​هاجِر ولا تَهجُر

د. مؤمن عبد الواحد
الجمعة ١٣ ٠٩ / ٢٠١٩

يختلف كثيرون في الدعوة إلى السفر ومغادرة البلاد، ويختلفون أكثر في الهجرة من غزة إلى بلاد الفرنجة والعم سام، بين متصلب في رأيه بعدم جوازها ومشروعيتها يصل إلى حد التحريم والتجريم، ومن يدعو لها بقوة بحثًا عن بابٍ مشروع لفرصة حياة أو خروج من حالة كرب لا تخفى على أحد، وثالث تائه لا يدري فوجد أمامه أفكارًا مطروحة عنوانها: "اهرب فغزة لا تصلح للحياة ومقبرة لساكنيها".

والحقيقة بين هذا وذاك لنا وقفة ونظرة عميقة وبعيدة، بدايتها أن السفر الواعي أتفق معه تمامًا بل من الضروري لكل شاب مدرك طبيعة الظروف التي تعيش فيها غزة وشبابها أن يسافر بحثًا عن ذاته، لكن مسلحًا بعلم أو مهارة رزينة تفتح له آفاقا وأفقًا، وأرفض بشدة السفر العشوائي الذي ينتحر صاحبه على أبواب أثينا أو على فرع دمياط، لكن من جهة أخرى ومن المؤلم أن الداعين لعدم السفر أو الهجرة لا يمتلكون حلولًا، ولم يضعوا يومًا خطة وطنية أو إستراتيجية بدائل وسيناريوهات حل، لمتابعة ومعالجة الميل الشديد لدى الشباب للخروج بلا عودة، أو -على الأقل- تقديم مجموعة من الإرشادات لاختيار البلاد المنوي الخروج إليها، وتحصين الشاب من طوفان المواقف الصعبة التي سيواجهها، وحيتان البحر والبر المنتظرة فريستها في غربته، فشبابنا محدودو الخبرة لكن ذوو رغبة جامحة في واقع غامض، فالأصل أن نساعد من يبحث عن فرصة ويمتلك مقوماتها، ونهيئ له الأسباب ونفتح له الأبواب ونحصنه بلقاح التحمل وفراسة قراءة المخاطر والأزمات، وعدم الاكتفاء بالصراخ من فوق المنابر أو المنصات بعدم مشروعية السفر أو الهجرة بكلام أجوف غير مقنع، بل يزيد الراغبين رغبة في الخروج لشعورهم بعدم صدق الكلام، لأنهم يعيشون في برج عاجي، هلا نزلتم من أبراج أفكاركم العليا لتحاوروا شبابنا وتقنعوهم، هلا فكرتم بحلول وبدائل تؤجل هجرتهم، ولو قليلًا، خطابي لكل الساسة والنخب، هل زرعتم لحظة انتماء وصدق في وجدان طلابكم للوطن أم أشبعتموهم ندمًا وخوفًا على ما تبقى من رواتبكم؟

يا سادة، الأمر خطير، ويجب أن يخرج من دائرة المُناكفات السياسية والعناد في الرأي، فبلد يُهدّد ويُقتل من طريق شبابِه ورجالاته بحاجةٍ لوجود برامج توعية واعية ومتخصصة لإبراز مضار ومنافع السفر والهجرة، مع وضع ملامح خطة إستراتيجية ووطنية يساهم في إعدادها نخب وعناوين، بعيدًا عن الأجندات الحزبية والتوجهات المسبقة، على أن تكون أجندتهم علمية وطنية بامتياز، أما الوقوف صامتين أو نكتفي بإلقاء الأحكام وتوزيع الاتهامات فذلك عيب كبير ونقص ملحوظ في دورنا وواجبنا نحو شبابنا، فتقديم المشورة والنصح أقل واجب وطني يُقدم لهم.

وأخيرًا بصراحة أدعو للسفر الواعي والباحث عن فرصة تحقيق ذات، وأرفض الهجرة هربًا من واقع مر بلا وعي وإدراك، خوفًا وحرصًا على عمرك وشبابك ومستقبلك أولًا، ولصعوبة وغموض ما ينتظرك في بلاد الفرنجة من فروق ثقافية واختلاف عادات وغياب قيم ثانيًا، ولكن إن غُلقت في وجهك الأبواب فيا صديقي وحبيبي هاجر، ولكن لا تهجر.