​في وضعية التخدير.. هذيانٌ قد يهدد أسرار المرضى

غزة - هدى الدلو

كانت عملية بسيطة وهي "استئصال اللوز" كشفت كل ما هو مستور، وما أخفته تلك السنين الطويلة لينكشف في لحظة واحدة، طيلة فترة زواجه لم تعرف زوجته تلك الأسرار التي أخفاها عنها، حتى هو.. لم يحسب حساب تلك اللحظة الحرجة.

بعد خروج باسل (45 عامًا) – وهو اسم مستعار- من غرفة العمليات، وبينما كان ذووه يلتفون حوله، فيما هو غائب عن الدنيا تحت تأثير التخدير؛ بدأ بالهذيان والتحدث بما يخفيه عن زوجته منذ سنوات طويلة، بأنه كان يحب فتاة قبل ارتباطه بزوجته الحالية وكان متعلقا بها، ولكن الظروف منعته من الارتباط بها، ويصرح بأنه لا يزال حتى اللحظة يكن لها مشاعر الحب.

بطبيعة الحال اختلطت مشاعر زوجته التي وقفت جوار رأسه بعدما نزلت تلك الكلمات على مسامعها كالصاعقة، وأصبح الجميع يرمقها بنظراته ليشاهدوا ردة فعلها التي حاولت كتمانها لحين استيقاظه من تأثير "البنج".

يقول باسل: "أخفيت عنها هذا الموضوع لأحافظ على طبيعة العلاقة التي بيننا، ولكن ما حدث بعد العملية أثر على طبيعة علاقتنا، فلم تنتهِ أسئلتها حول الموضوع، حتى وصلت حدة المناقشة بها لطلب الطلاق، لم أكن أعرف أن تداعيات التخدير ستخلق خلافاتٍ غير متوقعة".

عندما يخضع المريض لعمليةٍ كبرى أو صغرى فإنه يحتاج إلى مخدرٍ لتخفيف الآلام، فينتاب الكثيرَ من الأشخاص شعورٌ بالقلق والخوف من تلك الحلقة الفاصلة بين الموت والحياة، فيكون المريض بين حالة الوعي واللاوعي بسبب التخدير وما ينتج عنه من هلوسة وحالة من الهذيان، فما سبب هذه الحالة؟، وما التأثيرات الناتجة عن التخدير والبنج؟، هذا ما نتحدث عنه في السياق التالي:

موت مؤقت

بعدما اقترب منها أخصائي التخدير وبدأ يسألها عن اسمها وعمرها ودراستها الجامعية، أراد إلهاءها ببعض الأسئلة وهو يدخل إبرة التخدير في وريدها، وقبل أن تجيب عن آخر أسئلتها شعرت بثقل جفونها ولسانها ودخلت في نوم عميق دون الإجابة عن باقي الأسئلة.

وقالت غادة عمر (25 عامًا) التي خضعت قبل عام لاستئصال الزائدة: "لقد كانت بعض الأحيان تتملكني مخاوف من إجراء عملية جراحية، وأصبح في موقف محرج بعدما يجتمع الأهل والأقارب حول السرير، وأهذي بما في عقلي الباطني دون وعي ودراية".

وأضافت: "الساعات التي يكون فيها المريض تحت تأثير التخدير هي بمثابة موت مؤقت، ولكن ما كنت متخوفة منه، لم يحدث معي بعد إجراء العملية، فبعد إيقاظي من تأثير البنج كنت قد استعدت وعيي".

بدأت غادة تجيب عن أسئلة والدها: من تحب أكثر هو أم والدتها؟، لتبتسم وتجيب: "أنتما الاثنان"، لافتة إلى أنه في بعض الأحيان يسجل الأقارب هذه الحالة من الهلوسة وحالة اللاوعي بتصوير المريض بمقطع فيديو، خاصة حين يكون في حالة يرثى لها؛ وهذا أسوأ استغلال للحظة محرجة.

أما الشاب حمزة علي فقد كان الخوف يتملكه كليًا خاصة أن الأسرار التي يستودعها في العقل الباطني لها علاقة بأشخاص آخرين، والإفصاح عنها يمسهم بشكلٍ كبير ويؤدي إلى الكشف عن شخصياتهم.

فكان قبل دخوله العملية أوصى عائلته، أنه لا يريد أحدًا حوله بعد الخروج من غرفة العمليات، حيث جسده لا يزال تحت تأثير المخدر، وقال: "ووفق رواية والدتي التي لم تستطع أن تبتعد عني بعد خروجي من العملية قالت لي إني لم أهذِ بشيء بفعل البنج".

وضع محزن

أما حالة هالة عبد الله المأساوية بعد خروجها من العملية كان يرثى لها، فهي حتى هذه اللحظة لم تستوعب ما كانت تهذي به أمام والدتها خاصة أنها كانت تتعالج في مستشفيات الضفة الغربية ولم يكن حولها أهلها أو أقاربها ليهدِّئوا من روعها.

وقد أخبرتها والدتها بعد أن أفاقت من تأثير المخدر، أنه قد تسبب لها في ارتفاع درجات الحرارة، مما زاد من هلوستها في حق أقرب الناس إليها، فهي كانت وكأنه يُخيل لها إخوتها وأقارب لها يقفون خلف الستارة المحاطة بسريرها ويدخنون السجائر، وتصرخ عليهم بأعلى صوتها بأنها ستخبر والدها بما يفعلون دون عمله.

مضاعفاته..

وفي السياق ذاته، قال رئيس قسم التخدير في مستشفى الشفاء د. تيسير يونس: "تأتي أهمية المخدر ليفقد المريض الاحساس بجسده أثناء إجراء العملية الجراحية، ولكن له أعراض وآثار جانبية تختلف من مريض لآخر حسب نوع البنج المستخدم، وإذا ما كان المريض يعاني من أمراض مزمنة، وحسب نوع العملية".

وأوضح أن أدوية التخدير تؤثر على المواقع الحساسة في الدماغ، وحتى يتخلص المريض منها لا بد أن تمر على الكبد، مما يسبب للمريض حالة من الهذيان والهلوسة قد تستمر ساعة أو 10 ساعات وذلك وفق الدواء المستعمل، أما الجرعة الدوائية فلا تلعب دورًا كبيرًا.

وأشار د. يونس إلى أن من الآثار المزعجة أيضًا والتي لا تدوم طويلًا، إصابة المريض بحالة من الغثيان والتقيؤ، بالإضافة إلى آلام في العضلات، أو الشعور بالارتجاف وحالة من القشعريرة، والصداع، والارتفاع في درجة الحرارة أو انخفاضها.

ونوه إلى أنه ليس بالضرورة أن تحدث مع المريض كل المضاعفات والآثار، فقد تحدث واحدة أو بعضها.


تحرير صحفي: هديل عطا الله