أسرة ومجتمع

صور .. أعماق بحر غزة.. عالم يروي حكاية جميلة عن المدينة المحاصرة

مياه زرقاء يكشف نقاؤها ما تخفيه أعماقها من شعاب مرجانية وصخور تمتزج فيها ألوان الطبيعة وتخفي بين ثناياها أسماك متنوعة الجمال وفي القاع تنعكس أشعة الشمس على الرمال الذهبية فتمنحها بريقا ساحرا.

هذا المشهد ليس في جزر المالديف الآسيوية الشهيرة أو في أعماق البحر الأحمر، بل على بعد أمتار قليلة من الحافة الغربية لواحدة من أفقر مدن العالم وأكثرها بؤسًا فنحن على شاطئ مدينة غزة المحاصرة منذ (13 عاما).

ولم يكن سكان غزة يعلمون الكثير عن هذه المشاهد البحرية قبل أن يبدأ بعض الشبان بممارسة رياضة "الغوص الحر" والصيد بـ"الهاربون" (مسدس مخصص لصيد الأسماك)، ويلتقطوا خلال رحلاتهم الخريفية صورا حية للطبيعة البحرية الغزية.

بداية الرحلة

الرحلة إلى أعماق الطبيعة الغزية، التي باتت تلقى إقبالا من الشبان الفلسطينيين الذين لا يجدوا ما يفعلوه في ظل ندرة فرص العمل، تتطلب الاستيقاظ قبل الشروق والتوجه إلى الشاطئ للاستمتاع بجمال زرقة مياه البحر النقية الهادئة في مثل هذا الوقت من العام، كما يقول هاوي الغوص الحر، أدهم الشريف.

ويطلق من يعرفون أوقات البحر على هذا الوقت من العام اسم "أيام التشارين"، وهي فترة تمتد من 27 سبتمبر/ أيلول من كل سنة وتنتهي في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، ويكون خلالها البحر نقيا وهادئا.

وبعد احتساء فنجان من القهوة الساخنة يبدأ الغواص الثلاثيني "الشريف" بتجهيز مسدس الصيد وارتداء ملابسه الخاصة وهي قناع زجاجي سميك، وقصبة تسمى (سنوركل) تتيح له التنفس قريبا من سطح الماء، وبدلة غوص داكنة تحمل لون الصخر البني والأسود تخفيه عن عيون الأسماك، إضافة لحزام ثقيل مصنوع من سبائك الرصاص يمنع جسده النحيل من الطفو ويساعده على الثبات تحت مياه البحر.

ويثبت "الشريف"، وهو يعمل صحفي في إحدى الصحف المحلية، كاميرا خاصة على مقدمة مسدس الصيد لتسجل رحلته ومشاهد الطبيعة البحرية الخلابة التي ينشر بعضها على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي.

وقبل أن يدخل إلى الماء يربط الشاب الثلاثيني، كرة مطاطية ذات لون مميز بحبل رفيع وطويل يثبته في مسدسه.

ووظيفة الكرة الملونة تحديد موقع الغواص والابتعاد عنه، ففي حادث وقع قبل أيام أصابت شفرات محرك قارب سريع أحد الغواصين بجروح عميقة في يده وظهره، بسبب عدم استخدامه لهذه الكرة.

وعلى بعد 10 أمتار تزيد أو تنقص قليلا يبدأ "الشريف" أولى غطساته ليستطلع طبيعة المنطقة وصخورها وأماكن تجمع الأسماك وإن كان هناك شباك للصيادين في المكان حتى يبتعد عنها ولا يعلق بها.

ويخرج هاوي الغوص الحر من المياه الضحلة ويستأنف رحلته، التي رافقه خلالها مراسل وكالة الأناضول، بالسباحة على السطح لمئات الأمتار في عرض البحر حتى يصل لهدفه وهو منطقة مياهها نقية هادئة يزيد عمقها عن 10 أمتار وتنتشر فيها صخور عملاقة تكسوها الطحالب الملونة.

دقيقة في عمق البحر

وفور وصوله إلى تلك المنطقة يتأكد مرة أخرى من خلوها من شباك الصيادين ويأخذ نفسا عميقا يملأ صدره بالأوكسجين النقي قبل أن يعيد تثبيت قناع وجه جيدا وينثني بسرعة ليهبط بشكل عمودي إلى أسفل ويبدأ حينها رحلة الغوص إلى القاع مستعينا بزعانف بلاستيكية مرنة يرتديها في قدميه.

وما أن يصل إلى قاع البحر ينتقل "الشريف" في دقيقة ونصف وهي مدة كل غطسة، إلى عالم آخر بعيدا عن ضوضاء المدينة وهمومها وأزماتها التي لا تنتهي، فهناك لا يرى إلا الجمال الصامت.

في العمق هناك تنتشر الشعاب المرجانية، وإن كانت قليلة، بين الصخور المكسوة بطحالب تحمل ألوانا لا توجد في غابات الإسمنت الغزية، وأسراب الأسماك متنوعة الجمال والأحجام تسبح آمنة بين ثنايا الصخور فهي لن يعكر صفوها أصوات الغارات أو الطائرات الحربية الإسرائيلية.

ولكن مسدس الصيد هو من سيعكر صفو الأسماك، فبين أسرابها كانت تسبح سمكة "حداد" كبيرة رأى فيها الغواص "الشريف" فريسة جيدة، فاختفى بين مجموعة من الصخور قبل أن يصوب مسدسه نحوها ويلاحقها ببطء قبل أن يطلق سهمه المعدني الرفيع ليخترقها بسرعة ويسقط نحو العمق.

ومع إطلاق السهم تفرقت الأسماك واختفت بين الصخور هربا من سهم آخر، ليغوص "الشريف" ويحصل على صيده الأول بنجاح.

كل ذلك حصل خلال دقيقة واحدة فقط صعد بعدها الصياد إلى السطح ليلتقط أنفاسه ويعيد الأوكسجين إلى رئتيه وإلا فإنه سيكون معرضا لخطر إصابته بحالة إغماء نتيجة عدم وصول الأوكسجين إلى الدماغ.

دقائق قليلة يعود بعدها "الشريف" إلى الأعماق بعد أن يكون قد علق سمكته الأولى في خطاف يشبه صنارة الصيد يربطه في حزام يلفه حول وسطه.

طبيعة بحرية ساحرة

وبعد سلسلة غطسات في نفس المنطقة ينتقل الشاب الغزي إلى نقطة أخرى ليستطلع بيئتها البحرية ولعله يجد أعدادا أكبر من الأسماك.

وفي نقطة تبعد عن سابقتها نحو كيلو متر وصل إليها "الشريف" بعد أن اصطاد سمكة متوسطة الحجم وأخرى كبيرة تعرف محليا باسم "الحداد"، كان المشهد مختلفا ففي الأعماق تراصت الصخور على شكل حلقات عملاقة وتوزعت بينها شعاب مرجانية صغيرة وطحالب خضراء تشبه الأشجار، وبين كل ذلك يسبح سرب من أسماك "البوري" الفضية وإلى جواره مجموعة من أسماك "اللوكس".

صوب الصياد الغزي مسدسه نحوها بدقة قبل أن يطلق سهمه ليلتقط سمكة "لوكس" كانت أفضل ما اصطاده منذ فترة طويلة، وبعد أن وجدت السمكة الحمراء مكانا لها إلى جوار "الحداد" وشقيقتها، عاد "الشريف" إلى السطح مسرعا فهذه المرة أمضى نحو دقيقة ونصف ويحتاج بسرعة إلى التنفس.

كانت الغطسة الأخيرة نهاية رحلة هاوي الغوص الفلسطيني لهذا اليوم، فقد حان وقت العودة فبعد أقل من ساعة عليه التوجه إلى عمله.

وسيحصل طفلا الصياد "الشريف" التوأم "ريان" و"إيلاف" (5 أعوام) اليوم على وجبة غذاء مميزة من الأسماك الطازجة، فهما يحبان الأسماك التي يصطادها والدهما ويقولان إنها تختلف عن تلك التي تباع في الأسواق.

وفي المساء بعد العودة من العمل يتفقد الصحفي الفلسطيني ما التقطته كاميراته خلال رحلة الغوص ويختار بعض مقاطع الفيديو والصور وينشرها عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويتفاجئ متابعو "الشريف" من جمال الصور ومقاطع الفيديو التي ينشرها فمعظم سكان غزة لا يعرفون شيئا عن بيئتهم البحرية فهم لم يجربوا الغوص من قبل بسبب غياب الأندية التي تهتم بهذه الرياضة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المعدات اللازمة لهذه الرحلات، بسبب منع إسرائيل توريدها للقطاع.

