​هل الفقر بوابة لقطع العلاقات الاجتماعية؟

غزة/ هدى الدلو:

في إطار الوضع الاقتصادي المعاش في قطاع غزة، والذي ألقى بظلاله على شتى مناحي الحياة، فكان تأثيره واضحًا على طبيعة العلاقات الاجتماعية المتأثرة بفعل سوء الظروف والأحوال، فقد كان الفقر بوابة للمشاكل بين العائلات، وسببًا في قطيعة أواصر الترابط فيما بينهم، مع أن الإسلام أكد أهمية أواصر الترابط بين الناس، وحمى العلاقات.. فمن منظور إسلامي، كيف يمكن ألا يكون الفقر سببًا للمشاكل وتفكك العلاقات الاجتماعية بين العائلات؟

العضو الاستشاري في رابطة علماء فلسطين الداعية أحمد زمارة قال: "إن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بأن نبقى أمة واحدة، حيث قال: "وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ"، ومن هذا الباب كان ديننا الحنيف دين الكمال والشمول، فقد جاء بما فيه خير وصلاح البشرية جمعاء، ولا أدل على ذلك من اهتمام الإسلام بالعلاقات التي تكِّون المجتمع الواحد المتماسك والدولة المتماسكة؛ بدءًا من الأسرة، وانتهاءً بالأمة كلها".

وأضاف أنه لذلك قد جاء الإسلام بالعلاقات التي تربط الأسرة ببعضها، وتربط المجتمع ببعضه؛ حيث أمر الإسلام ببر الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الجوار، وبذل الإحسان، والعطف على المحتاج، والمؤاخاة بين المسلمين، وغير ذلك مما فيه صلاح الدنيا والآخرة، وكما وصفهم سبحانه وتعالى بقوله: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ".

وأوضح زمارة أن الوحدة العقائدية تجمع قلوب الناس على مبدأ واحد، وتدفعها في اتجاه واحد, وتُذَوِّبُ جميع الفوارق الأخرى سواء كانت اقتصادية, أو قومية، أو وطنية, يقول تعالى: "وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون".

وأشار إلى أن الدين الإسلامي عنى بالأسرة عناية فائقة، وإذا أرادت الأسرة أن تعيش حياة كريمة وتحقق غايتها الأسمى، فمن واجبها أن تعيش في نور القرآن وهدى السنة النبوية الشريفة وعدل الإسلام، ذلك أن الالتزام بالأسس الشرعية للزواج وبأحكام الدين الحنيف يكفل للأسرة استقرارها وأمنها ونيلها العيش الكريم والسعادة.

فالأسرة المسلمة في عالمنا المعاصر تعرضت إلى تحديات ومشكلات غير مسبوقة، وقد وجدت نفسها في وضع يكاد يكون مربكًا، لافتًا إلى أن الإسلام قد حث على ضرورة قبول الزوجين ورضاهما عن بعضهما بعضًا لتدعيم الاستقرار الزواجي والبناء الأسري، فالزواج يحقق السكن والمودة والرحمة، مصداقًا لقوله تعالى: " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون ".

وبين زمارة أن الإسلام أوجب على الزوج النفقة لصالح أسرته بما يكفل لأفرادها الحياة الكريمة، ويؤمن احتياجاتهم الأساسية من طعام وشراب ومسكن وغيرها مما يقضي به الشرع، مصداقًا لقولـه سبحانه وتعالى: " وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ، لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ...".

ونبه إلى أن الفقر قد يؤدي إلى تشرد الأبناء، أو مزاولتهم التسول في ضوء الحاجة المــادية أو العمل في سـن مبكــرة في أمـاكن خطرة، كالبيع بين السيارات وعند الإشـارات الضــوئية، أو في المدن الصناعية التي قد تستغل حداثة سنهم فيقعون في فخ الانحراف الاجتماعي، هذا فضلاً عن حرمانهم من فرصة التعليم، وقد تجد الأم نفسها مضطرة إلى التسول أو إلى العمل خارج المنزل، ويبقى الأبناء عرضة للضياع دون مربٍ أو موجهٍ، وقد يؤدي عملها إلى نشوء الشقاق والنزاع مع الزوج.

ولما كانت العلاقات العائلية في الإسلام مبنية على المودة والتعاون، فعلى الزوجة أن تقدر أوضاع زوجها، وإذا كانت تريد الجنة فعليها أن تقتدي بأمهات المؤمنين وزوجات الصحابة، رضي الله عنهن، اللاتي كن يؤدين الأعمال المنزلية، ويراعين أوضاع أزواجهن.. فهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تقول: "تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه. قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق النوى، وأستقي الماء، وأخرز غَرْبَه وأعجن، ولم أكن أحسن الخبز فكانت تخبز لي جارات من الأنصار وكن نسوة صدق"، وفق حديثه.

وختم زمارة حديثه: "فالعلاقات العائلية تقوم على التكاتف والتعاضد والتراحم، وأن يحمل من عنده فضل ظهر من لا ظهر له، وأن يطعم من عنده فضل زاد من لا زاد له، وأن ندرك أن الفقر أرحم من الكفر، وأن الجوع أرحم من الجهل، فلو تبصرت الأمة هذه المعاني السامية لزادت قوة روابطها وعلاقاتها العائلية والاجتماعية مما ينتج عنه مجتمع قوي متماسك، لا يفت الفقر في عضده، ولا ينخر العوز في جسده".