إقرأ المزيد


​حُمى النفاس

بقلم / د.عوني عطا الله

هي الحمى التي تصيب الحامل بعد الولادة حيث كانت نسبة الوفيات كبيرة جداً قبل القرن التاسع عشر حتى جاء منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث اكتشف السر وراء حدوث هذه الحمى وأصبح سببها معروفاً وهو نقص النظافة إلى جانب انتقال الالتهاب من مريضة إلى أخرى.

وقد لوحظت هذه الظاهرة في فيينا وكان سببها هو إجراء الكشف الطبي بواسطة طلبة الطب من الوالدة "النفساء" إلى أخرى؛ كما لوحظ أن هذه الظاهرة بدأت تقل حين تبلل اليدين بسائل أو بماء الجير المضاف إليه الكلور.

ولما اكتشف العالم الشهير باستير الميكروب عرف سبب هذه الحمى؛ وبدأت تقل نسبة حدوثها شيئا فشيئا حتى اضمحلت أخطارها وقلت بالتالي أخطار التهابات الجهاز التناسلي الأنثوي وعلى الرغم من أنه تراجعت فرصة حدوثها إلا أنها ما زالت توضع في الاعتبار؛ فقد ثبت أن أهم سبب في زيادة نسبة الوفيات في الأمهات بعد الولادة كان هو حمى النفاس في تلك الفترة.

وفي سنة 1935-1936 تم اكتشاف أدوية تعرف باسم مجموعة السلفا؛ وقد أعطت نتائج في منع وعلاج حمى النفاس لأن هذه الأدوية تقوم على تقبل نوع معين من البكتيريا وهي التي تتسبب في هذه الحمى وتسمى بكتيريا سترتيوكوكاي إلى جانب أدوية مشتقات البنسلين وكل هذه الأدوية قللت من خطورة هذا المرض.

أسباب حمى النفاس

عندما تنفصل المشيمة، حيث تتسم المرحلة الثالثة والأخيرة من الولادة، من جدار الرحم فإنه تنشأ منطقة عارية وتبدو كجرح قد يكون عميقاً او سطحياً؛ كما انه تحدث بعض الجروح في مسار الولادة أثناء خروج الطفل قبل تمزق عنق الرحم أو المهبل وخاصة في حالات الولادة البكرية؛ وهذه الجروح قد تختلط بالجراثيم والبكتيريا فيحدث الالتهاب وتنشأ اعراض حمى النفاس.

ومن اهم الأسباب التي تقتل معظم الوالدات والحوامل هي حمى النفاس والنزف وتسمم الحمل رغم استخدام المضادات الحيوية الأخرى وكنتيجة لهذه الأدوية قلت نسبة الإصابة بحمى النفاس ولا تزيد نسبة الإصابة على 3% وحتى المصابات بها تكون اصابتهن خفيفة اللهم الا ما يحدث من ارتفاع في درجة الحرارة وهو الشيء الوحيد الذي يدل عليها.

ومصدر هذه الجراثيم قد يكون من داخل جسم الحامل نفسها أو من خارجه؛ ذلك أن الله قد وضع وسائل دفاعية طبيعية في الجهاز التناسلي للأنثى شأنه شأن أي جهاز آخر وتشمل هذه العملية الدفاعية وجود نوع معين من البكتيريا تهاجم المهبل فتكون لها بالمرصاد؛ لكن أثناء عملية الولادة يكون التجويف الرحمي متصلاً اتصالا مباشرا مع خارج الجسم عبر المهبل فتصعد البكتيريا وتهاجم الرحم المفتوح وتسبب حمى النفاس؛ لكن أهم مصدر للجراثيم التي تسبب حمى النفاس هي مصدر البكتيريا الخارجي وتنتقل هذه الجراثيم إلى النفساء من خلال الآلات غير المُعَقمة أو عن طريق نفس الطبيب أو القابلة أثناء الكشف أو الولادة.

تشخيص المرض:

يتم التعرف وتشخيص حمى النفاس ابتداء من اليوم الثالث بعد الولادة بارتفاع طفيف في درجة الحرارة إلى حوالي 38؛ ولا يمكن أن نتحقق من هذا إلا إذا استبعدنا حدوث أي أنواع أخرى من الالتهابات مثل التهابات القصبة الهوائية أو الجهاز التنفسي العلوي أو احتقان أو التهاب الثدي؛ وفي الحالات الشديدة يكون ارتفاع درجة الحرارة مصحوباً برعشة متكررة وارتفاع كبير في درجة الحرارة يعقبه انخفاض في درجة الحرارة؛ وعادة معظم حالات حمى النفاس تبدأ بالتهاب في الغشاء المبطن للرحم؛ وفيه تشعر النفساء بصداع خفيف مصحوب بألمٍ في الرحم إذا ما ضغط عليه ويكون طرياً إلى حد ما؛ وإذا ما انحصرت الإصابة في الرحم فقط فإن المرض يكون خفيفا بل تنخفض درجة الحرارة خلال يومين إلى خمسة أيام تعود إلى طبيعتها بالتدريج وتكون فيها افرازات المهبل والرحم رديئة الرائحة؛ وإذا كانت الرائحة غير رديئة فإن هذا مؤشر سيئ؛ وحيث إن الإصابة تكون شديدة لكن متوسط عمر المرض عادة ما يكون بين 4-5 أيام.

علاج النفاس:

يكون العلاج معتمداً أساساً على العلاج النوعي بإمداد الجسم بالأدوية التي يقضي بها على الجراثيم الضارة، والنوع الآخر من العلاج يكون علاجاً شاملاً بتقوية كل الخطوط الدفاعية حتى لا ينتشر المرض ويظل محصوراً في حيز معين.

وأما الطريقة الأولى فيتم علاجها باستخدام المضادات الحيوية مثل البنسلينات وهي تقضي على الجراثيم وتعطي نتائج عظيمة لها مفعول السحر وخاصة على نوع الجراثيم السبحية وهي نوع شديد فتاك.

أما الطريقة الثانية في العلاج والخاصة بتدعيم الخطوط الدفاعية الأولى للجسم وهي تتمثل في الراحة التامة والسرير وزيادة كمية السوائل والماء أكثر من 5 لترات والاستمتاع بالهواء النقي والشمس وتناول أطعمة سهلة الهضم عظيمة القيمة الغذائية والحرارية إلى جانب العناية المركزة من الممرضة المدربة مع رفع السرير عادة من عند الرأس حتى تنزل الإصابة إلى أسفل بدلاً من أن تصعد إلى البطن كذلك ينقل للمريضة حوالي 200 سم3 من الدم كل يومين أو ثلاثة أيام؛ وهذا الدم يغذي المريضة وينعشها ويقوي خطوطها الدفاعية وإذا انحصر المرض في مكانٍ واحد كأن نتج عنها خراج يتدخل الجراح ليخرج الصديد كذلك تستخدم مادة الأرجوت لتحدث انقباضات وانكماشات في الرحم؛ وهو مفيد في المراحل الأولى من المرض ويمكن أيضاً استخدام المهدئات لتخفيف الآلام وجلب النوم؛ ويجب أن تعي المرأة حينها أن حمى النفاس أمرٌ نادر متى اتخذت الإجراءات التي تمنع حدوثه؛ وأصبحت الوفيات قليلة جداً ونادرة أيضاً وخاصة بعد اكتشاف المضادات الحيوية والعمل بالإجراءات الوقائية الناجعة.