفراء (يعني أنها اسرائيلية)، ولكن: ماذا تفعل هنا؟؟، فجبل السحاب ملكٌ لأهل القرية، وليس لهؤلاء الغرباء، ماذا يفعلون هنا؟ ما الذي أتى بهم؟ ولماذا يعبثون بالجبل؟ يفتتون صخوره، ويدوسون أزهاره، ويقتلعون أشجاره، ويشرِّدون طيوره وحيواناته.. مَن أذن لهم بذلك؟.

هرع ناصر إلى والده صارخاً: أبي... أبي... إنهم يدمرون جبل السحاب يا أبي!! ها هم يقتلعون الأشجار، صدقني يا أبي.. شاهدتهم بأم عيني يحطمون شجرة الزيتون الرومية، أما جميزة سيدي صالح فقد اقتلعوا جذورها وألقوا بها أسفل الوادي.. أقسم لك يا أبي أنني صادقٌ فيما أقول، أرجوك يا أبي افعل شيئاً. إلا أن والده لم يتحرك من مكانه وغدا كمن فقد القدرة على السمع أيضاً، من دون مقدمات، يسيطر صمت يائس على ملامح وجهه، كشلال جف ماؤه فجاءة فأصبح أثراً بعد عين.

غادر البيت بعصبية ظاهرة باحثاً عن الحاجة كوثر، عله يجد عندها كسرة من الطمأنينة، لا بد وأنها تعلم شيئاً عما يجري.. وجدها تجلس تحت شجرة الصفصاف التي تقف بشموخ في مقدمة القرية، ووجد حالها يحاكي حال الآخرين.. قال لها: بالله عليك يا حاجة كوثر خبريني... ماذا يجري؟؟ من هؤلاء؟ ما لهم ولجبل السحاب؟.

مسحت دموعها بطرف كمِّها قائلة: اسمع يا ناصر، أنت لا زلت صغيراً لا تدرك هذه الأمور ولكني سأوضح لك، لقد صادر اليهود المحتلون جبل السحاب ووادي اللوز منذ عدة سنوات، وقد أرسلوا إخطاراً بذلك للمختار، إلا أننا كذبنا الخبر، وقلنا محض هراء، فهم يعلمون أن الجبل لنا نحن، ملكنا.. ويعلمون أنهم لا حق لهم فيه، فهم لم يرثوه عن آبائهم ولم يشتروه أيضاً، فكيف انتقلت ملكيته لهم إذن؟. ولكن.. كعادتهم، يطلقون الكذبة ثم يصدقونها، ويبدو أنهم قادمون الآن لإحكام قبضتهم على الجبل، لبناء مستوطنةٍ فوقه، كعادتهم في جميع المناطق المرتفعة بعد أن يصادروها.

طارت أسراب الكلام من مخابئها دون توقف فرد بغضب قائلاً: ماذا يعني ذلك؟ هل انتهت القصة؟ هل نستسلم للأمر الواقع؟.

-طبعاً لا..

-إذن لم يجلس جميع الكبار هكذا ويكتفون بالحزن والبكاء؟ لنقم، لنمنعهم؟!.

-ألم ترَ دبابات الجيش في أسفل الجبل التي تحرس من يقومون بتدميره؟ فإذا هاجمناهم فإنهم لن يترددوا بإطلاق النار علينا، ونحن عُزَّل وهم مدججون بالسلاح.

-صحيح، ولكن هذا ليس عذراً، فلن نسامح أنفسنا ولن يسامحنا أجدادنا الذين ورثنا الجبل عنهم إن استسلمنا وتركنا جبل السحاب لقمة سائغة لهم.

-وماذا سنفعل يا بُني؟ دم الصبا الذي يجري في عروقك هو ما يجعلك تثور هكذا، عندما تكبر ستدرك أنه لم يكن باستطاعتك عمل شيء لإنقاذ الأرض المصادرة.

غادر والأفكار في رأسه كإعصار غاضب، أخذ يدور بين أهل القرية، فوجد وجوهاً جامدة، فارغة إلا من التوتر والحزن.. شعر بالقدر يتربص به وهو يحاول الفرار منه، وبالفراق يتربص بخطواته وهو يبذل جهده للنأي عنه.

تناهى لسمعه استغاثة أحدهم قائلاً: عاجلوا... إحدى الجرافات دعست الحاج محمود...

تجمع أهل القرية حول جده الملقى على الأرض، كانت الدماء تغطي أشلاء جسده الذي داسته الجرافة باستهتار، عندما حاول منعها من اقتلاع شجرة زيتون معمرة؛ أظلمت الدنيا في العيون، وتمكنت الهزيمة من النفوس، وألقى الحزن بعباءته السوداء على الأرواح؛ وأصبحت الحيرة هي سيدة الموقف.

أما ناصر فكان في داخله بركان يغلي من الغضب.. أيطأطئ رأسه ويستسلم لما يجري ويمضي لحياة تافهة فارغة كالعبيد ويكتفي بالحزن والبكاء؟ أم ينطلق رافضاً مطالباً بثأره؟، أيستطيع احتمال نتائج ثورته مهما بلغت صعوبتها وارتفع ثمنها؟، أيمكنه أن يقف في وجه المحتل متحدياً بصدره العاري؟.

صرخ بكل ما أوتي من قوة قائلاً: أنا لها! سآخذ بثأري يا جدي مهما كلفني الأمر.. فدماؤك لن تذهب هدراً.. وحياة جبل السحاب لن تمضي هكذا من دونِ ثمن؛ سأجعلهم يتمنون لو أنهم لم يأتوا إلى هنا يوماً؛ والأيام بيننا أيها الغرباء.


أبو حشيش.. بـــ "شمع العسل" جسَّد أطراف الشهداء المفقودة

حروبٌ همجية مسعورة شنَّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة على مر السنوات الماضية لم يتوانَ لحظة واحدة في أن يُحدث جرحًا وشرخًا كبيرًا في حياة الفلسطينيين من خلال سياسته الحربية في القصف والبيوت المدمرة.

عدد الشهداء والجرحى والأشلاء المتناثرة التي وُضعت في خانة الذكريات المؤلمة لدى محمد أبو حشيش ولم تفارقه، لا سيما بعدما استُشهد أخوه في الحرب الأخيرة على القطاع 2014م، فاضطروا إلى دفنه بعد أن أُنهكت عائلته بالبحث عن ذراعه، ولم يجدوها، فكانت فكرته للانطلاق وتسليط الضوء على معاناة أهالي الشهداء تجاه هذه القضية، فما كان منه إلا استثمار فنه التشكيلي لإنتاج عملٍ يجسد أطراف الشهداء التي فُقدت في الحرب.

تطويرٌ مستمر

محمد أبو حشيش (29 عامًا) أنهى دراسته من كلية الفنون الجميلة في جامعة الأقصى، قطع الطريق على نفسه بدلًا من الانتظار طويلًا في طوابير البطالة، فعمل في المجال الحر بالتصميم والديكور الداخلي، حتى حالفه الحظ في الحصول على وظيفةٍ حكومية كمدرس للتربية الفنية.

يقول: "يجب على الفنان أن يعايش معاناة وقضايا شعبه، لتكون ريشته رسالة ناطقة باسمهم، فبعد استشهاد أخي "هاني" ودفنه دون ذراعه شعرتُ بأنها قضية تُلامس القلوب من ناحيةٍ إنسانية، لا سيما أن الإنسان في فترة حياته على هذه الأرض له كرامة، وبعد موته له كرامة وهي دفنه".

وأضاف أبو حشيش: "مؤلم ما يحدث مع الشهداء فتكون جثثهم أشلاء، فشعرتُ أن كرامتِهم قد سلبت منهم بسبب أن أجزاء من أجسادهم لم تُدفن معهم"، لتكون هذه القضية شغلي الشاغل لأنتج لهم أعمالًا فنية تليقُ بهم، ومادتها شمع العسل.

ولأول مرةٍ يستخدم "شمع العسل" كمادة خامٍ في النحت، لكنه رأى أنها مادة تليق بمقامات الشهداء الذين أفنيت حياتهم على تراب الوطن، فجسد فيها أشكالًا فنية لأطراف الشهداء من الشباب والنساء والأطفال، مشيرًا إلى أن هذه المادة عضوية وهي قريبة من الإنسان، كما أن لونها قريب من لون بشرة الإنسان المائلة إلى الاصفرار، إلى جانب أنها غنية ومعاصرة ومتوفرة في القطاع حيث تُباع على شكل صفائح ورقية.

