أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٢‏/١٠‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


الغزي ​"أبو خشان" .. بدون أطراف علوية في انتظار حُلم "الوظيفة"

يتحدى الشاب الفلسطيني، عبد الرحيم أبو خشان "28عامًا"، جنوبي قطاع غزة، مصاعب الحياة ويُكمل حياته باستخدام أطراف قدميه فقط، كبديل لأطرافه العُلوية التي لم تنمُ منذ الولادة.

وعاني أبو خشان في السنوات الأولى من حياته، من مصاعب جمّة، خاصة أثناء المشي، لعدم مقدرته على حفظ توازن الجسم.

كما لاقي صعوبات كبيرة في التعليم، وعدم مقدرته على الكتابة، حتى تمرّس تدريجيًا، وأصبح يستخدم قدميه كبديل عن يديه في كُل شيء، وليس في التعليم فحسب.

فاليوم، أصبح بمقدوره، الاعتماد على أصبع الإبهام والمجاور له، في الأكل والشرب بقدميه، وإشعال النار، والكتابة، واستخدام الهاتف والكمبيوتر، ووسائل تكنولوجية أخرى، كالتلفاز والمذياع، والاستحمام، ولبس ملابسه لوحده، والزراعة، وحمل بعض الأشياء الخفيفة.

وجلس أبو خشان، بين أطفاله الثلاثة، وبدأ يُداعبهم؛ فيما استعان بأسنانه في حمل طفلته الصغيرة، ووضعها على عربة بلاستيكية صغيرة، حيث هزها بقدمه مداعباً إياها.

كما حمل على ظهره طفليه الآخريْن واحداً تلو الآخر، محاولاً إسعادهم، بعدما باتوا سر بهجته في الحياة الصعبة التي ما زال يمر بها.

ويُثبت أبو خشان، أن بمقدوره التغلب على كل شيء، حيث أمسك بفنجان قهوة وكوب ماء، وشرب منهما.

كما استعرض مهارته في تناول "التمر"، وقذفه عالياً بقدمه، ومن ثم التقاطه بفمه.

وحينما يتصل عليه أحد، لا يحتاج مساعدة في إخراج الهاتف المحمول من جيبه، بواسطة فمه، ووضعه على أذنه.

وأثار أبو خشان دهشتنا، عندما أمسك "بولاعة" وأشعل النار في البوتوجاز، ووضع عليه إبريقاً مليء بالماء، بينما حمل كُرسياً وجلس بجواره، منتظراً غليان الماء، بهدف إعداد "الشاي".

كما أمسك بسكين، بإصبعي قدميه وباشر بقطع الأعشاب الضارة في فناء منزله، قبل أن يجلس أمام برميل مياه، ليتوضأ، واضعًا الماء على قدمه ماسحًا أعضائه بها.

وواصل الكشف عن مهاراته، ممسكا بقلم، وبدأ يكتب أسماء أبنائه الثلاثة بخطٍ جميل دون أي صعوبات، بينما قلب صفحات كتاب جامعي يمتلكه، من بين عدد من الكُتب المُتخصصة في "التربية الإسلامية" وهو التخصص الذي درسه في الجامعة الإسلامية على مدارس أربعة سنوات، بمنحة جامعية، أنهاها بمُعدل "71%".

لكن أبو خشان، لم يجد فرصة عمل، بعد أن أنهى تعلميه، وذهبت كل جهوده في هذا المجال سدى.

ورغم ذلك، عمل جاهداً على استثمار وقته من خلال التطوع دون مقابل في بعض المؤسسات الأهلية؛ والحصول على أكثر من 30 شهادة خبرة في مجالات تعليمية مُختلفة؛ منها: التعامل مع المجتمع والمؤسسات، والأشخاص ذوي الإعاقة.

ويعاني أبو خشان من ظروف معيشية صعبة، حيث يعيش داخل غرفةٍ صغيرة من الصفيح، أعلى سطح منزل العائلة، مع أطفاله الثلاثة وزوجته، دون وجود أي مصدر رزقٍ وعمل.

ويعيش أبو خشان حالياً على أمل حصوله على مصدر دخل ثابت، من خلال فرصة عمل تناسبه، أو امتلاك القدرة على إقامة مشروع صغير يعتاش من خلاله.

