​وصلت لـ 50%

غضب في أوساط موظفي السلطة العسكريين بعد خصومات جديدة على رواتبهم

غزة - يحيى اليعقوبي

"مفاجأة كارثية.. بل فاجعة" هكذا وصف موظفو السلطة في قطاع غزة الخصومات الجديدة على رواتبهم والتي وصلت إلى 50%، بعضهم لم يجد سوى الاتكاء على جدران البنك والبكاء على الملأ فلا داعي هنا للخجل فالهم طال الجميع.

يقول أحد الموظفين أثناء خروجه من بنك فلسطين وسط مدينة غزة، إنه اعتاد في الأشهر الأخيرة بعد سلسلة الخصومات الأولى على استلام راتب بقيمة 1000 شيكل إلا أنه في هذا الشهر خرج من البنك مديوناً.

وبينما بدت على تقاسيم وجهه علامات الغضب والحسرة، أضاف الموظف الذي رفض الإفصاح عن هويته، لصحيفة فلسطين، بعد أن أخرج ورقة من جيب قميصه وبدأ الإشارة إليها "لا نعرف ماذا يحدث.. الراتب يذهب للقروض والمحاكم".

وكانت الورقة عبارة عن كشف حساب تظهر خصومات بنكية وصلت إلى 100% من إجمالي القرض، فيما وصلت نسبة الخصم على راتبه 60%، وضمت الورقة كذلك أوامر خصم من محاكم.

وتابع الموظف الذي ناب مظهره الخارجي عن وضع اقتصادي صعب "لا يوجد حياة لا يجب أن يسألنا أحد عن الحياة، الأفضل أن لا يقوموا بصرف الراتب .. يكفي".

وتساءل بعد أن حصل على سلفة من البنك بقيمة 300 شيكل، "لمن ستذهب هذه؟!"، مشيراً بيديه لموظف أحضرته الشرطة للبنك لاستلام راتبه وعاد إلى الجيب "انظر هذا حال الموظفين الذين عليهم ذمم مالية".

أهداف سياسية

"باختصار هذه سياسة لتركيع الشعب وتمرير صفقة القرن" قالها أحد ثلاثة موظفين كانوا يتخافتون همومهم فيما بينهم.

ويقول الموظف (38 عاماً) إنه أحيل للتقاعد من قبل السلطة ولم يجد راتبا فاضطر للحصول على سلفة نقدية كغيره بقيمة 300 شيكل.

بينما يصف الآخر قمحي البشرة، سياسات الخصم التي يتبعها البنك بأنها "عملية حلب للموظفين (...) وهناك أوامر سجن تصلنا، والسلطة لا ترحمنا"، فيما نعت زميلهما الثالث الواقع الذي بات عليه موظفو السلطة بأنه أكثر سوءً من المستولين، فالأخير يجد لقمة عيش "ونحن لا نستطيع توفيرها"، متسائلا لماذا يتم احالتنا للتقاعد ونحن بسن الأربعين أين سنذهب؟!.

أما الرائد "محمد.ع" الذي حصل خلال الشهرين الماضيين على علاوة رتبة بقيمة 300 شيكل على الراتب الشهري، فيوضح أن الخصم جاء بأثر رجعي هذا الشهر، واصفًا إجراءات السلطة المالية بحق موظفيها بغزة "بالمفجعة".

في حين قال آخر وهو يرقب حال الموظفين أمام البنك "هذه مصيبة لمين ولا لمين بدك تعطي الـ 500 شيكل اللي نزلت"، وهذا الموظف متزوج ويعيش في بيت مستأجر ولديه التزامات لمتجر بيع المواد الغذائية ورياض الأطفال.

وأضاف: "أصبحنا موظفي بطالة وإجراءات بلا رحمة تقتص من قوت أولادنا والأفضل ألا يقوموا بتحويل رواتب لنا".

تلاعب بلقمة العيش

من جانبه، اعتبر رئيس نقابة موظفي السلطة بغزة عارف أبو جراد، الخصومات الجديدة "تلاعبا سياسياً بلقمة العيش، أضرت بجميع الموظفين العسكريين والمدنيين".

وفرض رئيس السلطة محمود عباس في أبريل/ نيسان الماضي إجراءات عقابية بحق قطاع غزة، قال إنها رد على تشكيل "حماس" لجنة لإدارة شؤون القطاع (حلتها في أيلول/ سبتمبر الماضي في إطار اتفاق المصالحة)، ومنها تخفيض رواتب موظفي السلطة الفلسطينية بنسبة تتراوح بين 30 إلى 50%، وإحالة بعضهم إلى التقاعد المبكر، وتخفيض إمدادات الكهرباء للقطاع.

وقدّر أبو جراد في حديث لصحيفة "فلسطين"، عدد الموظفين المدنيين الذين احيلوا للتقاعد بنحو 7 آلاف موظف مدني، معظمهم ما زال يمارس عملهم في التعليم والصحة.

وأشار إلى أن الخصومات الأخيرة تمت بصورة "غير محترمة" ولها انعكاسات خطيرة على حياة الموظفين الذين لم يستطع معظمهم تلبية احتياجات أسرهم الأساسية، في ظل اقتصاد مدمر.

أبعاد اقتصادية وسياسية

الخبير الاقتصادي سمير أبو مدللة، بين أن الإجراءات الجديدة، والتي بحسب التفسيرات فإنها جاءت بعد اعتماد السلطة لعلاوات موظفيها في رام الله دون غزة، مما يزيد ضيق الحال بالمواطنين في القطاع ، ويرفع نسبة الفقر بين المواطنين.

ولفت أبو مدللة لصحيفة "فلسطين"، إلى أن استمرار الخصومات على الرواتب تسببت بركود اقتصادي واضح، ورفعت عدد الشيكات المرتجعة لنحو 700 ألف شيك بالضفة وغزة بقيمة مليار دولار.

من ناحيته، يرى المحلل السياسي هاني حبيب أن الخصومات المالية الجديدة لها علاقة مباشرة بملف المصالحة، خاصة أن إنهاء الملفات المستعصية لها أبعاد خارج إطار الوضع الفلسطيني.

وذكر حبيب في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن للسلطة موقع أساسي في "صفقة القرن" باعتبارها الطرف الذي سيفرض عليه الصفقة، وهو طرف فاعل بالمعنى السلبي.

وبين أن الإجراءات العقابية السابقة والحالية بحق موظفي السلطة بغزة تأتي لوضع عقبات جديدة أمام اتمام ملف المصالحة، على الأقل بهدف فصل القطاع وأن يكون له خريطة سياسية يتم بلورتها حالية.