أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٤‏/١٠‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​الخريف بيئةٌ خصبة للأمراض وضعاف المناعة الأكثر تضررًا

مع دخول فصل الخريف نلحظ إصابة العديد من الأشخاص بالأمراض، بسبب التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة، وأكثر هذه الأمراض شيوعًا هي الإنفلونزا بدرجاتها المختلفة، والحساسية نتيجة برودة الأنف، إضافة إلى شعور الشخص بالخمول وفقدان النشاط والحيوية والأرق.

ونجد أن أكثر الأشخاص إصابة بأمراض الجهاز التنفسي بسبب نشاط فيروسات الإنفلونزا المختلفة، هم الأطفال، وكبار السن، والمصابين بالأمراض المزمنة، والمستعصية، وكثير منهم يتعرضون لانتكاسات بسبب شدة أعراض المرض مما يستدعي نقلهم للمستشفيات لتلقي العلاج.

فهل أجواء الخريف متهمة، بالفعل، بزيادة انتشار الأمراض؟ وما السبب؟

ضعف المناعة

قال مدير الطب الوقائي في وزارة الصحة د. مجدي ظهير: إن الأمراض تكثر في فصل الخريف بالفعل، فهي تبدأ بالظهور فيه، وتستمر بالزيادة حتى انتهاء فصل الشتاء.

وأضاف لـ"فلسطين" أن سبب انتشار الأمراض في الخريف يعود إلى التغيرات المناخية وتدني درجات الحرارة بشكل مفاجئ، وإغلاق البيوت والأماكن العامة، وبالتالي نقص تهويتها وتعريضها لتيار هوائي متجدد، كما تنتشر الفيروسات في الأماكن التي لا تتعرض لأشعة الشمس، لكونها تشكّل بيئة خصبة لتكاثرها وتواجدها لفترة أطول.

وبيّن أن أكثر الأمراض انتشار في فصلي الخريف والشتاء، هي أمراض الجهاز التنفسي العلوي، وتسببها فيروسات الإنفلونزا بأنواعها المختلفة، حيث لها قدرة على تغيير شكلها البيئي، وهناك فيروسات أخرى تسبب العدوى، وتستطيع تخطي جهاز المناعة لدى الإنسان.

الوقاية

وأوضح ظهير أن أكثر الأشخاص عرضة لأمراض الخريف، خاصة المعدية، هم الذين يعانون من ضعف في الجهاز المناعي نتيجة ظروف معينة، كالأطفال، وكبار السن، والمصابين بالأمراض المزمنة، فهم أكثر من غيرهم عرضة للعدوى التي تكون مسبباتها موجودة في الطبيعة وبشكل عشوائي.

ولفت إلى أن هؤلاء الأشخاص تظهر عليهم أعراض المرض بشكل حاد، وتصيبهم بمضاعفات شديدة تستدعي، في بعض الأحيان، نقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وأشار إلى أن انتقال العدوى يحدث عن طريق الاختلاط المباشر بين شخص مصاب، وآخر مُعافى، أو الوجود معه في مكان مغلق لا يتعرض لتهوية مستمرة، أو بطريقة غير مباشرة عن طريق استخدام أدوات المصاب.

ودعا ظهير الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض، إلى توخي سبل الوقاية قدر الإمكان في هذه الأوقات، من خلال تحاشي الوجود لفترة طويلة في أماكن مغلقة، والابتعاد عن الأماكن شديدة الازدحام، والحرص على عدم التعرض لتغيّر مفاجئ في درجات حرارة قدر الإمكان، وعدم الاختلاط بالأشخاص المصابين بأمراض معدية، إضافة إلى غسل الأيدي باستمرار عند العودة إلى البيت وبعد مصافحة المصابين.

ولفت إلى وجود لقاح ضد الإنفلونزا يُعطى للفئات الأكثر عرضة للإصابة بالفيروسات، ويمكن أخذه في بداية موسم الخريف، وتحديدا مع بداية شهر أكتوبر.

وأشار إلى أن هذا اللقاح يسمح بإعطائه للأطفال فوق سن عامين، ولكن بشرط عرضهم على طبيب لتقييم حالاتهم قبل تعاطيه.