ويقول "الشريف": "أسعار معدات الغوص والمسدس ذات الجودة المنخفضة تزيد عن 1000 شيكل (300 دولار)، وهذا المبلغ كبير بالنسبة لمعظم الشبان في غزة لذلك يعتمد الكثير من هواة الغوص على استعارة المعدات بدلا من شرائها".

ويجد بعض الشبان من هذه الرياضة إضافة إلى الاستمتاع بجمال الطبيعة البحرية، مصدر رزق لهم فهم يبيعون ما يصطادونه من أسماك يوميا لتحقق لهم دخلا ماديا جيدا يتراوح ما بين 35-70 شيكلا (10-20 دولار).

وتفرض (إسرائيل) منذ نحو 13 عاما حصارا مشددا على غزة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في نسب الفقر والبطالة في القطاع المكتظ بالسكان.

ونهاية الشهر الماضي، قالت اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزة، في بيان لها، إن 85% من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر بسبب الحصار الإسرائيلي.

المصدر (وكالة الأناضول التركية)

​فاقد الشيء لا يعطيه أم أفضل مانح له؟

"فاقد الشيء لا يعطيه" مقولة تطرق آذاننا دومًا، وقد تسبب الأذى النفسي لبعضٍ، ولكن ما مدى صحتها؟، وهل هي مطلقة في جميع الأحوال؟

فهل –مثلًا- فاقد الخلق الحسن من الصعب أن تنال منه هذا الخلق، وفاقد العلم والمعرفة يستحيل أن يمنحك إياهما؟

"برأي ومن تعاملي مع شرائح مختلفة في المجتمع، المقولة ليست مطلقة، لأن الأمر يرجع إلى ذات الشخص وإنسانيته، فأنا ضد المقولة قلبًا وقالبًا"؛ والكلام هنا للشابة سماح سمارة (30 عامًا).

وتضيف سمارة لصحيفة "فلسطين": "مثلًا على صعيدي الشخصي، أعمل مهندسة ديكور، ولا أملك بيتًا، ولكن أزود الزبائن بأجمل التصاميم والديكورات، فأحيانًا الحياة تضعنا في طريق يجب أن نسير به، ولا مجال للتفكير في طريق مغاير".

أما الشاب كرم مسعود (28عامًا) فيرى أن من يؤمن بعبارة: "فاقد الشيء لا يعطيه" ففي الغالب يهدف من ورائها إلى "بث مشاعر اليأس والتسليم بالواقع" في نفوس الناس، ويؤمن بأن الحياة تقوم على الأخذ فقط دون العطاء؛ وفق اعتقاده.

كما يرى أن المؤمن بهذه المقولة "سيسبب الأذى النفسي للناس، ويجعلهم أسرى لفكرة تحرمهم إخراج الجميل في نفوسهم، والرضوخ لواقع سلبي بسبب تكرارها؛ فتتحطم هممهم، ويسلموا بما هو عندهم دون السعي نحو الأفضل".

كذلك سجى أمين (33 عامًا) تعتقد أن هذه المقولة ليست صحيحة، إذ ترى أن فاقد الشيء يعطيه، لأن الحرمان في الصغر يدفع الشخص نحو التعلم لتعويض ما حرم منه، ولكن الأمر ليس سهلًا، لأنه سيضطر الفرد إلى معارضة الظرف الذي عايشه، أو سلوك تعود عليه سنوات، ولكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة نفس.

وتعد أمين فاقد الشيء أفضل مانح له، فعندما يمد الشخص الآخرين بما لم يشعر به، ولم يتذوق حلاوته؛ فإنه سيشعر بالمتعة التي كان يريدها.

وتطرح أمين مثالًا، قائلة: "يتيم الأب والأم قد نجده في قمة الحنان والعطف مع أبنائه، أو المحروم الأبناء نجده في منتهى الرحمة والرأفة مع الأطفال الآخرين".

لكن الشاب عبد الله عوض يبين أنه يتوافق مع هذه المقولة "بعض الأحيان"، مفسرًا: "فاقد الأمل لا يمكن أن يعطيه لأحد، ولكن في الأغلب الأمر ينطبق على الأمور الملموسة والمحسوسة، أما إذا تعلق الموضوع بالمشاعر فأعتقد أن الأمر مختلف بعض الشيء".

"اضطرابات نفسية وسلوكية"

من جهته يقول الاختصاصي النفسي والاجتماعي حسن عيوش: "هذه المقولة ليس لها أي أساس من الصحة، بل هي مغلوطة، إذ نشاهد في كثير من الأحيان أشخاصًا فقدوا آباءهم وهم رضع أو أجنة وكانوا خير الآباء لأبنائهم، وكذلك شاهدنا مدربي كرة قدم تألقوا في عالم التدريب، ولم يكونوا يومًا لاعبي كرة قدم مثل جوزيه مورينيو".

