​حلم "ياسر مرتجى" لم يمت.. و"عبد الرحمن" يحيي ابتسامة أبيه

غزة- يحيى اليعقوبي:



صحفي فلسطيني كان يمارس عمله المهني، يرتدي خوذة ودرعًا صحفية تحميه في القانون الدولي وتكفل له ممارسة عمله الصحفي بحرية؛ لكنها على الأرض لم تحمه من رصاصة إسرائيلية، قتلته قبل عام، لكن -وإن رحل الصحفي الفلسطيني ياسر مرتجى (30 عامًا) شهيدًا في جريمة إسرائيلية- بقي حلمه وشركته "عين ميديا" ينبضان بروحه.

حلم أن يسافر خارج مدينته المحاصرة، لكنه رسم صورة مميزة لهذا السفر، أحب أن ينقل إلى العالم أنه من شعب يحب الحياة، والأمل، غادر قبل عام وبقيت سيرته تذكر الجميع بإنسانيته ومواقفه الحية التي لم تمت.

تقلب "أم ياسر" في صفحات الذكريات التي يزينها الحنين في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد نجلها في 6 نيسان (إبريل) 2018م، في أثناء حديثها إلى صحيفة "فلسطين": "ياسر نموذج رائع في بيته وأهله، مبدع في مجالات الحياة في البيت والصحافة، لا أنسى حبه لي، لا يتأخر عن تلبية ما أطلبه منه، فكان يبرني كثيرًا، يحب الرحلات العائلية رغم انشغاله في آخر مدة".

بائعة الكعك

يعرف الجميع قصة ياسر مع الطفلة "بيسان ضاهر"، التي استشهد جميع أفراد عائلتها في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014م، لكن عدد قليل يعرفون قصته مع الطفل المريض "مؤمن".

قبل عشر سنوات، تبيع فتاة عشرينية تحمل طفلًا رضيعًا بين ذراعيها "الكعك" أمام باب المسجد في الحي الذي يسكنه ياسر، استغرب بعض المصلين والمسؤولين عن إدارة المسجد وجودها لكونها صغيرة، وحاولوا إبعادها عن المسجد، لم تجد ما ترد به إلا الدموع؛ بكت بحرقة، لم تكن متسولة ولم تجد أمامها إلا بيع الكعك لأن ابنها مريض.

تأثر ياسر بقصتها، "أنا أخوك، اطلبي مني ما تحتاجين له، حتى إذا في عليك دين مش قادرة تسديه" هذا ما قاله لها، وتعهد لها بتأمين المبلغ المطلوب لها من ماله أو من أي متبرع، شرط عدم المجيء للمسجد أو بيع الكعك، وظل هذا التعهد قائمًا مدة عشر سنوات، وهو يوفر لها ذلك المبلغ أو أكثر شهريًّا، حتى جاءت السيدة بعد استشهاده إلى منزل عائلته، وروت لوالدته قصتها مع ابنها.

تفتش والدته في دفتر ذكرياتها مع نجلها، لكن مناداته لها كانت الشيء الذي لا تنساه، حتى في هذا تميز من الآخرين، فكان يناديها يا "أميَّا"، تعرفه من هذا السر إذا حطت قدماه عند عتبات البيت، يدخل عليها غالبًا يفتح كف يدها ويضربها ممازحًا، ثم يقلبها ويقبلها.

6 نيسان (إبريل) 2018م تاريخ غير مسار حياة هذه العائلة، فيه فقدت أحد أعمدتها، صحفيًّا فلسطينيًّا يرتدي خوذة ودرعه الصحفية، يغطي ويصور أحداث مسيرات العودة السلمية شرقي غزة، يقنصه برصاصة أحد جنود الاحتلال، لم تمنع كل المواثيق والقوانين الدولية ذلك الجندي من ارتكاب جريمته، وكأنه أدرك أن تلك القوانين حبر على ورق لدى كيانه المحتل.

مر عام وكأنه الأمس، ما زالت تحفظ والدته تفاصيل ذلك اليوم جيدًا، وكأنه استوطن في ذاكرتها، بهمة ونشاط كعادته استيقظ ياسر، تناول الفطور واحتسى كأسًا من الشاي بجانب "الكعك" مع والدته، أمام إسراع نجلها مبكرًا لإكمال تصوير فيلمه الوثائقي عن المسيرات مازحته: "هات الدين اللي عليك"، تواصل والدته: "مع أني مازحته غادر وعاد وأحضر الدين"، وكأنه يشعر بأنه اليوم الأخير.

الواحدة والنصف ظهرًا، وصل إلى العائلة خبر إصابة ياسر برصاصة متفجرة في البطن، الإصابة خففت وقع الحدث على قلوبهم، لكنه ظل ينزف، مع أن الأطباء أعطوه 28 وحدة دم، ليعلن استشهاده بتلك الرصاصة الساعة 12:30 بعد منتصف الليل.

"قطعة الروح"

عبد الرحمن (3 سنوات) "قطعة الروح" من ياسر التي تحمل كل تفاصيله، "صحيح أننا فقدنا جسد ياسر، ولكن صورته مطبوعة في عبد الرحمن" هذا ما يمثله الطفل لجدته، تصف حفيدها مبتسمة: "عبد الرحمن هو ياسر الصغير، يحمل حركات والده نفسها حتى طريقة كلامه، ورث الابتسامة والطيبة منه".

الجميل في هذا الطفل أنه حينما ينظر إلى صورة والده المعلقة على حائط المنزل، ويبدأ النقاش مع أفراد الأسرة أو كل ضيف يأتيهم بشأن الصورة ذاتها؛ يخبرهم: "هذا بابا"، "وين بابا؟"، ثم يجيب هذا الصغير نفسه: "هو عند الله في الجنة".

سرد الحكاية لم يتوقف، مر عام على استشهاد ياسر وكأنه الأمس على شقيقه معتصم (24 عامًا)، فما زال الجرح الذي سببه الاحتلال لأفراد هذه العائلة غائرًا، لم تسكنه الأيام أو يداوِه النسيان، يفتح قلبه من شرفة الشوق ويحرر الكلمات من قلبه: "بعد عام ما زلنا على خطى وحلم ياسر، الذي ملأ حياته برسم الابتسامة والتعامل الجيد مع الصحفيين، نفتقده بجلساتنا".

"وكانت بداية ياسر الصحفية بسيطة إذ اشترى له عمه كاميرا متواضعة"، والكلام لشقيقه بلال. وقال: "لم نتوقع أن يفتتح شركة خاصة من تلك البداية"، لكن صاحب الإرادة والقيادة والعزم والصبر بدأ يجمع مالًا من دخله حتى أسس شركة "عين ميديا"، وفاز باحتضان الجامعة الإسلامية لها، وأبصرت فكرته النور، وكان مبلغ الاحتضان كذلك بسيطًا، لكن ياسر انطلق نحو العالمية، وصنع أفلامًا وثائقية للتلفزيون العربي، ولقناة الجزيرة، كان من أشهرها حكاية الطفلة بيسان".

قتلت الرصاصة الإسرائيلية ياسر، ولكنها لم تقتل حلمه بـ"عين ميديا"، فإخوته وأصدقاؤه أكملوا الطريق بـ"روح ياسر"، حتى إن الأفلام التي كان يعمل على إتمامها ولم تكتمل باستشهاده، مثل: فيلم "ما بين معبرين" الذي يجسد معاناة السفر للغزيين، وفيلم وثائقي عن الأماكن الأثرية بخان يونس، أكملها الفريق.

وقد حاول ياسر أن يوثق مسيرات العودة بقصص وفيلم وثائقي لم يكتمل باستشهاده، لكن "عين ميديا" أكملت الفيلم، وكان ياسر هو القصة.