٨:٠٥ ص
٢٣‏/١٠‏/٢٠١٧

​نساء صغيرات

​نساء صغيرات

أجواء من الفرح تعمّ أهل الحارة، والمارّة، حتى الجارة "الختيارة" جاءت بعكّازِها الطويل تطلّ من باب "العريشة" بابتسامةٍ كشفت عن سنيها المخلوعين، فدغدغت الأنغامُ شبابَها الماضي وخصريها النحيلين للمشاركة، وإن لم تكن مدعوّة!

كان عرساً "جباليّاً" متفرّداً، كسر أصحابُه الروتين الخاص بالحفلات النسائية في الصالات الفاخرة.. نُصِبت "عريشةٌ" كبيرةٌ في الحارة لا يدخل إليها بصيص النور ولا عيون الرّجال.. صُفَّت الكراسي على الرمل.. ومُدّت "المشاطيح" الخشبية لتُشيّد "لوجاً" خاصاً بالعروسين.

ثلاث عرائس كالقمر، ترتدي كل منهن البدلة البيضاء والطرحة اللامعة، ومن حولهن مجموعة من النساء كأنهنّ النجوم، هذه تُعدّل طرحة العروس، وتلك ترتب مكياجها وغيرهنّ يقمن بالواجب.

عروس غزّة

لن تشعر للحظةٍ أن اثنتين منهنّ في عمر الـ "15 " و"16"، وأظنّ الفتاة في غزّة بعد أن تخرج من غرفة "الكوافير" تحتاج لـشيفرة كي تُعرّف! إنها تصبح "عروساً" متكاملةً مهما صغر سنّها، لكن بعض الحركات العفويّة كانت تسقط منهما سهواً فتبوح بطفولتهما.

مرت الساعة تلو الساعة دون كلل أو ملل، انتهى العرس وأصبحت العرائس في عش الزوجيّة، فقلتُ أزورهما أبارك لهما، وفي حقيبتي الدفتر والقلم... فلا بدّ من حكايةٍ مميزةٍ ترويها هاتان الطفلتان. لم يخيبني ظنّي، فإحداهما تأقلمت والأخرى تبكي صباح مساء، فطيف أمّها لا يغادرها، ولوعة الاشتياق تطارد قلبَها.

تقول والدة العريسين أم خالد أبو شعبان لـ"فلسطين": "أسبوع كامل وهي تبكي تريد أمّها بقربها، وأنا أخبرها أن هذه هي سنة الحياة، وأن اليوم يختلف عن الأمس، وأنها ستتأقلم مع الوقت..".

وماذا بعد؟! تبتسم العمّة وتقول: "خطبنا أختها، لابني الأصغر، لكن القاضي لم يوافق على كتب الكتاب لأن عمرها لم يتجاوز "14"، فحجزناها!!".

خطبتم الأصغر؟! ابتسمتُ بتعجب، وقلت: "أليست صغيرة جداً؟"، ردّت: "هذه عاداتُنا، فمنذ بلوغ 15 أو 16 عاماً تكون الفتاة جاهزة للزواج، إذا ما أتاها العريس المناسب لا نتراجع عن تزويجه".

بعد الفرح

مرّت الأيام، واقتربت من العام، وأُعيدت التجهيزات القديمة، من عريشةٍ ومشاطيح وكراسي على الرمل، وعمّ الفرحُ الحارَة من جديد، ووزعت الحناء وحنّت أم العريس ابنيها، وتزوج الأخوان الجديدان أخيراً، ثم مرّت ساعات الفرح سريعةً فحلّ الظلام وراح كلّ إلى مخدعه، وعادت الحياةُ إلى ما كانت عليه..

طبخٌ ونفخٌ وغسلٌ وعجين.. كنسٌ ومسحٌ وخبزٌ على الطّين.. يا له من مشهدٍ أسريّ دافئ، كنت عائدةً من عملي فلمحت نار فرن الطين تشتعل مقابل باب بيتهم المفتوح، وأصوات ضحكاتهم تتناثر فتصل صوبي.. تلاعب المشهدُ بفكري وزغزغت الضحكات حبر قلمي، وقلت أذهب إليهم، فتلك اللّمة تخفي بين ثناياها حكايات كثيرة من الحبّ والتواضع والبساطة، إنها الأحب لقلبي.

وكما توقّعت.. العرائس لم يعدن عرائس، بل صاحبات بيت، واحدة تضع الخبز ذا الشكل الدائري الكبير في الفرن، وأخرى تُقلّب وثالثة تمسح المخبوز من بعض الرّماد وتصفّه في أكياس، فيما العمّة حماتهنّ تشير إلى ابنها بدعم الفرن بالحطب، وإلى "كنَّتها" بقلب الرغيف وإلى الثالثة والرابعة والخامسة بأشياء أخرى، والكل يبدي السمع والطّاعة.

أجواء من الألفة تجمعهم بالرغم من الأخطاء المتكرّرة.. رغيف يسقط وآخر يُحرَق، لم ينفر فيهنّ زوجٌ ولا حماة، تجلس "الكِنّة" بسمة أبو شعبان، 16 عاماً، والتي أشرفت على شهرها الأخير في الحمل، أمام فرن الطين وتقذف الرغيف في الداخل، ثم تخفي ابتسامة حرجٍ وتقول: "الخبز فوق بعضه يا عمتي" وتقصد أنها غير قادرة على المواصلة، لتضحك عليها "سلفتُها" حنان أبو شعبان -15 عاماً- وهي بالقرابة أختُها، تضحك ضحكةً طويلةً وتميل للخلف كثيراً ثم تضرب كفيها ببعض، فتُضحكنا معها.

فيما يختار زوجُها الرغيف المحروق ويعطيه لأمّه ممازحاً:" شوفي يمّا.. هذا خبز الجيل الجديد"، فلم تردّ الأم إلا بابتسامةٍ، وتتعامل مع الموقف ببساطة وهدوء، وكأن شيئاً لم يحدث فتكشف في تصرّفها عن امرأةٍ عاقلة.

سيدة البيت

تقول أم خالد لفلسطين: "الحماةُ هي سيدة البيت، وهي من تديره فتجعله جنّة أو ناراً، ولو أنني أقسو على زوجات ابني لنفرنَ منّي، لكنني هنا كأمهنّ، أعلمهنّ وأساعدهنّ وأقف معهن في كل شيء، فهنّ صغيرات، ولم يفهمن الحياة بعد".

وتضيف: "هؤلاء الصغيرات مثل بناتي وأعزّ، فابنتي تعمر بيتا غير بيتي أما هؤلاء فهنّ من يعمرنَ بيتي".

وتحكي عن فرن الطين: "يوم الفرن هو أجمل الأيام، نعود فيه لأيام زمان وتراث زمان وعاداته، فيه تحلو اللّمَّة، والأكلة رغم التعب، نتناول طعاماً بنكهة البلاد مكونا من زيت وزعتر ودقّة وزيتون وبندورة، ونصنع الشاي ونتناوله إما في بيت الفرن أو تحت أشجار البيت".

ومنذ الصباح في الغالب تكون أم خالد قد قسّمت لزوجات أولادها كمية معينة من الطحين كل واحدة تعجن حصةً قليلة في وعاء، فحسب قولها: "عجن ما يقارب 100 رغيف صعب على واحدة".

أبناء أم خالد الذين يعملون في جرّ العربات وتوصيل البضاعة في السوق لتوفير لقمة العيش لا يتكبّرون على نسائهم في شيء، بل يرفقون بهنّ ويساعدونهنّ ويشاركونهنّ العمل يداً بيد.

لقمة البساطة

مرت ساعتان قبل أن أهمّ بالخروج، فذهب الابن الأكبر لأعلى البيت وأحضر بعض الزيتون والزيت والزعتر وحبات البندورة الطازجة وعاد ليتناوله مع خبز فرن الطين الساخن برفقة إخوته وزوجاتهم على طاولةٍ بسيطةٍ تحت أشجار الزيتون الفارعة.

التقطتُ لهم الصور وهم يتناولون الطعام البسيط بنهم ويتبادلون الحديث بكامل عفويته، لتزين كل لقطاتي تلك الضحكةُ الطفولية التي لم تغادر شفاه النساء الصغيرات، ودّعتهم وعدت لبيتي وعبق دخان الفرن يتشبّث بملابسي، بينما حمَلَت كل امرأةٍ منهنّ ربطةً من الخبز وذهبت به إلى بيتِها، فمن تشارك تحصل على حصّة ومن لا تشارك تبقى تأكلها الحسرة.


