​والده يتحدث عنه لـ"فلسطين" في ذكراه العاشرة

حمزة خليل الحية.. طلبَ من والدته قُبلةً لأنها "لن تجد مكانًا"

من مقابلة الزميل يحيى اليعقوبي مع عضو المكتب السياسي لحماس خليل الحية (تصوير / محمود أبو حصيرة)
غزة - يحيى اليعقوبي

هي واحدة من القصص الحية التي لا تموت، والتي صنعها أصحابها وكتبوها في سجلات البطولة والتضحية، فكيف إن كانت تخص واحدًا ممن تفخر بهم الأمة، الذين قدموا حياتهم فداءً لدينهم ووطنهم، الشهيد "حمزة خليل الحية" مسؤول الوحدة المدفعية في كتيبة الشجاعية بكتائب الشهيد عز الدين القسام.

إلى والدي والد الشهداء القائد خليل الحية "أبو أسامة" مرّت الذكرى العاشرة على غيابي عنكم، فيها فقدتم شيئا كبيرا وابنًا عزيزا، وكأن الجميع هنا ما زال يشعر بالفراق.. ما تقوله هذا يا أبتِ يذيب المشاعر ويدغدغ نيران الأشواق: "في ذكرى استشهاد حمزة خليل الحية المبارك حيا وميتا، ربما لا أبالغ إن قلت كأنه استشهد قبل شهر أو قبل عام، لأنه رغم مرور عشر سنوات على فراقه إلا أنه لم يفارقنا يوما إطلاقا".

"في يوم استشهاد حمزة، نحن على عهدك سائرون، وأمنيتنا أن يجمعنا الله بك أنت وأخوك أسامة وأعمامك وأصحابك وأحبابك في الجنان.. نشعر ببركته في حياته وفي استشهاده وبعد استشهاده، إذ ترك لنا بصمات في حياته، فرغم طول الفراق واستشهاد أخيه أسامة وأبناء أخيه وزوجة أخيه وبني عمومته، لحمزة شخصية ومكانة خاصة".

شخصية قيادية

ما أجملك يا أبي وأنت تقلب دفتر الذكريات التي يغلفها الحنين، فتقول: "حمزة رغم صغر سنه عند استشهاده إذ كان يبلغ من العمر 22 عامًا، إلا أنه كان يتمتع بشخصية قيادية ظهرت ملامحها مبكرًا، وكان صاحب عزيمة قوية، هو ابني الذي لا يعرف الخوف إلى قلبه طريقًا.. في مشاهد متعددة يجبن الرجال ولا يجبن حمزة، يتراجع الرجال ولا يتراجع حمزة، في أشد الظروف حلكة كنت ترى حمزة المجاهد المتقدم الصابر الذكي الذي يقدم حياة الآخرين على حياته".

ما زلت يا أبتِ تفتش في صفحات ذلك الدفتر الذي تعيد سيرته، وأنت تنتقي موقفا تقف الحروف حائرة أمامه: "في يوم زواج شقيقته، كان حمزة في مهمة جهادية، وافتقدته وعتبت عليه"، سألتني حينها: "أين أنت يا حمزة؟" فأخبرتك أني في مهمة وطالما أنك موجود فإنك تسد غيابي، ولا يعقل أن أكلف من هم تحت إمرتي وأتركهم، وأخشى حدوث أي مفاجآت فلا أعفي نفسي من المسؤولية ولا يعفيني إخواني"، تعيش تلك اللحظة مندهشا: "ربما كان إخوانه سيعفونه نظرا لزفاف شقيقته لكنه لم يعف نفسه".

ما أسرع اللحظات إذ تمضي, لكن كيف يستطيع القلب غفلانها وهي محفورة على جدرانه، وها أنت مرة أخرى تتوقف عند محطة أخرى، فجميل الاسم والصفة أنت يا أبي بقولك: "تمتع حمزة بقدرة هائلة على احتواء الشباب الذين من الصعب السيطرة عليهم، وذلك أثناء توليه مسؤولية في العمل الجماهيري التنظيمي، قبل أن يكون مسؤولا بسلاح المدفعية بكتائب القسام بمنطقة الشجاعية".

لم تنتهِ بعد وكأنك تعيش ذلك اليوم من جديد: "كُلف حمزة بالعمل الجماهيري في المسجد، وكان كذلك مسؤولا عن العمل الجماهيري بمنطقة الشجاعية، واستطاع جمع الشباب حوله واحتواءهم، ويوما طلب كتابة شيء ما من أحد الذين يجيدون الكتابة بخط مميز على الملصقات، وأمام تجاهل طلبه من ذلك الشخص، قرر حمزة الانخراط في دورة تعليم كتابة الخط العربي لمدة ثلاثة أشهر".

"بعدها أصبح حمزة الذي كان لا يستطيع أن يكتب على اللوحات والجدران، الأول في الشجاعية الذي يكتب لافتات في ذكرى انطلاقة حركة حماس، وفي كل الأماكن"... بهذا تضع النقطة الأخيرة على هذه المحطة، فما أجملك وأنت تواصل الثناء على نجلك الهمام: "في ليالي العيد ربما تجد الشباب يذهبون هنا وهناك، لكن حمزة كان في كثير من مناسبات الأعياد يواصل الليل كله وهو يكتب ويخطّط ويجهز، وبعد صلاة العيد بدلا من أن يذهب لزيارة أرحامه يذهب للنوم لأنه لم ينَم طوال الليل، وبعد استيقاظه يذهب لزيارة الأرحام.. هذا حمزة وهذه الشخصية العصامية القوية في حياته".

الزواج ليس في البال

"من الطريف، كان يلح أصدقاؤه عليّ أن أزوجه، وكنت أقول من يأتيني بموافقة حمزة على الزواج وسأعطيه 100 دولار".. تعيش ذلك المشهد: "كان الشباب يتشجعون ويذهبون إليه لكنه لم يخطر على باله أن يتزوج".

صوتك بدا كجمرة أذابها الفراق رغم تماسكه وصلابته وأنت ما زلت تفتح شريط الذكريات: "كانت والدته تلح عليه بالزواج وكنت أعرض عليه كذلك فيرفض، وذات يوم كانت أمه لمحبتها له تحضر له كعادتها طعام العشاء قبل أن تنام وتتركه مغطى، وحينما يأتي للبيت من جهاده متأخرا، تستيقظ والدة الشهداء (أم أسامة) عند وصول حمزة البيت".

في ذلك المساء الذي تكحلت فيه السماء كعادتها باللون الأسود، قلت لأمي يا والدتي من هي التي ستتحملني وتفعل لي ما تفعلينه أنت، تريدين تزويجي لأتحمل عبء بنات الناس ويتحملن همومي وتعبي، اعتقي بنات الناس وأنا سعيد على هذا الحال.

ما أجملك يا أبتِ وأنت تواصل الثناء بحروف من نور: "حمزة تمتع بأفق كبير، فكان يرى اندفاع الشباب للاستشهاد، ويقول لا أحب أن أموت سريعا، أحب أن يطيل الله في عمري، وأبلي بلاء حسنا، وأحقق إنجازات على طريق التحرير، بعد ذلك يكتب الله لي الشهادة، لا أريد أن أموت اليوم ولا استعجل الشهادة على حبي لها، لكن أريد بذل كل ما بوسعي لأحدث ضربات بالعدو على طريق التحرير".

ومما لا يزال عالقًا في تلابيب ذاكرتك، أسئلة بعض الأصدقاء لشقيقي الأكبر "الشهيد أسامة" عن عمري، وحينما كانوا يعرفون أنني لم اتجاوز 22 عاما يصابون بالذهول، إذ كانوا يعتقدون -لما أملك من عقلية راجحة وقوة شخصية وإرادة نافذة على من هم أكبر مني في السن والأسبق في العمل- أنني أبلغ من العمر 30 عاما.

تقلّب صفحة ومحطة أخرى، في السطر الأول من درس البطولة والكتمان، وأنت تقول: "كان حمزة وهو في الثانوية العامة يقف مدربا في القسام، وكان يقف أمام المنخرطين بالدورات العسكرية مُلثّما ويقوم بتغيير نبرة صوته، حتى لا يعرفه أقرب المقربين إليه في الحي".

القائد الملثم

"ما تزعلش يا حمزة، أنت عشانك في توجيهي الإخوة مش راضيين يشغلوك بالقسام، لما تخلص بشغلوك" كان هذا الكلام الذي يوجهه بعض أبناء الحي ولا يعرفون أن من يوجهون إليه الكلام هو المدرب الذي يقف أمامهم في الدورات.

في الجزء الثاني من فصل الشجاعة، تتوقف قائلا: "ذات يوم وعلى السلك الحدودي الشرقي الفاصل لمدينة غزة، كان حمزة ذاهبا ليضع عبوة هو ومن معه، لم يكن هو المكلف بوضعها إذ إن المكلف شخص آخر، لكن عندما حمل العبوة وجد حمزة ذلك الشخص مترددا، فأخذها وحملها ووضعها فهذا واحد من مشاهد عدة في جرأته وإقدامه".

وما زلت تستذكر: "في إحدى المهام الجهادية في شهر رمضان، وبعد مكوث حمزة مع مجموعة من المجاهدين، لاستطلاع الحدود، أذّن المغرب ولم يجدوا ما يأكلونه إلا ورق العنب الذي أفطروا به".

تسحبك مواقف وذكريات ومحطات، فتنتقي إحداها: "في يوم استشهاد بعض أفراد العائلة بعد قصف ديوان العائلة من إحدى دبابات الاحتلال الإسرائيلي عام 2007، تأثر حمزة لاستشهاد أبناء عمومته وبكى بكاء حارا، وفي حفل تأبين الشهداء كتب كلمة باسم عائلة الحية، وأخبرني بها، وقرأها علي بعد أن التقيت به في مكان ما نظرا للظرف الأمني، وكانت قوية".

"ومزيد من شهداء العائلة قادم، هذه آخر كلمة قالها حمزة وهو يعاهد الله أن يستمر على درب الشهداء في كلمته التي ألقاها في حفل التأبين، قال هذه الكلمة في مايو/ أيار من عام 2007، واستشهد في فبراير من العام التالي، وكان أول الشهداء".. بها تطوي صفحات الدفتر وتنتقل إلى الصفحة الأخيرة واليوم الذي لا يُنسى.

الغداء الأخير

الأربعاء، 27 فبراير/ شباط 2008، هاجم الاحتلال بعض أبناء القسام في محافظة خان يونس، وردت الكتائب على الاستهداف، يتجرع الكلام مرارة وصف ذلك اليوم الذي بدا جميلا وأنت تقول: "جمعنا الغداء الأخير يوم الأربعاء، وبعدها وقف حمزة على باب البيت وردّ التحية وأشار بيده، فوقع هاجس بنفسي أنه الوداع الأخير وانطلق حمزة ولم يعد".

ما زلت تروي تلك المحطة الفارقة: "أصرّ حمزة أن تُقبله والدته قبل خروجه".

وأخبرت أمي حينها أنني أخشى أن لا تجد مكانا من جسدي تقبلني فيه، من أعماق الذاكرة تعود إلى تلك اللحظة: "كان ليل الأربعاء حافلا بالمواجهة والدفاع عن الشعب في أماكن متعددة بقطاع غزة، وفي صباح الخميس لم يعد حمزة للبيت وكنت مع زوجتي (أم أسامة) أستمع للإذاعة، وإذ بخبر يذاع عن استشهاد أحد أبناء قيادات حماس، مباشرة وقع بقلبي أنه حمزة".

وكأنه حدس داخلي وقع على قلبكَ يا أبتِ: "يا أم أسامة هل يمكن أن يكون حمزة؟ إذا كان حمزة تحملي واصبري، وبعد لحظات تأكد النبأ بأنه نجل القائد خليل الحية، حينها لم أتمالك نفسي وقلت (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وصليت ركعتين وخرجت مسرعا".

في مشاهد كهذه تقف الحروف حائرة في وصف صعوبة الموقف وقسوته، وكأنك تعيشه اليوم: "حينما ذهبت للمشفى، كنت أعرف ملابس نجلي، وكانت ملامح وجهه غير ظاهرة، وفعلا لم أجد مكانا أقبله منه، إلا أعلى وجهه، وقلت لوالدته صدق الله فصدقه لا تكشفي عن وجهه لأنه كما أخبرك لن تجدي مكانا تقبلينه منه".

وهكذا انسدل الستار على قصة الشهيد حمزة خليل الحية الذي استشهد بعد استهدافه من قبل طائرة استطلاع إسرائيلية أثناء رصده مع مجموعة من أبناء القسام يقومون بقصف المستوطنات الإسرائيلية بالصواريخ والقذائف.