​هكذا يمكن "إعادة الوطن لأصله: من (إسرائيل) إلى فلسطين"

صورة أرشيفية
غزة/ نبيل سنونو:

مقابل مساعي الاحتلال المستمرة لفرض الأمر الواقع في فلسطين المحتلة، يواصل الشعب الفلسطيني نضاله الطويل لاسترداد وطنه السليب، عبر سلسلة من الانتفاضات والثورات والوسائل التي تبرز منها حاليا مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار السلمية التي انطلقت في مارس/آذار 2018.

وتستعرض صحيفة "فلسطين" فيما يأتي بعض الحقائق والمقترحات القانونية التي يسردها "عراب حق العودة" د. سلمان أبو ستة في "أطلس فلسطين" لتطبيق حق العودة، وإعادة الوطن إلى أصله: من (إسرائيل) إلى فلسطين.

ويؤكد القانون الدولي شرعية حق العودة، كما هو حال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ومواثيق إقليمية مماثلة، والميثاق الدولي الداعي لإلغاء كافة أشكال التمييز العنصري.

وأكد المجتمع الدولي على قرار الأمم المتحدة رقم 194، الذي صدر بعد يوم واحد من إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين أكثر من 100 مرة، أي أكثر من أي قرار آخر صادر عن الأمم المتحدة طوال تاريخها، كما قدم الخبراء القانونيون والمشرعون تفسيرات قاطعة لتدحض الشكوك المطروحة من قبل القانونيين المؤيدين لـ(إسرائيل).

والجدير بالذكر أن قرار الأمم المتحدة الشهير رقم 194 الذي أكد عليه المجتمع الدولي نحو 135 مرة خلال السنوات الـ60 الماضية يضم ثلاثة عناصر أساسية: الأول يدعو لعودة اللاجئين، الثاني يؤمن لهم الإغاثة لحين العودة، الثالث وهو الأهم يوفر آلية لإعادتهم إلى موطنهم وإعادة تأهيلهم.

هذه الآلية هي لجنة التوفيق الدولية الخاصة بفلسطين التابعة للأمم المتحدة UNCCP.

والإطار القانوني لعودة اللاجئين متوفر ويمكن تطبيقه مثلما كان عليه الوضع في العديد من الحالات المشابهة مثل كوسوفو والبوسنة وأبخازيا والأورغواي وأوغندا وجنوب إفريقيا والعراق وأفغانستان.

وهناك العديد من الأمثلة على الإجراءات الدولية الفاعلة في كوسوفو والبوسنة وتيمور الشرقية، فلم يقتصر الأمر على اللجوء إلى القوة لتنفيذ القانون الدولي عند الضرورة بل اتخذت بالإضافة لذلك الإجراءات الكفيلة بإزالة أو تخفيف العقبات التي كانت تحول دون عودة اللاجئين.

في يوغوسلافيا السابقة مثلا أوصت لجنة إلغاء كافة أنواع التمييز العنصري بإجراء تغييرات في القوانين والنظم المحلية الخاصة بالتجنيس والحصول على المواطنة وتحديد وضع اللاجئ والفترة اللازمة لجعل تلك القوانين والنظم منسجمة مع القانون الدولي.

وعندما رفضت السلطات المحلية في كوسوفو إجراء الإصلاحات أو إلغاء قوانين التمييز ألغى المجتمع الدولي من جانب واحد القوانين التي تؤثر سلبا على حقوق اللاجئين.

وإذا افترضنا أن بعض القوى الغربية وهذا متوقع ستمنع تطبيق القانون الدولي في فلسطين يمكن القيام بالإجراءات التالية: يقوم مجلس الأمن من خلال جميع الوسائل الممكنة المتاحة له بالسعي لتطبيق القرار 194 الذي صدر في 11 ديسمبر 1948 ومن ثم أعيد تأكيده سنويا، ولقد كان من الواجب تطبيق القرار "في أقرب تاريخ ممكن" وقد تم تعليق تطبيق القرار بسبب تعنت (إسرائيل) من يوم صدوره.

وهذا القرار يمنح اللاجئين حق العودة إلى مواطنهم الأصلية، وليس إلى أي مكان آخر داخل فلسطين، هذا بالإضافة إلى حق الحصول على تعويض عن الأضرار والخسائر المادية والنفسية بما في ذلك خسارة مصدر الدخل طبقا للقانون الدولي والسوابق القانونية، أما فيما يخص جرائم الحرب فسوف تتعامل معها المحكمة الجنائية الدولية التي شكلت بموجب قانون روما في يوليو 1998.