عفاف شريف.. استحقت اللقب عندما سَأَلت: "ولماذا لا أقرأ؟"

سألها عضو لجنة التحكيم "لماذا تقرئين؟"، فباغتته بسؤال: "أنت تسألني لماذا أقرأ؟ وأنا أسالك لماذا لا أقرأ! أنا أقرأ كي لا أغدو جسدًا بلا عقل ولا روح، ويُقال: إن ليس كل ما يتعلمه المرء يكون في الكتب، وأنا أقول: الكاتب لم يجلس ليكتب إلا بعد أن وقف ليعيش ويكتب خلاصة ما تعلمه في هذه الحياة وما تعلمه العظماء، لقد تعلمت أن أكون تلميذة في مدرسة العظماء، وأن أكون متدربة في مدرسة الحياة، أي أن أطبق ما أقرأ".

سرعة بديهة الطالبة الفلسطينية عفاف شريف في الإجابة عن سؤال لجنة التحكيم، أدهشت اللجنة والحضور، فقابلوا كلماتها بتصفيق حار، ودفعهم ردّها القويّ للتصويت لها لتكون صاحبة لقب "بطل تحدي القراءة" على مستوى الوطن العربي للعام 2017.

بطلة القراءة، طالبة في الفرع العلمي في الثانوية العامة بمدرسة "بنات البيرة الثانوية"، ظفرت باللقب من بين أكثر من سبعة ملايين و400 ألف طالب وطالبة شاركوا في التحدي، من 41 ألف مدرسة، في 25 دولة عربية.

صديق الطفولة

تحدثت عفاف (17 عامًا) عن العوامل التي أسهمت في فوزها باللقب، فقالت: "القراءة بالنسبة لي صديق طفولة، أمي كانت تقرأ لي القصص القصيرة منذ نعومة أظفاري، وتصحبني معها لزيارة معارض الكتب، لذا نمت موهبة القراءة لدي حتى جعلتني مؤهلة لهذا اللقب".

وأضافت لـ"فلسطين": "مشاركتي في المسابقة هو تحدٍ لنفسي، وسعيت لتحقيق هدف الفوز، لذا بذلت قصارى جهدي، حيث بت أقرأ وأحلل الكتاب وأخلصه، ولم أكتفِ بذلك، بل قرأت أيضا ما قاله النُقّاد عن الكتب التي قرأتها، وكنت أضع عنوانا جديدا للكتاب".

لم تكن القراءة عقبة أمام "بطلة التحدي" في إنجاز واجباتها اليومية، ومذاكرتها للمنهاج، بل كانت جسرا لتطوير حصيلتها اللغوية، وتحسين تحصيلها العلمي بطريقة أسهل، وبخطوات أسرع.

وعلى الصعيد الشخصي، أكدت عفاف أن القراءة نمّت ثقتها بنفسها وشخصيتها أيضا، وساعدتها على تجاوز العقبات وحل المشاكل بخطوات عملية، مبيّنة: "جعلتني القراءة الشخص الذي أنا عليه اليوم، وزادت ثروتي اللغوية، كما أنها غيرت نظرتي للحياة، وصرت أتعامل بمرونة أكثر مع الناس".

ولفتت إلى أن المفتاح الأساسي في تحقيق التوازن بين النجاح في الدراسة، والفوز بالتحدي، هو تنظيم الوقت.

الثقة بالنفس

وعن مشاركتها في المسابقة، قالت: "العام الماضي، سمعت بالمسابقة ولكن لم أشارك، ودفعني الفضول إلى حضور الحفل النهائي لها، وتابعت التفاعل الإعلامي مع المسابقة بعد فوز فلسطين عن فئة أفضل مدرسة، وصممت أن أكون بطلة التحدي هذا العام".

وأضافت: "ولأني أقرأ منذ سنوات، تمكنت من تخطي مراحل التحدي، فقد تأهلت ضمن الثلاثة الأوائل على مستوى مدرستي، ومن ثم كنت ضمن العشرة الأوائل في فلسطين، ما أهّلني لنيل لقب بطلة تحدي القراءة على مستوى فلسطين، وبناء عليه صعدت للتصفيات النهائية في دبي".

وأشارت إلى أنها قرأت خلال المسابقة 50 كتابا بشكل معمق، مضامينها متنوعة بين التاريخ والأدب، والعلوم والشعر.

في معرض ردها على سؤال عن مفتاح إقناع المتسابق للمحكم بأنه جدير بنيل اللقب، أجابت عفاف: "الثقة بالنفس ضرورية جدا، إضافة إلى الطلاقة في الحديث، ومهارة الخطابة مع المناقشة والتحليل، وسرعة البديهة، والأهم من ذلك كله هو الفهم العميق للكتاب للتمكن من الإجابة عن السؤال بكل ثقة".

تمنيت هذه الفرصة

لم تتوقع بطلة التحدي أن يُطرح عليها سؤال: "لماذا تقرئين؟"، لأنه طرح على متسابقة أخرى قبلها على المسرح، ولكنها كانت تتمنى أن يُطرح عليها لكي تجيب الإجابة التي تريد، ولكنها فوجئت بالسؤال يتكرر مُوجهًا لها هذه المرة.

عندما صدح صوت مقدّم الحفل بأن "بطل تحدي القراءة للعام 2017، عفاف شريف من فلسطين" لم تتمالك نفسها، فانهمرت دموعها، وعبّرت عن المشاعر التي انتابتها في هذه اللحظة: "عند سماعي للنتيجة، أحسست أنني سأطير من الفرح، وأنها أثلجت صدري".

وأوضحت: "حينما شاركت في التحدي، كان هدفي الفوز لكي تحصل فلسطين على المركز الأول، فأنا بذلك أشعر أنني قدمت شيئا لوطني".

ومن الأبطال المجهولين الذين ساعدوها على الفوز، العائلة، التي أولت ابنتها اهتماما كبيرا لتُنجحها في المسابقة، حيث كان أبواها يوفّران لها الكتب التي تريدها ولا تجدها في المكتبات العامة، إضافة إلى أنهما كانا يناقشانها في الكتاب الذي تقرؤه.

وعن أكثر تعليق أثّر فيها بعد تتويجها باللقب، قالت: "رد فعل والدتي، إذ قالت إنني فخر لها، وأن تعبها لم يذهب هدرًا".

وبينت شريف أنها تطمح لأن تحجز لها مكانا بين العشرة الأوائل في الثانوية العامة على مستوى الوطن، وأن تدرس الطب في جامعة عريقة في الخارج، ليس لأجل النظرة المجتمعية للطبيب، بل لتعالج الناس وتداوي جراحهم، وتحقق مقصدا من مقاصد الشريعة، وهو "حفظ النفس".

ومن وجهة نظرها: "لكل إنسان ذكاؤه الخاص، ويجدر بالفرد أن يحدد هدفه، ومن ثم يبذل الجهد لتحقيقه، والأهم أن يؤمن بنفسه وقدراته، والمنافسة تدفعه ليفجر قدراته وطاقته".

ووجهت رسالة لمن أراد أن يتذوق لذة الشعور بالإنجاز الذي شعرت به: "كلما واجهت عقبات ومشكلات، تعلم الدرس، فكل تجربة غير موفقة، تقوّيك من أجل تحمل صعوبات الحياة، فالنجاح ليس سبيلا واحدا، بل أمامك ألف سبيل لتكتب قصة نجاحك في المستقبل".

وقالت لكل طالب شارك في المسابقة ولم يفز: "أنت فائزٌ بحصيلة ما قرأته، وهو الكنز الحقيقي".

وأضافت: "فلسطين تستحق أن يُكتب في تاريخها صفحات من الإبداع والتميز، للتأكيد أن الفلسطينيين أقوياء وصامدون، يستحقون الفرح، ويتخذون من آلامهم سببا يدفعهم نحو الأمام، ولا يجعلونها حاجزا يمنعهم من المضي قدما".


3 دقائق "حياة".. رَوَت "الروح" فزادتها عطشًا

ثلاث دقائق فقط كانت كفيلة بأن تروي ظمأ قلوبهم، وتكحل عيونهم برؤية ملامح وجوه أحبتهم بعيدًا عن "غباشة" الحاجز الزجاجي الذي يقف حائلًا دون ملامسة أيديهم، وسماعهم لصوت دقات قلوبهم، والشعور بحرارة أجسادهم التي تترقب اللقاء في كل مرة، ليرى هو تورد وجنتيها عن قرب، ويشعر بتدفق الدم إلى عروقها وكأنها تعلن عودتها للحياة من جديد، أما هي، فحالها كحال الأرض القاحلة التي ما إن سقطت عليها حبات المطر اهتزت وربت، وعلى جمال اللقاء، إلا أنه زاد الشوق بدلا من إطفاء جذوته..

الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، المحكوم عليهم بالمؤبدات، حصلوا على فرصة اللقاء وجها لوجه مع زوجاتهم دون حواجز زجاجية ووسائط ناقلة للصوت، ولكن لثلاث دقائق فقط، وهي بالتأكيد لا تكفي لإزالة الشوق، ولا تساوي شيئا أمام الحقوق المسلوبة.. كيف مرّ هذا الوقت القصير في مدته، العظيم في قيمته؟.. "فلسطين" حاورت ثلاث سيدات ممن خضن التجربة..

لقاءٌ صامت

في الدقائق الأخيرة من زيارة "إخلاص" لزوجها الأسير "عباس السيد"، وضعا أيديهما قبالة بعضهما، ولكن يفصل بينهما حاجز زجاجي، كالعادة، إلى أن نادى السجان المُراقب للزيارة بأنه سيفتح الباب، وسيسمح لهما بلقاء مباشر، لمدة ثلاث دقائق، والتقاط صورة سويًا، وهما اللذان لم يكونا على علم بصدور تصريح لزيارة من هذا النوع.

كانت ضيفتنا، قد سمعت قبل شهر، بطلب أسرى المؤبدات من إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بالسماح لهم بلقاء ذويهم وجها لوجه والتقاط الصور معهم، فأرسلت هي، كباقي زوجات الأسرى، بطاقتها الشخصية للحصول على موافقة لهذه الزيارة، ولنظرًا كونها مرفوضة أمنيًا، فقد وصلها التصريح متأخرًا، أثناء تواجدها في الزيارة التي جاءت بعد منع دام 7 شهور، وقد سبقها منع آخر لمدة خمس سنوات متواصلة.

إنها اللحظة الحاسمة.. فُتح الباب الذي كانت تتمنى كسره في كل زيارة لتعانق زوجها، وأُزيلت كل الحواجز بينهما، وتلك المسافة القصيرة التي عليها مشيها لتصل إليه، شعرت بطولها، وكأنها شيء يقيّد قدميها ويمنعها من المشي، إلى جانب رجفة جسدها، ولمّا وصلت، تسمّرت في مكانها ليبزغ زوجها أمام ناظريها كالقمر، لم تستطع النظر إليه، وكأن غشاوة على عينيها، فها هو يقف أمامها دون حاجز زجاجي، وسيحدثها ليصل الكلام من فمه إلى أذنها مباشرة دون سماعة الهاتف المخصصة لزيارة أهالي الأسرى.

بادر بمعانقتها، بينما هي لا تزال تحت تأثير الصدمة، فهذا هو العناق الأول منذ اعتقاله، قبل 16 عامًا، وتقول: "تلك الدقائق المعدودة لم، ولن، أستطيع ترجمتها بكلمات، فهي مشاعر مختلطة ما بين حب وحنان وشوق، وخوف من الثواني الأخيرة عندما أتركه".

وبقلب يرقص فرحًا، تحاول تمالك نفسها لتكمل حديثها عن تلك الدقائق التي تمنّت أن يقف العمر عندها: "تبادلنا النظرات، وعانقني بشدة، وقبل رأسي ويدي، وقال لي (هانت)، ثم وضع يده على رأسي وبدأ يقرأ عليّ آيات من القرآن، شعرت حينها بهموم تخرج من رأسي تباعًا بكل سهولة بعدما أثقلت كاهلي، واحتلت مكانها مشاعر الراحة والطمأنينة".

وتواصل: "وخلال هذه الدقائق التي لم أسمح لنفسي بالتفكير بكيفية قضائها، أخذت فقط أنظر إليه، إلى أن أخبرني الجنود بأنهم سيلتقطون لنا صورة سويًا، ترددت حينها خشية عدم تمالك نفسي في تلك اللحظة، ولحسن الحظ، انتهى شحن بطارية الكاميرا، ليزيد ذلك من عمر اللقاء دقيقة إضافية".

بعد أن انتهت الدقائق المعدودة، بدأت الهواجس في رأسها، أهو حلم أم حقيقة؟، خرجت من الغرفة ولم تستطع كتمان دموعها التي خانتها أمامه، فاحتضنت رأسها بين يديها ولم تتكمن من إكمال زيارتها عبر الحاجز الزجاجي، وعندما حاورناها في اليوم التالي للقاء، كانت لا تزال تحاول استيعاب ما حدث.

توضح السيد: "رغم أن لهذه الزيارة بعدا إنسانيا كبيرا وجميلا، إلا أنها حركت المشاعر الراكدة، وأيقظتها من سُباتها منذ 16 عامًا من البعد والحرمان".

تفاجأت من رد فعل ابنيها، فعندما أرسلت الصورة لابنها "عبد الله"، المتواجد حاليا في تركيا، لم يستطع أن يعبر عن فرحته بهذا اللقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أما ابنتها "مودة" فقد ترجمت فرحتها على أرض الواقع بأن أخذت تقفز حاملة الصورة، ومرددة: "ماما وبابا مع بعض"، وأخذت تحضن والدتها وتقبلها، فهي ربما لا تذكرهما معا، إذ اعتقل والدها وهي في الثالثة من عمرها.

إخلاص التي جفاها النوم بعد عودتها من الزيارة، تحاول الآن أن تتذكر تفاصيل اللقاء، وتبين: "بت أحن لوجوده بيننا أكثر من قبل، وأتمنى لو يكون بيننا اليوم قبل غدٍ، فأيقنت أني كالأرض العطشى".

"الجلباب" الذي كانت ترتديه في الزيارة، ترفض غسله حتى الآن، والسبب ببساطة: "عشان ريحة عباس فيه".

ويُذكر أن السيد اعتقل في 2002، وصدر بحقّه حكم بالسجن لـ35 مؤبدًا و50 عامًا.

فقدان للوعي

رعشة جسد، وأنفاسٌ تتسابق، وعرق يتصبب على جبينها، هكذا كان حال "آمنة الحصري" خطيبة الأسير "أحمد الجيوسي"، عندما حظيت بثلاث دقائق من "الحياة"، شعرت خلالها أن روحها رُدّت إليها بعد مرور أكثر من 15 عامًا على اعتقال خطيبها، المحكوم بالسجن لـ35 مؤبدا.

علمت الحصري قبل فترة بشأن الدقائق الثلاث، ولكن إدارة مصلحة السجون رفضت جميع الطلبات التي قدمتها، رغم أنها كانت مترددة بعض الشيء، وكانت تطرح الكثير من الأسئلة، المتعلقة بكيفية مرور هذه الدقائق والمشاعر خلالها، على النساء اللاتي سبقنها بلقاء أزواجهن.

قدم خطيبها طلبا آخر في منتصف شهر أكتوبر، وحصل على الموافقة، معرفتها بالأمر منعتها من النوم، وقضت ليلها بالتفكير، تقول الحصري: "في ليلة الزيارة كنتُ متوترة جدًا، كيف سألتقي بأحمد؟ ماذا سأفعل أثناء الزيارة القصيرة؟ وكيف ستكون مشاعرنا وردود فعلنا؟، وغيرها الكثير من الأسئلة".

في اليوم المُنتَظَر، وبعد انتهاء الزيارة عبر الحاجز الزجاجي وسماعة الهاتف، طلب منهما الجنود البقاء كي يتم تصويرهما، وهنا بدأ قلبها يخفق بسرعة، وشعرت أنها بدأت تفقد تركيزها.

وتوضح: "خشيت أن أفقد وعيي، فلا أريد أن يقلق أحمد علّي، ولا أن تضيع أي ثانية من اللقاء"، مشيرة إلى أنها كانت تراقب ملامح خطيبها في تلك اللحظات، وكان من الواضح لها أنها مختلطة، تتراوح بين التوتر والفرح.

وتبيّن: "أخذوا أحمد إلى غرفة أخرى، شعرت حينها بأن نفسي يتوقف، ثم طلبوا مني القدوم، كنت أعتقد أني بحاجة إلى بعض الوقت لكي أصل له، ولكن ما هي إلا خطوتان، وفجأة رأيته أمام ناظري".

وقف جندي بينهما ليعكر صفو اللقاء، لكن مشاعرهما كانت أقوى، وأخيرا عانقها أحمد بعد غياب زاد عن عقد ونصف.

تتحدث عن لحظات اللقاء بلهفة: "لم نستوعب ما يحدث، ولا كيف أزيلت الحواجز بيننا، حتى عندما قال الجندي (جيوسي يلا عشان تتصوروا) لم نكن مهتمين بالتصوير، ولا بهيئتنا في الصورة، وما إذا كنا سنقف أو نجلس أمام الكاميرا، فكل ما أردناه أن نستفيد من كل ثانية".

