​هل نجح عرب 48 في معاقبة نتنياهو؟

سهيل كيوان
الجمعة ٢٠ ٠٩ / ٢٠١٩

لم يسبق لقائد سياسي صهيوني في (إسرائيل) منذ قيامها، أن وصل إلى الحضيض الذي وصل إليه رئيس الحكومة منتهي الصلاحية، بنيامين نتنياهو، في تحريضه ضد المواطنين العرب.

تفاقم تحريض نتنياهو، وازدادت شراسته، وللفت الأنظار إلى خطره، كلما فاحت رائحة الفساد من حوله أكثر، واقتربت لحظة محاسبته قضائيا، وخشيته من إنهاء حياته السياسية في ملابس مصلحة السجون، مع وصمة عار وتهمة خيانة الأمانة.

حرّض نتنياهو على منافسيه من اليسار واليمين، وعلى وسائل الإعلام، ولكنه وجّه سهامه الأشدّ سُميّة إلى المواطنين العرب، من اتهامهم بالوقوف وراء الحرائق التي تشتعل في الأحراش في مختلف مناطق البلاد خلال أيام الصيف، إلى الفرية الدموية التي نزلت على صفحته الانتخابية قبل أسبوعين، والتي قال فيها إن العرب يريدون إبادة رجالنا ونسائنا وأطفالنا، لإثارة غرائز مؤيّديه، والإمعان في حجب بصيرتهم، خصوصاً الجيل الشاب المحرَّض أصلا، الأمر الذي يعني مزيدا من الكراهية للعرب والاعتداءات عليهم، ومضايقتهم في الأمكنة العامة، والتمهيد إلى مزيد من القوانين العنصرية ضدهم، التي تهدف في نهاية المطاف إلى حرمانهم من أدنى حقوق المواطنة، ثم نزع شرعية وجودهم في وطنهم. حالة التصويت للقائمة المشتركة يوم الثلاثاء الأخير، وحصولها في كثير من البلدات العربية على أكثر من 90% من أصوات العرب الذين وصلوا إلى صناديق الاقتراع، هي نِسبٌ غير مسبوقة أبداً، تخللها كَنْسٌ للأحزاب الصهيونية بشكل شبه تام في معظم البلدات والقرى العربية الرئيسية.

خرج العرب إلى الصناديق بنسبة وصلت إلى 60% من أصحاب حق الاقتراع، وهي نسبة تزيد 10% عن آخر انتخابات جرت قبل خمسة أشهر، كثيرون منهم وصلوا للتصويت نكاية بنتنياهو، ورداً على تحريضه، وهم يدركون أنهم لم ولن يكونوا جزءاً من أي حكومة تقوم بزعامة أي حزب من الأحزاب الكبيرة، سواء الليكود أو ما يسمى المركز واليسار (أبيض أزرق)، لأنهم يعرفون بأن أي حزب من الأحزاب المتنافسة على السلطة لا يستطيع أن يشكل حكومة تعتمد على النواب العرب، فالهوة واسعة جداً في الطرح السياسي للقضايا الجوهرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتعلّق أي حكومة بالعرب سيكون عبثياً ومناقضاً لطبيعة الأحزاب الصهيونية المتنافسة في التنكر لحقوق الفلسطينيين.

معاقبة نتنياهو بزيادة نسبة التصويت عند العرب، قالت إننا قادرون على إيذاء من يصرّ على إيذائنا وشيطنتنا لتحصيل مكاسب سياسية.

نتنياهو بدأ في تمهيد الطريق لنزع شرعية وجود العربي في وطنه، من خلال قانون يهودية الدولة، تمهيداً لترحيله في وسائل شتى، بذريعة المحافظة على الطابع اليهودي للدولة، وشمل هذا القانون العنصري نزع الصفة الرسمية عن اللغة العربية، وفرض تدريس هذا القانون العنصري على منهاج التعليم العربي كما هو في المنهاج العبري، ترافقه حملة تشويه للغة العربية في الأمكنة العامة وعلى لافتات الطرق، وتفاقم عمليات هدم البيوت العربية، ورفع الغرامات المالية على البناء غير المرخص، بمبالغ تبهظ المواطن العربي، وتضعه بين خيارين، المغامرة والبناء بدون ترخيص والعيش في قلق دائم خشية الهدم والغرامات المبهظة، أو التنازل عن فكرة البناء من أصلها، الأمر الذي يعني مواصلة العيش في ازدحام سكاني كثيف، وما يجلبه هذا معه من إسقاطات على الحياة الاجتماعية كالعنف مثلا، أو البحث عن بدائل بعيدة عن مسقط رأس الإنسان وعن بلده، وحتى عن وطنه، وكلها خيارات مُرّة هدفها تفريغ البلاد من أهلها الأصليين.

معاقبة نتنياهو من خلال زيادة نسبة التصويت عند العرب، قالت إننا قادرون على إيذاء من يصرّ على إيذائنا وشيطنتنا لتحصيل مكاسب سياسية، وبغض النظر عن البديل القادم، فكلنا نعرف أن الفرق ليس جوهريا بين نتنياهو والبدائل المطروحة، نعرف تاريخهم ولا نتفاءل بأن يكونوا أفضل منه تجاه القضية الفلسطينية، وقضايا السلام والحرب في المنطقة، ولكن من المؤكد أن نتنياهو سيكون درساً وعبرة لغيره، بأن لا يجعل من التحريض على عرب 48 برنامجاً انتخابياً، لأن هذا سيعود عليه بالخسران.

كلنا ندرك بأن الكنيست لم تكن ولن تكون الموقع الذي يحقق طموحاتنا وطموحات شعبنا، فالتغيير الجذري في السياسة الإسرائيلية والدولية تجاه القضية الفلسطينية يحتاج إلى متغيّرات وأدوات فلسطينية وعربية تاريخية كبيرة، يتحول معها شعار دولة واحدة للشعبين من النهر إلى البحر شعاراً واقعياً، ولكن حتى الوصول إلى تلك المرحلة البعيدة، هناك مسافة زمنية طويلة، يواصل فلسطينيو 48 خلالها نضالهم الشعبي والرسمي، المحلي والدولي لفضح سياسة دولة الأبرتهايد والعنصرية والاحتلال، والعمل على مواصلة تثبيت أنفسهم وأجيالهم القادمة في وطنهم، متمسكين بكبريائهم وهويتهم القومية، إلى جانب تحصيل حقوقهم المدنية كمواطنين في دولة الاحتلال. كل الدلائل تشير إلى أن حقبة نتنياهو «ملك إسرائيل» قد اقتربت من نهايتها، وكان للقائمة المشتركة الدور الأقوى في هذا، وقد أصبحت الكتلة الثالثة في الكنيست بعد زيادة تمثيلها من عشرة إلى ثلاثة عشرة مقعداً، ولأول مرة في تاريخ دولة الاحتلال ومنذ النكبة، ستكون في الكنيست، كتلة عربية زعيمة للمعارضة، في مواجهة حكومة وحدة قومية صهيونية لن تكون أقل شراسة عن سابقاتها.