إقرأ المزيد


هل أنت متفائل؟

حلمي الأسمر
إثنين ١٨ ٠٩ / ٢٠١٧

سألني بانفعال: هل أنت متفائل؟، قلت له: أنا لا أعرف التفاؤل ولا التشاؤم، أؤمن بالإنجاز فقط، وما يجري على الأرض، وحتى لا أطيل عليك إليك مقالي هذا (كان اسمه سقوط الأقنعة)، لعله يجيب عما تريد أن تسأل عنه.


خلافًا لتقديرات محللين صهاينة وعرب وأجانب أعتقد أن الأمة العربية تعيش حقبة إيجابية من تاريخها الحديث، مع ما يبدو أنه سوء على أكثر من صعيد.


صحيح أن القتل في هذه الأمة كثر على نحو غير مسبوق، وأنها تشهد احترابًا بينيًّا وتمزقًا في الصف، وفجوات مهولة بين الأغنياء والفقراء دولًا وجماعات وأفرادًا، وصحيح أيضًا أن ثوراتها كما ثرواتها تُسرق وتُنهب، ولكن ثمة جانبًا مضيئًا وذا دلالة تاريخية له ما بعده، بدأنا نرى ملامحه تتشكل سريعًا، وهو متعلق بسقوط الأقنعة عن وجوه طال اختباؤها وراء عمليات تجميل، أخفت ملامح بالغة البشاعة، وأظهرت لنا تلك الوجوه الكالحة بصورة جميلة، والجمال منها براء.


لسنوات خلت كان الخطاب العربي الرسمي يدمدم بمقولة وطنية ثقيلة، مفادها أن فلسطين قضية العرب الأولى، وتناسل من هذه المقولة سلسلة من العبارات المعلبة التي تؤكد الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، والانتصار له، وعبأ الخطباء الفضاء بالكلام الرنان في محافل الدنيا كلها، وسودت ملايين الصفحات بذلك، وألفت فيه ذلك الكتب والقصائد والمعلقات، وشدا الشادون وهدرت حناجرهم بالأغاني الحماسية، وسُطرت في ذلك ملايين البيانات، وعُقدت أيضًا آلاف المؤتمرات والقمم، وكلها توعدت العدو بالثبور وعظائم الأمور، أو على الأقل أكدت موقفها الداعم للشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته المستقلة ودحر الاحتلال أكثر من ذلك، وتحت بند مواجهة الخطر الصهيوني صرفت المليارات على تسليح الجيوش، ومُنعت لقمة الخبز عن أفواه الجوعى، استعدادًا للمعركة الحاسمة مع العدو بناء لما سموه الأمن القومي العربي، وسنت لذلك التشريعات وقوانين الطوارئ والأحكام العرفية، كيف لا، والأمة في حالة حرب، واستنفار دائم؟!، ولهذا لا وقت لترف الديمقراطية ولا مسخرة الانتخابات والعدالة الاجتماعية، وسواها من حقوق فارغة ليس وقتها؛ فالأمة تمر في ظرف دقيق ومنعطف تاريخي ومرحلة حساسة تقتضي عدم الاهتمام بهذه السفاسف، وتركيز الجهد للتصدي لمخططات العدو الرامية إلى تمزيق الصف العربي، والنيل من الكرامة الوطنية والقومية، إلى آخر هذه المتوالية من الأكاذيب الكبيرة، التي قد تكون مرت على عقول الجماهير، فماذا كانت النتيجة؟!


الكيان العبري يتمدد ويقوى كل يوم، وفلسطين تذوي، ونكبتها تعربت وتوالدت فلم تقتصر على الشعب الفلسطيني، بل أنتج النظام العربي نسخًا أخرى وطبعات مزيدة ومنقحة من النكبات العربية، فأصبح تقريبًا لكل بلد عربي نكبته الخاصة به، والاحتلال الصهيوني لفلسطين امتد إلى احتلالات أخرى ملتبسة، تسللت إلى احتلال العقول والإرادات، وبدا لنا ماذا كان بعض يعني حينما يصف نفسه بنظام المقاومة والممانعة، مثلًا، أو قلعة الصمود والتصدي.


أما النقطة المضيئة في كل ذلك فهي سقوط الأقنعة عن الوجوه التي اختبأت وراءها، فلم يعد العدو عدوًّا، وأصبحت المقاومة إرهابًا بصورة رسمية والجماعات المقاومة تنظيمات إرهابية، وتبين لنا جميعًا بعد كل هذا الدجل أن من احتضن الكيان العبري وغذاه وأمده بأسباب القوة هم أنفسهم من كانوا يتوعدونه بالحساب العسير، وقد كانوا يفعلون ذلك سرًّا، وإذا هم اليوم يجاهرون بهذا، وهنا تحديدًا بداية البداية، فتلك لحظة تاريخية فارقة فعلًا في تاريخ هذه الأمة، لها ما بعدها فعلًا؛ فقد تبين للجميع الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر، ولم تعد الأكاذيب القومية والدينية تنطلي على الصغار قبل الكبار.


سقطت كل الأقنعة، ووصلنا إلى قاع القاع، ومن هنا تحديدًا تبدأ رحلة الصعود الحقيقية.


الدستور الأردنية

مواضيع متعلقة: