"حلقات بشرية" رمضانية في "قلب غزة"

غزة/ نبيل سنونو:

يعيش الغزيون أجواء رمضان على نحوٍ لافت للانتباه، فهم يهتمون بكل تفاصيل الشهر الكريم متعالين على جراح الحصار الطويل لقطاع غزة المحاصَر منذ 13 سنة.

ولعل غزة التي مثلت مصدر إلهام لكثير من الشعوب بنضالها وصمودها تمثل إلهامًا أيضًا في الخير المشهود في شوارعها، وأزقتها، وأماكنها كافة.

قراءة وتعاون

في مدينة غزة العتيقة حيث تنتشر المساجد التي لم يسلم بعضها من قصف الاحتلال، يتنافس الأطفال والكبار في قراءة القرآن الكريم.

ويشكلون جميعهم حلقة يتلون فيها ما تيسر من القرآن، ويتخذون من ذلك فرصة لمراجعة أحكام التلاوة والتجويد، ومعاني السور والآيات.

ويتعمد المشاركون في الحلقة طرح الأسئلة بين كل سورة وأخرى، لتعزيز فهم مقاصدها، إذ إنهم يجدون في المساجد بيئة هادئة لتحقيق ذلك.

كما أنهم يجدون في تلك الحلقات ما يمثل لهم تطبيقًا عمليًّا للتكاتف والتعاون، واستثمار الوقت بما ينفعهم.

ويتسابق كل منهم في عرض جمال صوته، وتطور قدراته، إلى جانب حرصهم على المشاركة في أي مسابقة للفوز بمراتبها الأولى.

وتنتشر تلك الحلقات، خصوصًا في أوقات ما قبل وبعد الصلوات الخمسة.

غير عادي

يختار بعض الغزيين شواطئ البحر الذي يمثل متنفسًا لهم، لإقامة موائد الإفطار، وهناك يستمتعون قبل ضرب مدفع الإفطار بمشهد غروب الشمس التي تطوي أشعتها وتعكس لونها الأحمر على مياه البحر الزرقاء.

ولا يقتصر هذا الخيار على الشبان فحسب، وإنما يشمل أيضًا بعض العائلات التي تحضر بكامل أفرادها، وتلتف حول الموائد انتظارًا لأذان المغرب.

وتلجأ استراحات الاصطياف إلى تزيين مقاعدها وزواياها بما يوائم أجواء الشهر الكريم، سعيًا لجذب الصائمين الذين يبحثون عن المكان الأفضل للإفطار.

ويمثل ذلك فرصة يستأنس فيها الغزيون بالحضور الجماعي، ويستشعرون فيه وحدتهم في الصيام والإفطار، وتحقيق غايات وتعاليم الإسلام من ذلك.

جريشة

في "قلب غزة" -وتحديدًا حي الشجاعية شرقي غزة- اعتاد رجل أربعيني الطبخ أمام العامة وسط سوق شعبي.

ويُجهز الرجل، بعد عصر كل يوم من رمضان، مجموعة من الأخشاب التي يشعلها تحت إناء كبير يطهو فيه الجريشة، وهي أكلة تراثية فلسطينية، وتشمل البصل المفروم واللحم وحبوب القمح والماء.

ويشكل ذلك مزيجًا من أجواء المرح والتثقف بالتراث وتعليم الطبخ التي يعيشها المتسوقون هناك، وتلهمهم لمعرفة المزيد عنها.

ويخاطب المواطن القادمين إليه لسؤاله عن هدف ذلك، بالقول: "أسعى إلى نشر التراث الفلسطيني، وأيضًا كسب أجر إفطار أكبر عدد من الصائمين المارة"، وإنه يذبح في سبيل ذلك خروفًا كل ثلاثة أيام، فضلًا عن أنه لجأ إلى تربية مجموعة من الخراف لأخذ لحومها اللازمة للجريشة.

وما إنْ يرفع غطاء الإناء إيذانًا بجهوزية ما طهاه للتناول عند أذان المغرب، حتى يقبل عليه كثيرون، مشكلين حلقة حول الإناء، للتعرف إلى هذه الأكلة التي ربما لا يعرفها الأطفال، على وجه الخصوص.