ويوضح لصحيفة "فلسطين" أنه بالفعل أحيانًا نشاهد أن فاقد الشيء يقدمه أفضل من غيره، وقد يرجع ذلك إلى أنه يشعر بالقيمة الحقيقية لذلك الشيء، وفي الوقت نفسه هو تأقلم مع تلك الظروف ولم يشعر بالعجز أو النقص.

ويلفت عيوش إلى أن الاختلاف بسبب طبيعة الشخصية، وثقافتها، فإن البيئة الثقافية والفكرية لها دور أساسي وكبير في تشكل المعتقدات والأفكار، مكملًا: "وهذا لا يعني إنكارنا وجود تأثيرات غير إيجابية لدى فاقد الشيء قطعًا، لكن هناك القليل قد يصاب باضطرابات نفسية أو سلوكية، أو بعض الأمراض النفسية كالاكتئاب".

"في المقابل -يتابع- من التأثيرات الإيجابية لفاقد الشيء أنه يكون مصدرًا لمنح الإرادة والعزيمة والإصرار وعدم اليأس، لكن للتنبيه هناك استثناءات، مثل: علوم القرآن والتجويد، فمن لا يمتلكها لا يستطع تعليمها وتقديمها للآخرين، لكن يمكن أن ينصح بتعلمها".

ويتمم الاختصاصي النفسي والاجتماعي: "إن فاقد الشيء هو أكثر إنسان يعرف قيمة ما فقده، ومدى حاجة الناس إليه، والمشاعر التي تعتريه بسبب ذلك، ما يعني أنه سيكون أول شخص يمد يد المساعدة".

بكرسيه المتحرك.. "القلازين" يحوز لقب "أفضل لاعب"

علا صوت صفارة الحكم معلنًا انتهاء المباراة، ليتوج الفريق الفلسطيني بالمركز الثالث، كانت هذه فرحة لا يضاهيها شيء لحسام القلازين الذي حصل على لقب أفضل لاعب متميز في مسابقة بطولة حنا لحود الدولية لكرة السلة على الكراسي المتحركة في العاصمة اللبنانية بيروت.

نزل أعضاء الفريق إلى أرض الملعب مطلقين العنان لحناجرهم بالنشيد الوطني الفلسطيني، وهم "يركضون" بكراسيهم المتحركة وعلم فلسطين يرفرف فوق رؤوسهم.

"يا لحلاوة الفوز ولذته، فلا كلمات تعبر عن فرحتي بالمشاركة الأولى لفريقنا، لقد لعبنا بكل طاقاتنا من أجل فلسطين أولًا، وأنفسنا ثانيًا، فقدمنا أروع ما لدينا" يقول القلازين (20 عامًا)، الذي يقطن في مدينة غزة.

وبحماس يضيف لصحيفة "فلسطين" يكاد الفرح يقفز من عينيه: "ألقينا كل الصعوبات التي واجهتنا في أثناء مغادرتنا القطاع خلف ظهورنا، لنتمكن من اللعب جيدًا، متلافين التحديات التي واجهتنا عند حاجز بيت حانون (إيرز)، وعدم تمكن جميع الأعضاء من الحصول على تصاريح، وتأخر وصولنا إلى مكان عقد المباراة، حتى إننا لم نحظ بقسط من الراحة، ومع ذلك تنافسنا بجدارة".

ومن المعيقات التي واجهت الفريق -وفق ما يذكر القلازين- محدودية الدعم، وطبيعة الكراسي المتحركة الخاصة بالفريق الفلسطيني، إذ إنها كبيرة الحجم وثقيلة الوزن باختلاف مواصفات التي لدى الفرق الأخرى المشاركة، إذ تتمتع بالخفة وصغر حجمها، ما يسمح لهم بالتحرك أسرع.

وخرج أعضاء الفريق من رحم المعاناة المزدوجة، المتمثلة في إصابتهم بإعاقة حركية، والحصار المفروض على قطاع غزة، ومع ذلك يتابع حديثه بروح الأمل والتفاؤل: "الأمر لا يحتاج سوى عزيمة وإرادة قوية، وإني لأعد الرياضة جزءًا من النضال، وإثباتًا للحق الفلسطيني بالوجود، خاصة مع تحقيق الفوز".

