أسرة ومجتمع


​الدبكة والدحية.. دليلان على سلمية المتظاهرين

بالزي التقليدي الفلسطيني للرجال، يتزين أعضاء فرقة "أهل الشام للثقافة والفنون" ليتجهوا شرقاً، يفعلون ذلك يوميًا، ففي كل يوم يؤدون فعاليات في مخيمات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة.

وعلى أصوات الأناشيد الوطنية التي يتم اختيارها بعناية، تقدم فرقة أهل الشام عروضها للأهالي المعتصمين في تلك المنطقة، للمساهمة في تعزيز صمود الموجودين في المكان ومشاركتهم حلم العودة إلى الأراضي المحتلة.

مشاركةٌ واجبة

مدير فرقة أهل الشام للثقافة والفنون صلاح سمحان أكد أن الفرقة شاركت بفعالياتها المختلفة منذ اليوم الأول لمسيرة العودة الكبرى والتي تم الإعلان عنها قبل ذلك بأشهر وأسابيع، لافتاً إلى أنهم لم يتخلفوا ولا يوم عن أداء عروضهم في كافة مناطق القطاع التي يعتصم فيها الآلاف من المواطنين.

وقال لـ"فلسطين": "اليوم الأول من مسيرة العودة شكل حدثًا لم نتوقعه، من حيث كثرة الأعداد المشاركة، وهو ما عزز لدينا في الفرقة ضرورة تقديم عروض الدبكة والدحية وغيرهما من الفعاليات التي تقدمها الفرقة".

وأضاف أن جميع الفعاليات التي تؤديها الفرقة تكون ضمن المساحة المتفق عليها مع "الصليب الأحمر" وهي على بعد 700 متر من السياج الفاصل.

وتابع: "مشاركة الفرقة تعبر عن سلمية الوجود الفلسطيني على الحدود، والذي يحاول الاحتلال الإسرائيلي تغييره من خلال أسلوب العنف الذي ينتهجه".

وأكّد: "لا مانع لدينا من المشاركة يومياً في مسيرة العودة حتى لو طالت الفترة عن تلك التي تم الإعلان عنها، فمشاركة كافة أطياف المجتمع الفلسطيني واجب وطني".

وأوضح سمحان: "الدبكة والدحية والتمثيل للتعبير عن قضايا وطنية كلها تراث فلسطيني بحت، يجب تذكير الناس به بشكل دائم، وتحبيبهم فيه".

أجمل الأوقات التي يمرّ بها أعضاء الفرقة في مخيمات العودة، هي تلك التي يشاركهم فيها كبار السن في أداء الدحية، وعندما يتفاعل الشباب والأطفال مع الدبكة التي يتم تخصيصها لهم.

وبيّن: "مشاركة الناس معنا تمثّل لنا حافزًا قويًا للاستمرار في المشاركة بشكل يومي، خاصة مع الفرحة التي نراها في عيونهم وهم يشاركوننا في التعبير عن تراثنا الذي لا يمكن أن ننساه يوماً".

وقال سمحان: "مشاركتنا جعلتنا نرى ونسمع الكثير من القصص والحكايات التي تعكس قوة وصمود الشعب الفلسطيني الذي لن يتخلى عن حقه في العودة إلى دياره"، متابعا: "تأثرنا بالكثير من تلك القصص، والتي كان أبرزها عودة المصابين، سواء بالرصاص أو بالغاز المسيل للدموع، إلى مكان المسيرة ثانية".

وأضاف: "من يريد أن يتعلم الصمود والعزة والكرامة، فليأتِ لمخيمات العودة، ليعايش الموجودين فيها، فيستمد منهم جرعات أمل وحياة وتصميم على النصر".


جيران في المُخيّم وأصحاب على الحدود

برفقة جاريه في مخيم جباليا "أبو سالم حجازي" و"أبو سائد أبو ندى"، يجلس الحاج "أبو نضال زقوت" المهجّر من مدينة المجدل ويبلغ 58 عامًا، يواجِهون السلك الحدودي ويحتسون القهوة فوق التلّة العالية، غير آبهين بصوت الرّصاص الذي يطلقه جيش الاحتلال في سماء بيت لاهيا.

ويروي زقّوت أنه يأتي يومياً للحدود مشاركاً في مسيرات العودة، وفي جمعة الكاوشوك نزل مع الشباب مقترباً أكثر من الشرق باتجاه السلك الحدودي.

يقول مبتسماً: "يظنّ الشباب أن كبر سني أو عدم قدرتي على الرّكض مثلهم قد تحول دون اقترابي ومشاركتهم، فكانوا يقولون لي (وين رايح يا حاج.. اطلع لفوق)".

ويضيف: "نحن الفلسطينيون صغاراً وكباراً لا نهاب الموت، فما البال إن كان شهادةً في سبيل الدين والوطن والأرض المسلوبة؟ كما أن أجل كل إنسان مكتوبٌ عند الله تعالى، فلا داعي للقلق من أي شيء، خاصة وأن الروح الوطنية تغلب على كل شيء في حياتِنا".

وكان زقوت قد قدّم ابنه شهيداً في ذكرى يوم الأرض، على حاجزبيت حانون "إيرز"فكان أول شهيد في يوم الزحف نحو القدس عام 2012، إذ يروي: "انتزع ابني محمود الشبك المُحيط لبوابة حاجز بيت حانون (إيرز)، حينها جُنّ جنون جنود الاحتلال الذين يتحصنون خلف الجدران وأبراج المراقبة العسكرية، فأطلقوا رصاصة على رقبته أودت بحياته، وقنصوا ابن عمه نزار الذي كان برفقته في قدمه".

ويوضح: "لقد أخبرتُ أولادي بكل الأوراق المهمة في البيت والموروثة عن الأجداد، فأخرج يومياً للمشاركة في مسيرات العودة مسلماً أمري لله، فقد أعود أو لا أعود".

ويبين: "فالمحتلّ لا يفرّق بين سلمي أو غير سلمي، وإلا لما استُشهد كل هذا العدد من المشاركين، فكلنا أمامه فلسطينيون، وهذا حال كل من يأتي ليشارك في تلك المسيرات، يأتي حاملاً روحه على كفه".

ويقول صاحبُه حجازي وهو يُحدّق بالأراضي الخضراء خلف السياج الحدودي الذي يقابله: "تلك الأراضي الخضراء الشاسعة التي نراها أمام أعيننا ولا نملك أن نخطو عليها بسبب احتلالهم وسرقتهم لأراضينا يورث في قلوبِنا الحسرة والغصّة، وبنفس الوقت يشحننا بالتّحدي والقوّة والإصرار على العودة".

ويشكر الله صاحبهما أبو ندى على أن المسيرات كانت شعبية غير متحزّبة ولا فصائلية، قائلاً: "هذا هو أكبر سبب أدّى لنجاح مسيرات العودة، فتلك هي الإرادة والحق الشعبي الذي لا يترّدد عنه أحد، وكلنا يعلم أن هذه الخطوة بداية للتحرير والعودة بإذن الله".

وعلى مقربةٍ من الأصحاب الثلاثة يجلس أبو محمد عيطة المُهجّر من قرية برير ثاقباً عينيه بالأراضي الواسعة أمامه، وهناك يقول لـ"فلسطين": "أتيت للمشاركة، وآتي يومياً، وأنا سعيد للغاية رغم حرقتي كلما أرى ذلك الجمال والاتساع في الأراضي الخالية ونحن مكدّسون في المخيمات".

ويضيف: "هذا حق عودة لا نفرّط فيه، وهو حق لا يُنسَى أبداً، وقد جئنا لنثبت ذلك، فالكبار يموتون والصغار لن ينسوا أبداً، لكن ما يؤثر علينا سلباً ويضعفنا هو الانقسام، وإنهاؤه هو طريق العودة، وقوتنا باتّحادِنا".


٨:٥٩ ص
١٢‏/٤‏/٢٠١٨

​والله "وقصّينا" السّلك

​والله "وقصّينا" السّلك

يقولها الشاب جمعة مرجان البالغ 20 عاماً، مندفعاً بابتسامةٍ واسعةٍ "والله وقصّينا السلك.."، راويًا الحكاية أمام مجموعةٍ من الشباب المشاركين في مسيرة العودة الكبرى والجالسين على التّلّة العالية المقابلة للسياج الحدودي الشرقي الذي يفصل بيت لاهيا شمالاً عن الأراضي الفلسطينية المُحتلة.

تحدّثت إليه "فلسطين" ليخبرها أن الأمر لم يكن مخيفاً له، وهو اللاجئ من قرية "كوكبة"، ولا لأصدقائه الخمسة، بل شعور بالتّحدي للاحتلال ولدباباته ومدرّعاتِه الضخمة كان ينتابه، وفق قوله.

ويروي: "لمعت الفكرة في رأس أحد أصدقائي في جِلسةٍ شبابية مسائية في مكان سكننا في مخيم جباليا فقلت لهم: "رِجال ونعملها.."، فكان اتّفاقنا أننا سنقوم بقص جزء من السلك في جمعة "الكوتشوك".

وبالفعل أحضر مرجان أربع قطّاعاتٍ احتفظ بأحدها، ووزّع الثلاث الأخريات على أصدقائه، وانطلقوا جميعاً إلى السلك الحدودي عند تلّة أبو صفيّة ودخان الإطارات المشتعلة تملأ سماء الحدود، وفق حديثه.

يوضح: "قطعنا مربعاً يقارب النصف متر طولا وعرضًا، بعد أن تأكّدنا أن القناص الإسرائيلي بعيدٌ عنّا، لكننا توقفنا عن القصّ بعد إصابة صديقنا بلال مسعود في ذراعة وساقه ونقلِه إلى المستشفى".

ويقول: "إنه يرقد في العناية المركّزة وندعو له الله أن يسلِّمه، فقد كان متحمساً جداً لتلك الخطوة".

ومنذ اليوم الأول لمسيرات العودة يأتي مرجان وأصدقاؤه يومياً من معسكر جباليا إلى أقصى الشرق من بيت لاهيا مشياً على أقدامِهم، للمشاركة في تلك المسيرات، فهم كما يقول: "لن نكلّ أو نملّ من القدوم للحدود، ورسالتنا للعالم بأننا شعبٌ سرق الاحتلال أرضه وهجّر أهلها بقوة السلاح لا بد وأن تصل على حقيقتها".

ويضيف: "تلك الرسالة تزعج الاحتلال، فتدفعه لقتل الصحفيين المدنيين الذين لا يحملون سلاحاً غير كاميرا تكشف إجرامِهم".

أما والدة مرجان المُهجّرة من قرية حمامة، فتنتظر يوم الجمعة على أحرّ من الجمر لتأتي إلى الحدود مشارِكةً في مسيرات العودة السّلمية، فهي كما يصف: "حماميّة جبّارة وقويّة لا تخاف أحداً، إنها تحلم أن تعود لبلادِها التي لم تتوقف عن الحديث لنا عنها يومياً".

ويبين: "في جمعة الكاوشوك جاءت أمي برفقة أخواتي ونزلْن جميعاً باتجاه الشرق حتى وصلن شارع جَكَر، وعُدنَ من بعدها فرِحات".


​المؤرّخ السحّار يبدأ بتوثيق حكاية العودة

على مدار سنوات، عمل المؤرخ جميل السحار على توثيق تاريخ فلسطين، وجلّ ما كتبه كان متعلقًا بالهجرة، وبما تبع النكبة من معاناة وحروب وقتل وتشريد، لكنه اليوم يفتح صفحة جديدة، إذ يوثق بداية الحراك نحو العودة، إذ لم تكن مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار غائبة عن ذهنه، فهو يشارك في المسيرة ويوثّق كافة الأحداث الخاصة ليُصدر كتاباً عنها بعد انتهائها.

أستاذ التاريخ الذي تجاوز عمره الثانية والثمانين، كان معلما للتاريخ في مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين لأكثر من 25 سنة، وبعد تقاعده اتجه نحو التوثيق في كتب تتحدث عن تاريخ فلسطين بكافة تفاصيله.

مشاركة وتوثيق

يتحدث الحاج جميل السحار وكأنه يتحدث عن معشوقته، وكيف لا وهي فلسطين الوطن والأرض والحلم المحروم منه منذ 70 سنة، ويؤكد أنه سيعمل طيلة حياته على توثيق كل حدث في فلسطين بالتفصيل دون نقصان.

يقول في حديث لـ"فلسطين": "أرى أن توثيق أحداث فلسطين هو جهاد من نوع آخر، فأنا لا أستطيع حمل السلاح في هذا السن ولكن استطيع أن أحمل القلم وأحارب به، لذلك أعمل على توثيق كافة الأحداث والتي آخرها مسيرة العودة الكبرى".

ويضيف: "منذ اليوم الأول لمسيرة العودة، شاركت فيها، ورأيت كيف خرج مئات الآلاف من أهالي القطاع إلى السياج الذي يفصلنا عن أراضينا المحتلة، وشعرت وقتها كأنني في الحج لكثرة الناس"، متابعا: "المشاركة في مسيرات العودة واجبٌ على كل من يستطيع أن يتحرك ويصل لمخيمات العودة، ففي هذه المشاركة إعلاء لأصوات اللاجئين بأن لهم أرضًا انتزعها منهم الاحتلال وأن حق العودة باقٍ لا يسقط مهما طال الزمان".

ومن وجهة نظره كمؤرخ، يرى السحار أن "العدد الكبير للمشاركين في اليوم الأول لمسيرة العودة عكس رغبة الناس الكبيرة بتحقيق حلم العودة، وغرسه في نفوس الأبناء والأحفاد الذين لم ينسوا أرضهم كما كانت تأمل (غولدا مائير)".

إصدارات عديدة

ولم تقتصر جهود السحار على توثيق مسيرة العودة الكبرى، بل سبقها توثيق للحروب الثلاث التي شنّها الاحتلال على القطاع، ويعكف حاليا على طباعة كتابه الأخير الذي يتحدث عن جهاد الشعب الفلسطيني خلال قرن، من 1917 حتى 2015 ويشمل الكتاب كل ما مرت به فلسطين من أحداث ومجازر وثورات وحتى أسماء الشهداء.

كما أصدر كتابًا عن جغرافيا فلسطين ويثبت أنها أرض كنعانية، وليس لليهود أي حق فيها كما يدعون، لافتاً إلى أنه ينتج هذه الكتب على حسابه الخاص دون أي دعم حكومي أو خاص.

إلى جانب توثيق أحداث مسيرة العودة الكبرى، فإن السحار يعكف حاليا على إصدار كتاب يوثق أحداث انتفاضة القدس منذ أكتوبر 2016 وحتى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" في ديسمبر من العام الماضي.

عملية توثيق مسيرة العودة، كغيرها من عمليات التوثيق السابقة، إذ يستعين فيها بأحفاده، الذين ساعدوه في أوقات سابقة على توثيق أحداث الحرب الأخيرة بشكل يومي، فمع انتهاء الحرب، انتهى هو وعائلته من توثيق كافة أحداثها في كتاب.

ويصف السحار كتبه بأنها "ميراث"، أنها تاريخ تفصيلي لفلسطين".