إقرأ المزيد


#حماس_29

عبد الله العقاد
أحد ١١ ١٢ / ٢٠١٦

(1)

لم يكن الرابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر عام 1987 يومًا عاديًّا في الساحة الفلسطينية، حيث البيان الأول لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وقد أمضت يومها الهبة الجماهيرية الغاضبة سبعة أيامٍ والتي انطلقت في الثامن من هذا الشهر؛ ردًا على جرائم الاحتلال وما كان آخرها مقتل العمّال الفلسطينيين الذين قضوا دهسًا بمقطورة يقودها صهيوني مُعبأ بالكراهية والحقد للعرب والمسلمين.

وأمام هذا الانفجار الثوري العفوي في شكله، المتراكم في جوهره كان لا بد من قيادة حركة الإخوان المسلمين أن تأخذ القرار الوطني التاريخي، وقد حانت اللحظة الفارقة في تاريخ الصراع، ودنت المناسبة الوطنية أن يلتحم الشباب المسلم الذي تربّى على موائد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة..

وغُرست فيه فلسطين كعقيدة ثابتة غير قابلة للشك أو الارتياب، من أنّها أرض المحشر والمنشر، وأن فيها أقصى البركات (المسجد الأقصى المبارك) والذي بُورك ما حوله، وأنّ فلسطين كلّها غير قابلة للقسمة أو التجزئة بأي حالٍ من الأحوال، فكلّها للمسلمين موقوفة على مرّ التاريخ، وحق أكيد للأجيال المتعاقبين.. ليس بمقدور أحد كائنًا من كان، أن يتنازل عن أي شبر منها.

وإنّ العجز العربي والغياب عن الشهود الحضاري للمسلمين لا يبرر مطلقًا الانكسار، أو التسليم بالاحتلال كحقيقة تعطيه المشروعية للبقاء على هذه الأرض التي اغتصبت بالقوة المسلحة، في ظلّ إسناد استعماري مستمر وقوي للعصابات الصهيونية المجرمة التي أقامت كيانها على شلالات من الدماء، وأكوام من جماجم الأبرياء، ومئات من المجازر بحق المدنيين الآمنين الذين هجرّ من تبقى منهم في الأرض التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم..

(2)

أجل، بهذه العقيدة وبهذا الإيمان بأحقيتنا بأرضنا المقدسة التي تملأ قلوب الشباب الذين خرجوا بتوجيهات مباشرة من قيادة الإخوان؛ ليلتحموا في ميادين المواجهات مع أهلهم لمقارعة قوات الاحتلال التي ما فتئت أن تمارس العنجهية والغطرسة في مواجه هذه الروح الجهادية المتطلعة للنصر أو الشهادة..

ولكنّها، أدركت بعد أن مارست كلّ ما تقوى عليه من أساليب مجرمة؛ فكانت الاعتقالات بالجملة، والرصاص الحي، واستخدام غازات الأعصاب، ومورست بقصد سياسة تكسير العظام التي نادى بها المُجرم اسحاق رابين يومها حين كان وزيرًا للدفاع.

ولكن، مع كلّ إجرام كان يُمارسه الاحتلال كانت الانتفاضة تزداد شراسة، وروح الثورة تزداد عنفوانًا، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من حياة الناس، وأخذت تتطور في أشكالها الثورية وطرقها المتنوعة في التعبير عن رفضها للإذعان لعصابات الاحتلال وسلطاته القهرية.

فكان لهؤلاء الشباب المؤمن أن يبدع أيّما إبداع في إيلام العدو الغاصب، فكان الخطف لجنوده الأشرار.. إيلان سعدون، وايفي ساسبورتس، ونسيم طوليدانو، ونخشون فكسمان وغيرهم،

وكذلك، ما كان من تصيّد جنود الاحتلال ومستوطنيه، وقتلهم من النقطة صفر وأخذ سلاحهم الناري..

عندها لم يجد العدو المحتل بُدًّا، إلّا أن يخرج كل من يظنّ أنّهم قيادة للانتفاضة الفلسطينية التي أرهقته واستنزفت قواه؛ فيلقي بالمئات من النخب الفلسطينيين في جنوب لبنان، في تحدٍ للقوانين والأعراف الدولية ومقررات حقوق الإنسان.

غير أنّ الانتفاضة استمرت في تصاعدها وتوالت معها البيانات الجماهيرية التي تُوجّه الثائرين بعد البيان الأول دون انقطاع.

(3)

وكانت حركة حماس والقيادة الموحدة (فصائل م. ت. ف) وحركة الجهاد الإسلامي.. عناوين بارزة لا يمكن تجاوزها وهي توجه فعاليات الانتفاضة الشعبية على مدار سنواتها السبع، شهرًا بشهر.

وقد شكّلوا مجتمعين في محطات كثيرة أيقونة للوحدة الوطنية، والتلاحم في الصفوف من خلال العمليات الفدائية المشتركة، إلا ما كان يقع من خلافات بينها في القليل النادر، غير أن التئام الصّف ووحدة الكلمة كان السمة البارزة وهي الروح السائدة.

ومع كلّ تصاعد للمقاومة في مسيرة الانتفاضة الشعبية التي ابتدأت بالحجارة والزجاجات الحارقة كانت حركة حماس تتصدر العناوين الأولى وهي تسهم بكل ما أوتيت من قوة وروح تحدٍ عظيمة، وهي تزف الشهداء في معارك المدن والمخيمات.

وفي أعوام قليلة استطاعت حماس أن تضرب الكيان في سلسلة عمليات فدائية (استشهادية) بطولية في المدن الكبرى (المحتلة 48)، فكانت عملية التفجير في العفولة وعملية الخضيرة وعملية ديزنكوف..

فشكّلت هذه العمليات الكبرى مرحلة فارقة في مسيرة الصراع والمواجهة؛ فلم يعد العدو يحتمل هذا الخطر الداهم أكثر ولا سيما وهو يداهمه في عقر (دارنا) المغتصبة..

(4)

وقد جرّب العدو الصهيوني كلّ قوات الإرهاب والبطش والتنكيل والإجرام وغير ذلك من العقوبات الجماعية، إلا أنّها لم تفتّ في عضد الشعب الفلسطيني المصمم على التحرير ونيل حريته بكرامة، وبثمنها الذي تستحقّه برغبة منه وإرادة.

وهنا، كان يتم تدشين انطلاق المسار الوهمي الذي خُدع فيه جُزءٌ من القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، وقد أطبقت عليها كثير من الأنظمة العربية بعد حرب الخليج الأولى وتحرير الكويت، وما كان من الموقف الرسمي لهذه القيادة الذي فُسّر أنّه مؤيد لاحتلال العراق لدولة الكويت..

فتحت هذا الواقع القاهر، وجدت هذه الجزء من القيادة ما يمكن أن يبرر لها أن تمخر في غياهب الخطيئة الوطنية عبر دهاليز أوسلو وما أنتجته من واقع زاد من تعقيدات القضية الفلسطينية بل منح فرصة ذهبية للاحتلال ليلتقط فيها أنفاسه ويتخفف من أعباء احتلاله للأرض وأهلها الفلسطينيين الرافضين له.

غير أنّ حركة حماس تصبّرت واصطبرت على ما أوجبته أوسلو وملحقاتها من اتفاقيات وتفاهمات فرضت استحقاقات على القيادة الفلسطينية المتنفذة ليس إدانة المقاومة الفلسطينية فحسب بل أكثر ما كان حيث نبذها (هذا يوجب الملاحقة).

فكانت الملاحقة وعمليات إزالة البنى التحتية للروح الثورية التي تحصنت فيها المقاومة الوطنية في مسيرتها النضالية.. وهنا أذكر المساجد والجامعات والمؤسسات الوطنية التي داهمتها أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في عمليات دهم وملاحقة متواصلة.

حتى ظنت أنّها أجهزت عليها، كل ذلك قربانًا لاسترضاء الاحتلال، وانتظارًا منه كي يمنحنا مولد الدولة الفلسطينية الذي انتظر طويلًا ولم يأت بعد..!

لتأتي بعدها الموجة الثورية الثانية، فكانت انتفاضة الأقصى وحركة حماس ما زالت يد ثلة من مجاهديها قابضة على الزناد؛ فتلتحم من جديد في المسيرة النضالية وهي أكثر مضاء وعزيمة وصِدقًا في انتزاع الحرية وكنس الاستيطان من الأرض الفلسطينية.

وما هي إلا أعوام خمسة حتى أيقن العدو المحتل أنّه لا مقام له في كل غزة فكان قرار الرحيل وتفكيك المغتصبات..

(5)

حركة حماس هي قدر الله الغالب، ووعده المنتظر.. فيها رجالٌ أشداء على الكفار، رحماء بينهم، خلّوا بينها وفلسطين؛ فإنّها منصورة، بإذن الله، لا يضرّها من خالفها، ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله.

ليس هذا افتئاتًا بل يقينًا نراه رأي العين، وقد استعصى رجال حماس ومن حالفهم على الهزيمة في معارك كبيرة، أو الترويض بقبول الواقع أو الارتضاء به؛ فتركوها تمضي فإنها مأمورة لتحقق وعد الآخرة وتتبير ما علاه الفاسدون في الأرض من علوهم الكبير.

[email protected]

مواضيع متعلقة: