أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٤‏/٦‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


١٢:١٧ م
٢٢‏/٦‏/٢٠١٧

​هذه "عِيديتي" لكَ يا شادي

​هذه "عِيديتي" لكَ يا شادي

إلى طفلي الحبيب الذي كبر قبل أوانه:

أتعرف أن رسالتك التي أرسلتها لي من داخل السجن لتهنئني فيها بذكرى ميلادي الأربعين تكاد تَبلى، في كل يومٍ تعانقها يدي، أحدَّق بخطك "المُخربش" المكتوب بقلمٍ رصاص، وأحفظ تعرَّجاته الحنونة عن ظهر حب.

ماذا أفعل يا شادي؟!، حروفك هي من تخفف ثقل صخرة الحكم الصادر ضدك، الذي سرق وسينهش من عمرك ثلاثة أعوام.

لا أبالغ إن قلت إنها أجمل هدية وصلت إلي في حياتي، كلماتك الطفولية البريئة أحتضنها وكأنها عهد مقدس، وكيف لا أصونها وأنت تقول في مطلعها: "كل عام وأنتِ بخير، أقولها هذه المرة وأنا بعيدٌ عنكِ"، ثم تختمها بتأكيد حبك المؤكد: "أحبكِ يا أمي"؟!

وما بين السطور توصيني كشيخ هرم أن "ابقي رافعة الرأس مثل شجرة النخيل، لا يهزها ريح ولا زلزال ... ولا تحزني لأن هذا اختبار من عند الله".

منذ غيابك يا بني أنا منشغلة بتقليب التقويم، وتساورني الرغبة دائمًا في نزع أيام إضافية، علها تقرب موعد عودتك إلى حضني، كلما تذكرت اعتذارك لي: "آسف لأني جعلتك تأكلين دون نِفس"؛ قلت: "بل اعذرني أنت _"يا كبدي"_ على قلة حيلتي".

أول مرةٍ سأبوح لك بهذا: في ليلة 29 كانون الأول (ديسمبر) عام 2015م لم تدعني الكوابيس ألتقط أنفاسي، كنت ما بين غفوة وأختها أستيقظ وعرقي يتصبب، وقلبي يرتعش، فأذكر الله وأستغفره ثم أرمي برأسي على الوسادة.

عندما أشرق الصباح سارعت إلى طبع قبلة على جبينك، قبل إيقاظك لتجهز نفسك لامتحانات الصف السابع، فنهضت _يا شادي_ بكامل حيويتك المعهودة، أما قلبي فكان ينبض بقوة غريبة، تناسيت الأمر وأخذت أشغل نفسي بتحضير حقيبتك المدرسية، ثم طلبتَ مساعدتي بشدّ رباط حذائك، وخرجتَ بعدها إلى المدرسة.

بعد الظهيرة لاحظنا تأخرك، حاولنا الاتصال بك دون جدوى، حتى حلَّ الليل ومعه الخبر: "قوات الاحتلال تعتقل الطفلين شادي فراح وأحمد الزعتري بتهمة محاولتهما تنفيذ عميلة طعن في مدينة القدس المحتلة"، كأن خنجرًا غرسوه في قلبي، ألوان من الأسئلة اجتاحتني، كيف ومتى ولماذا؟

أأضحك أم أبكي؟!، شادي الذي لا يقوى على ربط حذائه بنفسه يريد أن يطعن؟!، فلذة كبدي الذي كان يتسلل خفية إلى "الثلاجة" كي يحضر بعض اللحم للقطط الضالة عطفًا عليها مُتهم بالتخطيط لعملية؟!، صغيري الذي ما تردد يومًا في مداوة الحيوانات المجروحة، كيف تجبرت "دولة احتلال" بأكملها على طفل ما برح يطلب في كل زيارة له: "ماما، جبيلي معك شوكولاتة المرة الجاي"؟!

وبعد مرحلة القهر الممنهج في مسالخ التحقيق بُحَّ صوتك، وكبرتَ خلال عشرة شهور حتى نسيت أنك طفل في الثانية عشرة، أما أنا فلم أستطع إلا التبسم في وجهك الملائكي واستلهام الصبر من براءة تقافزت من عينيك الجميلتين، كنتَ بصمتٍ تحكي عن ظلم سجان كبرت سريعًا بسببه، لا أنسى حرقة قبلاتي على جبينك في تلك الزيارة، يا شادي.

وفي قاعة المحكمة حيث الجنود المدججون بالأسلحة، والأصفاد تكبل قدميك ويديك أخذتَ تمصّ أصبعك، كانت المرة العشرين التي تعقد فيها الجلسة للنظر في حكمك، مع أن قضاتهم الثلاثة قد اتفقوا على حكمك قبل أول جلسة، تمنيتُ لو أن أحدهم يوقظني من ذلك الكابوس، ولكن "جفَّت الصحف"، وانقلبت حياتنا رأسًا على عقب.

أمك التي تحبك كثيرًا _وأنت لا تعرف ما تعريف "الكثير" عندها_ ليتها تستطيع هدم جدران السجن أو صهر الباب الحديدي، كي تخلصك من حقدهم، حتى لو كان الثمن روحها.

أعلم أن ذاكرتك أمست مثقلة بأحداث سوداء، منذ أن أجبروك على التعري داخل زنزانة شديدة البرودة، مرورًا بوضعك في غرفة ليلها ونهارها سواء، وليس انتهاء بحرمان نفسك بنفسك النوم خشية أن يعتدي عليك أحد الجنائيين الذين تعيش في وسطهم.

اغفر لي _يا صغيري_ عندما تجد صمتي جوابًا عن أسئلتك في كل زيارة: "لماذا تتركوني هنا؟!، خذيني معك يا أمي"، عندما تجد "حسبنا الله ونعم الوكيل" جوابًا وأنت تكشف عن آثار الصعق الكهربائي في جسدك الهزيل، سامحني عندما تشعر أن أصابعي تكاد تخترق لحمك وأنا أتفحص كل خلية فيك قبل الفراق.

تدمع ابتسامتي حين أتذكر ما كنتَ تحكيه لرفيق محنتك "أحمد" عن مغامراتك عندما تهرب من الباب الخلفي للمنزل، خشية أن يراك والدك فيمنعك من مشاركة "المسحراتي" في إيقاظ سكان الحي (كفر عقب) في ليالي رمضان.

القدس تشتاق إليك يا بني، وباحات الأقصى تنتظر شابًّا جديدًا مثلك يتعلق قلبه بها، أعرف أنك في كل ليلة تغلق عينيك وتتجه بهما إلى الأعلى، وتحلم بأن يخطفك شعاع الحرية من أنيابهم، فتفاجئني بعودتك مثلما كنت تسعدني بإطلالتك صبيحة كل عيد.

آه ما أصعبها _يا شادي_ تلك الساعة التي أخرج فيها إلى السوق لأشتري ملابس العيد لأشقائك (ميس ومروان وريان)، ريان أخيك الحبيب الذي صار ينام في فراشك، ما أقسى سؤال ذلك البائع: "لماذا لا تأتي بصغيرك الرابع كي يشتري ما يناسبه بنفسه؟"!

هذه المرة اشتريتُ ملابسك من إيطاليا من جنيف، لقد سافرت إلى أقاصي البلاد من أجل إيصال قضيتك "أصغر أسير في العالم"، لقد تغيرت شخصيتي بفضلك، صارت أمك ناشطة في حقوق الإنسان، وطموحها ينصب على دراسة القانون الدولي سعيًا لنيل حريتك.

أنا واثقة بأن كلماتي هذه ستصل إليك بشكلٍ ما، كنت أتمنى أن أعايدك بشكلٍ أجمل، وأن أعطيك أول "حبة شوكولاتة" قبل صلاة العيد، "كل عام وأنت بخير يا بني"، هذه الكلمات الخمس كلُّ حرفٍ منها يُقبلَّك ويُوصيك بأن تكون صبورًا متبسمًا، وأنت تقف أمام المرآة محاولًا اقتلاع سيئاتك، والعثور على إيجابياتك، أوليس شادي الصغير هو من قال هذا؟!

وإني أترقب العيد الحقيقي بالساعة والدقيقة والثانية يوم أن تفتح باب البيت وتنادي: "وينك يا إمي؟، أنا جِيت يا غالية".


١٢:٠٣ م
٢١‏/٦‏/٢٠١٧

​وصرختُ بأعلى صوت: "ماما عايشة"

​وصرختُ بأعلى صوت: "ماما عايشة"

ليت الحرب كانت دون راء وليت نار البعد لها انطفاء، إنها الحرب إذن لم تُبق ولم تذر، فكيف إذا ما اختطفت نور العين وضحكة الشمس وعنفوان الزهر أمي؟! أتساءل: كيف لا يغار التوليب والنسرين والحنون من أمي، من حُسنِها، وبهائها، من وجهٍ كفلق الإصباح كان في دجى الفجرِ يطل علينا؟!

أماه، هل سمع الجندي الذي قتلك بقذيفته أصوات صراخي وأنا أعبر عن صدمتي بالفاجعة حين رحت أقول: "كلكم كذابين ماما وإخوتي عايشين"؟!، خمسُ استهدافاتٍ مباشرة قصدت بيت خالي الذي يؤوينا، تنوَّعت بين صواريخ حربية وقذائف دبابة، كادت تُودي بحياة 23 شخصًا يتحامون من غدر المحتل داخل الجدران، من بينهم أنا صباح وإخوتي عبد المنعم، وعز الدين، وبراء، وآلاء، ورغد وحليمة، وأنتِ يا أمي معنا.

مر أسبوع واحد من شهر رمضان ونحن ماكثون في بيتنا بمعسكر جباليا، أستذكر فيه كيف كان يصدح صوتك البُلبلي بقراءة القرآن فيهز نسمات الفجر من جماله، وكيف كنتِ تقدسين وجبة السحور فتحضرين سفرةً متكاملة متنوعة وتوقظيننا واحدًا تلو الآخر، كان ذلك قبل أن نقرر الحضور إلى بيت خالي في "جباليا البلد" الذي وقعت فيه الحادثة.

عشنا في هذا البيت أجواءً إيمانية وأُسرية ممتعة، مع اجتماع الأحبة من الأقارب، نقضي النهار بالتنافس في قراءة آيات من الذكر الحكيم، وعند العصر نتعاون على إعداد الفطور يدًا بيد، ويذهب الرجال مساءً إلى صلاة التراويح في المسجد العمري الذي يقابل البيت تمامًا، وتصلي النسوة في البيت جماعةً يخلفها الصغار من الفتيات في مشاهد رمضانية خلابة.

انقضى الشهر الكريم بمتعته دون أن تحده سكين الحرب بعد، إلا أن عيدية المحتل كانت لنا فوق التوقعات؛ ففي مساء الثاني من شوال عام 2014م أخذت نيران القذائف الهوجاء تتجه بعشوائية نحو المسجد العمري وفي الشوارع والأرصفة، وعلى أسقف البيوت والجدران، ولم يسلم شيءٌ من نارها، فكلٌّ طالته صواريخ الطائرات.

استهدفت "قذيفةٌ" سور منزل بيت خالي، فظننا أنه صاروخ تحذيري وسيخلفه صاروخ (إف 16)، لذلك قررنا مغادرة المنزل، وأصبحنا ننزل على الدرج فرادى واحدًا واحدًا حتى لا تباغتنا قذيفة مباشرة، ثم تجمعنا عند مدخل البيت، وكان الخيار أن نخرج مجموعات كي لا نموت جميعًا، فخرجت أول مجموعة ووصلت بسلام، ثم كان دور المجموعة التي تضمك يا أمي وبراء وحليمة واثنتين من زوجات أخوالي وابنة إحداهن، وبمجرد خروجكم من بوابة المنزل انهالت عليكم قذيفة مباشرة أودت بحياتكم جميعًا وتركتنا مكلومين.

وصلت إلينا سيارات الإسعاف ونحن جرحى وخالي ينادي: "اللي عايش يسمعني صوته"، والركام والأنقاض تعلونا والغبار يتغلغل بدواخلنا.

لم أعلم كم مر من الوقت وأنا أجلس في ردهات مستشفى كمال عدوان أضمد جرحي، وإخوتي في "غرف الغيار"، عندما جاء الطبيب ليعطينا الخبر الأسود: "عظم الله أجركم في نهاد حمودة".

