بعد أربع سنوات على ارتقائه

في 30 يوليو.. اجتمعت ذكرى استشهاد "عاصم" مع احتفال تخرج زوجته "آلاء"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

لم تدرك آلاء أبو لبدة زوجة الشهيد عاصم بركة، أنها ستكون على موعد يجمع ذكرى استشهاد زوجها خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في 30 يوليو 2014، مع احتفالها بتخرجها من الجامعة الإسلامية في 30 يوليو 2018.

في مشهد مؤثر، التقطت أبو لبدة صورة من احتفال التخرج يظهر فيها ابنها البكر أحمد (خمسة أعوام) يرتدي بدلة زرقاء ويحمل ملصقا مكتوب فيه "ماما آلاء خريجة" مدون فيه توقيت التخريج (30 يوليو)، وإلى جانب والدته يقف شقيقه الآخر عاصم (4 أعوام) ويحمل ملصقاً مكتوب فيه "بابا عاصم شهيد" مدوناً عليه تاريخ استشهاد والده (30 يوليو).

ليس غريبا أن تتكرر هذه المشاهد في قطاع غزة، فكثيرا ما التقت جروح قديمة بأخرى جديدة، وتزامنت ذكرى الأحزان بالأفراح، هذا التناقض بين الألم الذي سببه الاحتلال والأمل الذي زرعه أهل غزة في قلوبهم هي رسالة إصرار حملتها أبو لبدة في مواصلة مشوارها وكتبت حكاية مع النجاح عنوانها "عاصم".

"معقول أوصل توجيهي مثل أولئك الفتيات؟" تسأل أبو لبدة زوجها في بداية زواجهما وكانت في الصف العاشر عام 2011 حينما كانت تشاهد هي وزوجها احتفالات تخرج طلبة الجامعات وتتمنى أن تصبح مثلهم، ابتسم وبدا واثقا "أكيد ستصلين وسأكون معك"، فاجتازت العاشر والحادي عشر وأنهت الثانوية العامة عام 2014 وأعلنت النتائج وقتها إبان الحرب وحصلت على معدل 92% بالفرع "الشرعي".

شمعة غير مضيئة

ما زالت أبو لبدة تعود في حديثها مع صحيفة "فلسطين" لذلك المشهد الذي لا يغادر مخيلتها وتقول: "بالرغم من الحرب وقسوتها إلا أن عاصم كان سعيدا جدا بتفوقي الدراسي بالتوجيهي، لكنه وبعد أيام قليلة استشهد وبقيت أنا وأحمد والجنين الذي كنت أحمله في الشهر الأخير وشهادة التوجيهي".

كانت هذه الشهادة "شمعة غير مضيئة" هكذا تعتبرها أبو لبدة، وكانت من أصعب لحظات حياتها أن تدرس في الجامعة في تلك الظروف، لكن مع مساندة الأهل قررت استكمال الجامعة ودراسة "التعليم الأساسي".

"عاصم" يولد من جديد

استطاعت تخطي الظروف والتحديات رغم معدلها المتدني بالنسبة لها بالفصل الدراسي الجامعي الأول، وكانت أبو لبدة مع موعد بين الفرح والحزن كذلك حينما استقبلت الوافد الجديد في هذه العائلة وأبصر جنينها الحياة فاسمته "عاصم" على اسم والده الشهيد، ليولد الاسم من جديد ولكن دون الأب الذي رحل شهيدا.

"وين بابا؟" هذا السؤال الأصعب الذي يطرح على أبو لبدة الأم على الإطلاق، فالإجابة عليه بحاجة إلى النزول إلى مستوى تفكير الأطفال كون ابنها أحمد كان يبلغ إبان الحرب عاما واحدا فقط، فيما عاصم أنجبته بعد استشهاد والده، لذا فإن تعريف طفلين أن والدهما رحل كانت مهمة ليست سهلة أمام هذه الأم الصابرة.

وعن ذلك لا تخفي أنها أقرتلهما أن والدهما قد رحل إلى الجنة، وعندما يطلبون رؤيته تصطحبهم إلى المقبرة، "وهنا أحافظ على تماسكي أمام أبنائي كي أكون قدوة لهم" تقول أبو لبدة.

خلال أربع سنوات مرت على أبو لبدة مناسبات ومواقف وظروف، كانت تحتاج فيها إلى زوجها وسندها الشهيد، تتذكر كلماته الداعمة لها لإكمال دراستها.

لا تخفي أبو لبدة أنها صدمت عندما علمت أن حفل التخرج سيقام في 30 يوليو، وتقول: "لو كنت أدرك أن الجرح سيتجدد بهذا الشكل لكنت انسحبت من احتفال التخرج، فالأحزان كانت حاضرة".

ومن واقع الحزن ومن بين الجرح تفيض كلماتها مهدية تفوقها إلى روح زوجها الشهيد قائلة: "اليوم خرجت من رحم الحرب واستطعت استكمال المشوار مع فقدان أعز عزيز، الشخص الذي كنت أتمنى أن يشاركني تخرجي، أقول لعاصم إنني أكملت التوجيهي وما بعد التوجيهي".

"فخورة كوني زوجة شهيد وفخورة كوني أم أيتام" بهذا تختم أبو لبدة حديثها، بعد أن تفوقت في الجامعة وحصلت على معدل 85% من الجامعة الإسلامية تخصص تعليم أساسي، وتكون بذلك نموذجا للأم الفلسطينية الصابرة المتحدية التي قهرت الظروف، وتقلدت دور الأب والأم معا ليس بإرادتها وإنما ظروف الحرب هي من فرضت عليها ذلك.



(ر.ش)