في أرشيف لوموند: حريق المسجد الأقصى

مالك التريكي

في العودة إلى أحداث القرنين الماضيين وطريقة الإخبار عنها في الصحافة استرجاع لطزاجة الوقائع واستشعار لنبض التاريخ. فالفارق كبير بين أن تقرأ عن نهاية هتلر في كتاب وبين أن تطالع عناوين الصحف التي أعلنت «اختفاء هتلر» غداة انتحاره، أو بين أن تقرأ عن تاريخ الأمم المتحدة وبين أن تطالع الجرائد التي أعلنت يوم 27 تموز/يوليو 1945: «مؤتمر سان فرانسيسكو: اليوم توقيع ميثاق الأمم المتحدة». والفارق كبير بين القراءة الباردة عن نهاية الملكية في العراق وبين المطالعة المثيرة لعناوين الصحف العالمية التي أعلنت مقتل فيصل الثاني وتصفية عائلته في مجزرة قصر الرحاب. ولو رجعت إلى صحيفة بريطانية مثل الديلي ميل لطالعتك على الصفحة الأولى عناوين تقول: «أنباء (غير مؤكدة) عن مقتل فيصل وعبد الإله في الفراش»، و«نهب السفارة البريطانية في بغداد»، و«تعليمات إلى البريطانيين بمغادرة بيروت في ظل تفاقم الأزمة في العراق»، ولقرأت افتتاحية بعنوان «أزمة التشرذم» تنعى على الغرب خلافاته وانقساماته وتنذر بأن الإطاحة بالملكية في العراق هي انتصار جديد لخروتشوف وللمعسكر الشرقي. كما أنك ستجد مقالا عن خطيبة فيصل الأميرة فاضلة إبراهيم سلطان مزدانة بصورة لها عندما كانت طالبة في بريطانيا.

وعند عودتي إلى أرشيف الصحف البريطانية والفرنسية للاطلاع على تقاريرها الميدانية عن حرب 1967 وقفت على فظاعة جريمة الإعلام الرسمي العربي ضد الحقيقة. أما أرشيف لوموند، فيظهر أنها نشرت يوم 22 آب/أغسطس 1969 أخبارا وتقارير تراوحت عناوينها بين «السودان يقطع علاقاته الدبلوماسية مع رومانيا»، و«مرشح حزب المؤتمر ينهزم في انتخابات الرئاسة في الهند»، و«شركة أي بي ام تعلن إنتاج كومبيوتر ضخم سيبدأ تسويقه عام 1971»، و«الجامعة العربية تقدم إلى محققي الأمم المتحدة تقريرا عن انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة».

أما حريق المسجد الأقصى، يوم 21 آب/أغسطس، فقد كتبت لوموند أنه «أحدث توترا بالغا في الحي العربي من القدس، حيث أغلقت المحال التجارية واضطرت قوات الأمن الإسرائيلية إلى إطلاق عيارات نارية في الهواء لتفريق الشبان العرب الذين تجمعوا قرب مكان الحريق وحاولوا تنظيم مظاهرات مناهضة لـ(إسرائيل). وقد فرض حظر التجول في المنطقة المحيطة بالمسجد، وأغلقت جميع المحال التجارية العربية أبوابها بينما عقد الوجهاء العرب، برئاسة عمدة الخليل، اجتماعا طارئا داخل المسجد حيث استقبلهم مفتي القدس. ولمّا يعرف حجم الأضرار بعد، ولكن يبدو أن المحراب، الذي كان يصلي فيه صلاح الدين الأيوبي، قد دمر تماما. ودعي مجلس الوزراء الإسرائيلي إلى الاجتماع فور ورود نبأ الحريق (..) واحتل النبأ صدارة نشرات أنباء جميع الإذاعات العربية. واتهمت إذاعة القاهرة (إسرائيل) بأنها هي التي أوعزت بإحراق المسجد. ويجمع المراقبون على أن تدمير الأقصى سيحدث صدمة كبيرة في العالم الإسلامي بأسره، حيث سيعدّ إهانة مشينة».

كما نشرت الجريدة مقالا تعريفيا بالأقصى كان مما ورد فيه أن مسجدا خشبيا مؤقتا أقيم في الموقع بعد مجيء عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس عام 638 م، أما المسجد الحالي فقد بناه الوليد بن عبد الملك في القرن الثامن. وقد اتخذه أحد الملوك الصليبيين مقرا للسكنى. وأصيب بأضرار جراء الزلازل، ورمم مرات عديدة كان أحدثها قبيل الحرب العالمية الثانية. أما أعمدته الرخامية فهي هدية من موسوليني، بينما أهدى الملك فاروق النقائش التي تزين السقف.

وتضمن العدد ذاته من لوموند تقريرا يصلح لتذكير من نسي بأن الاستمرارية هي عنوان السياسات الإسرائيلية من 1967 إلى اليوم.

ويتعلق المقال باعتراض حزب العمال الموحد، «مابام»، على إقامة كيبوتسات دائمة في الضفة الغربية، على أساس أن ذلك سينشىء وقائع جغرافية وبشرية تعوق احتمالات التفاوض حول السلام. إلا أن موشي دايان عمد مجددا إلى فضح نفاق زملائه من الوزراء المنعوتين بـ«الحمائم»: ابا ايبان هو الذي أعلن ضرورة الاحتفاظ بشرم الشيخ؛ ولفي اشكول رسم الحدود الأمنية الشرقية عند نهر الأردن؛ أما المابام فهو يريد التمسك بالجولان.


القدس العربي