لم تقتصر في أعماله النحتية على مادة واحدة، ففي كل مرةٍ؛ يحاول أبو حشيش استخدام مادة جديدة ومميزة، ففي إحدى غرف البيت؛ خصصّ واحدة منها كورشة للعمل، حيث يسمح لفكره أن يسرح ويخرج عن إطار المألوف، فاستخدم الألمنيوم في النحت والجبس.

وبين أنه استطاع كفنانٍ مُتواجِد في غزة في ظل الظروف المفروضة عليه أن يتغلب على الظروف في نقص المادة الخام المُستخدمة من خلال صناعتها بنفسه، وما هو متواجدٌ ومتوفر في السوق المحلي.

وكان سبب توجهه إلى الفن التشكيلي وعلى وجه الخصوص النحت، لأنه يجد فيه ضالته في صدقه في التعبير عن المشاعر، ولكنه لا يرتكز على قاعدة فنية واحدة، بل يتعمد المزج بين المدارس ليخرج عن إطار التقليد، ويصل إلى أفكار جديدة وإبداعية.

وأوضح أبو حشيش أنه يعمل باستمرار على تطوير ذاته من خلال اطلاعه الدائم والتواصل مع فنانين ونحاتين لهم باع طويل في الفن، كما أنه يختار تسليط الضوء على المواضيع الاجتماعية والانسانية.

الطريق ليس معبدًا

ولا يوجد طريق ممهد، فهناك عدة عقبات كادت تقف في وجهه وتعوقه عن إكمال مسيرته الفنية لولا إصراره على أن تكون له بصمة خاصة من باب الوفاء للشهداء، فالحصار المفروض لم يترك مجالًا إلا يحدث له أثرًا على كل غزي، فالإغلاق المتواصل للمعبر منعه من تلبية دعوات للمشاركة في معارض خارجية.

وتابع أبو حشيش حديثه: "ولكن لم أقف مكتوف الأيدي إزاء ذلك، فقد تمكنت أعمالي أن يكون لها مكان على أرض المعارض الخارجية، من خلال إرسالها، وبعضها تم شراؤها لما لاقته من استحسان وإعجاب".

ونوه إلى أن الفنانين في غزة لا يحظون بأي دعم مادي، ولا يوجد لديهم أي حاضنة تعمل على التطوير، فالفنان مجبور ليطور من قدراته بنفسه، إلى جانب أن الفن قد لا يحظى على أولويات المواطن الغزي، مما يضطر إلى تسويق أعماله في الخارج، مما يتعين على الفنان أن يكون "جوكر" في عمل منحوتاته، وتنظيم المعارض، والتسويق للأعمال.

ومن المعارض المحلية التي شارك فيها، معرض "بقايا من الذاكرة"، ومعرض "كرامات" عرض فيها أعمالا نحتية مختلفة، ومشروع "إخلاء" الذي جسد فيه أطرافا بشرية مصنوعة من الجبس، و"نخوة فطرية" وهي أطراف مصنوعة من المعدن، وآخر "يوميات حياتنا في غزة" في الأردن.

ويطمح أبو حشيش رغم أنه يرى أن الطريق غير واضح أمامه، إلا أنه يفضل التحرر من أي عمل للتفرغ للفن، لتصبح له بصمته الخاصة بأعماله الفنية، ومعارض خاصة به.


حين أخذ عقلي يثرثر .. أقصد لا أدري

منذ صغري أكره المسلسلات والأفلام، وأبدًا لم أكن مستعدة للجلوس أمام التلفاز قديمًا أو الشاشات الذكية حديثًا كالموبايل وغيره لمشاهدة فيلم أو مسلسل.. فسمة الفضائيات الخداع، وأنا لست مستعدة لأن أكون ضحية خداع؛ ولست مستعدة أيضًا لإهدار وقتي مع فيلم يُملي عليَّ مخرجه كيف أفكر، ويفرض عليَّ أن أُعجب بمن وأكره من.

تدور الأفكار في نفسي كإعصار غاضب يحدث فوضى عارمة أينما يحل ويرتحل، إلا أن عقلي يقيدها ويأبى عليها الخروج، يصر على بقائها كامنة صامتة، فتثور حروفي.

تصرخ داخلي، تشتعل، تحرقني.. ماذا أفعل؟ أأتركها كالمارد تنطلق كما تشاء، تدمر، تصرخ، تُغير؟.. أم أُبقي السلاسل تقيدها وتثقل نشاطها وخطواتها؟.. ألتجئ إلى الفِراش لمدة تطول أحيانًا هربًا من هذ الصراع الذي يؤرقني؛ وأعتكف على فضيلة الصمت.

فقد وصلني عبر تعاقب الأجيال أن الانحناء أمام العواصف هو أفضل وسيلةٍ لتجاوزها، والخروج سالمًا منها، فقد أخبرت جدتي أمي بذلك، وأمي حاولت إقناعي به، رغم تمردي الذي كانت أمي قلقةً بشأنه دومًا، وتتهمني بسببه بأنني أتشبه بالرجال، وبأنني أبعد ما أكون عن الأنثى.

كنت أسخر من كلامها وأسألها: أيجب أن ألغي شخصيتي وفكري، وأكون ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها وحقها لأكون أنثى؟ فتقول: أستغرب جدًا منك، لماذا أنت هكذا؟ أنت لا تشبهينني في صفاتي، من أين لك هذه القوة والجرأة؟ أخاف عليك ألا تتزوجي، فالرجال هنا يبحثون عن المرأة ذات الأنوثة الظاهرة ليرتبطوا بها، وليس عن المرأة القوية كعسكري مثلك!.. كنت أضحك وأسألها: وكيف لي أن أبدو أنثى من وجهة نظرك؟ فتقول: عليك ألا تناقشي، وألا تعترضي.. وافقي على كل شيء حتى وإن لم يوافق رغبتك، فقط أطيعي، ولا تفكري.

وهي المعادلة الذهبية التي يُنصح المواطن العربي باتباعها والسير بمقتضاها في بلادنا، ربما ليحافظ على حياته، أو رزقه، وربما هو صرفٌ من السلامة، لا تُنصح الأنثى فقط بهذه المعادلة، وإنما تُنصح بها المجتمعات التي تفتقد العدالة والمنطق، والتي يكون الجور ديدنها، الجور على الجميع بلا تمييز.. حيث تقسم تلك المجتمعات إلى سادة يأمرون، وعبيد يطيعون ويحنون رؤوسهم. وحياة الغاب التي تعيشها مجتمعاتنا العربية قاطبة تشعرني بالقرف والاشمئزاز، فالظلم والجرأة على المقهورين تولد في نفسي ثورات لا تكاد تهدأ.

قرأت قبل فترة على "Google reads" عبارات مقتبسة لجبران خليل جبران:" لا تعش نصف حياة ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل ولا تقف في نصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم ولا تتعلق بنصف أمل، إذا رضيت فعبر عن رضاك ولا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت فعبر عن رفضك لأن نصف الرفض قبول، النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها وهو ابتسامة أجلتها، النصف هو أن تصل وألا تصل، أن تعمل وألا تعمل، أن تغيب وأن تحضر، النصف هو أنت عندما لا تكون أنت لأنك لم تعرف من أنت، نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، ونصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة، أنت إنســان وُجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة".

أتذكر تلك الكلمات وتشتد ثورتي.. فالمطلوب منا أن نعيش أنصافًا في كل شيء، مطلوب منا المواربة في كل شيء، حتى نكون مواطنين مثاليين.. والمصيبة أن أغلبنا يؤمن بذلك ويقتنع بصحته، ويعتقد أنه من مستلزمات الحياة الحالية.. وتبًا لها من حياة.. أن تكون نصفًا.

آهٍ لأفكاري الكثيرة التي تربكني وتجعلني أنسى وجودي، وتسرق اللحظات والأيام من عمري وأنا أمكث في ذات المحطة السوداء.. قد يعتقد البعض أن هذا ضربٌ من الجنون.. ربما.. لا أجزم؛ رغم أنني أعتقد أن الجنون بعينه هو البقاء عاقلًا في عالم عربي ينكر العقل ويكفر به، عالم يزدحم بالمجانين.