هجوم مزدوج على القدس

علي قباجة
الأحد ٢١ ٠٧ / ٢٠١٩
علي قباجة
لم تكتفِ (إسرائيل) بسرقة الأراضي، وتهجير أهلها؛ بل سعت إلى تزوير التاريخ، ونسبته إلى نفسها، حتى الأطعمة والأزياء الفلكلورية لم تسلم من السرقة، في محاولة منها لتهويد فلسطين بأكملها، وتثبيت فكرتها التلمودية بأنها صاحبة الحق بالأرض الفلسطينية، وهو ما غرّد به نتنياهو بأن هذه الأرض هي لليهود، مشككاً بحقيقة وجود الفلسطينيين، مدعياً أنهم قدموا إليها وأنهم ليسوا سكانها الأصليين. وتغريدته تلك هي غيض من فيض حقد الاحتلال، الذي دأب على تهويد الأرض الفلسطينية، ظاناً أن بإمكانه من خلال سياساته العدوانية إجبار الفلسطينيين على هجر أرضهم، كما فعل في السابق؛ لكنه غفل عن أن كل فعل عدواني سيقابله صمود فلسطيني على امتداد الأراضي المحتلة؛ وهو ما أثبته المقدسيون حينما ردوا على سياسة التهويد الإسرائيلية بأن لجأ معظم من يعيش منهم على أطراف القدس إلى السكن داخلها؛ للمحافظة على التركيبة الديموغرافية، التي يسعى الاحتلال إلى تغييرها؛ من خلال اتباعه خططاً ممنهجة؛ تهدف إلى طمس المعالم العربية والإسلامية في المدينة المقدسة.

سياسات (إسرائيل) لتهويد القدس ليست وليدة الساعة؛ إذ إنها تطبق توصية اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون القدس لعام 1973 برئاسة جولدا مائير، التي تقضي بألا يتجاوز عدد السكان الفلسطينيين في القدس 22% من مجموع السكان، وهو ما تنفذه قوات الاحتلال من خلال سياسات عدة؛ أولها توسيع حدود القدس شرقاً بضم المزيد من المستوطنات؛ إذ ضمت مستوطنة «معاليه أدوميم» التي يقطنها 35 ألف مستوطن؛ سعياً منها إلى زيادة عدد المستوطنين على حساب الفلسطينيين الذين ما زالوا يشكلون 35% من سكان المدينة على الرغم من سياسات التهجير والتضييق وسحب الهويات؛ إذ سحب الاحتلال هويات 5000 فلسطيني. وثانيها: إصدار قانون «التنظيم والتخطيط» الذي نتجت عنه خطوات إدارية معقدة؛ تقضي بتحويل ما يزيد على 40% من مساحة القدس إلى أراضٍ خضراء يمنع الفلسطينيون من البناء عليها لتكون مستوطنات في المستقبل، كما حدث في جبل «أبو غنيم». وثالثها، السيطرة على التعليم. ورابعها، تغيير أسماء الأحياء العربية بدءاً من القدس التي أطلقت عليها مسمى «أورشليم»، ليس هذا فحسب؛ بل افتتحت ما يسمى «طريق الحجاج اليهود» الذي يمتد من بركة سلوان حتى حائط البراق أسفل منازل الفلسطينيين في بلدة سلوان جنوبي القدس.

الخطط الإسرائيلية التهويدية قابلها دعم أمريكي؛ من خلال نقل واشنطن لسفارتها من «تل أبيب» إلى القدس؛ بغية تأصيل الادعاء بأن هذه الأرض تختص ب(إسرائيل) دون غيرها، وهو ما شجع دولاً عدة أن تحذو حذوها بنقل سفاراتها؛ لكن التعاضد العربي الإسلامي أجبر الكثير من الدول على ألا تخطو الخطوة ذاتها، وجاءت القمة الإسلامية الطارئة التي عقدت في جدة؛ للجم كل من تسول له نفسه المساس بعروبة القدس، وتبنت جملة من المواقف التي تحافظ على كينونتها من التهويد، ولكن يتبقى على أعضائها استخدام أدواتهم الفاعلة، لردع الهجوم المزدوج على المدينة من «تل أبيب» وواشنطن، والوقوف في وجه التحدي الأمريكي من دون مواربة أو مجاملة.


الخليج الإماراتية