أسرة ومجتمع


​"التميّز" رأس المال في مشروع "روان الحداد"

أساس نجاح أي مشروع هو "التميز"، لتكون لصاحبه بصمة تدل عليه، حتى وإن كان يحاكي ما هو منتشر.. هذا التميز موجود في مشروع "فرحتي للمناسبات"، الذي أسسته "روان الحداد"، التي قدّمت جديدًا في عالم المشغولات اليدوية، كصواني التقديم الخشبية بأشكال وألوان ورسومات مختلفة عن الشائع، ومنحوتات بأسماء وأشكال مميزة.

بدل الوظيفة

تقول الحداد لـ"فلسطين" عن بداية مشروعها "فرحتي للمناسبات": "درست (تربية تكنولوجية) ولم أحصل على وظيفة في مجالي، منذ سبع سنوات، ففكرت في تأسيس مشروع خاص بي أشغل وقت فراغي فيه، وفي نفس الوقت يدر علينا دخلًا".

وتضيف: "أُعجبت بفكرة (توزيعات المناسبات) المصنوعة من (ورق الفوم)، فصنعت عددًا من توزيعات وهدايا أعياد الميلاد، ومعها اكتشفت موهبة مدفونة داخلي وهي قدرتي على تخيل التصميم وتنفيذه بدقة كبيرة".

وتابعت: "تعرف الجمهور على أعمالي بدأ عن طريق موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، ومنصة تبادل الصور (انستجرام)، وعبرهما كنت أنشر صورًا لبعض مشغولاتي، وأستقبل الطلبات".

لم تكتفِ الحداد بـ"التوزيعات"، بل اتجهت لأعمال أخرى تقدمها لزبائنها، ومنها الصواني الخشبية والمنحوتات، ومما صنعته على سبيل المثال صينية على شكل حبة فراولة، وليمونة، وبطيخة، وقلب، بالإضافة إلى أطباق تقديم خشبية بأشكال مختلفة، كما صنعت "صندوق مفاجآت".

وهذه المشغولات تتخيل فكرتها، وتضع تصميما لها، ثم تطلب من النجار أن ينفذها كما تريد، والأجمل أنها تلونها بألوان زاهية مختلفة وتضيف إليها بعض التفاصيل.

وكذلك فهي تجيد التطريز، الفلاحي والمدني، فتصنع ملابس وأحذية وحقائب يد للسيدات.

تعب بمتعة

ليس بالضرورة أن يعتمد النجاح على ميزانية كبيرة وأدوات ذات تكلفة عالية، بل كثيرا ما يبدأ الناجحون من الصفر، يضعون بصمتهم ويثبتون أرجلهم في السوق، ومن ثم يتوسعون شيئا فشيئا، وهذا ما فعلته "الحداد"، فهي بدأت بمشروعها بمائتي دولار فقط، وسرعان ما استردت رأس المال، وحققت الربح.

وتبين أنها لا تمتلك ورشة، بل ورشتها هي غرفتها، وتمضي أغلب وقتها في صنع هذه المشغولات، بمتعة رغم التعب، حيث تتطلب مجهودًا كبيرا ووقتا طويلا، وتسبب لها آلامًا في جسمها.

وتقول الحداد: "في بعض الأحيان، تمنعني أمي من العمل، لأنها كأي أم تخاف على صحة ابنتها، ولكني لا أتوقف، لأنني لا أعمل لمجرد العمل، بل أصنع الأشياء التي أحبها بمتعة كبيرة".

وتمضي في حديثها: "ومن أسباب رواج أعمالي هو إتقاني لصنع القطع، فبعد الانتهاء من القطعة، إن لم يعجبني شكلها العام لا أسلمها للزبائن، بل أعيد صنعها من البداية، وهذا يزيد الجهد، بالإضافة إلى أن قطعي مناسبة لكل الفئات وأسعارها رخيصة".

وتؤكد أنها ليست مهتمة بالربح الكثير، بقدر اهتمامها بحجم المبيعات.


