إقرأ المزيد


​في ذكرى العدوان.. ارحمونا

د. أيمن أبو ناهية
أربعاء ١٢ ٠٧ / ٢٠١٧

الذكرى الثالثة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والذي كان الأطول والأعنف من حيث الدمار والخراب، بعد أن تحولت من حملة عسكرية خاطفة لعدة أيام حسب ما صرح به قادة الاحتلال، وأصبحت حربا مدمرة استغرقت واحداً وخمسين يوماً، لقد كان الهجوم الإسرائيلي واسعاً و شاملاً امتد من رفح جنوبا وحتى بيت حانون شمالا. وقد استمر قصف الطائرات الحربية والمدفعية والبوارج على القطاع الذي لا تتعدى مساحته 365 كم2 ( طول 45 كم، عرض 8 كم ) والذي تعرض إلى أقسى أنواع الدمار والموت والحصار على يد جيش الاحتلال بآلته العسكرية الفتاكة والتي تمتلك أحدث أسلحة الدمار والفتك في العالم .

بدأت (إسرائيل) في شن عدوانها على قطاع غزة مساء يوم الخميس الموافق 7/7/2014م والمحاصر منذ ثماني سنوات. شنت هجوماً واسع النطاق على القطاع حيث استخدم الجيش الإسرائيلي كافة أنواع الأسلحة الموجودة في ترسانته العسكرية من الطائرات الحربية إلى طائرات الهيلوكوبتر إلى الطائرات بدون طيار إلى المدفعية بعيدة المدى والدبابات وصواريخ أرض أرض والبوارج البحرية، حيث يعتبر هذا الهجوم وعلى هذا النطاق الأعنف والأوسع والأضخم والأشرس والأكثر دموية ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 م وهو استمرار لسلسلة طويلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها وما تزال قوات الاحتلال تقترفها بحق المدنيين وممتلكاتهم، حيث اتسمت هذه الحرب بالعدوانية على القطاع بوحشية غير مسبوقة .

فقد استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان الذي أطلق عليه اسم «الجرف الصامد» وحركة حماس «العصف المأكول» والجهاد الإسلامي «البنيان المرصوص» أنواعاً مختلفة من أحدث أنواع الأسلحة وأكثرها قدرة على التدمير والقتل ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وقامت القوات الجوية والبرية والبحرية التابعة لها بإطلاق آلاف الصواريخ والقذائف المختلفة والموجهة والتي يصل وزن الواحدة منها 1000 كيلو غرام وأكثر، طالت أحياء كثيرة سكنية وتجمعات مدنية، وأوقعت خسائر رهيبة في الأرواح والممتلكات ، وقد استُخدمت أنواعٌ من الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً ضد المدنيين دون مراعاة لمعايير القانون الدولي بمبدأ التناسب والتميز، بما في ذلك قتل وإبادة عائلات بأكملها، وكان من بين هذه الأسلحة التي قامت قوات العدو الإسرائيلي باستخدامها وبشكل متعمد وعن قصد في تعبير واضح عن سياسة ممنهجة في مناطق التجمعات السكانية الفلسطينية بما فيها قذائف الفسفور الأبيض والقذائف المسمارية وقذائف الدايم شديدة الانفجار .

هذا القطاع الذي يعيش فيه حوالي مليون وثمانمائة ألف نسمة على بقعة صغيرة هي الأكثر اكتظاظاً وازدحاماً في العالم هو سجن جماعي، حيث تعرض قطاع غزة إلى حصار ظالم وإغلاق المعابر و عزله عن محيطه الخارجي بالكامل أدى ذلك إلى شلل في كافة مناحي الحياة وبات قطاع غزة على شفا كارثة إنسانية وبيئية في ظل هذا الحصار .

وإذا جاز لنا إجراء جردة حساب في ذكرى هذا العدوان فإن الأوضاع في قطاع غزة لا تسر سوى المناهضين وفي مقدمتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي. فالمواطنون ما زالوا يعانون من نتائج هذا العدوان الذي خلف الدمار، فهناك أكثر من ألفى شهيد وآلاف الجرحى الذين أصبح جزء منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة لعدم توفر العلاج اللازم لهم بسبب الحصار الغاشم الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع منذ حوالي أحد عشر عاما. وهؤلاء بفعل هذا العدوان أصبحوا غير منتجين وانضموا إلى صفوف العاطلين عن العمل حيث بلغت نسبة البطالة أعلى نسبة في العالم، حوالي ٤٥٪ من القوى العاملة في قطاع غزة.

وكذلك أتت الخسائر على الجانب الاقتصادي فقد تم تدمير مصانع ومنشآت على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى تدهور آخر في اقتصاد القطاع إلى جانب التدهور الحاصل جراء الحصار. ولم يسلم القطاع الزراعي من الخسائر التي تقدر بملايين الشواقل، فاستمرار الحرب ٥١ يوما حال دون قيام المزارعين بالاهتمام بمزروعاتهم ما أدى إلى خسائر فادحة إلى جانب سقوط العديد من القذائف في هذه الأراضي دون أن تنفجر ما سبب عدم استغلال أصحابها لها لفترة زمنية غير قصيرة، إن لم يكن حتى الآن وهو ما أدى إلى زيادة نسبة الفقر في قطاع غزة.

وبقيت قضية إعادة إعمار القطاع قضية مستعصية تستوجب قرارا من مجلس الأمن، لأن جميع التقارير المحلية والدولية تتحدث عن أن وتيرة الإعمار تسير ببطء شديد لعدة أسباب من بينها عدم توفر المال اللازم للإعمار من جهة ورفض سلطات الاحتلال إدخال المواد الضرورية واللازمة للبناء خاصة الحديد تحت مزاعم وادعاءات استخدام هذه المواد في صناعة الصواريخ والأسلحة من قبل حركات المقاومة في غزة، بالإضافة إلى ذلك عدم وفاء المانحين بالتزاماتهم في إعادة إعمار القطاع، عدا القلة القليلة، أدى إلى ما هو عليه القطاع اليوم. حيث لا تزال آلاف الأسر تعيش في «كرفانات» لا تقيها حر الصيف ولا برودة الشتاء، في أوضاع معيشية صعبة للغاية. وأسوأ من هذا وذاك أن المستشفيات والمركز الصحية لا تزال تعاني من نقص الأدوية والمعدات الطبية بسبب الحصار الظالم والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي ما أدى إلى وقوع وفيات كثيرة جراء هذا النقص وعدم توفر الإمكانيات.

إن آثار العدوان لا تزال قائمة بصورة أو بأخرى وفي كافة مجالات الحياة، وما ذكرته في مقالي القليل القليل من الأضرار والخسائر، فالقائمة طويلة، لكني سأتناول جانبا آخر بما أن الحديث عن الحرب فإن التقارير التي تتحدث عن أن (إسرائيل) تعد لحرب جديدة رابعة على قطاع غزة مستغلة فرصة المناكفات العربية العربية وانشغالهم في بعضهم البعض، وأيضا الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، بهدف الحد من قدرات فصائل وقوى المقاومة بحجة أن هذه القوى عملت على تعزيز ترسانتها من الأسلحة رغم أن هذه الأسلحة هي بدائية لا تقارن ولا بأي نسبة أو حجم من قدرات (إسرائيل) العسكرية حيث تعتبر من أكبر الدول تسلحا في المنطقة، وكما يتحدث قادة الاحتلال فإن الهدف من الحرب العدوانية القادمة هو إعادة الاعتبار لقوة الردع الإسرائيلية التي تآكلت خلال العدوان الأخير على القطاع، لكن السؤال: هل تتحمل غزة عدوانا جديدا أو دمارا آخر؟.