ورغم تلقيه الكثير من الوعود لمساعدته، إلا أن أيا منها لم ينفذ، حسبما قال .

ويقول:" بعد أن مللت من انتظار الوظيفة، سعيت لإقامة مشروع صغير، لإعالة الأسرة، مثل (بقالة) أعمل بها، حيث بإمكاني إدارتها بشكلٍ جيد، فلدي قدرة على التعامل في الحسابات والبيع والشراء، لكني لم أتمكن".

ويضيف:" امتلك مهارات جيدة، فكل شيء أقوم به بواسطة قدماي، حتى أطفالي أتعامل معهم وأداعبهم بشكلٍ طبيعي".

ختم حديثه بالقول:"أتيت على الدنيا دون أطراف عُلوية، وعانيت كثيرًا في بداية حياتي، لكني تغلبت عليها، حتى أنهيت التعليم الجامعي، وانتظرت فرصة عمل، لكن طبيعة المجتمع تفرض طوق حول أي شخص مُعاق".


​مي الغصين.. على جدران السّجن طوّرت موهبتها

خلف أسوار السجن، أطلقت العنان لموهبتها، ورغم ظروف الاعتقال والإجراءات المفروضة على الأسرى، قررت بإصرار إطلاق مسيرة النقش على النحاس من داخل المعتقل، فاتخذت من جدران الزنزانة والسجن وسيلة للتفريغ النفسي، وسخّرتها لخدمة موهبتها في الرسم، وبحثت عما يمكن إعادة تدويره مما يتوفر في محيطها، فاستخدمت عبوات معجون الأسنان بعد انتهاء محتواها لتصميم براويز وهدايا يتم إرسالها للأهل خلال الزيارة، وهكذا فعلت مع عدة أدوات أخرى.

الأسيرة المحررة مي وليد الغصين (46 عامًا)، من بلدة بيتونيا، تعيش حاليًا في قرية بيت سيرا قضاء رام الله، وهي أم لطفلين "خطاب" و"زهرة"، نالت شهادة الدبلوم في تخصص الفنون الجميلة.

موهبة خلف القضبان

في حوار مع "فلسطين"، تسرد الغصين حكاية بداياتها في الرسم، التي ظهرت موهبتها فيه مع نعومة أظافرها: "كنتُ أعشق الرسم، وأنتظر حصة الفنون في المدرسة بفارغ الصبر لأُخرج ما بداخلي".

في الخامس عشر من يونيو/ حزيران عام 1991، اعتقلت قوات الاحتلال ضيفتنا أثناء تواجدها في منطقة باب العامود في القدس المحتلة، واستمر اعتقالها حتى عام 1997، وتعرضت خلال سنوات الأسر لظروف اعتقال مختلفة من ضرب من قبل الجنود الإسرائيليين، وانتقال لمراكز التحقيق، واستخدام وسائل تعذيب جسدي ونفسي ضدها، إلى جانب التهديد باعتقال أخيها.

قالت الغصين: "رغم كل الظروف الصعبة داخل المعتقل، إلا أني واصلت ممارسة هوايتي، فكنت أرسم على جدران الزنزانة، وأنقش عليها كل ما يخطر ببالي".

كانت الغصين تزيّن أوراق الرسائل، وتصمم بطاقات مزخرفة بالورد والشموع ، وكانت تصنع من عبوات معجون الأسنان الفارغة براويز وهدايا يرسلها الأسرى لذويهم، أو يقدمونها لهم خلال الزيارات، كما كانت ترسم لوحات عن أوضاع الأسر.

تحليق خارج الأسر

وفي عام 1997م تم الإفراج عن جميع الأسيرات في سجون الاحتلال على إثر موقفهن الرافض للإفراج عن بعضهن نتيجة لـ"اتفاق طابا"، وكانت ضيفتنا ممن تحررن آنذاك.

خلال سنوات الاعتقال، اجتازت الغصين اختبارات الثانوية العامة، وبعد الإفراج التحقت بكلية فلسطين التقنية لدراسة الفنون الجميلة، وبعد التخرج بدأت بالمشاركة في المعارض الفنية على مستوى محافظات الوطن.

وأثناء دراستها الجامعية، التحقت بدورة فنون جميلة تعلمت فيها النقش على النحاس، وكان ذلك بداية إعجابها بمادة النحاس، خاصة أن فكرته كانت قريبة من البراويز التي كانت تصنعها في المعتقل من عبوات معجون الأسنان الحديدية.

وأوضحت: "اتجهت تدريجيًا إلى النقش على النحاس، كهواية جديدة أمارسها، ومن خلال المعارض وجدت إقبالًا غريبًا على اللوحات النحاسية، لحداثة الأمر وقلة العاملين في هذا المجال، فنقشتُ رسومات ناجي العلي، وزخارف تراثية، وآيات قرآنية".

ونظرًا لعدم انتشار هذا الفن، كانت الأدوات المستخدمة في صناعة لوحات النحاس بسيطة، خاصة أنه في ظل عدم توفر أدوات خاصة للنقش، فكانت تستخدم أقلام الحبر الفارغة والخشب، كما قالت.

ونوهت الغصين إلى أنها في عام 2005 توقفت عن العمل لفترة لانشغالها بتربية أطفالها، وعادت لهوايتها مجددا عام 2010، وعملت على تحسين أدائها من خلال دورات تدريبية حول كيفية إدارة المشاريع وتطويرها، خاصة أن هناك إقبالا على ما تقدمه.

مشوارها لم يخلُ من العثرات، فواجهتها عقبة في التسويق لمنتجاتها، خاصة أنه يتم فقط عبر معارض داخلية في الوطن، إلى جانب ارتفاع أسعار الصفائح النحاسية وغيرها من المواد الخام التي تحتاجها.

وتحلم الغصين بتطوير مشروعها، حيث تعمل حاليًا مع مجموعة سيدات القرية على تأسيس "نادي المبدع الصغير"، وتدرّب مجموعة من الأطفال، من خلال المخيمات والتطوع في المدارس، على النقش على النحاس، وذلك لتأسيس مجموعة محترفة من الأطفال المتخصصين في النقش على النحاس، "فهو إلى جانب أن كونه فنّا جميلا، فإنه أيضًا حرفة يجب توريثها للأجيال القادمة"، وفق قولها.


​بسبب أزمة الكهرباء.. فقد "قنديل" وابنته "أكسجين الحياة"

أن تكون معاقًا في ظل ساعات قليلة من الكهرباء في قطاع غزة المحاصر، يعني أن معاناتك مركبة، ومعيشتك تزداد صعوبة، حيث لا يمكنك التنقل بحرية، لأن كرسيك المتحرك يحتاج إلى كهرباء لشحنه، وبالتالي أنت مُجبرٌ على الجلوس في البيت، مع كل ما في ذلك من ملل وتعب نفسي، حيث لا نشاط ولا تلفاز ولا إنترنت لكي ترفه عن نفسك وتشغل وقتك.

أكسجين الحياة

صخر قنديل (49 عاما)، معاق حركيًا، ويشغل منصب المستشار الفني والإداري للاتحاد العام للمعاقين الفلسطينيين في غزة، تجربته يمكن أن تكون مماثلة لما يمر به كثير من المعاقين المتواجدين في القطاع، فانقطاع الكهرباء ضاعف من أعبائه المالية من أجل توفير احتياجاته هو وابنته المريضة.

بنبرة تحمل كثيرًا من الألم والمعاناة، تحدث قنديل عن حياته التي انقلبت رأسا على عقب بسبب أزمة الكهرباء، قال: "انقطاع الكهرباء مصيبة على المجتمع الغزي، وعلى المعاق تحديدًا، هي كارثة، حيث إن حاجة المعاق لها مضاعفة، سواء في البيت أو خارجه، فهو يحتاج إلى شحن كرسيه المتحرك ليخرج من بيته، وربما يلزمه المصعد الكهربائي ليعود للبيت".

وأضاف قنديل لـ"فلسطين": "وهناك أنواع من الإعاقات تحتاج إلى كهرباء على مدار الساعة، كحال مرضى الشلل الرباعي، وضمور العضلات، والشلل الدماغي".

ووصف الكهرباء بأنها "أكسجين الحياة" بالنسبة للمعاق، مبينا: "ومع انقطاعها تكاد تتوقف حياته، والإعاقة درجات، ومنها الإعاقات الشديدة التي لا يستطيع أصحابها الخروج من البيت، فيلجؤون لوسائل التسلية كالتلفاز والإنترنت وغير ذلك مما هو من الكماليات بالنسبة للأصحاء، بينما هو من الأساسيات لهم كونه يوفّر جوًّا يخفف عنهم آلامهم الجسدية".

وبالنسبة لقنديل، فإن الكرسي الكهربائي أمر أساسي في حياته، حيث يتنقل به من عمله إلى البيت، وباعتباره رب أسرة فإنه يستخدمه لتلبية احتياجات بيته، ويساعده على الاختلاط بالناس، ولكن مع انقطاع الكهرباء بات يستغني عنه ويستخدم الكرسي المتحرك العادي.

تلف البطارية

ولفت إلى أن الكرسي المتحرك الكهربائي بحسب قوة بطاريته يحتاج إلى شحن لمدة تتراوح من أربع إلى ثماني ساعات يوميا، وهذا غير ممكن في الوضع الحالي.

ونبه قنديل إلى أن الانقطاع المتكرر والمفاجئ للكهرباء يؤدي إلى سرعة تلف بطارية الكرسي المتحرك، كما أن البعض يلجأ إلى شحنها عبر المولد الكهربي، وهذا أيضا يلحق بها الضرر، لافتا إلى أن أقل سعر لهذه البطارية يصل 1300 شيكل، وهو أمر مرهق ماليا للمعاق.

ثمة معاناة لا يلتفت لها البعض، ولكنها بالنسبة للمعاق ضرورة لا يمكن تأجيلها، تحدث قنديل عنها: "الخروج من البيت وقتما أشاء فعل شاق بالنسبة لي، حيث إنني أقطن في برج سكن، صحيح أنني في الطابق الأول، ولكن بالنسبة لي الأول مثل السابع، لأنني لا أستطيع الصعود باستخدام الدرج".

وأكمل حديثه: "وتشغيل المولد الكهربي لاستعمال المصعد لا يتناسب مع ظروفي، فظروف سكان البناية، بالطبع، تختلف عني تماما، فما هو مهم بالنسبة لي، قد لا يعني شيئا لغيري".

ومضى قائلا: "انقطاع الكهرباء سبب مشكلة انقطاع المياه، فالمياه ضرورية، وفقدانها صعب للغاية على المعاق حركيا، لما يسببه ذلك له من مشاكل جسدية ونفسية وأخرى اجتماعية، ولأن الانقطاع يضاعف حجم الرعاية له يوميا، مما يثقل الأهل من جميع الاتجاهات، وينعكس على المعاق نفسيا".

وعرّج قنديل على معاناة معاق الشلل الرباعي، والذي يحتاج إلى تحريكه مرة كل 20 دقيقة، لتهوية جسده، حتى لا يُصاب بتقرحات تسبب التهابات ومضاعفات قد تؤدي إلى الموت، وفي ظل انقطاع الكهرباء وعدم وجود مراوح وتوقف "الفرشة الهوائية" عن العمل، يصبح وضعه أكثر سوءًا.

وانقطاع الكهرباء وعدم توفير بدائل لها، يصعّبان حياة المعاق ويرهقانه ماليا، حيث ينفق قنديل 400 شيكل للكهرباء عبر مولد كهربائي من شركة خاصة، بخلاف اشتراكه في المولد الكهربائي للبرج الذي يسكنه بتكلفة 300 شيكل شهريا، لكي يوفر له الكهرباء ثلاث ساعات يوما بعد يوم، وكل ذلك بخلاف فاتورة الكهرباء التي يدفعها لشركة الكهرباء كل شهر.

ابنتي مريضة

والمعاناة لا تقف عند قنديل فقط، بل تمتد لابنته "إسلام" (24 عاما) المصابة بمرض "الدوشين" والذي يسبب ضمورًا في عضلات الجسم، وبسبب عدم قدرتها على التنفس تحتاج إلى وسائل تهوية على مدار الساعة، لذا يضطر إلى دفع اشتراك شهري لمولد كهربائي لشركة خاصة لكي يحافظ على حياة ابنته.

وقال قنديل: "لو أردت الترفيه عنها واصطحابها في نزهة لتستنشق هواءً نقيًا، فلا يمكنني التوجه معها إلى شاطئ البحر كما في السابق، لأنه تحول إلى مستنقع لمياه الصرف الصحي، مما قد يسبب لها الإغماء في حال استنشقت الهواء في تلك المنطقة".

وأضاف: "ذات يوم، انقطعت الكهرباء بالكامل لعطل في المولد البديل، وخشية على حياة ابنتي وللتخفيف عنها، قمت مع زوجتي بتحريك الهواء من حولها باستخدام (الصواني البلاستيكية) لحين وصل الكهرباء".

وتابع قنديل: "لا يلوح في الأفق حل لأزمة الكهرباء، فهي عبء اقتصادي ونفسي ومالي، حيث لا إمكانية لدعم المعاقين ماديا ليتمكنوا من توفير الكهرباء بوسائل بديلة لتسهيل حياتهم، أو حتى منحهم خصومات من شركة توزيع الكهرباء على فواتيرهم، أو تخفيض أسعار الطاقة البديلة لهم".


​لأن "التحويلة" تأخّرت .. مات "مصعب" وعاشت "سونيا"

مات مصعب وهو ينتظر توقيعا على تحويلة علاجه في مشافي الاحتلال، و"عاشت" القطة "سونيا" لأنها وجدت من تعاطف معها من مؤسسات الرفق بالحيوان وحصلت على تحويلة عاجلة ليُسمح لها بالعلاج في الداخل المحتل.. مفارقة حدثت في نفس اليوم، فزادت من وجع العائلة المكلومة بفقدان صغيرها بعد سبعة أيام على خروجه إلى النور.

الرضيع "مصعب العرعير" من حي الشجاعية توفي في السادس والعشرين من الشهر الماضي، والذي صادف ثاني أيام عيد الفطر، بينما ينتظر توقيعًا من وزارة الصحة في رام الله على تحويلة علاجه، ليتمكن من السفر للعلاج.

أقبح من ذنب

"أم هاني العرعير" جدة "مصعب" تحدثت لـ"فلسطين" عن الأيام الأخيرة الفاصلة في حياة حفيدها، قائلةً: "وُلد مصعب يوم الاثنين الموافق التاسع من شهر يونيو الماضي، بعيب خلقي، حيث كان قلبه خارج القفص الصدري، وهذا ما أخبرنا به الأطباء عندما كان جنينًا في بطن أمه في شهرها التاسع، وآنذاك طمأنونا وأخبرونا بأنهم سيتعاملون مع حالته فور ولادته ليتمكن من الحصول على العلاج المناسب في الخارج".

وأضافت الجدة أم هاني لـ"فلسطين": "وفور ولادته ونظرا لخطورة حالته وندرتها، قرر الأطباء بغزة بسرعة إصدار تحويلة لعلاج مصعب في مستشفيات الضفة الغربية أو الداخل المحتل، وبالفعل، وفي ثاني أيام ولادته، تم إرسال أوراقه لمستشفى المقاصد في القدس المحتلة، وبعد أن اكتوينا بنار الانتظار، جاء الرد بعد ثلاثة أيام برفض الحالة".

وتابعت: "في التقرير المُرسل من المستشفى مذكورٌ أن الرفض جاء بسبب عدم وجود مكان شاغر لاستيعاب حالة مصعب النادرة، وذكر التقرير أيضا أنه في حال قبلت وزارة الصحة في رام الله باستقبال الحالة في قسم إنعاش قلب الأطفال يمكن استيعابه في المستشفى، برأيي هذا عذر أقبح من ذنب، ويؤكد أن رام الله منعت سفر حفيدي".

لم تكل العائلة ولم تمل من مواصلة طَرق جميع الأبواب لإنقاذ حياة "مصعب"، فأرسلت طلبا لمستشفى في الداخل المحتل من أجل استقبال "مصعب"، وبالفعل وصل الرد من المستشفى بالموافقة لأن حالته نادرة جدا.

حبيسة الأدراج

وعلى إثر هذه الموافقة، توجهت العائلة بطلب الحصول على تحويلة لعلاج مصعب، وخرجت الأوراق من غزة لتبقى حبيسة أدراج المسؤولين مرّة أخرى، تنتظر جرة قلم تشير إلى الموافقة، حتى يتمكن مصعب من تلقي العلاج المستحيل وجوده في مستشفيات قطاع غزة، مضى أسبوع ولم تُوقَّع الأوراق، لأن السلطة قررت وقف التحويلات الطبية الخارجية لمرضى القطاع.

ثاني أيام عيد الفطر، بدلا من أن يكون عيدا سعيدا، خيّم فيه الحزن والأسى وألم الفراق على العائلة، فقد غادر وأهله يشعرون أنهم مكتوفو الأيدي لا يستطيعون فعل شيء يسكّن أنينه، ولا يزال صوت بكائه يرن في آذانهم.

وقالت العرعير: "مصعب الفرحة التي كان ينتظرها ابني بلال الجريح الذي أصيب في الحرب الأخيرة عام 2014، وبعد كرم الله رُزق بصعوبة بمصعب، وكان يرسم الأحلام هو وزوجته، ويتخيلان اليوم الذي يحملانه فيه بين أيديهم، ويلبسانه جميل الثياب التي جهزوها له".

وأضافت: "تعاملنا مع هذا العيد على أنه أول عيد حقيقي لنا منذ الحرب، بعد أن بُني بيتنا الذي دُمر في الحرب، وكنت أتمنى أن يكون أسعد من سابقيه، ولكن رحيل مصعب فيه ترك في قلوبنا غصة كبيرة".

"أشكوهم لله"

وتابعت: "مات مصعب وكانت رحمة الله إليه أقرب، ولكن قلبي لا يزال يتألم على من هم أحياء والمرض ينهش أجسادهم، ويتذللون على أبواب مسؤولي التحويلات الطبية للخارج، ولكن لا أحد يكترث لحالتهم، بل ويمنعون من السفر لأن تهمتهم أنهم غزّيون".

وواصلت حديثها: "من الظلم، أن يعكس السياسيون خلافاتهم على شعبهم، فما ذنب الشعب كله، وخاصة الأطفال والمرضى"، مناشدة سلطة رام الله لتحييد المرضى عن المناكفات السياسية، والذين يموتون وهم ينتظرون أبسط حقوقهم الإنسانية بتلقي العلاج.

وحمّلت الحاجة العرعير المسئولين الحكوميين وكافة المعنيين مسئولية وفاة حفيدها مصعب ذي السبعة أيام، وإعاقة إصدار تحويلته.

في وداعه الأخير، حملته جدته بين ذارعيها وهي تذرف الدموع حزنا على رحيله، وهمست في أذنه كلماتها الأخيرة موصية إياه: "اشكيهم يا ستي لربنا، اشكي كل من كان سبب، وكل من كان لديه القدرة لإسعافك وإنقاذ حياتك ولم يتحرك".

سافرت "سونيا"

وفي مفارقة عجيبة، والتي تنم عن مقدار الظلم الذي يتعرض له المريض الغزّي، ورخص حياة الإنسان في القطاع بالنسبة للبعض، فإنه في يوم وفاة "مصعب"، فتحت سلطات الاحتلال معبر بيت حانون لتسافر "قطة" من قطاع غزة لتتلقى العلاج في مستشفياتها.

ويُذكر أن وسائل الإعلام تناقلت بكثافة تقريرا موسعا عن نجاح طبيبة أوكرانية تقيم في القطاع بنقل قطتها التي تدعى "سونيا" للعلاج في "إسرائيل".

الطبيبة المتزوجة من طبيب فلسطيني، لم تجد مراكز متخصصة لعلاج "سونيا" في غزة، فسعت واجتهدت وخاطبت جمعيات معنية في فرنسا والولايات المتحدة، والتي تحركت بدورها وخاطبت جمعية إسرائيلية للرفق بالحيوان، فرتّبت الأخيرة الإجراءات اللازمة لتحويل القطة بعد إصدار تنسيق لها في أقل من ثلاثة أيام، ونُقلت القطة بسيارة إسعاف خاصة عبر حاجز "بيت حانون إيرز".