١٠:٠٠ ص
٢٣‏/٦‏/٢٠١٨

​بيتٌ من قشّ.. انتظارًا للعودة

​بيتٌ من قشّ.. انتظارًا للعودة

جلست أمام البيت القديم الضيق، المشققة جدرانه، ترقب الطيور العائدة في مساء خريفي يفيض حرارة وكآبة، تسأل نفسها: "لماذا تسرع الطيور هكذا في الطيران؟ وكأنها على موعد تحرص على أن لا تجعله يفوتها.. وهي لن تفعل شيئًا سوى أنها ستحط رحالها في أعشاشها.. لا بد أنها تعلم أن هناك وطنًا ودفئًا وحبًا ينتظرها هناك بعد عناء يوم طويل"، أيكون العش الصغير وطن؟ نعم قد يكون.. وقد يضيق الوطن الكبير في ناظريك فلا يغدو وطنًا أيضًا.. ربما يكون ذلك صحيحًا.. ولكن: ماذا تفعل أفراد الطيور التي تعيش وحدها؟ هل يا ترى تُسارع هي الأخرى في العودة؟ لا أظن ذلك! فلمَ العجلة؟ ألتقتل وقتها بالوحدة والملل؟

انحدر تفكيرها إلى غربتها وشعورها بالوحدة، فمنذ استشهاد زوجها، وعودتها إلى بيت أهلها تجر وراءها ذيول الحزن المعتق، ما من شاغل يشغلها سوى بحثها عن إجابات لأسئلة كثيرة تهاجمها كقطيع ذئاب ينهش وجدانها، وتشعر بها كإعصار صاخب يعبث بكل ما يقع أمامه، يشتتها، يشوش أفكارها.. لماذا؟ ماذا؟ من السبب؟ متى سيكون؟ وهل فعلًا قد يكون؟.. كانت تحاول حصر الإجابة، إلا أن إجاباتها كانت حائرة مترددة كما في كل مرة، لتختمها بقول: لا أدري في نهاية المطاف! كان الحزن رفيق ودود لها وجليس دائم يدثرها بردائه.. أما الوحدة فكانت كزوجة الأب غيورة ترقب سكناتها وحركاتها، وتسخر من أمنياتها.

تتذكر أحلامها التي تظنها ضلت الطريق وغدت في ذاكرة النسيان، هي لم تطلب الكثير، فقط أرادت أن يكون لها أرض وبيت تعيش فيه برفقة حبيب قلبها.. إلا أن هذه الأمنية تبخرت وغدت خارج نطاق المقبول والمعقول، فالمحتل لم يترك لها ولكثيرين من أمثالها أملًا في الحياة.. اعتاد أن يسلب البسمة من الوجوه، والسعادة والفرح من القلوب.. هو يكره الإنسانية ويكره الحياة.. يعترف بها لنفسه فقط.. فكيف به يغتال حبها وأحلامها برصاصة غادرة حملت روح حبيب قلبها إلى الفردوس.

وحلمت منذ صغرها أن تعود إلى بيت جدها في القرية التي هُجِّر منها قبل ستين عامًا.. أرادت أن ترى البيت الذي ولد فيه والدها، ترى كرم العنب وعين الماء العذبة ترى القرية الموغلة في القدم.. حتى قبل مجيء كنعان إلى هذه البلاد.. تراها دائمًا في أحلامها مذ كانت جنينًا في بطن أمها.. فالأجنة الفلسطينيون يرثون حب الأرض وأمل الرجوع إليها في جيناتهم التي تتكتل داخل خلايا عقولهم وقلوبهم.

اغتصب المحتلون القرية، سرقوا الأرض واقتلعوا الأشجار وجففوا عين الماء، وادَّعوا ملكية كل الأشياء، فلا أرض نجت من عدوانهم ولا سماء، حتى الأسماء سلبوها وكذلك التاريخ.. تبًا لهم كم هم دجالون كذابون.

ها هي ذا تعود إلى السياج الفاصل بعد غربة طويلة داخل وطن مشتت جعلتها تشيخ قبل أوانها، تمد بصرها علها تستطيع رؤية البيت والأرض.. أو المكان الذي استقر فيه البيت على أقل تقدير.. صدمها المنظر.. بيوت حديثة، غريبة الشكل لم تعتد رؤيتها، تكتظ في المكان، وتكاد تلتهمه حتى آخر ذرة منه، تجعله غريبًا منفيًا.. سيارات فارهة، مسابح وحدائق ونوافير ماء، وكأنها الجنة والله.. يا إلهي: أنا وإخوتي، ووالدي وجدي وجميع أهلي وأقاربي نتكدس في مساحات صغيرة ضيقة في المخيمات، في بيوت تضيق بمن فيها، سقوفها من صفيح يكاد يذيب الأجساد تحت حره صيفًا ويجمدها تحت برده شتاءً وتذوب وتتجمد معه الأحلام، وهم يتمتعون في أرض اغتصبوها لم تكن ملكًا لهم في أي يوم مضى.

- أنتخلى عن حُلم العودة؟ أنستسلم للواقع وننساق معه، وننسى الماضي الذي نمتد عبره وصولًا لهذه اللحظة؟

- ليس مثلنا من يتخلى، لن أبقى جالسة أعاقر الذكريات والهموم.. سأرابط ها هنا كل يوم.. سأكون أول القادمين, سأكتب على صدري " سأعود" وليرى العالم أجمع أننا شعب لا ينسى.. أرضي متشوقة لي كما أنا متشوقة لها.

ملحوظة: شهداء مسيرات العودة.. دماؤكم تعطر أرضنا، وتبث الأمل فينا.. ونحن على دربكم نسير.. وننتظر العودة لأرضنا أو الرحيل إلى الجنة.. وكلاهما خير ننتظره.. ولجرحانا ألف سلام ودعاء.


١٠:٤٩ ص
٢١‏/٦‏/٢٠١٨

الحُبّ حتى الثّمانين

الحُبّ حتى الثّمانين

في تلك الساحة من البيت الواقع في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزّة، جلستُ على فَرشةٍ إسفنجيّة ألقَتها على الأرضِ الحاجةُ فاطمة طنطيش "أم زاهر" ذات البشرة السمراء والشعر البرتقاليّ، فكانت كلّما رفعت شاشتها البيضاء لتعديل غطاء رأسِها سطَعت أشعة الشمس تحته ولمعت في غُرّتها.

"شو هالشعرات الحلوين يا حجتي"؟ سألتها مُداعِبةً لاتخاذ مجرى لطيفاً للحديث، فتزيّن وجهُها بابتسامةٍ هادئةٍ كشفت عن قاطعين علويين مفترقين وبضعة أسنان مخلوعة، وردّت :" عند أقاربنا عرس، والشعر كله أبيض، والحنّة يا بنتي زينتنا من أيام زمان".

"دعينا إذن نتحدّث عن أيام زمان، فتلك الأحاديث تستهويني كثيراً".. ردّت وما تزال ابتسامتها توشحها :"80 سنة شو بدنا نحكي "تنحكي يا بنتي؟" أخفضت رأسها لتلملم بعض حبات شعير وضعتها في حِجرها، ثم ناولتها لابنتها ماجدة (44 عاماً) وطلبت منها أن تنثرها عند الدجاجات، فلبّت بهدوء.

في كل ليلةٍ من ليالي عام 1955 كان السّراج الزجاجي ذي الفتيل المغموس بالكاز يضيء وسط العتمة، فينير غرفة الطين الخاصة بـِابن السنة الأولى من المرحلة الثانوية"رزق طنطيش"، زوجها الذيبات أمر تعليمِه مسئوليةً كبيرةً على عاتقه لابد من القيام بها على أكمل وجه – أم زاهر تروي-.

وتقول: "تزوجت أبا زاهر في عمر السادس عشر، كنت أنظف (لمبة الكاز) حتى تصبح برّاقة، وأجفّفها، ثم أشعلها بعود كبريت وأذهب بها إليه".. بات التعليم آنذاك نادراً ويا لحظ من يغتنمه، فكانت أم زاهر تهيئ له كل أجواء الدراسة ليصبح مُعلِّماً للغة العربية.

وتضيف: "أقدّم له صينية العَشاء وعلى لساني الكلمة المعتادة (تفضل يا ابن عم)، فيترك كتابه ودراسته ويبتسم، ويطلب مني أن أجاوره الجِلسة قليلاً، ليخفف عن حاله عناء الدّراسة المتواصلة ويستأنس بوجودي شيئاً".

تصف المشهد: "قبل أن ألبي طلبَه أسمع كَفَيِّ حماتي يضربان ببعضهما ويصلني صوتها عالياً وهي تُردّد: "راحت عنده بنت رشيد، والله ما راح ينجح السنة!"، فأرتبك وأتركه كما لو أنني مذنبة".

عمل شاق

أم زاهر أمضت حياتها في الحقول والمزارع مُذ لفظتها الدّنيا على هذه الأرض، لم توفّر جهدا في العمل، عاشت مُزارعةً تهتم بالأرض من ألفِها ليائها، فتعلّقت فيها وباتت جزءًا منها رغم التعب والمعاناة والإرهاق الذي لم يكن لينتهي يوماً، لكن كلّ سنوات عمرها الشاقّة وصحتها التي ضعفت شيئاً فشيئاً لم تذهب هباءً -وفق قولها- فتعلق: "أبنائي، وحسن أخلاقهم ورجاحة عقلهم هي رصيدي في الحياة، إنهم يفتخرون بي ويكنّون لي كل الاحترام والامتنان".

أنهى أبو زاهر دراسة المرحلة الثانوية، ثم سافر مصرَ ليكمل دراستَه، ليصله الخبر السارّ بأن زوجته حامل، مرّت الأيام والشهور، وجاءها المخاض فاطمةٌ، تصف وقد بدت من حركةِ يديها ونبرة حديثِها أنها تقارن بين نساء اليوم والأمس:" يوم أنجبت زاهر كنت راكبة على (تندة الشّحن) في الطريق لغزّة من أجل بيع التفاح اللهواني" بعد أن قطفته وجمّعته في السِلال". وتصف التفاح: "يامحلاه" نصفه أخضر ونصف أحمر ورائحته نفاذة".

طفلة ثم زوجة

أما عن حياتها اليومية فكانت متعبة للغاية وفيها العمل لا ينتهي، توضّح:" قبل بلوغ الخامسة عشر كانت مهمتي بسيطة أهمها النّطْر على التلّة وحراسة مزارعنا بصحبة الجارات وبنات العم، ثم في الخامسة عشر، بدأت أقوم بما تقوم به النساء، فأحمل السلال الكبيرةعلى رأسي وبداخلها السلال الصغيرة المملوءة بالثمار الطازجة والمربّطة بإحكامٍ بعيدان نبات الهيش".

وتضيف: "كنا نخرج من بيت لاهيا الثالثة فجراً أو قبل ذلك، لنصل إلى سوق (فراس) في غزة قرابة السادسة صباحاً، نسير على أقدامِنا فنقطع سوافي الرمل ونتخطّى التّلال، والسّلال تضغط فوق رؤوسِنا، وبين وقتٍ وآخر نأخذ قسطاً قليلاً من الراحة، أما إن خرجنا بحدود الرابعة فجراً فإننا لا نتوقّف لنرتاح أبداً، بل نستمر في السير على نفسٍ واحد لئلا نتأخر، ونخسر بيع بضاعتِنا".

وتتبع: "حين نصل إلى السوق منهكين، نُنزل السلال عن رؤوسنا ونرتبها ونجلس القرفصاء غالبية الوقت، تلك الجلسة المُتعِبة، خاصة في فصل الشتاء حيث تكون الأرض مغموسةً بالماء، فلا نستطيع الجلوس على الأرض".

وتوضح أنه في حدود الساعة الثانية عشر تنفذ البضاعةُ وينتهي البيع، فيكافئن أنفسهنّ بشراء قليل من حلوى "النّمورة" من أحد الباعة في غزّة، ثم تعود الفلّاحاتُ أدراجهنّ خفيفاتٍ بسلالهنّ الفارغة، يقطعن نفس السّوافي والتلال، حيث الشمس عمودية تصبّ في الرؤوس وتغلي في الرّمال، التي تحشر حبيباتِها في أحذيتهنّ فتسلعهن وقد أسمتها أم زاهر "السُّمِّيطة"..

أم زاهر كانت تتمنّى أن تحصل على فرصةٍ للتعليم الذي بدأ ينتشر بعد الهجرة عام 1948، لكنها لم تملك أن تحصل عليه، إذ كان ردّ أخاها الأكبر آنذاك بحنوّ ومحبّة:" لن يفيدك التعليم يا فاطمة، وأن تجلبي الحليب يومياً أفضل لك ولنا".

لكن تلك الفرصة حظى بها أبو زاهر فذُلّلت له كل العقبات ليكون مدرس لغةٍ عربية وفلاحاً أيضاً يفتخر به الطلابُ وأهلُه .

بين الحقول والمزارع

استقللتُ سيارةً برفقته وزوجِه وابنتِه ماجدة وانطلقنا عبر الشوارع الترابية إلى أقصى الشَّمال حيث تنتشر المزارع عن اليمين وعن الشمال، وتعمّ السكينةُ والهدوء، فتداعب وجوهَنا النسمات المتدافعة من نافذة السيارة المُسرعة وقد اختلطت برائحة زهور الليمون والفلّ والياسمين مُعلنةً قدوم فصل الجَمال والخُضرة.

جلس أبو زاهر في المقعد الأماميّ بعد أن اطمّانّ على أم زاهر التي يصعب عليها ركوب السيارة بسهولة، وتأكّد من راحةِ جِلستِها، فعملها الشاق طوال حياتِها أنهَك صحّتها وأتعب مفاصِلها لكثرة ما كانت تحمل أحمالاً ثقيلةً في رحلةِ ذهابِها إلى السوق، إلى جانب قطف الثمار الأرضية التي تضطر فيها لخفض جسدها، وكذلك تجميع الأحطاب ونقلها، وغيرها من الأعمال، فأجرت الكثير من العمليات الجراحية من بينها تركيب ركبتين صناعيتين، وفق حديثها.

أسعدني مشهدُ أبي زاهر فقد بدا لي صاحب قلبٍ كبير، فسألتُه حينها بنبرةٍ مازِحة عمّ تعني له زوجتُه، فابتسم ابتسامةً واسعةً والتفتّ إليّ في الكرسي الخلفيّ وردّ باندفاعٍ: "أم زاهر في القلب من جُوّا، هي اللي مْحلية حياتي"، ابتسمتُ بعمقٍ وابتسمت هي الأخرى، وربتت على كتفِه وهي التي تجلس خلفَه مباشرةً، ثم ردّت عليه: "يا راس قلبي، يا عينيّ التنتين أنت"، فامتلأت السيّارةُ بضحكاتِنا.

لقد بدا حبّهُما عفوياً صريحاً لم يُقيّده شارعٌ عامٌ ولا سائق تاكسي غريب ولا صحفيةٌ لأول مرةٍ يتعاملان معها.

وصلنا إلى أرض عائلة "أبو زاهر" فكانت السواقي ترشّ مياهها الحلوة على الأشتال الخضراء والأوراق الطريّة، فيُلامِس وجوهَنا بعض رذاذِها اللطيف فتنعشني تحت أشعة الشمس الحامية، وفيما راح أبو زاهر يستظل على كرسيّه بظل شجرة، تقدّمَتْ إليه أم زاهر وجلست بجانبِه فكانت فرصتي لالتقاط أجمل الصور لهما وهو يقول:" أرضنا كنزنا وروحُنا فهي التي تربط أرواحَنا ببعضها لأن كل رملةٍ وشجرةٍ وقطرة ماء فيها لا تعيش إلا مترابطة، إنها جزء من وجودِنا، وهي التي تعلّمنا الحب والتماسك، ومن يمتلك الأرضَ ثم يفقدها كمن فقد روحَه وحياتَه، لذلك فإنني أشارك في مسيرات العودة الكُبرى وإن كنت كبير السن وكانت أصولي تعود لبلدة بيت الأهل ولستُ من أصحاب القرى المهجّرة عام 1948، أما أم زاهر فقلبها هناك لكن صحتها لا تسمح لها بالمشاركة، فنحن فلسطينيان ونشعر بحجم الأسى والظلم الذي يعيشه اللاجئ بسلب أرضِه".

لم يقبل أبو زاهر بصورةٍ تقليديّة فلفّ ذراعَه على ظهرِها فيما هي أسندَت ذراعها على ركبتِه ليبقى مشهدهما آخر ما التقطته عينايَ وكاميرتي، ثم تنتهي رحلتي وأعود لصحيفتي وأنا أكتب فيهما بعض الكلمات..

"هنا الحُبّ حتى الثّمانين.. يتغلغل في عمق البساتين.. بين ثنايا "شاشةٍ" بيضاء.. ولحية قصيرة.. في حفائف عباءةٍ سمراء وتحت حصيرة.. هنا الحب يتسلل على سطح كتفين شامخين.. على طول عكّازين وتحت قبعةٍ صغيرة.. هنا الحبّ يتدلّل في صبغةٍ حنّاء.. بين خصلات شعرها البرتقالية.. بين خيوط ثوب فلاحيّ مطرز بألوانٍ عنّابية.. هنا الحب غافٍ تحت كفّها .. كطفلةٍ في مهدِها".


تعرف على المواقف الـ 10 التي قد تغضبك

لأول مرة تدخل كلمة "هانغري" (Hangry) إلى قاموس أوكسفورد للغة الإنجليزية، ومعنى الكلمة هو الجوع الذي يجعلك غاضبا، وهذا النوع من الغضب يختلف عن الغضب المعتاد، إذ إنه ينطوي على اضطراب فسيولوجي.

والحقيقة أننا لا نفكر بأن الغضب يأتي على أشكال متعددة، إذ كنا نفترض دائما أن الغضب يتراوح بين الغضب الشديد إلى بلوغ الغضب درجة يرغد فيها الشخص ويزبد، ولكن من المنطقي أن يتخذ الغضب أنماطا متعددة وينبغي أن نكون على إدراك بهذا الأمر، ومن أهم عشرة أنماط للغضب هي الأكثر شيوعا ما يلي:

أولا: غضب السفر، وهو مزيج من القلق والخوف من فقدان أشياء معينة، مثل أن يأخذ شخص ما وظيفتك أو أن تقع أشياء سيئة في غيابك.

ثانيا: الغضب السابق، ويشعر به زوج أو زوجة تعرض للخيانة عندما يكتشف أن الطرف الخائن يقضي الآن فترة استجمام في حمام سباحة فاخر، في حين الطرف الذي تعرض للخيانة يقضي وقته في غرفة صغيرة ومع طفلين.

ثالثا: غضب البريد الإلكتروني، ويقع عندما تتلقى بريدا مشفرا يضطرك للاشتراك في موقع خاص لفك التشفير لكي تقرأ البريد، وبعد ذلك يحتاج الأمر منك تنزيل برنامج "أدوبي فلاشواتيفر" وهو ما لا ستقدر عليه، وبالتالي يجب عليك البدء من جديد والاتصال بالأشخاص الذين أرسلوا إليك البريد المشفر.

رابعا: الغضب من الزوج، ويقع عندما تثبت الزوجة نظاما للمراقبة في المنزل وتجلس أمام شاشة الحاسوب تراقب زوجها وهو يستعد مغادرة المنزل، وفي بعض الأحيان تقول له "لا تنس أن تحضر معك الكعكة" ولا يمكن للزوجة أن تفعل أكثر من هذا.

خامسا: غضب أوقات المساءلة أمام الجمهور أو أعضاء لجنة ما وغير ذلك، ويتصاعد الغضب تدريجيا ليصبح غضبا كبيرا عند الخلود إلى النوم.

سادسا: الغضب من الأصدقاء، وهو شعور تختبره النساء عندما تكتشف إحداهن أن صديقتها قدمت صحنا شهيا لزوجها بينما لا تستطيع هي فعل ذلك.

سابعا: الغضب المرتبط بالغذاء، إذ إنك لا تشعر بالغضب الشديد نتيجة عدم قدرتك على إنهاء جوعك لأن شرب الكثير من القهوة يجعلك تشعر بأن بطنك فارغ، وبعد ذلك تشعر بالغضب من نفسك لأنه ليس هناك إنسان عقلاني يشرب ثلاث كؤوس قهوة في غضون ساعتين ولا يقدر عواقب ذلك.

ثامنا: الغضب من إضاعة الوقت، ولا يمكن تبرير ذلك إلا إذا كان شخص آخر مثل السباك الذي لم يظهر أبدا مسؤولا عن إهدارنا ليوم بكامله، على الرغم من أنه من المعروف أننا نشعر بالقليل من الغضب فقط من أنفسنا عندما لا ننفذ أي شيء من قائمة المهام التي وضعناها.

تاسعا: غضب المطبخ، ويقع إما بسبب عدم حدوث أي شيء في المطبخ لأنه لم يساعدنا أي أحد، أو لأن الأشياء تحدث بشكل سريع جدا ولكن ليس بالطريقة الصحيحة.

عاشرا: غضب لا طائل منه، وهو ربما مرتبط بالهرمونات، وينتج عن الحرمان من النوم وعدم ممارسة الرياضة والإكثار من شرب الخمر، وعندما تقع في هذه الحالة فإنك لست متأكدا من سبب الغضب، ولكن لا يحدث ذلك أبدا لأنك نسيت تناول الطعام.

المصدر : الصحافة البريطانية