"قلب الموازين"

ويعود بذاكرته إلى تلك الحادثة التي قلبت موازين حياته عندما كان في الثامنة من عمره، إذ سقط من الطابق الثاني، ما أدى إلى فقدان قدرته على الحركة، لتتوقف بعدها عجلة حياته، وتدور به عجلة كرسيه المتحرك، وأصبحت حياته تتمثل في البيت والمدرسة.

ويوضح القلازين أن تقبله وضعه الصحي لا يتعلق به بمفرده، بل أيضًا بعائلته وسعيها نحو دمجه في المجتمع، وتشجيعه على تحقيق رغباته بممارسة رياضته المفضلة (كرة السلة) وهو في سن 14 عامًا، خاصة بعد معرفته وجود ناد متخصص لذوي الإعاقة.

ومع مخاوفه، والتساؤلات الكثيرة التي أخذت وقتًا طويلًا للإجابة عنها، بشأن كيفية ذهابه إلى النادي، وهل بالفعل سيتمكن من تعلم هذه الرياضة وممارستها؟؛ كان إصراره حاضرًا، إلى جانب تشجيع أهله على ممارسة حياته طبيعيًّا.

ويتابع القلازين: "بدأت أتلقى التدريبات، وأصغي جيدًا للمدرب والقوانين، وأتعلم بحب كيف أتحكم بالكرسي المتحرك في أثناء اللعب، إلى جانب التدريب اليومي الذاتي للمحافظة على لياقتي البدنية ومهاراتي، حتى تمكنت من إتقان اللعب وإحراز الأهداف في أثناء مشاركاتي في العديد من المباريات".

وبفضل عزيمته القوية حصل في 2017م على لقب أفضل لاعب من ذوي الإعاقة الحركية، وفي 2018م حاز لقب هداف دوري كرة السلة.

ولم يكمل القلازين دراسته بعد حصوله في الثانوية العامة على معدل 50%، ومع ذلك صمم على أن يكون صاحب بصمة في أسرته ومجتمعه، وهو يعمل حاليًّا في كافتيريا خاصة بأشخاص ذوي إعاقة لتجهيز طلبات الزبائن.

ويطمح الشاب إلى أن تكون له مشاركات في بطولات عربية وعالمية، يمثل فيها فلسطين ويعزز وجودها على الخريطة الرياضية.

يعيدك إلى قرون مضت.. مهرجان ينثر "رائحة التراث" بغزة

قبل 66 عامًا كانت أم محمد الغماري طفلةً تلح على جارتها لتقتنص منها فرصة تعلم التطريز، أما اليوم فهي تمتلك القدرة الكاملة على إعادة الغزيين إلى قرون مضت، بما تصنعه من وجوه وسادات، وخرائط، ومعلقات تظهر العرس الفلسطيني، وغير ذلك مما يجمعه قاسم مشترك: هو الأشكال والألوان الوطنية.

ولئن كان ما تصنعه الغماري ينثر "رائحة التراث" التي تتسلل إلى أنوف الزائرين، فإن صوتها "المجعد" وملامحها السبعينية، تناغما تماما مع مهرجان هدفه "إعادتهم إلى قرون" مضت لإحياء التراث الوطني، بتنظيم من بلدية غزة أمام قرية الفنون والحرف المدمرة بصواريخ الاحتلال الإسرائيلي غرب المدينة.

وتزامنا مع يوم التراث الفلسطيني الذي يحل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول سنويا، توسطت المسنة منتجاتها التراثية، قائلة في دردشة مع صحيفة "فلسطين": "هذا تراثنا، وهويتنا".

ويحمل كل لون من الألوان المستخدمة في التطريز دلالة، إذ توضح الغماري أن الأحمر مثلا يشير إلى الدم الذي نزفه الفلسطينيون على يد الاحتلال، واستعدادهم للتضحية.

كما أن الفتاة العزباء ترتدي ألوانا مختلفة عن المتزوجة أو الأرملة، والكلام لا يزال للغماري، فضلا عن أن لكل مدينة سواء أكانت يافا أم غزة أم القدس أم غير ذلك حرفة أو زراعة تشتهر بها وتنعكس على تراثها.

وتنحدر هذه اللاجئة من قرية كوفخة قضاء غزة، بينما تقطن حاليا في مدينة غزة.

وتتحدى الغماري تقدمها في العمر، وحاجة ما تصنعه من منتجات تراثية إلى قوة نظر، قائلة: "النظارات تمثل عيونا أخرى".

