لإجباره على الاعتراف بالتهم الموجهة له

في "قطعة من جهنم".. مَرَّ الأسير "الحلبي" بـ"115 جلسة محاكمة"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

115 جلسة محاكمة، رقم لا يعرف حقيقته سوى الأسير محمد الحلبي (41 عاماً) المعتقل في سجون الاحتلال منذ ثلاث سنوات، فلم يحدث أن تعرض أي أسير فلسطيني لهذا العدد من جلسات المحاكمة، خاصة أنه في كل جلسة يمر الحلبي كغيره من الأسرى بعربة النقل "البوسطة" أو كما يصفها الأسرى "بقطعة من جهنم".

و"البوسطة"، عبارة عن رحلة في عربة أو حافلة تظهر من الخارج وكأنها عادية، لكنها من الداخل جحيم يخشاه الأسرى، بها نافذة لا يدخل منها شيء، يتعمد الاحتلال تشغيل التبريد بداخلها في فصل الشتاء بدرجة كبيرة، أحيانا يسمع الأسرى صوت أسنانهم المرتجفة قبل أجسادهم من شدة البرد، وتشغيل التكييف الحار صيفا فيغرق الأسير بعرقه قبل الوصول لجلسة المحاكمة، منهكا متعبا يتصبب عرقا، فيها ممنوع الشرب والأكل وقضاء الحاجة، بها كلاب وكاميرات مراقبة.

مسير طويل

في داخل البوسطة هناك ضوء برتقالي مخصص لتفتيش الأسير قبل الصعود إليها عارياً، في رحلة تمتد من 6 ساعات إلى ثلاثة أيام، يجلس خلالها الأسير على مقعد حديدي يهتز معه طوال الطريق، في المحطات خلال المسير ينزل الأسير في أماكن لا تصلح للعيش مخصصة للاعتقال المؤقت.

من الوصف السابق يمكن تخيل حجم المعاناة والمأساة التي عاشها الحلبي خلال تنقلاته بالبوسطة إلى جلسات المحاكم الإسرائيلية في 115 جلسة محاكمة كان آخرها أمس، وتأجلت لجلستين الشهرين القادمين ليصبح عددها 117 جلسة.

تقول زوجته علا الحلبي لصحيفة "فلسطين": "هذه الجلسات المكوكية هي وسيلة ضغط من الاحتلال على زوجي كي يرضى بأي صفقة ويعترف بتهم لم يفعلها، بعد أن أثبتت كل التقارير التي قدمتها مؤسسته براءته كونه يعمل في المجال الإنساني، خاصة أن الاحتلال لم يعثر على أي دليل حتى الآن يستطيع من خلاله تقديم تهمة لزوجي".

والحلبي، درس الهندسة المدنية من الجامعة الإسلامية بغزة وأكمل دراسته العليا "الماجستير" بنفس التخصص، يعمل مديرا لفرع مؤسسة الرؤيا العالمية في قطاع غزة.

في 15 يونيو/ حزيران 2016 خرج الحلبي بحكم عمله إلى الضفة الغربية المحتلة وهو بالعادة يتردد أسبوعيا بين الضفة وغزة، لكن في ذلك اليوم وهو عائد من عمله حجزه الاحتلال عند حاجز بيت حانون (إيريز) وبدأت رحلته مع الاعتقال وانقطع تواصله مع زوجته وأولاده سوى من بعض الزيارات التي يسمح الاحتلال لأولاده بها.

(52 يوما) أمضاها الحلبي في التحقيق، تعرض لضغط نفسي وتعذيب جسدي، لإجباره على الاعتراف، كما تقول زوجته، بـ12 تهمة من ضمنها تقديم مساعدات مالية لتنظيمات بغزة وهو ما نفاه الأسير.

تكمل: "تعرض زوجي لتعذيب قاسٍ فقد كان يظل لأيام عدة مقيدا على كرسي صغير خلال فترة التحقيق، وحرم من النوم وتعرض للضرب وفقد جزءًا من وزنه".

ولدى الحلبي أربعة أولاد وبنت هم: خليل (15 عاماً)، وعاصم (13 عاماً)، وعمر (10 أعوام) وريتال (6 أعوام)، وفارس (4 أعوام).

أطفال ينتظرون

فارس الذي اعتقل والده وهو لا يتجاوز العام، يبحث اليوم باستمرار عن والده في أنحاء البيت فلا يجد إلا صورة تلبي نداءه المتكرر الذي لا ينقطع: "أين أبي..؟"، لا يجد هذا الطفل سوى صورة والده ليحدثها كل يوم ببراءة وعفوية: "بدي أجيب المفتاح عشان أطلعك من السجن"، ويسأل كل يوم: "وين بابا ليش طول لهلقيت"، أسئلة مرعبة بالنسبة لأمه تخشى أن يكون هناك حكم قادم بسجن والده لسنين طويلة بعد أكثر من 115 جلسة محاكمة لم يسبق أن تعرض لها أي أسير فلسطيني، قد تحرم أطفاله من حنان فقدوه منذ ثلاثة أعوام.

يكبر أولاد الحلبي وتمر المناسبات عليهم؛ الأعياد والأفراح يحتاجون فيها لوالدهم لكنه مغيب خلف قضبان الاحتلال، يتجرع مرارة الأسر تماما كما يتجرعون هم مرارة الشوق والحنين إلى حضنه ووجوده بقربهم.

تبدي فخرها بزوجها: "كان متعاطفا مع المواطنين، مخلصا في عمله، افتقده الأطفال والعائلات المستورة كثيرا بغزة، فمجالات عمله مختصة في الأمور الإنسانية والأطفال والمزارعين والمرضى والصيادين".

وتكمل: "منذ أن اعتقله الاحتلال شكلت مؤسسته الدولية لجنة تحقيق لتكشف مدى صحة ادعاءات الاحتلال من عدمها، وأثبتت تلك التحقيقات أنه لا يوجد أي خطأ لدى محمد في عمله، وقدموا الدلائل للاحتلال تفند ادعاءاته وهذا ما يفسره التأجيل المستمر لجلسات المحاكمة لعدم إيجاد أي دليل يثبت التهم المزيفة المقدمة لزوجي".

لماذا يستمر الاعتقال؟ بهذا التساؤل لا تخفي حسرتها على غياب زوجها عن المنزل دون أي سبب قائلة: "مرت ثلاثة أعوام يغيب فيها زوجي عنا، لا نسمع صوته ولا صورته، حرمت من زيارته (..) كل هذا فقط بسبب دوره الإنساني في مساعدة أهل غزة بعد الحروب الإسرائيلية على القطاع خاصة أن مؤسسته كانت تقدم مساعدات للمشردين والمزارعين والصيادين والمرضى ومنشطي الأطفال وفرص تشغيل مؤقت".

"اعتقاله كان رسالة تخويف وترهيب من الاحتلال لمديري المؤسسات الدولية العاملين في غزة لتضييق الخناق على القطاع"، والكلام لزوجته.