كنت إلى جانب زوجة خالي أم خليل، ولم أشعر هل الدنيا فوقي أم أسفل مني، وأخذ صراخي يضج في أركان المستشفى في كل حدبٍ وصوب، وهي تحتضنني، وأنا أقول: "كذابين كلكم كذابين، ماما عايشة"، ترى هل كان يمكن لصراخي أن يصمت صوت القذائف؟!

طفلة لم تتجاوز الحادية عشرة من عمري كنتُ حينها، فهل تتوقعوا أن قيامي بدور الأم سيكون سهلًا؟، وما الذي ينتظرونه من فتاةٍ فقدت أمها وطفولتها في الوقت نفسه؟!، لن أقلقك علينا يا أمي؛ فقد تحملت المسؤولية كاملة، ولم أدع بابا وإخوتي يشعرون بغيابك قط، أصبحت لهم أختًا وصديقةً وأمًّا حنونًا.

لم يكن الأمر هينًا، وأسندت رأسي على كتف زوجة خالي أم خليل التي لم تتركني البتة، وبعد شهرين اثنين فتحت المدارس أبوابها من جديد، وكما تعلمين كنت مقبلة على الأول الإعدادي ومرحلة دراسية جديدة وأجواء مختلفة وزيّ "كُحلي" اللون، فذهبت بصحبة زوجة خالي لاشتراء الزيّ ومستلزمات الدراسة، وكنتُ أرتديه في غرفةِ القياس عندما هللتِ عليّ بوجهك النوراني، والله لقد رأيتك تضحكين بمبسمٍ مشرق، وأخبرتها ففرحت بي مع حزنها العميق، ولمّا ذهبنا إلى خالي ارتديته وأخذتُ أتمخطر به أمامه وهو غارقٌ في الدموع؛ فما كان منّي إلا تصبيره والتهوين عليه.

أتذكرين كيف كنّا صديقتين مقربتين؟، حتى إن زميلاتي في المدرسة يستغربن إذا ما أخبرتهن بالأمور التي أطلعتكِ عليها؛ فقد كنتِ صندوق أسراري، وكنتُ لكِ القلب الصغير الواسع الذي يسمع شكواكِ دون أن ينبس بِبنت شفة، فأنا تربية يديكِ وأنتِ الأم المتعلمة والعاملة؛ فكنتِ تعملين في معهد حمود الشرعي معلمة، وأنتِ خريجة كلية أصول الدين وطالبة الماجستير في الجامعة الإسلامية، ومع كل انشغالاتك كُنا نحن وبابا أساس حياتك، وكلٌّ يُشهد الله على طيبك وحُسن خلقك النديّ.

أتذكرين كيف كنُا نعد الفطائر معًا في شهرِ الصيام ووجبة المحشو اللذيذة التي تشتهيها الروح من يديكِ؟، ولم تخل آخرِ أيام رمضان من إعداد الكعك والمعمول، وروائح خبزه الشهيّة تعبق الأرجاء، أما اليوم فلم نعد نعده مطلقًا بعد غيابك، راحت رائحته يوم رحتِ، ولن أخبرك عن النهار الرمضاني الأول كيف يكون بكائيًّا بامتياز، ويقضيه أبي في البكاءِ والعويل، وهو يردد: "لقد فقدت ذراعي اليمنى".

اليوم، ونحن نتشارك تفاصيل الحياة كافة تضمني رغد، التي كانت في سن ثلاث سنوات يوم رحيلك بين ذراعيها، وهي تقول إنني أمها وأختها وحبيبتها وصديقتها، ومع كل شيء لا تحسبي أني أصدق موتك أبدًا؛ فطالما جاءت المرشدة التربوية تسأل في الفصل عن طالبات يتيمات الأم، ولم أرفع يدي يومًا، وكانوا قبلًا وزعوا قرطاسية على الفتيات اللواتي فقدن أمهاتهن فرفضت قبولها، لأنك حاضرة في كل لحظة من حياتي، ولأني لن أصدق الأمر مطلقًا، فتصديقي إياه يعني موتي الحتمي، يا أمي.


​الإفطار في المسجد الأقصى.. رباط من نوع آخر

تفضل العديد من العائلات في القدس ومدن الداخل الفلسطيني ترك منازلهم في شهر رمضان، والذهاب إلى ساحات المسجد الأقصى يوميًّا عند موعد الإفطار، لنيل أجر الصيام والرباط في المسجد الأقصى.

وتتوزع عشرات العائلات في ساحات المسجد الأقصى ومعهم كبار السن والأطفال في مجموعات، وتكون مائدة الطعام متنوعة الأطعمة مع مشروبات باردة.

المصور الصحفي خالد زغاري ابن مدينة القدس ومصورها منذ أكثر من عشرين عامًا يقول لـ"فلسطين": "هذا التقليد موجود في مدينة القدس، وزاد في المدة الأخيرة مع ازدياد الخطر على المسجد الأقصى، ويحاول الجنود على أبواب المسجد الأقصى اعتراض العائلات التي تكون معها موائد الطعام في طناجر كبيرة، لكن إصرار العائلات يجبر جنود الاحتلال على التنحي جانبًا".

ويصف المصور زغاري الأجواء الرمضانية وقت المساء في ساحات المسجد الأقصى والعائلات تتوزع في كل زوايا المسجد قائلًا: "يتحلقون حول موائد الطعام، ويتبادلون فيما بينهم الأصناف المختلفة، فهذه العائلة تأتي عائلة أخرى تهدي إليها بعض أنواع الأطعمة والمشروبات، وتقابلها العائلة بهدية أخرى، فكل مظاهر التكافل تتجلى في تلك اللحظة، وبعد انتهاء الإفطار تجد العائلات تقوم بعملية التنظيف الجماعية للحفاظ على نظافة المسجد، ولا ينتظرون عمال النظافة حتى يقوموا بعملية التنظيف، وهذا يسجل لتلك العائلات التي يشارك في هذه اللفتة الصغير والكبير فيها".

د. ناجح بكيرات رئيس أكاديمية القرآن في المسجد الأقصى يصف إفطار العائلات المقدسية وفلسطينيي الداخل برباط من نوع جديد.

ويقول لـ"فلسطين": "هذا النوع من الرباط يشارك فيه كل الفئات العمرية، والمكان الذي تأكل فيه الطعام تتكون معه علاقة أخرى من ذكريات تحفر في الذاكرة، والاحتلال يسعى إلى شطب العلاقة المتينة بين الفلسطيني المسلم والمسجد الأقصى"، لافتًا إلى أنهم يجن جنونهم عندما يشاهدون أطفالًا في الأسابيع الأولى من حياتهم، وكبار سن في الثمانين يأتون من مسافات بعيدة كي يفطروا على أرض المسجد الأقصى.

ويضيف: "فالاحتلال منع العلم على مصاطب المسجد الأقصى، وعد التعليم على هذه المصاطب تنظيمًا محظورًا، فهل سيعد الإفطار على مصاطب المسجد الأقصى تنظيمًا محظورًا أيضًا؟!"، يجيب: "أنا لا أستبعد أي إجراء عنصري من قبل الاحتلال، لكن الفلسطيني دائمًا يبدع في أشكال الدعم والرباط".

الشيخ كامل ريان رئيس مؤسسة إعمار المقدسات سابقًا من قرية كفر برا في الداخل المحتل يقول لـ"فلسطين": "فلسطينيو الداخل لديهم تقليد قديم يتمثل في الإفطار العائلي داخل المسجد الأقصى، وهو من شد الرحال المميز في المسجد الأقصى".

يضيف: "ويكون الخروج إلى شد الرحال إما في حافلات أو المركبات الخاصة، ويمكن مشاهدة هذا الأمر بوضوح عند ساعات المساء والتحضيرات قائمة من قبل العائلات للإفطار، وهذا الأمر له آثار إيجابية إذ يوثق الصلة بين الفلسطينيين ومسجدهم المهدد من الجماعات المتطرفة، ولا تكاد مدينة أو بلدة أو قرية في الداخل لا تشارك في هذه الظاهرة الرائعة من بالمسجد الأقصى، فكلٌّ يشجع الآخر على القدوم إلى المسجد الأقصى والإفطار في أجواء عائلية، وعند انتهاء الشهر الفضيل تبقى الذكريات الجميلة لدى كل من شارك في هذا الإفطار من العائلات، فهي عملية شد رحال ورباط وتاريخ يوثق في قلوب وعقول الفلسطينيين".

ويقول رئيس الهيئة الإسلامية العليا خطيب المسجد الأقصى د. عكرمة صبري عن وجود عائلات داخل ساحات المسجد الأقصى: "هذا إنجاز بكل ما تعنيه الكلمة، فالاحتلال يريد أن يكون الأقصى وحيدًا دون منابع ترفده، الدافع الديني والوطني يدفع كل فلسطيني إلى الرباط في المسجد الأقصى بصور عديدة، وشاهدت بأم عيني كيف تتوزع العائلات الفلسطينية في كل المساحة الخارجية، وهذا إعمار لكل الساحات، بحيث لا يستغل الاحتلال عدم إشغالها وفراغها، فوجود العائلات على كامل مساحات المسجد الأقصى إعلان سيطرة وسيادة رغمًا عن الاحتلال".

بدوره يؤكد مدير جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات الإسلامية غازي عيسى أهمية توفير وجبات إفطار لضيوف الرحمن في المسجد الأقصى طوال شهر رمضان المبارك، خاصة للذين يشدون الرحال من خارج مدينة القدس من الداخل الفلسطيني والضفة الغربية وقطاع غزة، وإحياء الأقصى بمصليه، مشيرًا إلى أن الجمعية تقوم على هذا المشروع منذ عدة سنوات.

ويقول عيسى لـ"فلسطين": "ليس هناك عدد محدد للوجبات التي تقدمها جمعية الأقصى في رمضان، فهي متفاوتة حسب أعداد المصلين، ومرتبطة أيضًا بالأوضاع السياسية، ومدى إمكانية الوصول إلى الأقصى، ولكن دون شك تكون الوجبات المقدمة لعشرات الآلاف متنوعة بين وجبات إفطار وسحور للمعتكفين".

وتعتمد جمعية الأقصى في تمويل الإفطارات على صدقات أهل الخير داخل أراضي الـ48 المحتلة، حيث تستقبل الجمعية في فروعها ومندوبوها في المناطق كافة (النقب، والمثلث، والجليل) التبرعات والصدقات، التي يطلب أصحابها أن تكون في خدمة المسجد الأقصى من خلال مشاريع الجمعية، وأهمها "مشروع إفطار الصائم"، و"مشروع قوافل الأقصى" لشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك.

وتسعى الجمعية إلى تحقيق الهدف الأول من وراء مشروع إفطار صائم، وهو خدمة ضيوف الرحمن الوافدين من المناطق كافة للعبادة في المسجد الأقصى، وتحفيزهم على الاستمرار في شد الرحال إلى المسجد، إضافة إلى أهداف أخرى لا تقل أهمية تتثمل في دعم الاقتصاد المقدسي بتشغيل المطاعم في المدينة المقدسة، وتشغيل الأيدي العاملة من الشباب المقدسيين في إعداد الوجبات ونقلها وتوزيعها وتنظيمها.

١٠:٥٤ ص
١٩‏/٦‏/٢٠١٧

​خيمةٌ رمضانية "حياتية" بغزّة

​خيمةٌ رمضانية "حياتية" بغزّة

على مدار اليوم فعالياتٌ تستقطب المصلين نحو المسجد، وذلك بالساحة المجاورة له، التي جهزت لتكون "خيمة رمضانية" تشهد إقامة العديد من الأنشطة اليومية، لمختلف الشرائح المجتمعية، ففيها يسمع الشباب ما يقوله الكبار عن "رمضان زمان"، وفيها أيضًا يتعلم "حملة القرآن" آدابًا ومهارات خاصة، ويتنافس الكبار والصغار في الشعر والرسم والرياضة وإعداد الطعام، وغير ذلك الكثير من الأنشطة التي أضفت جوًّا جديدًا لرمضان على مرتادي الخيمة.

عامل جذب

ويقول أحد القائمين على الخيمة الشيخ حبيب الوحيدي: "في الخيمة الرمضانية تقام العديد من الفعاليات اليومية الممتدة على مدار اليوم، وتخاطب مختلف شرائح المجتمع، إضافة إلى أنها موجهة إلى كل فلسطيني دون تحزيب، ما يجعلها عامل جذب إلى المسجد".

ويضيف في حديثه لـ"فلسطين" عن الخيمة: "بدأنا فعالياتها في العاشر من رمضان، وستستمر حتى أيام العيد، إذ ستنتهي بلقاءات معايدة ونشاطات للأطفال"، مشيرًا إلى أنها مُقامة في ساحة بجوار مسجد عمار بن ياسر، وإدارة المسجد هي التي تتولى تسيير أمور الخيمة، وتخصص لها فريقًا من ستة أفراد تحت مسمى "لجنة إدارة الخيمة".

ويتابع: "ننفذ فعاليات نهارية، وأخرى ليلية، فمثلًا في النهار نعلّم طلاب القرآن مهارات في التلاوة، والآداب التي يجب أن يتحلّى بها حملة القرآن، مع بعض الدروس التي تفيدهم، وفي الليل يكون المتسع أكبر للشق الإبداعي من عمل الخيمة، وغالبًا ما يصل عدد الفعاليات اليومية إلى سبع".

ومن أمثلة الفعاليات الليلية التي نفذ بعضها وبصدد تنفيذ الباقي منها _بحسب ما ذكر الوحيدي_ برنامج "سوالف رمضاني"، الذي يجلس فيه مرتادو الخيمة على "فراش عربي"، ويجتمعون حول "الكانون والنار" مع تناول القهوة العربية، وخلال هذه الجلسة يستحضر كبار السن أجواء رمضان في طفولتهم، ويتبادلون الحديث مع الشباب عن الفرق في الأجواء الرمضانية بين الماضي والحاضر.

ومن الفعاليات الأخرى: "خيمة عكاظ" التي شهدت مبارزات شعرية، والخيمة الإلكترونية للطلاب (وفيها بعض الألعاب)، والخيمة الرياضية (وفيها منافسات رياضية بين الحضور)، وأمسية قرآنية تخللها تلاوة للقرآن وترديد الابتهالات، وأمسية ثقافية عقد خلالها المسابقات بين الحضور، وتنظيم ملتقى دعوى، وضيافة بعض أهالي الشهداء والأسرى، إلى جانب عقد مسابقة لبعض الرسامين ليرسموا مشهدًا عامًّا للخيمة، ثم يزور القائمون عليها كبار السن في بيوتهم ويهدوا إليهم هذه الرسومات.

ومن النشاطات التي يتحدث عنها الوحيدي مسابقة "اصنع طعامك بيدك"، وفيها يقسم مرتادو الخيمة إلى مجموعات، كل منها تحضر مكونات ومعدات إعداد وجبة ما، ثم يصنع الطعام في المكان، لتناوله في إفطار جماعي.

ويؤكد أن الخيمة حياتية وليست دينية فقط، فهي تتناول مختلف صور الحياة في رمضان، بوجه عام.

ويقول: "صنعت الخيمة جوًا جديدًّا للناس في رمضان، خاصة لدى من لا يرتادون المسجد كثيرًا، إذ استقطبتهم ووجدت منهم القبول كونها بعيدة عن الحزبية، حتى الناس يتفاعلون معها بإحضار التمر والقهوة وتوزيعهما على الحضور".

ويبيّن الوحيدي أن بعض اللقاءات تستهدف كبار السن، وبعضها مخصصة للشباب، ومنها ما يجمع الطرفين معًا، مشيرًا إلى أن التفاعل كبير من كل الفئات، خاصة كبار السن الذين أسعدهم استذكار رمضان قديمًا.

ويلفت إلى أغلب الأسئلة التي يطرحها الشباب على كبار السن تدور حول كيفية قضاء رمضان سابقًا، وفي الإجابة عن هذه الأسئلة يستذكر الكبار تفاصيل دقيقة، كوجود مئذنة واحدة في الحي، وصوت المؤذن الذي يصل إلى السكان جميعًا دون مكبرات صوت، وأكثر ما يفتقدونه أجواء البهجة التي كانت موجودة، كتجول الأطفال في الشوارع حاملين الفوانيس وهم يرددون: "وحوي يا وحوي.."، واجتماع الجيران حول موائد الإفطار الجماعية التي كانوا ينظمونها بأنفسهم.