وبعد التصوير ودعها أحمدـ أمّا هي فلم تستطع أن تبادله النظرات الأخيرة، أو أن تقول له أي كلمة قبل ذهابه، لم تعد تقوى على الوقوف على قدميها، وفقدت وعيها، فأجلسها على كرسي، وطلب من الجنود كأسًا من الماء، والسماح له بدقائق أخرى معها ليطمئن عليها، ولكن بالتأكد رُفض طلبه، فودّعها من جديد، وأوصى كل منهما الآخر "دير بالك على حالك"، هذا ما استطاعا قوله بعد صمت ساد اللقاء.

أوصلتها المجندة للباب الخارجي، وطلبت من الزوار مساعدتها، ولكنها انهارت مرّة أخرى، وعن ذلك توضح: "بعد عودتي، زاد تعبي ووجعي، وانخرطت في البكاء بطريقة غريبة، أشكو فراقه من جديد، لا أعرف إن كان عليّ أن أفرح أو أحزن".

"حتى اللحظة لا أستطيع تحديد أثر اللقاء، أهو حزن أم فرح، غصة أم أمل، إحياء للذكريات أم تجديد للألم، ولكن الحمد لله أن بعد كل هذه السنين، كُتب لنا أن نكون مع بعض، وأن تجمعنا صورة واحدة"، وفق قولها.

تضيف الحصري: "فرقة أجسادنا وحدت أرواحنا أكثر، ولكن لقاء الجسد كان شيئًا مهما نحتاجه ليعيننا على إكمال مشوارنا".

آمنة وأحمد كانا يعملان معًا في مشغل للخياطة عام 1998، أعجبا ببعضهما، وتقدم لخطبتها، وتم عقد قرانهما في يناير من عام 2001، وتم اعتقاله قبل أسبوع من موعد زفافهما.

كيف أعود للواقع؟

أما بهية النتشة زوجة الأسير ماهر الهشلمون، فتساءلت قبل أن تحظى بلقاء الحبيب "هل يمكن اختزال سنوات طوال في ثلاث دقائق؟"، وبعد اللقاء والصورة التي جمعتها بزوجها، جاءت إجابتها أن "الله قد خطب ودها بصورة".

الباب خلفها لتخرج منه، والسجان أمامها يراقبهما، وهو متجرد من أي مشاعر إنسانية، ومع ذلك شعرت أن الروح رُدّت إليها، على حد وصفها.

قال لها ماهر ممازحًا: "عدلي لي ملابسي لأتصور"، في محاولة منه لأن يعيش اللحظة كما كان واقعهما من قبل، وفق قولها. مضيفة: "ربما نسي، أو بالأحرى تناسى أنه في السجن، وتخيل أننا أمام باب المنزل، وأنه يهمُّ بالخروج إلى مكتبه كعادته وأنا أضبط ملابسه وأوصيه بنفسه خيرًا".

لم يكن لدى النتشة مشاعر قوية تجاه خبر السماح للأسرى بلقاء زوجاتهم دون حواجز، وذلك لسببين، الأول حلمها بأن تلتقي بماهر حرا طليقا، والثاني خوفها من عدم إتمام الأمر، فقررت أن تترك الأمر كما تسيّره الظروف، ومع ذلك فعندما حصلت على الفرصة، كانت كطفل صغير يركض نحو حضن والده ليشعر بالأمان.

تقول: "لم يسعفنا الوقت للحديث، فتركنا الأمر للمشاعر كي تتحدث عن نفسها".

أثناء الدقائق الثلاث، أوشكت أن "تنفجر" باكية، ولكنها قررت أن تستشعر السعادة قدر المستطاع، ثم تملكتها مشاعر مختلطة، تارة تريد البكاء وأخرى ترغب بالضحك، وحاليا تحاول أن تعود للواقع، ولكنها لا تستطيع.

الآن، تطلب النتشة حلّا لما فعله بها اللقاء، فالشوق زاد بدلا من أن يخف: "أخبروني بالله عليكم، كيف أعود لواقع أقنعت نفسي به، فوافقت عليه على مضض؟!".

وتشير إلى أن ما زاد سعادتها باللقاء، هو رد فعل طفليهما، اللذين ارتسمت الفرحة على ملامحهما بعد مشاهدتهما للصور التي تجمع أبويهما.

الهشلمون سيدخل عامه الرابع في الأسر، إذ يقضي حُكمًا يقتضي بالسجن المؤبد مرتين، بتهمة تنفيذ عملية دهس وطعن بحق عدد من المستوطنين في مدينة القدس المحتلة.