​حمام السمرة.. عراقة ودفء يجلبان الراحة

غزة - نسمة حمتو

في زقاق لا تتجاوز مساحته الخمسين مترًا يوجد سلم حديدي تعبر من خلاله إلى حمام السمرة، ومن الخارج تجد حجارة قديمة تعود إلى العهد العثماني، في مدخل الحمام من الجهة اليمنى يوجد "مذياع قديم" يعود لأكثر من 150 عامًا وفي الأعلى أرفف زجاجية وضعت عليها بكارج تعود لأكثر من 100 عام، هناك حيث المكان التاريخي الذي يرتاده الصفوة والعامة من الناس لا فرق بينهم سوى في دفع الأجر لصاحب الحمام.

تراث قديم

في الحمام يوجد "نافورة" مياه تتوسط المكان مُعطلة منذ سنوات طويلة وفي الجهة الشمالية "صالون كبير" مفروش ببُسط مخيطة بالصوف الملون ووسائد مربعة الشكل مزركشة ومحاكة بخيوط صوفية جميلة.

وفي جانب الصالون يوجد "موقد" قديم قد اشتراه صاحب الحمام قبل عشرات السنوات يعلوه هلال ذهبي مصنوع من النحاس.

وعلى الرغم من قدم الحمام الذي يشير أحد النقوش بداخله إلى أن أول ترميم له يعود إلى أوائل زمن العهد المملوكي، عندما قام الملك سنجر بن عبد الله المؤيدي بتجديده عام 685هـ، فإنه اكتسب في السنوات الأخيرة شهرة كبيرة وإقبالا متزايدا من قبل الغزيين مقارنة بالأعوام السابقة.

يقول أحد مالكي الحمام ومديره سليم الوزير (67 عامًا) والذي يعمل في إدارة المكان منذ ما يزيد على 47 عامًا: "كان والدي رحمه الله يعمل في هذا المكان، وتعود ملكيته الأصلية لآل رضوان الذين حصلوا عليه من الأتراك، قام جدي في البداية باستئجار المكان من أصحابه ومن ثم اشتراه قبل حوالي 150 عامًا من آل رضوان".

وزراء ورؤساء بلديات

وتابع قوله: "هذا المكان كان يأتي عليه شخصيات مهمة في الدولة ورؤساء بلديات قدامى حتى عصر رشاد الشوا الذي كان يزور الحمام باستمرار".

وعن بداية تأسيس هذا الحمام أضاف الوزير: "قديماً لم يكن هناك خطوط مياه موصولة بالمنازل فمن أرد الاستحمام كان يأتي لهذا الحمام كنظافة وعلاج في نفس الوقت".

أما فيما يتعلق باختيار العاملين في الحمام قال: "خبرتنا في الحياة وعدم مغادرة المكان تعطينا حنكة في اختيار أي شخص يعمل في التدليك مع ضرورة اختيار شخص أمين يحفظ الأسرار".

ويرى الوزير أن أكثر المقبلين على الحمام في هذه الفترة هم "العرسان" وهي عادة قديمة حديثة ولكنها زادت في هذه الأيام بسبب عدم وجود أماكن سياحية خاصة لاستجمام العرسان وتدليكهم، حتى العرائس يقمن في بعض الأحيان حفلات الحنة ويحتفلن قبل الزفاف".

أما عن مواعيد العمل أضاف: "العمل في الحمام يبدأ من الساعة الخامسة صباحاً وحتى الساعة الحادية عشرة ظهراً، وفترة النساء من الساعة 11 ونص ظهراً وحتى الساعة الثالثة ونصف ما عدا يوم الجمعة وهناك فترة ثالثة للرجال تبدأ من الساعة الرابعة عصراً وحتى الساعة العاشرة ليلاً".

رحلات سياحية

يتوافد على الحمام الأجانب والرحلات المدرسية وطلاب الجامعات لعمل البحوث عن هذا المكان الأثري الذي يقدر عمره بألف عام.

يحاول الوزير تعليم أبنائه المهنة ذاتها ليبقى المكان متوارثًا بين الأجيال ويحافظ على مكانته التاريخية العريقة.

في الحمام توجد صالة خارجية وهي تستخدم بعد الانتهاء من الحمام كي لا يتعرض الزائر لأي تيار هواء ساخن ويستشهد الوزير في ذلك بقول: "لذا يقولون في هذه المناسبة دخول الحمام ليس كخروجه".

ولا يزال الوزير يحتفظ بالأدوات القديمة التي كانت تستخدم في الحمام مثل الأواني والكراسي القديمة التي تحمل عبق التراث، وهو يحرص في كل مرة على تجديد المكان بشكل يتناسب مع التراث الفلسطيني والعصر القديم.

للاستجمام

وقال: "كثير من المرضى بفضل الله تم شفاؤهم بعد زيارة الحمام، فمن يعاني من الغضروف أو آلام في العضلات أو تأخر في الإنجاب يأتي لهذا المكان ويتم علاجه بإذن الله وكثير من الزبائن تم شفاؤهم وعادوا مرة أخرى للحمام ليشكروني".

كما ويوجد في الحمام قسم خاص لقطع الخوفة من مختصين يختارهم الوزير وقسم آخر للعلاج الطبيعي والذي يعتمد بشكل كبير على البخار الذي يخرج من الغرفة الخاصة بالتدليك.

ويحتفظ الوزير بكتاب خاص لكبار الزوار في المكان يكتبون له عبارات شكر على الزيارة وإطراء بالمكان ومنهم كانت إحدى الطبيبات العاملات في منظمة أطباء العالم قالت في رسالة لها: "كنت أعاني من آلام الظهر وارتفاع نسبة السكر وبعد زيارتي للمكان شعرت بنسبة تحسن كبيرة، أنصح الناس بزيارة هذا المكان".

قسم النساء

في القسم الآخر من الحمام وهو قسم النساء اللواتي يأتين للتخلص من آلام العمود الفقري وشد الأعصاب وقطع الخوفة وتأخر الإنجاب.

في الحمام الداخلي يوجد غرفة خاصة يجلس فيها الزبائن تسمى غرفة البخار وهي ساخنة جداً، ولكنها تمنح الجسم راحة كبيرة بفضل البخار الخارج من المكان.

تقول سامية أبو نجيله إحدى العاملات القدامى في حمام السمرة: "الحمام يعتبر علاجا لكثير من الأمراض التي نعاني منها في الوقت الحالي خاصة أمراض العضلات، كما أنه يعتبر علاجا لجفاف البشرة وتنقيتها من الشوائب من خلال بعض الأقنعة الخاصة التي يتم صنعها في المكان".

وأضافت: "أصبحنا نستخدم الحمام المغربي خاصة للعرائس وكاسات الهواء التي تساعد في التخلص من آلام الظهر وطين البحر الأبيض المتوسط والتي توضع على الوجه وتفتح المسامات".

إعداد العروس

وعن الخطة التي تسير نحوها العروس منذ بداية دخولها للحمام قالت: "في البداية نطلب منها عمل بخار لمدة 10 دقائق حتى يستفيد الجسم ومن ثم يتم عمل سنفرة للوجه والعضلات، ثم نضع قناع خاص لإزالة الزيوان من الوجه وتفتيح البشرة".

وتابعت: "وبعدها يتم عمل ليفة مغربية وتدليك الجسم بخلطة من الزيوت الطبيعية معدة من زيت الخس والزيوت واللوز نبدأ أولا من أسفل الرأس باتجاه الرقبة ومن ثم الأكتاف للتخلص من الألم والتشنجات".

تستطيع أو نجيله معرفة الخوفة عند النساء وإذا كانت مصابة بمس شيطاني ولا تقوم بأي عمل دون قراءة بعض آيات القرآن الكريم على المريض حتى يساعد ذلك في الشفاء بإذن الله.

وأكملت أبو نجيله حديثها وهي تحاول مساعدة إحدى الزائرات للحمام في وضع مسحوق خاص لتبييض البشرة: "في أول مرة تأتي فيها الزبونة للحمام يكون الأمر متعب جداً بالنسبة لها ولكن بعد ذلك تعتاد الأمر وتصبح أكثر تقبلاً لحرارة الحمام".

في حمام السمرة المعاملة الطيبة هي أساس إقبال الزبائن على الحمام بشكل كبير خاصة الشباب والفتيات لما له من أهمية كبيرة في التخلص من الكثير من آلام الجسم، وقد ينصح به بعض الأطباء للمساعدة على استرخاء الأعصاب والتخلص من الاكتئاب.