إقرأ المزيد


​قبل لحظات من عودتهم إلى ديارهم..

حجاجٌ فارقوا الحياة بثوبٍ أبيض منقى من "الدنس"

غزة - نسمة حمتو

ساعات تفصلنا عن وصول مهجة قلبي الغالية أمي "سعــاد" بعد أدائها فريضة الحج في المملكة العربية السعودية، الله لجمالك كم بَهتَ بعدها في عيني جمال الكثيرين، هذه آخر كلمات كتبها الصحفي محمد فروانة على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بانتظار رفيقة دربه في وحدته والدته التي سجلت للحج قبل 11 عامًا ولم تتمكن من السفر إلا هذا العام..

ما قبل الوداع

رغم اطمئنان محمد على حالة والدته الصحية من خلال الأطباء وعمل الفحوصات اللازمة من قلب وسكر وضغط إلا أن الأطباء طمأنوه على حالتها الصحية وأخبروه بأنها بحالة جيدة ويمكنها تأدية شعائر الحج دون أن يشكل ذلك أي خطر على حياتها.

يعود محمد بذاكرته إلى ما قبل سفر والدته ليقول: "جلست على سريرها أقبل يدها وأتصور معها، وكانت فرحتها كبيرة جدًا لا أحد يتصورها، كانت مطمئنة هادئة، كنت أستغرب جدًا من الهدوء الذي كانت تعيشه في هذه الأيام".

وتابع محمد الذي لم يستفِق بعد من صدمة فراق والدته: "كانت كل الأشياء تسير على ما يرام، في كل عام كانت تنتظر أن يكون اسمها من ضمن قرعة الحج، وعندما لا تسمع اسمها تبكي، وفي المرة الأخيرة كانت فرحتها تعادل الدنيا وما فيها".

لحظات الحب والوداع كأي أم تفارق ابنها الوحيد كانت تجمع محمد بوالدته التي لم تتوقف عن ترديد الدعوات له منذ غادرت معبر رفح إلى أن وصلت المملكة العربية السعودية.

انتظار العودة

لم يتوقف محمد عن الحديث مع والدته في كل صغيرة وكبيرة عبر الهاتف للاطمئنان على رحلة الحج وفي كل مرة تمطره بسيل من الدعوات وأن يرزقه الله الزوجة الصالحة التي يتمناها.

كانت اللحظات الأخيرة للحجة سعاد فروانة طيبة جيدًا فلم تتوقف منذ صعدت الباص للعودة إلى غزة عن ترديد التهاليل والاستغفار، فكانت محطة إعجاب الكثير من الحجاج.

ويكمل محمد حديثه عن والدته: "أعددت الزينة في منزلنا وكتبت اسمها على جدار المنزل بالخط العريض، حتى أحفادها جمعوا مبلغًا من المال لشراء الألعاب النارية لمفاجأتها، كنت أنتظر قدومها بفارغ الصبر ولكن الحمد لله ذهبت لخالقها بعد أن أدت مناسك الحج كما كانت تتمنى".

تفاجأ محمد بالأعداد الهائلة من المعزين الذين جاؤوا لمواساته في وفاة والدته، وهو يتلقى يوميًا العشرات من المكالمات من أشخاص لم يعرفهم لتعزيته والمباركة على الطريقة التي توفيت فيها والدته.

جنازة كبيرة

وقال محمد: "بفضل الله والدتي لم تكن تعاني سوى من الضغط والسكري فقط وبدرجة طبيعية وكانت منتظمة في علاجها وحالتها الصحية جيدة ولكن قدر الله لها أن تموت بهذه الطريقة الطيبة".

وجه أم محمد في ملابس الإحرام كان كالبدر تمامًا يشع نورًا فوق بياض الملابس التي كانت ترتديها وكل من يراها يرى الفرحة على وجهها البشوش، كانت سعيدة بالذهاب لمكة ورمي الجمرات والمشي في الحرم رغم تعبها وعدم مقدرتها على المشي مسافات طويلة.

من كرامات والدة محمد أنها عندما توفيت كانت ترفع أصبع السبابة من كثرة الاستغفار والتهليل والتكبير، كما أنها عندما ذهبت عند قبر الرسول صلت في يوم سبت كما صلى الرسول في نفس اليوم وقال لها الشيخ الموجود هناك إن هذه بشارة لها.

كانت جنازة والدة محمد كبيرة جدًا وسريعة غير آلاف الناس الذين توافدوا إلى منزل محمد والكثير منهم لا يعرفون والدته إنما سمعوا عن وفاتها وحضروا ليعزوه في منزله.

ما زال محمد يحتفظ بالهدايا التي اشترتها والدته من الحج، كل شيء في وضعه، في مكانه كما لو كانت موجودة، كل الهدايا مغلقة، وما يصبره أكثر على فراقها هي الطريقة التي توفيت بها وأنها ذهبت لاستقبال أكبر وأرقى في الجنة حيث يتمناها الكثيرون.

حلم تحقق

الحاجة فوزية معروف والتي كانت تحلم بزيارة بيت الله الحرام منذ ما يزيد على 8 سنوات، وفي العام الماضي كانت تشاهد الحجاج على جبل عرفة وتبكي بحرقة وتتساءل: "هل سأكون موجودة معهم العام المقبل؟".

قبل ثلاث سنوات أصيبت معروف بمرض السرطان وشعرت بإعياء كبير إلا أنها أصرت على السفر للحج كي تؤدي المناسك.

تقول ابنتها لمياء: "قبل سفر والدتي أخبرها الأطباء بأن حالتها الصحية صعبة وأن السفر قد يؤثر عليها ولكنها رفضت وأصرت على السفر، كانت تقول دائمًا أريد أن أموت وأدفن في بلد الرسول".

وتابعت حديثها: "في يوم سفر والدتي كانت صامتة لا تتحدث إلينا تنظر إلينا وكأنها تلقي نظرة الوداع علينا، كنت أتوسل إليها دائمًا وأقول لا تذهبي ربما يحدث لك مكروه هناك ولكنها رفضت".

ارتدت معروف ملابس الحج وشعرت بسعادة كبيرة وكان وجهها يشع نورًا رغم مرضها والفرحة لم تفارق قلبها.

وأكملت لمياء حديثها: "في مرة ذهبت للقاء مع مكتب السفر والحج وكانت سعيدة جدًا وهي تستمع إلى الإرشادات والطريقة التي يتم فيها الحج وطلبت مني أن أفتح لها فيديوهات كي تستعد لذلك".

كانت آخر كلمات الحاجة فوزية قبل سفرها توصية لبناتها بالمحافظة على الصلاة وأن يبررن بعضهن وألا ينسين بعضهن كأنها كانت تشعر بأنها ستغادرهن للمرة الأخيرة ولن تَراهنّ بعد ذلك.

مواضيع متعلقة: