حين يبكي الإسرائيليون أجيالاً طويلة

د. عدنان أبو عامر
الجمعة ١٢ ٠٧ / ٢٠١٩

رغم زيادة مؤشرات التقارب الإسرائيلي مع عدد من الدول العربية، لا سيما في منطقة الخليج، فإن القراءات الإسرائيلية الموضوعية لهذه المؤشرات تتجاوز البعد الديماغوغي الذي يهول منها، ويعتبرها فتحاً إسرائيلياً مبيناً، بل يضعها في سياقها الطبيعي الواقعي، دون تضخيم أو مبالغة.

بل إن مائير عوزيئيل، الكاتب الإسرائيلي في معاريف حذر مؤخرا مما أسماه "الحماس الإسرائيلي الزائد في التقارب مع العرب، جميل أن نأخذ صورا في البحرين، ونزور أبو ظبي، ونتجول في أهرامات مصر، وبتراء الأردن، لكن العرب حاربوا الصليبيين، وقضوا على البيزنطيين، واحتلوا آسيا الصغرى..العرب لا ينسون أهدافهم، وأي علاقات مؤقتة لا تنسيهم ذلك".

صحيح أن هذا القول يحمل ضغائن تاريخية موغلة في التخويف، وتعظم من شأن الفوبيا الإسرائيلية من كل فلسطيني وعربي ومسلم، لكنها في ذات الوقت تضع العلاقات العربية الإسرائيلية في سياقها الطبيعي.

حتى أن رئيس جهاز الموساد، يوسي كوهين، الأكثر قربا من بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة حذر في خطابه الأخير خلال مؤتمر هرتسيليا مما وصفه تضييع فرصة نادرة لتحقيق السلام الشامل في الشرق الأوسط، وهو ما يحمل توجيه انتقاد ضمني لرئيسه الذي عينه، الذي يبدو منشغلا في إرسال بعض الإشارات للدول العربية بدل استغلال دعم الرئيس دونالد ترامب لصناعة سلام تاريخي مع الفلسطينيين.

إن قراءة ميدانية للوضع الذي تعيشه إسرائيل في الآونة الأخيرة يقدم لنا المعطيات التالية: العلاقة الوثيقة مع إدارة ترامب، اللقاءات المتواصلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، العودة التدريجية للعلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج، الجهود الجارية لإيجاد معسكر مشترك معاد لإيران في المنطقة.

هذه المعطيات الإسرائيلية أوجدت وضعا جديدا في المنطقة، وأعطت فرصة قد تضيعها إسرائيل إن لم تقم باستغلالها للتوصل لسلام شامل، في ظل توفر فرصة نادرة أمامها، بعدما حصلت تحولات مفصلية في العالم العربي، لاسيما على مستوى الأنظمة والحكام من حيث تراجع المعارضة المركزية لقيام إسرائيل، مما يسرع بتحقيق السلام مع الفلسطينيين، لكن الحكومات الإسرائيلية أضاعت هذه الفرص المتكررة، لأن التقارب الإسرائيلي مع دول الخليج تم استغلاله في مجالات أخرى، ليس من بينها السلام الفلسطيني الإسرائيلي.

هذه القراءات الإسرائيلية للتعويل الرسمي على العلاقات العربية على حساب الموضوع الفلسطيني تحمل انتقادات قاسية ضد صناع القرار في تل أبيب، لأنهم أضاعوا فرصا لتحقيق السلام مع الفلسطينيين، وفي هذه الحالة اليوم، "إن لم يستغل الإسرائيليون هذه الفرصة، فإنهم سيبكون لأجيال طويلة"، وفق حديث الوزير السابق يوسي بيلين، وهو ما تتوافق عليه مختلف الأوساط الأمنية الإسرائيلية، لأن إسرائيل قد تفقد تدريجيا غالبيتها اليهودية، وهذا خطر استراتيجي، وليس فقط ضربة للمشروع الصهيوني.