أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٢‏/١‏/٢٠١٨

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


٩:١٥ ص
١٢‏/١١‏/٢٠١٧

​وطنٌ في امرأة

​وطنٌ في امرأة

كدمعةٍ في عيون الفقراء، أو حلم في طريق البسطاء، ولربّما نسمة رفقٍ في قلوب المقهورين، هي الأمل في اسمِها وابتسامتِها وعينيها العربيّتين، والعصية على الألم والفشل، إنها "وطنٌ" تُجسّده امرأة قَضَت ثلاثة وثلاثين خريفًا منتظرةً ربيع التحرير لتُزهِر.

الشعر قطعةٌ منها، وهو الظل الأكبر من قامتها، إنه جواز السفر لعبورها عالم الخيال، سُجِن والدُها وأمضى طويلاً في سجون الاحتلال وهي في عمر الخامسة، فكان بُعدُه سبباً أساساً لأن يغرس في روحِها بذور الشعر ولهفة الكلمات، فتتحرر في عقلِها وتغرّد القصيدة تلو القصيدة.

تروي أمل أبو عاصي الملقبة بشاعرة الرّماد لـ"فلسطين": "أحببت والدي حبا عميقا، حبا موجعا امتزج بالشعور بالحرمان، حين فارقني في مراحل الطفولة، كنت بأمسّ الحاجة إليه حين انتزعه الاحتلال من بيتنا الدافئ، فصرت أتحدّى نفسي وحزني لأقدّم لوالدي مفاجأةً مميزةً، وأثبت للمحتلّ أنه لن يهزمنا، وأنَّ حبس أجسادِنا لا يحبس أقلامنا وحروفنا عن البوح". لقد كان سجن والدِها حدثاً مفصلياً في حياتها الشعرية.

جنون الحدث

في عمر الثامنة بدأت تستنشق الشعر وتتذوّق الكلمات، فقد سحرتها تفاصيل الكلمة، وجنون الأحداث، انطلقت تجمع سيل حروفها الهادئة والمائجة والعاصفة، لتصنع منها قصيدة تلو القصيدة وتخطّها في أربعة مجلدات بخط يديها، ثم خبّأتها في قلبِها قبل صندوقِها الخاص ليكون والدُها أول من يراها حين تلفظه القضبان..

تغنّى الوالدُ بأملِه وحروف كلماتِها فكان لها أروع ردٍّ على هديّتِها، فحلّقت من بعدها في عالم أوسع، كالطير في السماء صارت، إنها لم تكن في يومٍ إلا "شاعرة"، وُلِدت مع الشعر وستموت معه، تبتسم متحدثةً لفلسطين..

وتضيف: "الشعر في حياتي مقاومة، أن تقول للعالم هنا فلسطين، هنا معاناتنا، هنا أصواتنا، هنا إبداعنا المقبور، هنا شعبٌ يستحق الحياة، شعبٌ ما انفكّ يحاصر الحصار فينتصر عليه".

أمل أبو عاصي صاحبة ديوان "عندما يتعرّى النهر"، و"سفر الوقت"، ورواية "أربعة فصول للضباب"؛ شاعرة فلسطينية حصلت على ألقاب كثيرة منها "شاعرة العودة، وشاعرة المقاومة، وشاعرة الأسرى وغيرها.."، درست علم العروض والقافية ثم من بعدها توسعت قراءتها، ومع دخول الجامعة الإسلامية وفي تخصص اللغة العربية تحديدًا؛ بدأت تتضح ملامح كتابتها الشعرية وتظهر بصمتها الخاصة، توضح: "من بعدها أصبح الشعر أقرب إليَّ من حبل الوريد".

باتت أمل تعتني بملكتها الشعرية وتدرك أنها أصبحت الناطقة بعذابات وأوجاع المقهورين، وتعرف معنى المسئولية الواقعة عليها تماما، تعلق: "الشاعر لا يستحق هذا الاسم إلا إن استشعر المسئولية وتصرف في شعره وفقها".

بلقيس الشعر

إنها حرب بلا دم، صُنِعت لتوثق حرب الدّم، تلك التي تروي فلسطين بلا توقّف، تجفّ قليلاً ثم تعاود الفوران من جديد، تلك هي الكتابة الأدبية كما تراها أبو عاصي الحاصلة على وسام بلقيس في مسابقة مهرجان بلقيس العربية الدولي في الجزائر، وعلى لقب ودرع شاعرة الرماد بترتيب الأولى في مسابقة شاعر الرماد الدولية لشعر التفعيلة في موقع الفينيق الأدبي على المستوى العربي عام 2011.

وبالرغم من قدرة الصورة على التعبير، يبقى للكلمة قيمتها ورونقها وعمق تفاصيلها التي قد تختفي بين ألوان الصورة، فيأتي دور الأديب لينقلها للعالم بحبرِ قلمِه، توضح: "الصورة تندثر إن لم يوثّقها الكاتب وينقلها للعالم فخلف كل صورة حكاية وعالم مليء بالألم أو الفرح، إنها رمادية والكاتب هو من يلونها، خاصة تلك التي تُعرض على شاشات التلفاز في عجالة".

تكليف لا تشريف

وترى أبو عاصي أنّ الكتابة هي حالة ولادة حقيقية للنصوص، غير مبنيةٍ على قرار، تأتي بلا سابق تنبيه، تهطل على الكاتب كمواقيت الصلاة ولا تنتظر تأجيلاً".

لقد وهب الله أمل موهبةً، لم تكن لتستمر لولا الاعتناء بها بالتمرين والاطلاع والمحاولات الكثيرة، تعبر: "تلك الموهبة أمانة وتكليف وليست تشريفاً، فالمسئولية كبيرة على عاتق من وهبه الله إياها".

أبو عاصي تلقت العديد من الدعوات للمشاركة في مهرجانات دولية، فكان الحصار حاجزاً يمنعها من الخروج، لكن الحصار وإن أعاق الجسد عن الخروج لا يعيق الفكر عن الخيال والنطق والبوح، تعلق: "للشاعر أن يكتب في كل شيء وعن كل شيء، لكن خصوصية الشاعر الفلسطيني أن الوطن يحتل معظم كتاباته، ومع هذا فإنني أكتب في الله، في الوطن، في الأسرى، في الفقد، في الظلم، في القضايا الاجتماعية، في شهداء البحر، في الطفولة المشردة، في المرأة، في الحب، في كل شيء".

وتترك أبو عاصي نصيحة للشعراء خاصة الجدد منهم، تقول فيها: "لا تستعجلوا الدرب، لا تلتفتوا للمحبطين، اصدقوا النية، اطلبوا النقد واسعوا له، وإياكم أن تتأففوا منه، لا تكتبوا إلا ما تشعرون به صدقًا، لا تقارنوا أنفسكم بغيركم، القمة تتسع للكثيرين فلا تتزاحموا عليها، لا تتسرعوا في النشر، اتركوا القصدة تختمر، اقرؤوا ثم اقرؤوا ثم اقرؤوا، فدرب الشعر طويل، وأمانته ثقيلة، فكونوا على قدرها، إنه السر الذي لا يمنحكم بعضه إلا إن منحتموه كلكم".


أيمن الشوا وعَراقة "الجلود" من عائلةٍ تستثمر خيرات الطبيعة

"الحب" دافعٌ مهم للصمود في وجه عوامل التعرية على اختلاف أنواعها، فهو القادر على إبقاء جذوة الحياة مشتعلة تحت الرماد، والنهوض من كل كبوةٍ بشكل أقوى، لأن من يحب يبذل ما في وسعه لأجل شغفه.

"الحب" هنا هو الذي دفع أيمن روبين الشوا (50 عامًا) إلى الاستمرار في دباغة الجلود مهنة الأجداد والآباء المتوارثة منذ ما يزيد على سبعين عامًا، المهنة التي انحصرت في الوقت الحالي بشخص عائلته ليغدو هو مصدّر الجلود الوحيد في غزة للسوق المحلية بالضفة الغربية.

"فلسطين" حاورت الشوا، لتعرف تاريخ عائلته في التعامل مع الجلود، وكيف صمد في هذه المهنة، وزاوج بين الماضي والحاضر، ليحتفظ بهذه المهنة، ويُعلمها لأولاده كي يكونوا امتدادًا له في الحفاظ عليها.

المنافسة تحتم توقيع العقود

بزهوٍّ يشير في بداية حديثه إلى أنه هو الجيل الثالث في حلقة وراثة هذه المهمة أبًا عن جد، مبينًا أنها كانت مصدر الرزق الوحيد لوالده وجده، وإضافة إلى العمل في الجلود والد أيمن ورّثه أمرًا آخر، فأيمن مذ كان طفلًا التزم بدراسته بدعمٍ من والده، وفي وقت عيد الأضحى كان يساعده في مهنته، وهو ما يقوم به أيمن مع أولاده الآن، عوّدهم أن يلزموا دراستهم ويساعدوه في أوقات أخرى.

يعود بذاكرته إلى الوراء، ليكشف عن الخطوات التي كان يقوم بها والده من نقطة "صفر" في الدباغة، فقد اعتاد الأجداد الاستفادة من كل خيرات الطبيعة، وكان لابد للعائلة أن تنتفع من الجلود لتغدو مهنتها مع مرور الزمن، علمًا أن مهنة الجِزارة كانت قد تصدرت أعمال هذه العائلة.

وهذا لا يمنع أن والده الحاج روبين كان يلجأ إلى توقيع عقود مع اللحامين والجزارين قبيل عيد الأضحى بشهر أو عشرين يومًا على الأقل، ليعرف كمية الجلود التي سيحصل عليها منهم، ويجهز نفسه للتعامل معها.

ويلفت إلى أن توقيع العقود أمر في غاية الأهمية آنذاك، لوجود منافسين لوالده في هذه المهنة، لاسيما أن خمس عوائل عملت في المهنة نفسها، لكن الأوضاع الاقتصادية والظروف التي يمر بها قطاع غزة، والخسائر التي قد تلحق بالتجار، بسبب فساد الجلود، إن لم تُصنّع خلال ستة أشهر من تمليحها؛ قلّصت العاملين فيها لتبقى في إطار عائلة الشوا فقط.

ويتابع: "في الأيام الثلاثة الأولى من عيد الأضحى نبدأ العمل، ونتسلم الجلود من محافظات القطاع جميعًا"، مشيرًا إلى أن العمل يكون متواصلًا أربعًا وعشرين ساعة في تلك الأيام، ما يستدعي وجود مناوبات، وقد وصل عدد العاملين في أحد الأعياد إلى ثمانية وأربعين عاملًا يتناوبون فيما بينهم.

"ما المهمة التي يتولون القيام بها وتحتاج للسرعة وكل هذا الوقت المتتابع في موسم العيد؟"، يجيب بقوله: "بعد الحصول على الجلد يفرد طبقات، وترشّ كل طبقة بالملح، وترصّ ليصل ارتفاع طبقة الجلود الواحدة إلى ما يقارب مائة وخمسين سنتيمتر عن سطح الأرض، ويرسل المِلح إلى اللحّامين المتعاقدين معهم في المحافظات الجنوبية بقطاع غزة، ليعملوا على تمليح الجلود لديهم، حتى لا تفسد بسبب حرارة الصيف الحارقة".

ساحة الشوا معلم الجلود

عزيزي القارئ، لعلك تعرف "ساحة الشوا" الواقعة في حي التفاح شرق مدينة غزة، ولربما حالفك الحظ لتمرّ بها خلال موسم عيد الأضحى، لترى الجلود المملحة والمتراصة بعضها فوق بعض، وكأنها صخورٌ مُصطفة.

عن هذا المشهد يقول الشوا: "منذ عمل عائلتي في مهنة الجلود هذه الساحة تشهد العمل في "الأضحى"، أي منذ ما يربو على سبعين عامًا"، مستدركًا بقوله: "ازدياد العمران في المنطقة لم يعد يسمح بالاستفادة من المساحة، فلجأنا إلى إنشاء مستودعات كبيرة بعيدة عن المواطنين على الخط الشرقي لقطاع غزة".

ويتابع: "ما يراه المواطن في العيد حاليًّا في المنطقة بموجب تصريحٍ من بلدية غزة مدة أربعة أيام، بغرض تمليح الجلود ورصّها في الساحة"، مشيرًا إلى أن هذه الجلود تعود إلى المواطنين الذين يذبحون أضاحيهم بأعدادٍ قليلة، فلا يكلفون أنفسهم عناء الذهاب إلى "الخط الشرقي" للبحث عن المستودع، إضافة إلى أن ساحة الشوا مَعلم تاريخي للجميع في هذا الموسم من العام، أما كل من يتعاقد مع الشوا من لحّامين وجزارين فيرسل كمياته من الجلود إلى المستودع.

ويبين أنه يتعامل حاليًّا مع جلود العجول، كون الطلب على لحومها يفوق الطلب على لحوم الخراف، بعكس الضفة الغربية المشهورة بكثرة الطلب على لحوم الخراف، ولذا تكثر فيها جلودها، لافتًا إلى أنه في عيد الأضحى تكثر جلود الخراف بسبب الأضاحي، وفي عهد والده أيضًا كان لها نصيب كبير من المهنة.

ويضيف: "الأوضاع الاقتصادية تتحكم في إقبال الناس على اشتراء نوع معين من اللحوم، وإن تقارب في وقت ما سعر الكيلو الجرام من لحم العجل وسعر الكيلو الجرام من لحم الخروف؛ فإن المواطن يرى أن لحم العجل الأحمر أكثر بركة ويوفر كمية أكبر من لحم الخروف الأبيض".

أما جلد البقرة _على وفق ما يقول_ فيقل الإقبال عليه، لأن البقرة تختم من الجهتين، فيأخذ الختم مساحة من الجلد على الطرفين، إضافة إلى أن الحمل والإنجاب يسببان ترهلًا في الجلد، فيرفضه أصحاب المصانع في ظل وجود جلود صناعية أفضل من جلود البقر، وإن تنوعت خامات الجلود الصناعية ما بين الجيد، والجلد المسبب للالتهابات، والمتسبب بروائح كريهة إلى نفس المستخدم.

محاولات لتطوير العمل

وللكهرباء نصيب أيضًا في التحكم بوزن الجلد، والطلب عليه، فاللحامون يميلون إلى اشتراء العجول الصغيرة كي لا يبقى من لحومها حتى اليوم التالي، لعدم القدرة على حفظها بسبب أزمة التيار الكهربائي، ليكون متوسط وزن جلد العجل الصغير عشرين كيلو جرام، بخلاف عجول عيد الأضحى التي يصل وزن جلد العجل فيها إلى أربعين كيلو جرام.

يعود إلى الحديث عن التعامل مع الجلود، بقوله: "بعد تمليح الجلود يجب أن تبقى متراصة بعضها فوق بعض إلى أن يحين موعد تصديرها، ويمكن أن تبقى صالحة ستة أشهر في فصل الشتاء، وأربعة أشهر في فصل الصيف".

ويكمل: "في وقت التصدير بعد الحصول على الموافقة من وزارة الزراعة وإجراء الفحص البيطري، ومعرفة الكمية التي يمكن تصديرها؛ تبدأ مرحلة تعليق الجلود في "المشاطيح"، وهي الألواح الكبيرة المخصصة للتصدير".

ويبين أنه بمجرد تعليق الجلود يُنفض عنها الملح، وهو المادة الحافظة لها، لذا يمكنها أن تحتمل بعد تعليقها أسبوعًا واحدًا على الأكثر قبل إدخالها مرحلة التصنيع، وإلا فإنها تكون عرضة للتلف بعد هذه المدة.

ويذكر أن والده بعد تمليحه الجلود بخمسة عشر يومًا _وهي المدة التي يحتاج لها الجلد ليتخلص من الماء والدماء_ كان يأخذها إلى منطقة السودانية بالقرب من شاطئ بحر غزة، ويعمل على نقعها في حفر رملية مدة تقارب الشهر أو الأربعين يومًا، وبعدها يعالجها بالمواد الكيميائية والأعشاب، ثم يوردها إلى مصنع أحذية يدوي غزيّ، لكنه أوقف عمله بعد منافسة مصانع الضفة الغربية في صناعة الأحذية وتفوقها.

وفي الوقت الحالي لم تعد عملية نقع الجلود تستغرق وقتًا كما كانت في زمن والده، فالمصانع التي تستورد منه الجلود تستعمل براميل كبيرة، كانت سعتها في البداية خمسين قطعة جلد، وامتدت سعتها لتصل إلى خمسمائة قطعة جلد، لتكون الجلود جاهزة خلال أربع وعشرين ساعة.

حب أيمن لمهنة والده وجده لم يقف عند متابعة العمل وتنميته، بل يطمح إلى فتح آفاقٍ جديدة فيه، بمحاولة إنشاء مصنع للجلود في غزة كي يقدم المنتجات الجلدية على اختلاف أنواعها للمواطنين، لكن أهم عقبة تقف في طريقه هي المواد السامة كالزرنيخ والكروم التي ستخرج من نفايات المصنع، وانعدام فرصة التخلص منها بسوى تصريفها إلى المجاري، ما قد يؤدي إلى وصولها إلى المياه الجوفية القريبة من سطح الأرض.


١٢:٤٤ م
٩‏/١١‏/٢٠١٧

أسماكٌ في مياه الصرف الصحي

أسماكٌ في مياه الصرف الصحي

تظهر مياه شاطئ بحر الشيخ عجلين الممتد على طول الجزء الجنوبي الغربي من مدينة غزة، على غير لونها الطبيعي، بعد أن كانت تُعرف تلك المنطقة بزرقة شاطئها الجميل، واكتظاظه بالمصطافين في كل عام.

لكن هذا الجمال لم يبقَ على حاله، بفعل تدفق مياه الصرف الصحي من عدة مصبات لها فوهات واسعة، تحمل للبحر كل ما يمكن أن يثير غثيان الإنسان واشمئزازه.

حتى لون مياه الشاطئ الواسع، تحول إلى بني داكن بعد ان اختلطت به المياه العادمة، وقذفت بداخله آلاف اللترات منها.

حيث تكون "الرزقة"

هذا كله لم يدفع الصياد "م.هـ"، للتراجع عن الصيد قرب أحد المصبات الرئيسية هناك، وهو ليس بمفرده، لقد كان هناك العديد من الصيادين.

إذًا، ثمة صيادين لا يلقون بالاً أو يأبهون بمخاطر تلوث وتسمم الأسماك بفعل تواجدها في أماكن تُصرف إليها المياه العادمة في البحر.

كان يحمل شبكة "طرح"، كما يسميها الصيادون، بطريقة مخصصة لذلك قبل أن يسير إلى الشاطئ، وما إن يقترب من الأمواج المتتالية، كان "م.هـ" يفرد شبكته بقوة لتغطي مساحة دائرية قطرها يزيد عن ثلاثة أمتار.

وأحيانًا كثيرة تعلق الأسماك بشباكه، وعندها يخرج من المياه ليضعها على الشاطئ، ويحضّر شبكته مجددًا قبل أن يعود ثانية للصيد.

مع كل مرة، كان يعود للمياه، لم يبدُ عليه التأثر بشيء. كان يراقب الأمواج المتلاحقة بدقة علّها تحمل سمكة أو اثنتين أو أكثر.

"أتنقل بين أكثر من منطقة على شاطئ بحر غزة، فأينما تتواجد الرزقة (الأسماك) أتواجد أنا.." يقول "م.هـ" (23 عامًا) لـ"فلسطين"، وهو يشير بيده إلى الشاطئ مترامي الأطراف.

يبدأ الشاب عمله فجرًا، وقد يستمر إلى ما يزيد عن 10 ساعات يوميًا، لكن ظروف البحر وحجم الأسماك التي يصيدها؛ هو الذي يحدد وقت الصيد ومداه.

وتحظر لافتة كبيرة وضعتها الإدارة العامة للصحة والبيئة التابعة لبلدية غزة، السباحة والصيد في المنطقة التي كان فيها هؤلاء الصيادون، وتتوعد اللافتة "من يخالف يعرض نفسه للخطر والمساءلة القانونية".

غير أن "م.هـ"، يقول إن "الصيادين لا يلتزمون بالتعليمات، ونتواجد هنا لأن الأسماك تأتي على المجاري (الصرف الصحي)".

ويفضل بعض أصناف الأسماك مثل "البوري" العيش في مياه البحر الملوثة، إذ يجد هناك غذاءه، فيما يعتقد "م.هـ" أن هذا النوع في أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر، يكون في مرحلة تزاوج، ولا يبحث عن الطعام كثيرًا في هذا الوقت، لانشغاله، ويبقى فمه مغلقًا.

ويُعدّ البوري من أشهى الأسماك المفضلة للغزِّيين.