وتسعى المسنة من خلال منتجاتها إلى ترسيخ التراث والهوية الوطنية في كل مناحي حياة الإنسان الفلسطيني، بما يشمل حتى حاويات المناديل، ومعلقات الحوائط التي طرزت عليها خريطة الوطن، والقدس.

وتعود إلى بدايات عملها في هذا المجال، بقولها: كان الأمر يمثل لي هواية مذ كنت أبلغ أربعة أعوام، عندما كنت أحرص على التعلم من جارتنا وهي تعيدني إلى بيتي بحكم صغري، لكنني صممت وبت أطرز لاحقا لمدرساتي ووالدتي، ثم تزوجت، وعندما مرض زوجي كانت هذه المنتجات تمثل كذلك مصدر دخل لي.

"دمي فلسطيني"

وعلى وقع أنشودة "أنا دمي فلسطيني" بلغ الحماس مبلغه في نفوس الحاضرين، ومنهم الأربعينية نسرين أبو لوز التي لا تزال تحتفظ بثوب جدتها اللاجئة المنحدرة من بئر السبع، وعمره أكثر من قرن.

"أحب كل ما يتعلق بالتراث، وأسعى إلى جمعه، مثلا هذه الثياب (تشير بيديها إلى ثياب عتيقة تراثية) كانت تستخدم أيام زمان، والعصاية البدوية، والسلال المصنوعة من النخل، والإكسسوارات، جميعها من تراثنا"؛ تقول أبو لوز لصحيفة "فلسطين".

وإلى جانب الغماري، تعرض أبو لوز شراشف أسرة مصنوعة من الصوف، وملفات للمواليد، ومنتجات فخارية، و"بكارج" و"قربة للخضة"، كانت تستخدم قديما.

محمد المنايعة انضم أيضًا إلى مهرجان التراث، ليعرض سلالا للخبز، و"قفف" لحمل البضائع، يصنعها في منزله لإحياء التراث.

ولا يزال حب قرية روبين قضاء عكا التي ينحدر منها المنايعة يسري في دمه وقلبه، بينما يقطن حاليا في دير البلح وسط قطاع غزة.

ويقول الشاب لصحيفة "فلسطين": "نحن نعتز بتراثنا، الذي ورثناه عن أجدادنا وآبائنا وأمهاتنا، ونغرسه في نفوس أبنائنا".

خطوات قليلة تقود الزائرين إلى الشاب الثلاثيني محمود فياض، الذي يحيي التراث المتعلق بـ"الشبرية" والسيف اللذين نقش عليهما اسم فلسطين.

وعندما يخرج فياض السيف من غمده ليعرضه كرمز تراثي أمام الحاضرين، يرن صوته رنا، كأنهم في أرض معركة تصهل فيها الخيول.

"أصنع الشبرية والسيف لكونهما من تراث البادية، وقد كانت قديما تستخدم للحماية من الأشياء الضارة سواء الحيوانات أو ما شابه، كما أن السيف كان يستخدم في المعارك، بينما اليوم هما رمز أو تحفة تهدى للمخاتير والشخصيات المهمة لاسيما مع المساعي الحثيثة لإحياء التراث ووجود فرق الدحية"، والكلام هنا لفياض.

وعلى بعد أمتار كان إبراهيم المقوسي (38 عاما) وآخرون كسا الشيب رؤوسهم يتوسطون خيمة يطلق عليها "بيت شعر"، تفوح منها رائحة التراث.

والمقوسي لاجئ ينحدر من قرية دمرة شمال شرق غزة، ويتمسك بالعودة إلى أرضه.

ويكافح الفلسطينيون لصون تراثهم في ظل الهجمة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي لسلبه والقضاء عليه.

جذور ممتدة

"هذا المهرجان يعيد للذاكرة الفلسطينية تراثنا الشعبي"؛ والكلام هنا لرئيس بلدية غزة د. يحيى السراج.

وبينما يتجول السراج في أنحاء المهرجان، يقول لصحيفة "فلسطين": يعلم هذا أولادنا التاريخ الحقيقي للشعب الفلسطيني، وجذوره الممتدة في هذه الأرض.

ولعل أبرز ما يحققه المهرجان هو أنه نقل رسالة من الأجداد إلى الأحفاد بالحفاظ على التراث، وفق السراج.

وإنْ انتهت فعاليات المهرجان، فإن روح التراث تسري في نفوس الفلسطينيين بلا انتهاء.