ويمكن في حال فشل مجلس الأمن في التوصل إلى قرار بسبب الفيتو الأمريكي دعوة الجمعية العامة للانعقاد بموجب صيغة "الاتحاد من أجل السلام" التي تتمتع بنفس الأهمية وبعد إنجاز حق العودة يمكن تحديد إجراءات التعويض كخطوة منفصلة تالية.

والتعويض لا يمكن أن يكون بديلا عن العودة؛ إذ إن أرض الوطن ليست للبيع.

وينبغي دعم سلطات لجنة UNCCP لكي تتمكن من التعامل مع الوضع الحالي، فاللجنة يجب أن تكون قادرة على إنجاز حق العودة والتلويح بالعقوبات ويجب أن تنشئ هيئة خاصة للتعويضات وأن تضطلع بدور حماية العائدين جسديا وقانونيا طوال عملية إعادة التأهيل.

ويتوجب وبعد العودة، أن تضاف شروط الحماية التي توفرها المفوضية العليا للاجئين إلى سجلات لجنة UNCCP فقد استثنت المفوضية العليا الفلسطينيين من مجال حمايتها بموجب الفقرة ID وذلك بسبب الوضع الفريد للشعب الفلسطيني، وفي دراسة قانونية رصينة نجد أن تقويض المفوضية يضيف الحماية إلى اللاجئين في حالات خاصة.

وينبغي إدراج حقوق العائدين المدنية والسياسية في تفويض لجنة UNCCP لحماية حقوق العائدين ومنع تحويلهم إلى ضحايا لأية ممارسات تحمل طابع التمييز أو الفصل العنصري، ولدى عودة اللاجئين يجب أن يستعيدوا جنسيتهم، فحسب القانون الدولي الشعب والأرض لا يفترقان والسيادة على الأرض تعني استمرار أو استرجاع جنسية شعبها.

وهناك الكثير من العمل بانتظار وكالة الغوث "أونروا" فالوكالة تتمتع بوضع فريد نظرا لموظفيها الذين يبلغ عددهم 30.000 شخصا، ولخبرتها الواسعة في مجال تقديم الخدمات بصورة مستمرة إلى اللاجئين، خلال خمسة حروب وعدد لا يحصى من الغارات والهجمات.

ويجب أن تضطلع وكالة الغوث، بعد العودة، برعاية كل عمليات إعادة التأهيل وأن تحول نفسها إلى شكل من أشكال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أي ألا تقوم فقط بإنشاء البنى التحتية بل أن تخطط لمشاريعلبناء الاقتصاد، هذا وينبغي أن يستمر تفويضها لمدة عشر سنوات بدءا من اليوم الأول للعودة ومن ثم يستمر لعشر سنوات أخرى حسب إنجاز مهمتها.

وبعد مراجعة الجوانب القانونية والجغرافية والزراعية والديمغرافية والاقتصادية لعودة اللاجئين لا نجد أي مبرر قانوني أو عملي لإنكار حق العودة.

ومن الواضح أن العقبة الوحيدة المتبقية تتمثل في سياسات (إسرائيل) العنصرية التي تمارسها منذ 1948، والتهجير العرقي.

حقيقة تاريخية

ويعد واقع فلسطين مختلفا جدا عن غيره في تاريخ البلاد المستعمرة الأخرى فأحداث تدمير فلسطين تشمل كل حوادث التدمير والطمس والطرد مجتمعة في بلد واحد، وكانت واسعة النطاق عميقة الأثر، تشمل البشر والحجر والفكر، ولم تحصل نتيجة حوادث عارضة ولم تملها مقتضيات الحرب المؤقتة.

وكانت هذه الأحداث في فلسطين تمثل فصولا طويلة من عملية مستمرة مسلحة مخطط لها منذ نهاية القرن الـ19، وبدأت تظهر بشكل واضح على أرض فلسطين عام 1917 ثم انطلقت بكامل قوتها منذ 1948 ولغاية هذه اللحظة.

هذا الامتداد الزمني الطويل يعطي دليلا على القصد والتصميم والتخطيط، ولم يكن لتلك الأحداث أن تستمر طوال هذه المدة دون الاستغلال الفاعل للنفوذ الصهيوني السياسي والمالي الهائل الذي يغذيه دعم القوى الغربية الاستعمارية.

ولقد كان العنصر الأهم في عملية التدمير هذه هو اقتلاع الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض، من أرضه.

وتعد جريمة منع العودة جريمة مضاعفة تضاف إلى جريمة التهجير العرقي الأصلية.

لكن هل يمكن عكس مسار هذا التدمير الممنهج للمجتمع الفلسطيني؟ نعم، يمكن ذلك؛ بحسب أبو ستة.

أولا: يمكن عكس مسار عملية تدمير فلسطين وطمس التاريخ الفلسطيني وإلغاء الذاكرة، كما يمكن إعادة إحياء هذا التاريخ ذلك لأن فلسطين موثقة بالخرائط المفصلة أكثر من أي بلد آخر في الشرق الأوسط، وليست هناك مشكلة في إحياء هذا الجانب التوثيقي من تاريخ فلسطين.

ثانيا: إن إعادة بناء المدن والقرى والمعالم الفلسطينية المدمرة ممكن من الوجهة العملية. ومثال ذلك الحلول التي طبقت بنجاح في كوسوفو والبوسنة وقبرص وجنوب أفريقيا وفي أماكن أخرى كانت موضع الصراع.

ثالثا: توجد قاعدة معلومات كبيرة تسجل كل فلسطيني شرد من وطنه، هو وعائلته ونسله بعد النكبة ومن أي قرية كان وما هي أملاكه وأين هو وعائلته اليوم في أي من مخيمات المنفى، وطريقه إلى العودة إلى الديار من منفى الشتات لا يستغرق عبوره أكثر من ساعتين.

رابعا: يمكن استرجاع التواصل التاريخي لأسماء الأماكن بكليتها، ليس فقط بصورتها المسجلة على الورق بل بالطريقة التي تُنطق بها وتستعاد ذكراها بها.

ويمكن للفلسطينيين الذين صنعوا هذا التاريخ وعايشوه وتذكروا جميع أحداثه الرئيسة، هم وأولادهم وأحفادهم، أن يعودوا ليعمروا وطنهم مرة ثانية، قرية قرية، وموقعا تاريخيا إثر آخر.

والتواصل بين الفلسطيني ووطنه لم ينقطع في الوجدان، وألم الفراق سيتحول إلى سعادة العودة وسيحفز طاقة التعمير.

وإن جميع الكيانات الاستعمارية زائلة ولا بقاء للعنصرية والاستعمار والاستيطان على أرض محتلة طرد منها أهلها. هذه حقيقة تاريخية لا يمكن الجدال فيها. لكن المعول الحقيقي والأول في التغيير يقع على كاهل الشعب الفلسطيني، في استمرار صموده وتمسكه بحقوقه وفي تربية شبابه تربية وطنية فعالة قائمة على العلم والمعرفة، وفي وحدته السياسية وتمثيله الديمقراطي لكافة فئات الشعب الفلسطيني أينما كان؛ وفق "أطلس فلسطين".

الكفاح المسلح

ويتفق مع ذلك القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدران جابر، الذي يوضح أن الكفاح القانوني وغيره من الوسائل، يتكامل مع الشكل الأرقى للنضال الفلسطيني وهو الكفاح المسلح الذي كفلته القوانين الدولية لإنهاء الاحتلال وتحقيق العودة.

ويوضح جابر لصحيفة "فلسطين" أن الحركة الصهيونية بقواها وفصائلها استخدمت العنف ضد الوجود الفلسطيني في محاولة لإكراهه على الخضوع واستخدمت السجون وأعواد المشانق.

ويشير إلى أن الشعب الفلسطيني لجأ إلى الكفاح المسلح للدفاع عن نفسه، في ظل سعي الاحتلال وداعميه في المجتمع الدولي إلى تذويبه، لافتا إلى أن المجتمع الدولي خيب آمال الشعب الفلسطيني.

ويبين أن الشعب الفلسطيني وصل إلى قناعة بأنه لا يمكن أن يفك قيده إلا بيده، وقد شكل الكتائب والقوى والأحزاب في سبيل ذلك، وباتت بندقية المقاومة تمثل قيمة اجتماعية وسياسية وأخلاقية.

ويلفت إلى أن الفلسطينيين يستندون في نضالهم إلى عمق تاريخي من تجارب الشعوب الحرة التي نجحت في إنهاء الاستعمار.