​هل أنا عدو نفسي؟

د. زهرة وهيب خدرج
الجمعة ٠٢ ٠٨ / ٢٠١٩

قبل أن أبدأ عرض أفكاري المتعلقة بهذا العنوان، دعونا نمر على مشهدين شاهدتهما بأم عيني، أولهما:

كنت في مؤسسة وطنية لشأن ما، كان شاب يسير أمامي في أروقتها، يكلم نفسه قائلًا: "أنا حمار، فعلًا إني أنا حمار"، وكان يمط كلمة حمار مؤكدًا عليها.

فقلت في نفسي: "أنا متيقنة من أنك حمار، ولو لم تكن لما قلت ذلك عن نفسك، أنت من قلت ولسنا نحن".

المشهد الثاني:

طفل صغير يعبر مع والده طريقًا فرعية، ترك الطفل يد والده فجأة، وبسرعة خاطفة قفز إلى الجانب الآخر من الطريق إلى كرة قديمة مهترئة يركلها بقدمه، في اللحظة ذاتها عبرت دراجة هوائية الطريق، صدمت الطفل وقذفت به أرضًا بقوة، أسرع المارة يعاينون الفتى الذي نهض واقفًا على قدميه بسرعه يزيل الغبار عن ملابسه، وفي اللحظة ذاتها شرع والده يضربه بعنف جنوني، ويشتمه بأبشع الألقاب مؤكدًا لطفله أنه مجرد "شقفة من حمار".

داخل كل منا طفل كامن، شكل الطفل هو الذي يحدد كيف نرى أنفسنا الآن، ونحن بالغون.

أجريت تجربة ذات مرة خلال عملي على مدار شهر كامل، كنت أسأل كل من أقابلهم فرديًّا: "كيف ترى نفسك؟".

ربما ستصدمون من النتيجة التي خلصت إليها: الغالبية العظمى ممن قابلتهم باختلاف فئاتهم العمرية وأوضاعهم الاجتماعية يحتفظون بصورة قاتمة لأنفسهم، ويضعون شروطًا لا حصر لها، في رأيهم لو أنها تحققت فسيصبحون أفضل الناس.

أكثر تلك المقابلات التي أشعرتني بالانكسار عندما سألت طفلًا في السادسة من عمره تفيض البراءة من عينيه: "كيف ترى عبد الله يا صغيري (وكان اسمه عبد الله)؟، فقال بصوت منكسر: "عبد الله مش منيح، مشاكله كثيرة، مشاكس، لو كان يحب والديه ما سبب لهما هذه المتاعب"، انفطرت دمعة من عيني غصبًا عني، فقلت له: "عبد أحسن إنسان في هاي الدنيا، عبد الله بحب اللعب، مش مشاكس، عبد الله يحب والديه، ولكنه طفل يحب اللعب واستكشاف ما حوله"، نظر الطفل إلي باستغراب وكأنه لا يفهم ما قلت له.

يزرع من حولنا داخلنا صورة عن أنفسنا تبدأ التشكل في لحظة ولادتنا، قد يدللوننا بشدة، قد يحبوننا، قد يقسون علينا ويعنفوننا ويعدوننا عددًا زائدًا أتينا رغمًا عن إرادة والدينا، قد يثقون بنا، وقد يعدوننا عنوانًا للفشل في هذه الدنيا.

نكبر، ونحمل الصورة التي تشكلت معنا في الطفولة الغابرة إلى نهاية الممر الذي نجتازه في هذه الحياة، ننسى الكثير مما يرتبط بطفولتنا، ولكن لإيماني بأن ذاكرة البشر انتقائية؛ فإننا لا ننسى حقيقة، ولكننا نزيح ما آلمنا وجرح نفوسنا إلى اللاواعي من عقولنا.

ننسى ما كان من حولنا يؤكده لنا: "أنت ولد عمرك ما بتنفع، بقص إيدي إذا عمرك صرت شي، أنا مش عارف كيف اللي مثلك رح يكبر ويصير أبو عيلة، والله لتخرب الدنيا"، وتستمر البروباغندا على هذا المنوال، خاصة أمام أخطائنا التي لا حصر لها، ولابد لكل بشري من أن يمر بها جزءًا لا يتجزأ من خبراته في الحياة.

لا بد أن يكسر أطباقًا وأكوابًا، ويتلف ألعابًا، ويعبث بأشياء لا تخصه فيتسبب بخرابها وهكذا، ليس لأنه" مخرب" كما يقولون، بل لأن هناك فضولًا يلح عليه ويدفعه إلى استكشاف ما حوله بطريقته وقدراته الطفولية، التي تحجب عنه المضاعفات التي ستنتج عن هذا الفضول، ولا يراها ولا يعرف بوجودها إلا حين "تقع الفاس في الراس".

تصالح مع ذاتك، واعلم أن بداخلك معدنًا نفيسًا، وقدرات هائلة، نقب عنها واكتشفها، ولا تبق مكانك، طور نفسك وافعل لها شيئًا؛ فالوقت يفوت، ولن يتبقى لديك الكثير.