إقرأ المزيد


​حبًا في "تراب بورين".."عشّاق الأرض" يعودون إليها بالزراعة

غزة / نابلس - فاطمة أبو حية

سبعة أصدقاء بزي الفلاح القديم وبالكوفية الفلسطينية، ينظفون الأرض من الحجارة والقش وما تراكم فيها بسبب إهمالها، يواصلون عملهم غير ملتفتين لمن يستنكر عليهم، ذلك كونهم موظفين ولا حاجة لهم بهذا العمل المتعب، يحرثون الأرض ثم يزرعونها، وسرعان ما يجنون الثمار ويبيعونها، فيثيرون إعجاب منتقديهم، ويشجعون العديد من شباب قريتهم على اتخاذ خطوة مماثلة.

العائد المادي ليس الهدف الذي تحرك لأجله هؤلاء الشباب في "بورين"، بل غايتهم الأولى كانت تعزيز فكرة الانتماء للأرض بطريقة عملية لا بشعارات رنانة، وقد فكّروا كثيرًا فيما يخدم قضيتهم، حتى توصلوا إلى تكوين فريق "عشاق الأرض".

"فلسطين" تعرّفت على الفريق ومشروعه عبر حوار هاتفي مع أحد أعضاء الفريق "محمد عمران".

صراعنا عليها

يقول عمران: "قريتنا مُحاطة بالمستوطنات، لذا فكرنا أنا وأصدقائي بعمل يحمل قيمة الانتماء للأرض، فصراعنا مع الاحتلال عليها، وبالتالي لا بد من الرجوع إليها، بشكل عملي، وبعد تفكير، قررنا أن تكون عودتنا إلى الأرض على طريقة أجدادنا".

ويضيف في حديثه لـ"فلسطين": "قبل ثلاثة أشهر، بدأنا بعمل فيه انتماء، وإنتاجية أيضًا، وهو زراعة مساحات من الأراضي بمنتجات مختلفة، وعملنا في البداية لساعات طويلة يوميًا تمتد حتى مغيب الشمس، حتى أننا كنا نضطر للإجازات من وظائفنا في بعض الأيام، نلم الأحجار والقش وننظف الأرض لنهيئها للزراعة".

ويوضح عمران أن تنفيذ الفكرة كان مدروسًا ومخططًا، ولم يكن عفويًا، ولم يكن من الصعب عليهم القيام بالمهام التي يقتضيها المشروع، ذلك لأن الفلاحة سمة في قريتهم، وكل منهم جرّبها في أرض عائلته.

كان العمل رائعًا بالنسبة للشباب السبعة الذين تتراوح أعمارهم بين 28 و40 عامًا، واستشعروا معنى الانتماء للأرض فعلًا، حتى أنهم اختاروا اسم "عشاق الأرض" لأنه يعبر عنهم تمامًا، ويتناسب مع مشاعرهم وعواطفهم، ومع حبّهم لتراب بورين، على حد قوله.

ويوضح: "تعرضنا لبعض الانتقادات في البداية، واستغرب البعض إقبالنا على عمل من هذا النوع، ومنهم من لم يؤمن بجدواه، وكثرت الانتقادات السلبية، لكننا لم نلتفت لها لأننا نعرف هدفنا ونسير نحوه، وخطوة بخطوة نجحنا، والآن بعض من انتقدونا سابقًا يثنون علينا، وعدد كبير من الشباب يفكرون بتكرار تجربتنا، نشجّعهم على ذلك، ونفخر بأننا كنا سببًا في عودتهم إلى الأرض".

ويبين أن شباب الفريق يتولون بأنفسهم عملية الزراعة بمختلف خطواتها، وقليلًا ما يستعينون بعمال آخرين، وأحيانًا يساعدهم بعض أفراد قريتهم حبًا منهم في ذلك.

لم نكن منتجين!

ويقول عمران: "كلنا موظفون، ولكن لم يرُق لنا عملنا في المؤسسات التي نعمل بها، فنحن ننفذ ما يمليه علينا مديرونا، وبذلك فنحن لم نكن منتجين، بينما هذا المشروع يجعلنا منتجين كما نريد أن نكون، نبيع محصولنا، ونخصص جزءًا منه للمحتاجين"، مضيفًا أنهم بدؤوا مؤخرًا بجني بعض الثمار، وقاموا بتسويقها وبيعها.

ويتابع: "البداية لم تكن سهلة، فالتمويل ذاتي، حيث نوزع كل الأعباء المالية علينا نحن السبعة، إضافة إلى أن العمل كان مرهقًا جسديًا، واستنزف منّا الكثير من الوقت، فكنا نتوجه إلى وظائفنا، ثم نعود منها إلى الأرض لنعمل فيها ساعات طويلة، وبالطبع نحن مُطالبون بالتزامات اجتماعية، ولاحقًا تعرضنا لاعتداءات المستوطنين"، مواصلًا: "هذه المصاعب، والانتقادات التي سمعناها، وضعناها جميعًا خلف ظهورنا ومضينا في طريقنا، ووصلنا إلى مرادنا الإصرار والعزيمة، فقد أردنا أن نثبت لأنفسنا، لا للآخرين، أننا قادرون على تحقيق أشياء كبيرة في وقت قليل".

وبحسب عمران، فإن قرب الأرض التي يزرعونها من المستوطنات جعلها معرضة للخطر، فقد أطلق المستوطنون على مزروعات القمح قطيعًا من الخنازير عاثوا فيها فسادًا، فأتلفوا معظم المحصول، وكانت الخسارة المادية حينها كبيرة.

يزرع الشباب السبعة العديد من الثمار، منها القمح، والشعير، والمرمية، والزعتر، والخيار، وهو مشروع صغير وبسيط جدًا، وفقًا لوصف "عمران"، الذي يؤكد أنه وإن كان صغيرًا إلا أن نتيجته مميزة، ومردوده جيد، وتطويره من أهم ما يسعى له الشباب، وقد بدؤوا بالتوسع وزرعوا أراضي أخرى.

ويؤكد: "القضية ليست مالية، بل انتماء، فالأساس هو أن نرجع لأرضنا ونستفيد منها، وبذلك نكون قد أعلنّا أننا صامدون، وأننا قادرون على الإنتاج، بل ويمكننا أن نوفر فرص عمل لغيرنا"، مطالبًا الجهات المسؤولة بالتخطيط لمشاريع من هذا النوع، لتعزيز التمسك بالأرض والدفاع عنها.

مواضيع متعلقة: