في "الشوط الأخير" غابت "نور" بين الفرامل

كتب/ يحيى اليعقوبي:

بين أزقة مخيم جباليا شمالي قطاع غزة؛ يجلس أحمد عبد الحليم أبو حسين (32 عامًا) مع أطفاله الثلاثة الصغار، بعد حادث أقعده عن العمل، فكانت هذه فرصة ليلهو مع أطفاله، ويمرح معهم، يغوص في عالم الطفولة، يركض أطفاله الثلاثة حوله، يلعبون تحت حماية ونظر والدهم.

على عتبات منزل أبو حسين، صوت عقارب الساعة يدق عند العاشرة صباحًا في التاسع عشر من آب (أغسطس) 2018م، كانت تلك الجلسة بين الأب وطفلته وداد (8 أعوام) وابنه معاذ (4 أعوام)، وبعد لحظات أطلت نور (6 أعوام) من باب البيت، بشعرها المنسدل على كتفيها كخيوط الشمس، تعكس عيناها الخضراوان جمال السماء، أما وجهها فله من اسمها نصيب، فتحت ذراعيها محتضنة والدها "حبيبي".

يتصفح أبو حسين الأحداث التي جرت في هذا اليوم، استغرب حجم ما شهدته القضية الفلسطينية فيه، يتهامس مع نفسه مبتسمًا: "هذا التاريخ جميل (...) أحداث ليست طبيعية مرت على القضية"، لا يعلم أن عاصفة شديدة ستغير على قلبه.

بقربهم يلهو أطفال الجيران بدراجة هوائية صغيرة، تلح نور على والدها بالسماح لها بأخذ "شوط واحد"، من شرفة المنزل تسرق الأم نظرات خاطفة للاطمئنان على سلامة أطفالها؛ فهم بالعادة لا يخرجون إلى الشارع، تخشى عليهم "حتى من الهوا الطاير"، ومع ذلك ظلت نبضات قلبها تضطرب، لا تعرف ما السبب.

ألحت الطفلة الشقراء مرة أخرى على والدها للسماح لها بركوب الدراجة الهوائية، قابل طلبها بالرفض، وألحت ثانيًا وثالثًا، وفي كل مرة يرفض طلبها، وأمام إلحاح الطفلة وافق والدها أخيرًا على طلبها بشرط "أن يكون الشوط الأخير"، وقد ارتسمت ابتسامة غطت من شدتها ملامح وجه نور.

ركبت نور الدراجة الهوائية، قبلها والدها، وكأنها قبلة وداع، وكأنها اللحظة الأخيرة، ابتعدت نور بالدراجة، وابتعدت أكثر في هذا الشارع الضيق الذي لا تدخله السيارات، لكنها سلكت ممرًا ضيقًا أخرجها إلى شارع أكبر، في هذه اللحظة كانت عجلات شاحنة تعبئة المياه المحلاة تدور للخلف، وداست معها على دراجة نور وجسدها، وغابت نور بين الفرامل.

صراخ، وبكاء، وأصوات تنادي لطلب الإسعاف، تصدر من المكان، وناس وجيران يتجمعون، ونساء ينظرن من شرفات المنازل، تفقد أبو حسين أطفاله، بدأت نبضات قلبه تضطرب: "وين نور؟!"، لم يجبه أحد، لم ير الدراجة الهوائية، نهض مسرعًا بخطوات متثاقلة بقدمه التي يلفها الجبس، وبعكازه، حتى وصل المكان، فوجد نور، هذا الملاك، الوجه الآخر للقمر، تغطيها الدماء.

"لو كنت أعلم أن هذا ما سيحصل لما وافقت على طلبك، لم تخبريني أنك ستنامين مع القمر، وأنك ستغادرين وحيدة، من سيشرق على قلبي من بعدك؟!؛ كيف تغادرين يا نور حياتي دون إذن؟! (...) كيف تخطفين نبضات قلبي دون استئذان؟!" أتخيل هذا المشهد للعتاب بين الأب وروح طفلته، حينما حبس دموعه وترك البكاء لقلبه، فما أوجع بكاء القلب!

حمل الناس نور وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة إلى المشفى، كان السائق الذي دعسها يستند إلى الحائط يواسي نفسه بالبكاء، لم ينفعل والدها، ولم يصرخ في وجهه، بل ذهب وصلى ركعتين لله واسترجع الله في مصابه الجلل، رغم قساوة المشهد على قلبه، ثم ذهب ووضع يده على كتف السائق وهمس بقلبه الصابر: "لعله خير، هذا قدر ربنا، وما بنقدر نغير القدر، أنت ما إلك ذنب"، وعانقه.

حضرت شرطة المرور، واتخذت الإجراءات القانونية بتوقيف السائق وحبسه.

يعيش والد نور المشهد مرة أخرى وهو يروي لصحيفة "فلسطين": "أخبرت الشرطة أن جنازة طفلتي لن تخرج من البيت قبل الإفراج عن السائق، فكانت حالته النفسية صعبة، وهذا ما حدث".

بعد انتهاء مراسم العزاء حضرت لجان الإصلاح، ووقع والد نور العفو عن السائق والتنازل عن الحقوق كافة، يضيف: "العفو عند المقدرة، فهذا قدر الله، ليس بيدي ولا بيد السائق، لن نغير أو نبدل فيه"، لكن رفض أبو حسين توقيع طلب العفو قبل أن تعيد محطة التحلية السائق ومساعده للعمل بعد أن فصلتهما في إثر الحادث، ولبي طلبه، عفا عن السائق، وليت الحزن يعفيه من الزيارة كل صباح ومساء؛ فالصبر على الفراق لا ينسي روحًا غادرت البيت ولم تعد تحييه بابتسامتها التي رحلت معها.