إقرأ المزيد


في عاصمة الثقافة الإسلامية فلسطين القضية المركزية

في "قونيا" التركية موائد الرحمن تفتح أبوابها من كل جانب

قونيا / غزة - يحيى اليعقوبي

تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر، ففي الأسفار خمس فوائد، والهدف الذي سافر من أجله الشاب الغزي بهاء المصري كان إكمال دراسته بمدينة قونيا "التركية"، وهناك يعيش المصري الغربة بتفاصيلها المؤلمة، وتحدياتها الكبيرة، فهو في مدرسة لصنع الرجال، فالمغترب بطبيعته مضطر _مهما كانت ظروفه صعبة_ أن يظهر صورة جميلة عن وضعه حتى لا يقلق عليه أحد من العائلة أو الأصدقاء.

"ماذا أقول؟!، فالمقارنة بين الغربة والعيش في الوطن تبعث في النفس شعورًا مختلطًا بين الشوق والحنين والحزن والسعادة أحيانًا" يصف المصري حقيقة مشاعره في الغربة، ثم يتابع: "البداية كانت صعبة، لاختلاف اللغة والثقافة، ولكني مع الوقت بدأت التأقلم والانسجام مع الحياة والمجتمع هنا، والمشاركة في الأنشطة بجانب دراستي، مع الجاليات العربية هنا، أو مع الأتراك، أو مع المغتربين من مختلف الجنسيات".

وبهاء معين المصري من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة من مواليد عام 1994م، شارك بغزة في تنفيذ بعض المبادرات الشبابية، وعمل محفظًا في سن مبكرة، وواعظًا في وزارة الأوقاف، وإمامًا للتراويح في رمضان، يفصح عن تفاصيل غربته لصحيفة "فلسطين" قائلًا: "للغربة واقع صعب الوصف، فالغربة تعني أن تعيش وحدك في كثير من الأمور اليومية والحياتية، فلا أم تؤنسك في بيتك، وتوقظك لجامعتك بعد تحضيرها الإفطار، ولا أب يقف بجانبك".


الغربة مدرسة

ولا ينسى المصري لحظة وصوله إلى المطار التركي مع أصدقائه، فبعد تصديق الجواز والتذكرة وغير ذلك من الإجراءات بقي وقت قليل لدخول الطائرة والمغادرة، ترك هو وصديقاه صديقًا رابعًا قرب مكان ممر الطائرة الذي سيعبرون منه، وعادوا لتحويل العملة المصرية إلى الدولار، لأنها لم تعد تلزمهم، لم ينتبهوا إلى الوقت وتأخروا عن الطائرة قليلًا من الوقت، يقول: "حينما عدنا بسرعة وجدنا الجندي المصري في الممر غاضبًا، ودخلنا الطائرة وكلٌّ ينظر إلينا بعتاب على تأخر الإقلاع بسببنا".

كيف حالك؟، كان السؤال من مسنين أتراك في مدينة طرابزون التركية في مخيم دولي، وحين وجدوه يتحدث بالتركية سأله أحدهم: "من أين أنت؟"، أجابهم بأنه فلسطيني، يكمل التفاصيل: "مباشرة احتضني أحدهم وبدأ بالبكاء، وتحدث والدموع لا تغادر عينيه عن حزنه العميق لبقاء القدس تحت الاحتلال، وعن تقصيرهم في حقنا"، بدأ ذلك المسن طلب السماح، يتمم: "هدأت من روعه وتحدثت إليه قليلًا، والتقطت صورة تذكارية معه بعد أن ألبسته الكوفية لأتركه سعيدًا داعيًا لنا ولقضيتنا".

"الجسم في غربةٍ والرّوح في الوطن" يختصر بذلك حبه وتعلقه بمدينته، ويزيد قائلًا: "ما يصعب الأمور أكثر هو ضرورة المحافظة على شخصيتك، والتغلب على الشوق والحنين إلى الوطن؛ فأحيانًا يفقدك الشوق الكلام والشخصية، فترى أن روحك في وطنك وجسدك هنا".

"والحياة في الغربة عمومًا تحمل المغترب همًّا آخر، وهو تمثيل الوطن وشبابه بأفضل صورة، أهمها الجانب الأخلاقي الذي يحتاج إلى حرص وتوازن، لأن المغترب في الغربة لا يمثل نفسه وحسب بل يمثل كل فلسطيني" يضيف المصري.


رمضان في قونيا

كيف تقضي الجاليات العربية في مدينة قونيا رمضان؟، تفيد الإجابة أن المدينة تضم عددًا كبيرًا من النازحين من سوريا، إضافة إلى الجاليات الصغيرة من الدول الأخرى، وعدد كبير من طلاب تلك الدول، ويقول: "في هذا العام ارتفع عدد الفلسطينيين الموجودين في قونيا من طلاب وبعض عائلاتهم، وعاملين وعائلاتهم، إضافة إلى العائلات الفلسطينية النازحة من سوريا".

وبحلول شهر رمضان المبارك تزداد الروابط تماسكًا ومتانة بين تلك الجاليات والأتراك، وبين الجاليات فيما بينها، يستدرك المصري بالقول: "ترى عائلات سورية تدعو أتراكًا للإفطار في بيوتهم، وكذلك العكس، وترى موائد الرحمن في كل جانب من المدينة تفتح أبوابها للجميع، فبرامج موائد الرحمن في تركيا مشهورة جدًّا، ففي كل جانب موجودة".

وتسعى الجاليات العربية والمسلمة _حسب إفادة المصري_ من طريق ممثليها من نقابات واتحادات وجمعيات وتجمعات وغيرها، بالتعاون مع الجمعيات الخيرية والمنظمات الحكومية كالبلديات؛ إلى تنظيم موائد الإفطار، وزيارة العائلات المحتاجة، وتنفيذ برامج مختلفة في هذا الشهر الكريم. "تندمج الجاليات هنا بصورة أوسع في هذا المجتمع الرائع" يتحدث الشاب الغزي عن هذا الترابط الذي يجذبه، ثم يتابع: "يتشاركون في حلقات الذكر، وصلاة التراويح، وزيارة المرضى منهم في المستشفيات، وغير ذلك من البرامج المميزة".

أما المواقف الجميلة في رمضان فيراها المغترب الفلسطيني تتمثل في حرص الأتراك على دعوته ودعوة أصدقائه للإفطار في بيوتهم، ومحاولة إيصال حبهم الكبير إليهم بذلك، يقول: "أذكر أننا في بعض الأعوام هنا لم نفطر في شهر رمضان بالبيت سوى عدة أيام فقط، وهذا العام تلقينا دعوة من الأتراك للإفطار عندهم قبل أسبوع من حلول رمضان".

استعداداته في هذا العام تختلف، لأن أصدقاءه لديهم امتحانات حتى 18 رمضان تقريبًا، يواصل: "نحاول الاهتمام بالسحور جيدًا وتجهيزه على وفق برنامج معين حتى نستطيع مواصلة الدراسة في أثناء النهار، وتلبية دعوات الإفطار قدر الإمكان، إضافة إلى الخروج لأداء صلاة التراويح، ثم الذهاب إلى المقاهي الشعبية لشرب الشاي".

ومدينة قونيا التي يسكنها المصري هي الأكبر مساحة، وتصنف أنها من أكثر المدن تدينًا في تركيا، وهي عاصمة الثقافة الإسلامية لهذا العام، وكانت عاصمة الدولة السلجوقية التي كانت مهدًا للخلافة العثمانية المجيدة.

ويتميز أبناء المدينة باعتزازهم بتاريخهم، واهتمامهم بقضايا الأمة جمعاء عامة، وقضية فلسطين خاصة، فيعدونها القضية المركزية للأمة، ويحاولون دعمها بكل الأساليب المادية والمعنوية.

تحرير إلكتروني: فادي عبد الهادي