لهذا؛ يفضل الشاب "عبد القادر بكر"، الذي ينتمي لعائلة تشتهر بحرفة الصيد، وتسكن على مقربة من البحر، صيد الأسماك في مناطق نظيفة تبعد مسافة أميال في عمق الأبيض المتوسط الذي تفرض "إسرائيل" عليه حصارًا وتسمح للصيادين بالإبحار ضمن مسافة أقصاها تسعة أميال، وقد تتقلص هذه المسافة إلى ستة أميال أو ثلاثة، ويرتبط ذلك بمزاجية جيش الاحتلال وسلطاته.

بكر البالغ من العمر 18 عامًا، والذي ترك الدراسة منذ أن كان في الصف الرابع الأساسي، ويعمل في الصيد منذ ثماني سنوات على الأقل، مع والده، بدا رافضًا أثناء حديثه مع "فلسطين"، لممارسة الصيد قرب مصبات المياه العادمة.

"لا أعرف كيف يصيدون أسماكا في مثل هذه المنطقة، فكلها ملوثة.." يقول بكر وهو يشير بيده إلى خط سير المياه العادمة التي تدفقت من فوهة قطرها يقارب المتر، وتبعد عشرات الأمتار عن الشاطئ، وانتهت إلى شاطئ البحر حيث كان أحد الصيادين يقف ويحمل شبكته.

عادوا بعد المنع

ويقدر حجم مياه الصرف الصحي التي تسكب في البحر يوميًا بـ115 ألف متر مكعب، بحسب مدير عام حماية البيئة في دائرة سلطة جودة البيئة بغزة بهاء الأغا.

وقد تكون هذه المياه، وفقًا لما يقوله الأغا لـ"فلسطين"، إما غير معالجة، أو خضعت لمعالجة جزئية في المحطات.

ويضيف: "لو توفرت الكهرباء يتم معالجة المياه العادمة، وإن لم تتوفر يتم تفريغ الأحواض باتجاه البحر بدون معالجة".

وأنشِئت في غزة خمس محطات للمعالجة، أربع منها في غزة تصب في البحر بعد المعالجة أو بدون معالجة في حال انقطاع الكهرباء عنها، وواحدة في بلدة بيت لاهيا، شمالاً، تصب مياهها في مكان مخصص لذلك في البر، بحسب الأغا.

وكانت الإدارة العامة للثروة السمكية في وزارة الزراعة بالتعاون مع الشرطة البحرية في غزة، صادرت شباكًا لصيادين يمارسون الصيد قرب مصبات المياه العادمة، حسبما أكد لـ"فلسطين" مدير الإدارة عادل عطا الله.

ويقول الأغا لـ"فلسطين": "تمَّ منع هؤلاء الصيادين من ممارسة الصيد، وبالتوافق مع الشرطة البحرية صادرنا شباكا لبعضهم، وأعطيناهم شباكا ليمارسوا من خلالها حرفتهم في عمق البحر بعيدًا عن التلوث على الشاطئ، لكنهم عادوا مؤخرًا إلى العمل في ذات المنطقة الي مُنعوا من الصيد فيها".

ويضيف: "الصيد في هذه الأماكن ممنوع ومخالف للقانون، وسابقًا أخذنا إجراءات ضد بعض الصيادين"، متابعا: "الشاطئ حتى عمق 500 إلى 600 متر فيه مشاكل نتيجة مياه الصرف الصحي".

واستند في ذلك إلى دراسات أُعدّت حول هذا الأمر.

غير أن الصياد الهاوي، توفيق خليل الذي يعمل في منظمة دولية بغزة، يأمل بحل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن، لوقف تصريف المياه العادمة إلى البحر.

"أشعر بالخوف من الإصابة بسبب التلوث أثناء الصيد".. يقول خليل (56 عامًا)، وهو يجمع أغراض الصيد بعد أن انتهى وصاد سمكتي "بوري" قال إنه سيفطر بهما.


​البائعة أم إيهاب عليان .. رسمت طريق "النور" على عربة "كارو"

جَلَسَت على عتبةِ بيتِها تهزّ رضيعتها بذراعِها، ثمّ أمسَكَتْ بذيل ورقةٍ خريفيةٍ ناشفة جوارها وعصرتها بيدِها فتفتّتت قبل أن تنثرها في الهواء، وتسقط دمعاتُها كما لو أنها تحاول طحن الألم من حياتِها فتعجز، حتى لمحتها جارتها العجوز فاقتربت وسألتها: "ليش بتعيطي يا بنتي؟" فتجيبها بلهجتها "اللّهوانيّة": "على حظّي السَّكَن.. أبكي على بختي يا خالتي".

هزّت كلماتُها العجوزَ، فهي التي ما زال الشّبابُ ينثر حُبيباتِه على وجهِها الطّريّ إذ لم يتعدّ عمرُها حينها 25عامًا، فعقدَت جبينَها وقالت لها بجِديّة ونُصح: "ارمِ البنت عن حضنك وانزلي بيعي معي، البيع مش عيب يا بنتي"، صُدِمت الصّبيةُ وسألتها باستنكار: "أبيع مع الرجال؟!" ثم انخرطت في بكاءٍ جديد، لتشدّ العجوز على يدِها وتربت على كتفِها وتُعلّق: "الشريفة يا بنتي تقعد بين مائة راجل وتظل شريفة".

حياة السوق

منذ تلك الساعة، ابتدأت أم إيهاب عليّان حياةً جديدةً مركزها الأسواق، لتتنقل من سوق معسكر جباليا، وجباليا البلد إلى سوق فراس والشجاعية، تنقل البضاعة على عربةٍ يجرّها حمار "كارو"، تشتري البضاعة من التّجار الذين ربطتها بهم معرفةٌ طالت حتى شارف عمرها على الستين.

تزوّجت أم إيهاب في سن صغيرة، وأنجبت أربعة من الذكور وسبع بنات، لكن زوجها مرض بشدّة وبات غير قادرٍ على العمل، ما اضطرها أن تستمر في العمل في السوق تبيع وتشتري مدة 35 عاما، حتى هذا اليوم.

تجلس على كرسيّها التقليدي في سوق مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تعرض بضاعتَها الخضراء اللامعة، من ملوخية وخيار وبندورة وكل ما تتوقعّ أن يحتاجه الناس، لا تنادي أو تدلّل على بضاعتها، بل تنتظر رزقها بلا استعجال، فنصيبك لك ولن يأخذه غيرك، هذا شعارُها للأبد.

تقول لـ"فلسطين": "إنك لا تحتاج لأكثر من أن تتوكّل على الله في كلّ خطواتِك، وأن تكون طيب القلبِ لطيفاً في التعامل مع الناس، وترسم صورةً إيجابيةً عن نفسك لكل من حولك لتضمن بيع بضاعتِك وتكسب رزقك الحلال".

وتضيف:" 35 عاماً في السوق علّمتني يا بنتي الكثير".

ضريبة الفقر

سمعت أم إيهاب نصيحة جارتِها، فكانت تترك صغارَها عند إحدى الجارات، وتذهب لتحصيل رزق عائلتها، لكن حسرةً كانت تحرق فؤادّها حين تخرج وصغارُها يبكون رفضاً لخروجِها. توضّح:" كنت أتركهم وقلبي كالنار، أخرج كل يومٍ ودموعي على خدّي، والله وحده العالم كيف كان حالي".

كبُر الصّغار وتعلّموا في المدارس من ذلك الرزق اليسير، ومنه أيضاً رسمت أم إيهاب طريقاً من النور إلى أبواب الجامعات في غزة، فكانت تحرم نفسَها وتُقدّم لهم، وتُكثِر الدعاء أن يعوّضها الله بهم خيراً فينفعوها وينفعوا الأمّة الإسلامية.

واليوم، ما تزال تلك الحاجة ترسم الكفاح يومياً بعجلات عربتِها من بيت لاهيا البلد إلى سوق مشروع بيت لاهيا، وقبل الخروج وبعد العودة يهمّ أبناؤها كباراً وصغارً بتقبيل يديها عرفاناً بجميلِها وتقديراً لعمرها الضائع في الأسواق، تعلق:" يكفيني ذلك من أبنائي لكي أحيا حياةً راضية وقانعة، وأن يرزقني الله بزيارة بيت الله الحرام، وأن يفتح الرزق لأولادي الذين درسوا الجامعة وأضحوا بلا عمل، ثم أترك السوق وأضع رأسي على وسادتي مرتاحة البال".